السودان يدين الصمت الدولي تجاه جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها المليشيا في إقليمي دارفور وكردفان    بعد غياب 8 سنوات.. عبلة كامل تعود وتثير ضجة ب"إعلان"    في طريق عودته للبلاد .. رئيس الوزراء يلتقي سفير السودان لدى إثيوبيا والمندوب الدائم لدى الاتحاد الأفريقي    "سامسونغ" تُحبط الآمال بشأن الشحن اللاسلكي في سلسلة "Galaxy S26"    هانى شاكر فى لبنان وأنغام فى الكويت.. خريطة حفلات النجوم فى يوم الفلاتنين    توضيح من سوداتل حول مشروع ممر Bypass الإقليمي لحركة الترافيك العالمية عبر السودان    حساسية الجلد أثناء الحمل.. متى تستدعى القلق واستشارة الطبيب؟    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    (ده ماهلالك ياهلال؟؟)    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إغتيال د. خليل إبراهيم زعيم حركة العدل والمساواة نقاط فوق الحروف
نشر في حريات يوم 01 - 01 - 2012


التجاني الحاج عبدالرحمن …….
فجع السودانيين أجمع، بعملية إغتيال الدكتور خليل إبراهيم زعيم حركة العدل والمساواة، ولا أريد تكرار ما يقال في مثل هذه المناسبات، فهو معروف. وقد أردت فقط تسليط بصيص من الضوء على هذه الحادثة/الجريمة حتى نتفهم التغييرات العميقة التي حدثت وتحدث على الساحة الآن.
خلفية عن د. خليل إبراهيم:
ينحدر د. خليل إلى قبيلة الزغاوة في دارفور وهو الأخ الشقيق الأصغر لأستاذ الإقتصاد د. جبريل إبراهيم. تخرج من كلية الطب بجامعة الجزيرة وإنتمى للحركة الإسلامية بالجامعة (كحال الكثيرين من أبناء دارفور والذين إنتموا للتيار الإسلامي كجزء من طبيعة أهل دارفور المتدّينة أصلاً). أصبح خليل واحداً من الكوادر المعروفة بالحركة الإسلامية بجامعة الجزيرة في ذلك الحين، وحتى من بعد تخرجه. بعد أن إنقلاب الإنقاذ في الثلاثين من يونيو 1989. بقي على ولائه للتنظيم الإسلامي، وقاتل في صفوف مليشيات الدفاع الشعبي بالجنوب وكان أحد قادة ما عرف ب “الدبابيين”. عمل في قطاعات مختلفة بأجهزة الدولة. لاحقاً تمرّد الدكتور خليل على الإنقاذ مؤسساً حركة العدل والمساواة السودانية بعد الإنقسام الشهير في الحركة الإسلامية والذي عُرف في أدبياتها ب “المفاصلة” في نهايات 1999. قاد حركة العدل والمساواة السودانية حتى لحظات موته الأخيرة وقد عرف عنه قوة الشخصية والرأي والحجة. كان دائماً ما يقود قواته بنفسه، وتنقل الروايات أنه كان على رأس قواته التي هاجمت مدينة أمدرمان. دخل في مفاوضات مع الحكومة السودانية في قطر إنتهت بالفشل. وإنتقل من الدوحة إلى ليبيا والتي ظل بها حسبما يقال قيد الإقامة الجبرية إلى أن أطاحت الثورة الليبية بالعقيد القذافي، وخرج هو من ليبيا عائداً إلى دارفور.
