محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    سباق انتخابي محتدم في اتحاد الألعاب المائية بالسودان... الكشف المبدئي يُشعل المنافسة والحسم في 11 أبريل    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    البرهان يلتقي سفير دولة الكويت لدى السودان    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    بالصور.. القيادي السابق بالدعم السريع "بقال" يسخر: (زول عرد من الخرطوم وامدرمان وجغمته مسيرة في نيالا يقول ليك استشهد في الصفوف الأمامية)    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    "جهلة وعنصريون".. يامال ينفجر غضبًا بعد الهتافات الإسبانية ضد المسلمين    أمجد فريد: اعترافات داعمي مليشيا الدعم السريع فضحتهم وشراكتهم في الجرائم    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    كيكل يعلّق على تحرّكات الميليشيا    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    شاهد.. المطربة إيمان الشريف تنشر صورة حزينة لها بعد إتهامها بالإساءة للهرم كمال ترباس والفنانة الكبيرة حنان بلوبلو    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ستيناتُ وسبعينات القرن الماضي (3/4)
نشر في حريات يوم 20 - 11 - 2017


في حالة الازدهار خارج السياق
الستيناتُ على مستوى الكوكب :
لم يكن عقدا الستيناتِ والسبعيناتِ عقدينِ زاهرينِ في السودانِ وحده، وإنما كانا كذلك على مستوى الكوكبِ كله. فالذي أصاب منهما السودان من حراكٍ ثقافيٍّ، لم يكن سوى جزءٍ يسيرٍ من حالةٍ كوكبيةٍ عامة. ولقد زخرت الأدبياتُ الغربيةُ المكتوبةُ، باعتبارِ عقدِ الستيناتِ من القرنِ العشرين، عقدًا استثنائيًا، من حيثُ الحيوية. لقد كان، من جهةٍ، عقدَ لمعانِ الشيوعية، ولمعانِ اليسار. كما كان، من الجهة الأخرى، عهدَ جني ثمار حالة الاستقرار والازدهار الاقتصادي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية في أوروبا. كما كان أيضًا، عقدَ صعودِ نجم الوجوديةِ واليسارِ الجديد، وعهد الثورات التي انطلقت من داخلِ بنيةِ الكيانِ الرأسمالي، في فرنسا وأمريكا، وسائر أنحاء أوروبا. كانت حقبة الستينات في أمريكا، بالذات، هي حقبة التمرد على المؤسسات بجميع أشكالها، وحقبة ثورة الحقوق المدنية، وثورة النساء، والثورة الجنسية، وثورة الهيبيز، وتفشي استخدام المخدرات، وانفجار موسيقى البوب [10]. كما كان عقد الستينات عقد الاغتيالات السياسية في أمريكا، بلا منازع. فقد اغتيل فيه الرئيس الأكثر شعبية في التاريخ الأمريكي، جون كنيدي، كما اغتيل فيه أخوه روبرت كنيدي، وزعيم حركة الحقوق المدنية، القس الأمريكي الإفريقي، مارتن لوثر كينج، كما اُغتيل أيضا الزعيم الأمريكي الإفريقي، مالكوم إكس.
حراك التحرر الذي ساد الكوكب في حقبة الستينات من القرن العشرين، كان حراكا ملتبسًا، اختلطت فيه نزعة الحرية بالانفلات والخروج على كل قيد. فقد انغمست حركة الهيبيز وكثير من الشباب، في أمريكا، في استخدام المارجوانا، وعقار إل إس دي. وشاع حينها أن استخدام هذا النوع من المخدرات يفجر الطاقة الإبداعية لدى الفرد [11]. كان لهذه الحالة من نزعة التحرر انعكاسات على المستوى الكوكبي. فعلى الرغم من أن كثيرًا من أقطار العالم الثالث كانت أكثر ميلا للكتلة الشرقية وللتوجه الاشتراكي، إلا أن تأثيرات الثقافة الأمريكية على مستوى الموسيقى والسينما والأدب كانت لها انعكاساتها في مختلف أرجاء العالم، بما في ذلك السودان. وسوف أتناول تلك التأثيرات، بتوسع يسير، لاحقًا.
أرّخ عقدُ الستيناتِ من القرن العشرين، لوصولِ الحرب الباردة أوَجَها. فبهزيمة النازية والفاشية ووصولِ الزحفِ العسكريِّ السوفيتي، المضاد للنازية، إلى برلين، وتقسيم ألمانيا، وتشكُّلِ الكتلةِ الشرقية، التي ضمت كلَّ دولِ شرقِ أوروبا، أضحت الكتلةُ الشيوعيةُ قوةً كبرى، تعادلُ في ضخامتِها وقوتِها الكتلةَ الغربية. وهكذا أصبحت الكتلةُ الشرقيةُ متعلَّقَ آمالِ كثيرٍ من النخبِ في البلدانِ حديثةِ الاستقلال، التي أورثتْها الحقبةُ الاستعماريةُ نفورًا طبيعيًا من الغرب الذي استعمرها. في تلك اللحظة بدا للكثيرينَ أن الشيوعيةَ هي الحصانُ الرابحُ في سباقِ الكتلتين، وفي رسمِ صورةِ مستقبلِ العالم، خاصةً بعد نجاح السوفييت في تفجير القنبلةِ النوويةِ، والهيدروجينيةِ، في عقدِ الخمسينات. وهو انجازٌ ما لبثوا ان أردفوه بسبقِهم الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ في غزوِ الفضاءِ الخارجي، ما حدا بأمريكا إلى إطلاقِ مشروع سبتنيك Sputnik، وتغييرِ مناهجِ التعليم، ودعمِ البحثِ العلميِّ من أجل ردم هوة التفوق السوفييتي. لحظتها، بدا السوفييت متقدمين علميًا بصورةٍ أرعبتِ الأمريكيين، خاصةً أن السلاح السوفيتي، الذي شد أزر الصلابة القتالية الفيتنامية، كان عاملاً حاسمًا في دحرِ التدخلِ الأمريكيِّ في فيتنام، واخارجهم منها بهزيمةٍ مدوية. فالإبداعُ السودانيُّ الذي أثمر ثمارًا يانعةً في السودان، بُعيْدَ منتصفِ القرنِ العشرين، كان، بالإضافة إلى حالة الاستقرار التي أحدثها البريطانيون، صدىً لتلك التفاعلاتِ الكوكبية المفعمة بالحيوية.
ثلاثةُ عقود من الاستقرار:
لقد كانت حالةَ الحيويةِ الثقافيةِ التي بلغت ذِروَتَها في السودانِ، في عقديْ الستيناتِ والسبعيناتِ في السودان، نتاجًا مباشرًا لحالةِ الاستقرارِ التي انجزها البريطانيون في العقودٍ الثلاثة الأخيرةِ من حكمِهم، عقبَ اخمادِهم ثورةَ اللواءِ الأبيض، وطردهم المصريين، والانفرادِ بحكمِ السودان. ففي الفترة التي امتدت من منتصفِ العشريناتِ وحتى منتصفَ الخمسيناتِ، جرت نقلاتٌ اجتماعيةٌ كبيرة. في بدايةِ تلك الفترةِ اكتمل مشروعُ الجزيرة للقطن، وترسختِ البنيةُ الإداريةُ العصرية، وازدادت أعدادُ الخريجين، واتسعتِ الطبقةُ الوسطى، وتكثّف الحاجزُ الذي فصلَ بين أذهانِ السودانيين، وبين الذكرياتِ الأليمةِ للسنواتِ الأخيرةِ من الحقبةِ المهدوية، التي اتسمت بالعسفِ والفوضى، كما تسمت بالكبت، وفرض السلوك الطهراني بقوة القانون. أيضًا، اتصل في النصف الأول من القرن العشرين، فكرُ النُّخبِ المتعلمةِ بالفضاءِ الفكريِّ الكوكبي. فانعكس كلُّ ذلك تغيّرًا في البنى الاجتماعية، وفي أساليبِ العيشِ، ما أدخل مجملَ الفنونِ السودانيةِ نطاقَ الحداثة. يضاف إلى ذلك، أن الخطاب الديني المعادي للفنون وللتعبير الحر، قد جرى تحييده بواسطة السلطات الاستعمارية.