تقابلت مع الدكتور خليل أربعة مرات وفي أوقات مختلفة. اللقاء الأول كان حواراً ضمني وآخرين مع د. خليل وجمالي حسن جلال الدين وآخرين (أفضل عدم ذكر أسمائهم لأسباب معروفة بداهة) ومرتين بمقر إقامته في أحدى العواصم، والأخير بمواقع قواته. اللقاء الأول الذي أشرته إليه كان حواراً دار بيننا، وقد كان نقاشاً ثرياً أمتد لأكثر من الثلاث ساعات ما زلت أحتفظ بوقائعه ومضابطه للتاريخ، وسيأتي الوقت الذي سأنشر فيه ذلك. لكن وعلى الرغم من الإنطباعات المسبقة التي كانت في ذهني أثناء الحوار عن تاريخ الرجل وإنتمائه لتيار الحركة الإسلامية التي أوردت السودان موارد الهلاك والإنقسام، إلا أنه أي د. خليل حينها ومن خلال النقاش أشار إلى قرائن ومؤشرات عديدة فتحت الباب أمام الكثير من الأسئلة عن تطور الحركة الإسلامية في السودان وإنقساماتها ومألات ذلك، وعن التطور السياسي والنظري لحركة العدل والمساواة والتحولات العميقة التي حدثت داخلها، ورؤيتهم للأزمة في السودان وآفاق حلولها، وهو الأمر الذي لم يكن بالوضوح الكافي في تلك الفترة. صفوة القول، لقد كان الرجل جديراً بالإحترام وسيظل كذلك، مهما كان موقفه الآيدلوجي أو السياسي لأن ذلك حقه وموته بهذه الطريقة البعيدة كل البعد عن نبل الآخلاق مهما كانت درجة الخلاف، ولم تألفها عادتنا كسودانيين، أكدت أن القضية لها أبعادها الأكبر من مجرد أنها صراع على السلطة في السودان، وهو الرأي الذي ذكره في وقت مبكر أخوة ذوي معرفة عميقة بملفات وقضايا الصراع في السودان لكن لم يعرهم أحداً إنتباهاً حينها.
ملاحظات حول الكيفية التي تمت بها عملية إغتيال خليل إبراهيم:
تضاربت الروايات حول مقتل زعيم حركة العدل والمساواة لكنها تركزت حول روايتين رئيسيتين:
الأولى: أن د. خليل كان قد أصيب في إشتباكات تمت بين قوات الحركة والقوات الحكومية قرب منطقة ود بندة في الحدود بين شمال كردفان وشمال دارفور ومات هو لاحقاً متأثراً بجراحه.
الثانية: تقول وهي الأرجح بناءاً على مصادر موثوقة أن طائرة قامت ليلاً بقصف الخيمة التي يعسكر فيها أو العربة التي كان يستقلها د. خليل مع قواته قرب منطقة ود بندة، وأن القصف إستهدفه هو فقط دون بقية العربات المتواجدة بالموقع(!).
تحليل الروايتين:
في تقديري أن الرواية الأولي تفتقر إلى المصداقية، وذلك لإعتبارات عديدة أهمها، أنه لم ترصد الأخبار أي معارك كانت تدور في تلك المنطقة قبيل مقتل د. خليل. وما يؤكد على ذلك أنه وحتى المصادر الحكومية لم تشير بشكل دقيق إلى تفاصيل هذه الإشتباكات ونائجها وإنما ذكرت أن زعيم حركة العدل والمساواة قد قتل مع بعض معاونيه. وعادة في مثل هذه الظروف، وحسب مقتضيات و تقاليد البلاغات العسكرية للجيش السوداني، أن تذكر المعارك بتفصيل يشمل طبيعة العملية العسكرية وزمانها ومكانها، عدد القتلي والجرحى، الغنائم/العتاد الذي تم الإستيلاء عليه، والقوى التي قامت بالتنفيذ (مثال، الكتيبة الفلانية أو اللواء العلاني مع ذكر القادة الميدانيين الذين نفذوا هذه العملية) واللافت للنظر أن مثل هذه المعلومات لم ترد بالصيغة المتعارف عليها في تقاليد الجيش السوداني عدا ما صرح به الناطق الرسمي الصوارمي خالد سعد، والذي بدا عمومياً ومخالفاً للتقليد العسكري الصارم في مثل هذه الظروف (!!) ولتغطية ذلك سيرت الحكومة المسيرات المؤيدة لمقتل د. خليل في العديد من المدن وقمعت في نفس الوقت تلك التي قامت منددة بإغتياله، حتى أن قوات الأمن منعت إقامة سرداق العزاء بمنزل أسرة الدكتور خليل بمدينة أمدرمان، وكل ذلك في تحدي لا مثيل له لأخلاقيات السودان والسودانيين وتراثهم الراسخ في إحترام الموتي مهما بلغت درجة عدائهم والتي لخصوها في أقوال مأثورة تقال في مثل هذه الظروف (الموت ما فيهو شماتة، وأذكروا محاسن موتاكم).
الرواية الثانية تبدو أقرب للصحة، وذلك لشواهد عديدة ومصادر موثوقة: وهي أن فعلاً طائرة أغارت ليلاً على الموقع الذي تمركزت فيه قوات العدل والمساواة قرب مدينة ود بندة وأصابت مباشرة الموقع الذي يتواجد فيه د. خليل أثناء أو بعد محادثة له عبر تلفون الثريا(!!). وقبل أن نخوض في تحليل هذه الحادثة أود أن أذكّر القارئ بإن هذه الحادثة شبيهة بحادثة إغتيال جوهر دوداييف والذي سقط عليه من السماء صاروخ روسي موجه أثناء محادثة تلفونية لم تزيد على الخمسة دقائق. فهل يا ترى هناك رابط ما بين الحادثين(؟؟)
ذكرت التصريحات الصادرة من الحكومة أن قوات العدل والمساواة والتي كانت متمركزة في منطقة ود بندة في شمال كردفان كانت تنوي التحرك جنوباً للوصول إلى دولة جنوب السودان، وهو في تقديري تبرير لا يمكنه الصمود طويلاً لأن النظرة السريعة لخريطة المنطقة وبُعد مدينة ود بندة من أقرب نقطة لحدود دولة السودان الجنوبي ينسف هذا التبرير من أساسه وبالتالي الأرجح أن قوات العدل والمساواة كانت لديها نوايا أخرى غير تلك التي أوردتها الحكومة. وفي تقديري أيضاً أن حكومة المؤتمر الوطني أرادت من إيراد هذا التبرير ضرب سرب من العصافير بحجر واحد، وهو أن تقضي على خليل، وفي نفس الوقت إفتعال مشكلة مع دولة الجنوب من خلال إيراد تبرير أن (نية قوات حركة العدل والمساواة هي التحرك جنوباً إلى دولة السودان الجنوبي) . في نفس الوقت إخفاء معالم أثر الجهات التي نفذت عمليه إغتيال د. خليل. ولمزيد من الإيضاح في هذه النقطة:
1. الإغارة تمت بطائرة حربية مقاتلة(في الغالب الأعم هي من طراز ميج 29 الروسية الصنع في الأصل) والأرجح أنها أقلعت ليلاً من قاعدة وادي سيدنا الجوية.
2. الأقرب للمنطق وفي نوع هذه العمليات (الجراحية) أن تحمل الطائرة صورايخ (جو أرض) موجهة. وعادة مثل هذه الصواريخ ما يتم توجيهها إما عبر الأقمار الصناعية أو توجه نفسها ذاتياً من بعد إنطلاقها من منصتها في الطائرة إلى أهداف أرضية محددة أحداثياتها مسبقاً عن طريق نظام التموضع الدولي (GPS) أو نظم الملاحة القتالية بالطائرة نفسها.
3. تم تحديد الإحداثيات التي يتواجد فيها د. خليل عن طريق هاتفه (وغالباً ما يكون الثريا)، ومعروف أن هواتف الثريا مربوطة بأقمار نظام التموضع الدولي ال GPS عن طريق قمر الإتصالات (الثريا) نفسه، والمؤكد من الناحية الفنية أن الشركة المقدمة للخدمة لديها الإمكانيات الفنية التي تجعلها قادرة على تحديد إحداثيات أي تلفون ناشط في شبكتها، وقد تمكنت بالفعل من تحديد إحداثيات التلفون الذي تحدث به خليل وقامت بتمريره إلى الجهات الإستخبارية السودانية، أو حصلت عليه الجهات الإستخبارية السودانية بطريقة (ما) من داخل الشركة نفسها. وما يجدر ذكره في هذا الصدد أن الحكومة السودانية وكما تقول المعلومات تملك نسبة من الأسهم في شركة الثريا.
ونستنتج من تحليل المعلومات أنه:
أولاً: أن الحكومة السودانية حصلت مؤخراً على طائرات متقدمة من الصين وروسيا (قاذفات إنتينوف أكثر تطوراً من الجيل الذي كانت تستخدمه القوات الجوية في السابق، مقاتلات من طراز ميج 29، وطائرات هليكوبتر النسخة الصينية للأباتشي). والملاحظ أن الجيش السوداني مؤخراً أصبح يعتمد بشكل أساسي وبكثافة فوق العادية على الطيران في ضرب مواقع الحركات العسكرية سواءاً في دارفور أو جبال النوبة أو النيل الأزرق ويعود ذلك لتناقص أعداد القوات البرية المستوعبة (لأن معظم أفراد المشاة الذين كانوا يخدمون في الجيش السوداني هم من غرب السودان، وهي مناطق التمرد الآن بالإضافة للخسائر البشرية الكبيرة في صفوف قوات المشاة البرية والدفاع الشعبي ). لذلك الإعتماد على سلاح الطيران له أسبابه السياسية الأخرى غير الأسباب العملياتية.