من ثمارِ فترةِ الاستقرارِ التي بدأت من منتصفِ العشرينات، بروزُ معاوية محمد نور في النقد الأدبي، وتفجر شاعرية التجاني يوسف بشير، بشعرٍ سودانيِّ طازجٍ، مثَّل قفزةً بائنةً عما كان سائدًا. كما نشأتْ "مدرسةُ الفجر" الأدبية، ونشط حراكُ النشرِ والقراءة. وتسارع تطورُ فنِ الغناء. وما لبثَ نتيجةً للاحتكاكِ بالروافدِ الأجنبية، أن أصبح الغناءُ يُؤدى بمصاحبةِ الآلاتِ الموسيقية. فظهر رُّوادُ التجديد الغنائي: إبراهيم الكاشف، وحسن عطية، وأحمد المصطفى، والتاج مصطفى، ورمضان حسن، وعبد العزيز داؤود، وعبيد الطيب، وغيرهم. وشهدت تلك النقلة ظهور المغنيات الرائدات أمثال، مهلة العبادية وفاطمة الحاج، وعائشة الفلاتية، ومنى الخير. وسرعان ما ولّدت تلك الموجةُ الجديدةُ رافدًا آخر، شكَّل قفزةً جديدةً، بانت ملامحُها في أعمالِ محمد وردي، وعثمان حسين، وإبراهيم عوض، ومحمد الأمين، وصلاح بن البادية. وصلاح مصطفى، وغيرِهم. وجاءت السبعيناتُ فاستمر روادُ الخمسينات وجيلُ الستينات جنبًا إلى جنب مع القادمين الجدد؛ زيدان إبراهيم، وأبو عركي البخيت، وعثمان مصطفى، ومحمد ميرغني، والبلابل وغيرهِم. وكلُّ هؤلاء ليسوا سوى مجردِ أمثلةٍ من ماعونٍ موسيقيٍّ بالغِ السَّعةِ، شديدِ التنوع.
أيضًا، شهدت ستيناتُ القرنِ الماضي العصرَ الذهبيِّ لكليةِ الفنونِ الجميلة والتطبيقية في الخرطوم. فجرى تصنيفُها واحدةً من أميزِ مدارسِ الفنونِ في القارةِ الإفريقية. وأصبحت "مدرسةُ الخرطوم"، التي وُلدت بين جدرانِها، ملءَ سمعِ وبصرِ الأوساطِ النقديةِ العالمية؛ على الأقل، من حيثُ محاولةُ الانفلاتِ من قيدِ التقاليدِ الغربيةِ للفنِ الحديث، ومن حيثُ النَّفَسُ والدفقُ الإبداعيِّ، ومن حيثُ جودةُ التقنيات. ثم ما لبثَ أن ولّدَ الحراكُ الذي خلقته مدرسةُ الخرطوم، في الستيناتِ ردودَ فعلٍ قويةٍ في حقبةِ السبعينات. فنشأ تيارٌ نقديٌّ قويٌّ، برز فيه التشكيليان الناقدان؛ عبد الله بولا، وحسن موسى [12]، إضافةً إلى نفرٍ، من مثقفي اليسار من التشكيليين. كما ظهر التشكيليان؛ محمد حامد شداد، ونائلة الطيب طه، بتيارهم الكريستالي [13]. أما في الجانبِ النظريِّ المتعلقِ بتاريخ الفنون والنقد والتذوق، والاستاطيقا، فقد برز في الأكاديميا السودانية، أحمد الزين صغيرون، وأحمد الطيب زين العابدين، وصلاح محمد حسن، وموسى الخليفة الطيب، ومحمد عبد الرحمن أبوسبيب.
أيضًا برز في الستيناتِ تجمعُ الكُتّابِ والفنانينِ التقدميين، الذي حملَ اسمَ "أباداماك"، وضمَّ مجموعةً من مثقفي اليسارِ، قوامُهم أدباءُ وتشكيليون ومسرحيون، أذكر منهم على سبيل المثال: عبد الله علي إبراهيم، وصلاح يوسف، وعبد الله جلاب، وصلاح تركاب، وعلي عبد القيوم، وعبد الرحيم أبو ذكرى، وطلحة الشفيع، وصديق محيسي، وغيرَهم. وتمدد أبادماك بصيغٍ مصغّرةٍ وسط طلاب الثانويات، فنشأت "طلائعُ الهدهد" في حنتوب الثانوية، و"طلائع القندول"، في القضارف الثانوية، و"طلائع النخيل" في مروي الثانوية.
شهد عقدا الستينات والسبعينات أيضًا، اشتعال الحركة النسوية ونشاطات اتحاد نساء السودان وتحقيق الكثير من المكاسب للنساء، ما جعل السودان رائدا في اقتحام المرأة للمجال العام. وفي السبعينات ظهر نشاط الأخوات الجمهوريات اللواتي ملأن شوارع المدن السودانية عارضات لمؤلفات الجمهوريين ومناقشات لمحتوياتها. وشهد عقدا الستينات والسبعينات أيضًا، ازدهار نشاطاتِ المسرحِ الجامعيِّ، ونادي السينما، وغيرِ ذلك. ويمكنُ القولُ عمومًا، إن الفنونَ السودانيةَ، قد أضحت، في حدِّها القاطعِ، ذراعًا لمنظومةِ الفكرِ السياسي، والأفق الإبداعي، لقوى اليسار. وقد ترسّخ النفسُ اليساريُّ أكثر، في الفترة التي تحالف فيها الحزبُ الشيوعي السوداني مع نظامِ مايو في بداياته التي شهدت تأميم الصحافة، وتأميمُ شركاتِ السينما، ونشوء مؤسسةُ الدولةِ للسينما، واستجلاب الأفلامِ السوفيتيةِ والبلغارية، وغيرها من أفلام دولِ الكتلة الاشتراكية لمعادلة رجحانِ كفةِ هوليوود التي كانت تعيشُ، حينها، عصرَها الذهبي.
أيضًا، شهدَ عقدُ الستينات، على صعيدِ الفكرِ، لمعانَ نجمِ الأستاذ محمود محمد طه في التجديد الديني، وعبد الخالق محجوب، في توطينِ الماركسيةِ وسودنتِها. كما شهدت تلك الحقبةُ، أيضًا، حوارَ منصور خالد مع طيفٍ واسعٍ من الصفوة، إضافةً إلى صراع تياريْ التقليد والحداثة في الأدب. كما تفتحت في الستينات أكمامُ منظومةِ السردِ السودانية. فجاء من الخارجِ الرافدُ القوىُّ الذي مثلّه الطيب صالح. أما في الداخل، فقد لمعت أسماءُ كلٍّ من؛ أبو بكر خالد، وعثمان علي نور، وعثمان الحوري، وعيسى الحلو، وإبراهيم اسحق، ومختار عجوبة، وكلُّ من جرى ذكرُهم من المبدعين السودانيين في هذه الورقة، ليسوا سوى أمثلةٍ، لا أكثر. أيضًا، ازدهرت في تلك الحقبةِ الدراما الإذاعية، وانتشر بناءُ المسارحِ في المدنِ الإقليمية، وتزايد طوافُ الفرقِ المسرحيةِ والغنائية على الأقاليم، كما دخلت أجهزةُ التلفزيون إلى بيوت الأثرياءِ، وإلى قطاعٍ معتبرٍ من أفراد الطبقة الوسطى المدينية.
أيضًا، تبلور في عقدي الستينات والسبعينات تيار الغابة والصحراء، الذي وقفت وراءه مجموعةٌ من روادِ الحداثةِ في الشعر، كان على رأسهم؛ محمد عبد الحي، ومحمد المكي إبراهيم، والنور عثمان أبكر، مستندين على "جنوبيات" محمد المهدي مجذوب. وبدأت محاولاتُ التجذيرِ للفكرِ السودانيِّ، والبحثِ عن الشخصيةِ الحضاريةِ للبلاد في صيغةٍ خلاسية، ليست بهذا، وليست بذاك. وكما سلفتِ الإشارةُ فقد سيطر على عقديْ الستيناتِ والسبعيناتِ، في جهودِ التحديثِ الأدبي، ومحاولاتِ التجديدِ التشكيلي، اليسارُ السوداني العريض. وفي المقابلِ، لم يضمْ التيارُ المحافظُ، خاصةً في مجال الأدب، سوى الأقلِّ موهبةً، والأضعفِ تأثيرًا، من المبدعين، باستثناءِ قليلين، يأتي على رأسهم عبد الله الطيب، الذي مثَّل فئةً قائمةً بذاتِها. أما الفنونُ التشكيليةُ، التي لمع نجمُها بقوّةٍ، بسببِ مدرسةِ الخرطوم، فيمكن القولُ إن المحافظينَ هم من كان لهم فيها القِدحُ المُعلّى، خاصةً جانبَ الانتاج. فقد كانوا هم الذين ينتجون، في حينِ كان اليساريون ينقدون، بأكثر مما كانوا ينتجون، وقد اتسم نقدهم بالحدة والشطط، ولا يزال. وتلك ظاهرةٌ تحتاج إلى إعادة الزيارةِ والتحليل.