ثانياً: من الممكن للحكومة السودانية، وفنياً أيضاً أن تتبع إتصالات د. خليل وتحدد إحداثياته بدقة، إما عن طريق أجهزتها الإستخباراتية الميدانية أو الأمنية أو معلومات تحصل عليها من شركة الثريا أو حتى من شبكات الهواتف المحمولة المحلية مثل (شبكة سوداني، وشبكة زين). وأيضاً يمكنها أن ترسل طائرة لتضرب موقع هذه الإحداثيات، كل ذلك بإمكان إستخبارات الجيش السوداني وسلاح الطيران عمله. لكن أين يكمن الفرق في هذه القصة والذي يمكنه أن يحدد بالضبط هل الجيش السوداني (سلاح الطيران) هو من نفذ هذه العملية أم لا(؟؟) من المهم للغاية معرفة ذلك لأنه يحدد من نفذ هذه الغارة الجوية الجراحية الدقيقة للغاية.
صحيح قد تكون الطائرة التي أغارت تابعة لسلاح الطيران وربما الطيار كان سودانياً أيضاً (لكني أعتقد أن هذا الإحتمال ضعيف لسبب سأورده لاحقاً)، وبالتالي يكمن الفرق في القصة ليس في الطائرة المستخدمة أو الطيار أو تبعيتها لسلاح الجو السوداني أو اي سلاح جو آخر، وإنما في (نوعية السلاح المستخدم في الغارة)، فذلك هو الفرق الذي يجعل للرواية معنى آخر وتفسير أعمق في الدلالات من مجرد كونها عملية عسكرية عادية. فالسلاح هو صاروخ غير عادي إنطلق من الطائرة إلى هدفه (موقع د. خليل). ودقة إصابته المتناهية للهدف لا تعطي أي إحتمالية غير أن قطعة الذخيرة هذه كانت من نوع متطور للغاية، وفي هذه الحالة ليس هناك أي فرضية أخرى غير أن يكون ذلك صاروخ موجه تقارب نسبة خطأه في أصابة الهدف الصفر (ونسبة الخطأ الصفري في مثل هذه الحالات هي دائرة قد لا يتعدي قطرها أكثر من مترين وعلينا أن نتخيل أن صاروخ سقط من علو يبلغ أكثر من 20 ألف قدم تنحصر نسبة خطأه في مترين!!). هذا النوع من التسليح الدقيق الإصابة أو الذخائرة الموجهة أو القنابل الذكية هي تكنولوجيا يملكها في هذا العالم فقط الأمريكان، والروس وربما الصينيين. ومعلوم أن هكذا تكنولوجيا لا تقوم هذه الدول بتصديرها إلى خارج حدودها إلا تحت شروط صعبة للغاية إن لم تكن مستحيلة (عدا أمريكا والتي صدرت هذه الذخائر إلى منظومة حلف الأطلسي وإسرائيل) والحالة الوحيدة التي خرجت فيها مثل هذه الأسلحة خارج أراضي هذه الدول كانت في الثمانينات عندما أعطت الولايات المتحدة صواريخ شبيهة (ستينجر) التي تحمل على الكتف الموجهة والمضادة للطيران المنخفض إلى المجاهدين الأفغان، ولم تكرر الولايات المتحدة ذلك مرة أخرى.
وبالتالي عند إعادة تركيب هذه القصة من جديد نجد أنها على النحو التالي:
- تحصل الجهات الإستخباراتية السودانية على الإحداثيات النهائية لموقع د. خليل بعد تمركز قواته قرب منطقة ود بندة، وتتخذ قرار الإغارة.
- تزود هذه المعلومات لقيادة القوات الجوية وتتحرك طائرة قابعة في مطار وادي سيدنا للتنفيذ، وأغلب الظن يقودها طيار أجنبي.
- الذخائرة المحملة في الطائرة هي صواريخ موجهة دقيقة التصويب. والأرجح أنها إما آتية من الخارج لهذه المهمة فقط أو هي داخل السودان، لكن تحت إدارة هذه الجهات الأجنبية وتعطيها للحكومة بعدد محدد لإستخدامات ضد أهداف محددة أيضاً.
- يقوم الطيار الأجنبي بالإغارة على الموقع مستخدماً هذه التكنولوجيا المتقدمة في ضرب أحداثيات د. خليل.
ولكن نربط الأحداث التي تعضد وجود طيار أجنبي في القصة، نعود بالقارئ إلى أحداث الهجوم الذي قامت به حركة العدل والمساواة في 2010 على مدينة أمدرمان. فقد وردت في تلك الفترة معلومات عن سقوط طائرة من طراز ميج 29 كانت تحاول الإقلاع من مطار قاعدة وادي سيدنا الجوية أثناء هجوم قامت به فصائل من قوات العدل والمساواة على القاعدة وقتل الطيار أثناء محاولته الخروج من الطائرة بعد إصابتها، والطيار كان روسياً(!!)، وعللت الجهات الرسمية سقوط الطائرة في ذلك الوقت بأسباب فنية. إذاً المهم لدينا في هذه الرواية هو وجود العنصر الأجنبي في القصة، وبالتالي لا يستبعد أن يكون المكون الأجنبي جزء من القصة الحالية (الإغارة).
وقد حاول الإعلام الحكومي أخفاء المعلومات مستخدماً أساليب عديدة، أهمها الغموض في سرد تفاصيل مقتل د. خليل وذلك بعدم ذكر الكيفية على وجه الدقة. أيضاً الترويج بأن الحكومة أصبحت تنتج صواريخ يبلغ مداها ال 100 كيلومتراً (كما ذكر قائد سلاح المدفعية بعطبرة أمام حشد جماهيري نقله تلفزيون الشروق)، في إشارة خفية إلى أن مقتل خليل من المحتمل أن يكون قد تم عن طريق سلاح المدفعية بإطلاق هذا الصاروخ من نقطة أصبح فيها موقع وإحداثيات د. خليل داخل مدى نيرانه.
وأيضاً هذه الرواية بعيدة تماماً عن الصحة لأن قاعدة الصناعة الحربية في السودان لم تصل بعد إلى مرحلة من التطور تمكنها من إنتاج صاروخ متوسط المدى (100 كيلومترا) ناهيك عن أن يكون هذا الصاروخ مزوداً بنظم توجيه بالغة الدقة تقارب نسبة خطأؤها الصفر تماماً، فتوجيه مثل هذه الصواريخ يحتاج لتكنولوجيا إلكترونية متقدمة للغاية وشبكة ربط معلوماتية عسكرية، مازال السودان على بعد سنوات ضوئية طويلة منها. فليتخيل معي القارئ فقط ويستنتج بنفسه، أنه وفي عام 1997 وعندما تم ضرب مصنع الشفاء بالخرطوم بصواريخ كروز(توماهوك) الأمريكية الموجهة عبر الأقمار الصناعية، لم يكن حينها وزير الدفاع على علم إن كانت هذه القطع الحربية التي أصابت المصنع صواريخ أم طائرات(!)، فوزير دفاع لم يتمكن من التفريق بين صاروخ وطائرة، ولم تحدد له نظم دفاعاته الجوية إن وجدت ولم تتصدى لهذه القطع الحربية، هل بإمكان هكذا منظومة أن تنتج صاروخاً موجهاً بتلك الدقة التي أصابت موقع د. خليل(؟؟؟). لذلك فالأرجح إن كانت الحكومة السودانية بالفعل تمتلك صورايخ (أرض أرض) متوسطة المدى يبلغ مداها مئة كيلومترا كما إدعى قائد سلاح المدفعية أن تكون هي صواريخ سكود التي أعطاها صدام حسين للحكومة في تسعينيات القرن الماضي والتي راجت قصتها في تلك الفترة. لكن أن يتم إنتاج هذه الصواريخ في السودان، فهذا امر مستبعد. وبالتالي فلا سلاح المدفعية هو الذي قام بذلك ولا يحزنون، بل أن هناك قطعة أخرى أكثر تطوراً شاركت في هذه العملية. وحديث قائد المدفعية لا يعدو كونه نوع من “البوبار” كما يقال في السودان أو “الفشخرة” كما لدى المصريين.