بقي الإسلاميون، طيلة حقبتي الستينات والسبعينات خارج نطاق الفعل الإبداعي في مجالات الآداب والفنون. وربما يعود ذلك للطبيعة الطهرانية لأفكار الإخوان المسلمين الكلاسيكية، التي تربط بين الفنون والفساد والإفساد، إضافة إلى التعاطي مع الأدب بصورة انتقائية تلخص دوره في خدمة الدعوة. ولم يدخل الإسلاميون السودانيون في هذه المجالات إلا بعد أخذ الدكتور حسن الترابي يجري صلحا بين الإسلاميين والآداب والفنون. ولكن، يبدو أن مدخل الدكتور الترابي في هذا الحقل الشائك كان دخولا براغماتيا، مبعثه منافسة اليسار الذي سيطر على مجالات الآداب والفنون. ولقد كان تدخله بلا زاد حقيقي، وبعضوية من أتباعه قلت بينهم المواهب الفطرية، التي تخلق الفنانين والشعراء وسائر المبدعين. كما كان أتباعه، عمومًا أقل اهتمامًا بالعلوم الإنسانية، وأقل معرفة واهتماما بالفنون وتاريخها ودورها، وفلسفة الجمال، "الاستاطيقا" وإشكالاتها. ولو نظرنا إلى شباب الترابي الذين أصبحوا قادة بارزين في حقبة حكم الإنقاذ الحالية للاحظنا أن أكثريتهم تنتمي إلى مهنة الطب. وقد كان ما قام به الترابي، في هذا الجانب، جزءًا من مشروع "أسلمة المعرفة"، الذي يعني، وبالضرورة أسلمة التعبير عن المعرفة، وعن الوجدان، وهو ما تمثله الآداب والفنون. وقد لاحظ محمد أبوسبيب، أن الحركة الإسلامية السودانية شرعت في تطبيق ما أسمته "أسلمة الفنون"، كجزء من مشروعها لأسلمة الدولة. فقد كان حديث الاسلامين، عن "إسلامية الفنون"، في البداية، محدوداً، ومنحصرًا، في دائرة صغيرة من الفنانين أصحاب التوجه الإسلامي. لكن الفكرة اكتسبت اهتماماً أكبر، وأكثر صراحة، بعد السطو على الدولة بالانقلاب العسكري. ولكن ما أن أخذ المشروع الإسلامي في التراجع والانهيار، لم يعد هناك من يتحدث عن أسلمة الفنون بصوت مسموع. بل تحول الهجوم السابق على تاريخ وقيم الوسط الفني السوداني، إلى تصالح ومهادنة، تمثلت في غض الطرف عما يقوم به الوسط الفني، وإلى محاولة اختراق للاتحادات والتنظيمات الفنية القائمة، أو عرقلة عملها [14].
بصورة عامة، تراجعت فقاعة الحداثة في مجالات الفنون والآداب التي رعاها اليسار المنظم سياسيا، وغير المنظم سياسيا. ودخل الإسلاميون في المجال عقب سطوهم على الحكم، ولم يبلغوا في الإنجاز ما أنجزه اليسار العريض. ويبدو أننا وصلنا، أو على وشك الوصول إلى النقطة التي سوف تتخلق فيها الفنون السودانية من جديد في نطاق جديد، خارج البنية التاريخية لليسار التقليدي وللإسلاميين التقليديين. أي؛ تتخلق خارج نطاق ذلك الاستقطاب الحاد الذي استهلك عقود القرن العشرين.
…………………………………………………
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.