أزمة أخلاقيات الخلاف والإختلاف:
قرأت قبل مدة طويلة أعتقد في ثمانينات القرن الماضي، لقاءاً في إحدى المجلات العربية تم مع مسئول في الإستخبارات الإسرائيلية (الموساد) وقد ذكر حينها في هذا اللقاء: “أن الموساد كان دائماً يتتبع الرئيس ياسر عرفات وأنه كان بإمكانهم إغتياله في أي وقت يشاءون، ولكنهم فضلوا أن لا يفعلوا ذلك. وكانت أسبابهم أن الآثار السياسية الناجمة عن إغتيال ياسر عرفات قد تكون كارثية بالنسبة لإسرائيل أقلها أنها ربما توحد العرب جميعهم في حرب مقدسة ضد إسرائيل قد لا يكون بإمكانهم الصمود أمامها". وبالتالي إقتضت مصلحتهم السياسية الإبقاء على حياة ياسر عرفات لا لسواد عيونه وإنما لصالح المعادلة السياسية. أورد هذه الرواية لا لسبب غير الإشارة إلى أن عملية أغتيال د. خليل إبراهيم، لم تكن بأي حال من الأحوال من أجل مصلحة سياسية موضوعية، حتى و إن قرأتها الحكومة على هذا النحو: “ بأن مقتل خليل سيجبر الحركة على الجلوس إلى مائدة التفاوض”، فهذا تفسير ضحل للأمور لأنه يمكن قرأته من زاوية أخرى، وهو أن عملية الإغتيال قد تقود أيضاً إلى نتائج كارثية للحكومة والتي أقلها أن تؤدي إلى توحيد الجبهات في دارفور وإلى مزيد من إشتعال النيران في المنطقة( لاحظ تصريحات مني أركو مناوي الأخيرة عقب إغتيال د. خليل وهي أقرب إلى هذا الفهم). وبالتالي فالعملية لم تكن غير صب الزيت على النار المشتعلة أصلاً. وفي تقديري أن هناك جانباً نفسياً في العملية يمكن ملاحظته بوضوح، وهو أن عملية الإغتيال حملت في طياتها نوعاً من التشفي، وهو ما يمكن إستشفافه من تصريحات المسئولين الحكوميين ومن خلف سطور الكلمات والمسكوت عنه. وهو نفس الشعور والإنطباع الذي ظهر عندما إغتيل داؤود يحي بولاد غيلة وغدراً.
كثيرون كانوا يعتقدون وربما لا زالوا أن ثقافة الإغتيالات السياسية هي ليس من شيم السودانيين ولكنني كنت أرى خلاف ذلك، وأمامنا التاريخ ليشهد لنا بذلك. ففي الستينيات من القرن الماضي أغتيل القائد الجنوبي وليم دينق في ضواحي مدينة واو، وظل الأمر مجهولاً، لكن كثير من الأقلام الجنوبية في ذلك الوقت وجهت أصابع الإتهام إلى الصادق المهدي. أيضاً حامت الشبهات حول الحكومة السودانية في مقتل د. جون قرنق، وموت الزبير محمد صالح نائب البشير، وإبراهيم شمس الدين والقادة العسكريين الذين كانو معه في الطائرة الهيلوكبتر، موت د. مجذوب الخليفة، إغتيال داوؤد يحي بولاد وأخيراً د. خليل إبراهيم. وكلها حوادث شابها الكثير من الغموض وشبهة الإغتيال السياسي، خاصة في غموض ملابساتها وشح المعلومات الحقيقية حولها حتى تلك الصادرة من لجان التحقيق. لكنها في نهاية المطاف تشير إلى أن ثقافة الإغتيالات والتصفيات السياسية أصبحت جزء من التفكير السياسي وهو تطور جد خطير. وفي تقديري إن إغتيال خليل ليس نهاية المطاف، فهناك آخرون لا زالوا في القائمة ومن المؤكد أن عبدالعزيز آدم الحلو، ومالك عقار وياسر عرمان ضمنهم.
الآثار السياسية المترتبة على مقتل د. خليل:
من المؤكد أن إغتيال د. خليل وبهذه الطريقة لن يمر مرور الكرام وسيبقى عالقاً في ذاكرة الشعب الدارفوري مهما كانت خلافاتهم مع خليل والمرجح أن تعيد الحركات حساباتها السياسية بناءاً على أن ما حدث هو تطور خطير في طريقة ومنهجية تعامل الحكومة مع ملف دارفور، والذي أصبح ذو طابع تصفوي أكثر منه قضية خلاف سياسي بين فرقاء في الوطن الواحد قابلة للتفاوض والتوصل فيها إلى حلول، بمعنى آخر؛ أن حركات دارفور حتما قد توصلت إلى حقيقة أن حكومة المؤتمر الوطني قد حزمت أمرها على محاربة الحركات في دارفور مستخدمة في ذلك كافة الوسائل ودون أي سقوفات أخلاقية تردعها.
هذا الإفتراض سيكون رد فعله الوحيد هو أن تتحزم هذه الحركات لمواجهة هذه الحملة، وفي هذا السياق يصبح تناسي الخلافات والتعاون بينهم أقرب الإحتمالات الممكنة. وقراءة تحالف كاودا ودخول العدل والمساواة فيه، وتصريحات مني أركو مناوي كلها تصب في هذا الإتجاه. عليه تصبح الحصيلة النهائية لعملية مقتل د. خليل أنها كانت حقيقة خطوة غير موفقة بالمرة، هذا إن لم تكن حماقة سياسية/أمنية. والمحتمل أن يؤدي ذلك إلى أن ترفع الحركات من درجة التشدد في مواقفها وتغلق أي فرصة أمام أي مفاوضات محتملة في المستقبل. وبالتالي فإن المواجهة في دارفور موعودة بتصاعد في الوتيرة خلال الفترة القادمة.
كان بإمكان النظام ألا يقدم على هذه الخطوة حتى لا يزيد على الجراح المفتوحة أصلاً جروحاً جديدة ومرارت من الصعب نسيانها أو غفرانها، لكن يبدو أن المتشددين داخل المؤتمر الوطني قد أمسكوا بناصية القرار وهو أمر خطير للغاية ويفتح الأبواب على مصراعيها أمام تصفيات وتصفيات مضادة وتطور في اساليب الحرب ربما تنتقل إلى داخل الخرطوم نفسها. لقد فتح المؤتمر الوطني أبواب الجحيم على نفسه وعلى ما تبقى من الوطن ومن الصعب عليه أغلاقها مرة أخرى.
هناك فروضات كثيرة حول ماهية “القيمة المضافة” سياسياً أو المردود الإيجابي من عملية إغتيال خليل(؟)، والتفسير الوحيد المطروح في هذا السياق حتى الآن ما جاء صراحة وتضميناً في تصريحات الحكومة ومخططي إستراتيجياتها: “بأن ذلك من شأنه أن يفتح الطريق أمام المفاوضات مع الحركات ويسرع بعمليات السلام” (!!). إن ذلك إعتمد في تقديري على قراءة “أمنية/ إستخباراتية”، أستندت حيثياتها على أن إغتيال د. خليل المعروف بتشدد مواقفه سيضعف حركة العدل والمساواة، وبالتالي ستأتي خلفاً له قيادة أكثر مرونة تقبل بالتفاوض بشروط “ميسرة”، أو ربما ينهي ذلك الحركة كلية. و إستطراداً فإن إغتيال خليل قد يكون جزء من نصيحة/مخطط “أجنبي” لإنهاء التمردات في دارفور وربما كردفان ومناطق أخرى بهذه الصورة عن طريق إغتيال قادتها لإضعاف هذه الحركات و”فرتقتها” والتي من بعدها يسهل التفاوض مع ما تبقى منها. ويقوم ذلك على معلومات دقيقة من الزاوية الأمنية/الإستخبارتية،، لكنها أفتقرت للبعد السياسي والنفس إجتماعي في تقدير مثل هكذا حالات. فحوى هذه القراءة أن بنية القيادة والتنظيم داخل هذه الحركات ضعيفة وهشة، وبالتالي فإن تغييب قياداتها سيقود إلى صراعات داخلها، أقل نتائجها بروز أزمة قيادة وتنظيم داخل هذه المنظومات يصعب حلها خلال فترة زمنية قصيرة مما يجعل هذه الحركات فاقدة للتوزان التنظيمي الداخلي، وأعلى نتائجها تفتت هذه الحركات وزوالها.و تشير كثير من قرائن الأحوال أيضاً إلى أن حادثة موت د. جون قرنق إن صح أن الحكومة كانت من خلفه ليست بعيدة عن هذا الفهم. وبالتالي فإن هكذا تفكير لن تصب نتائجه في نهاية المطاف إلى المزيد التصعيد والمواجهة والتي ستتخذ أنماط جديدة ومستحدثة في طرائق وأليات الصراع.
التجاني الحاج عبدالرحمن
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.