4 مصريين ضمن ضحايا انفجار مصنع "السيراميك"    وفد أممي لتقييم قدرات السودان على كشف الإرهابيين الأجانب    مدني يفتتح ورشة سياسة المنافسة ومنع الاحتكار بالخميس    عرمان يدعو الإسلاميين لطرح مشروع جديد    واشنطن تستعد لشطب السودان من "لائحة الدول الداعمة للإرهاب"    ثأر عمره 12 عامًا يتصدر مواجهة الأهلي المصري والهلال السوداني مساء غد الجمعة    التلاعب بسعر واوزان الخبز!! .. بقلم: د.ابوبكر يوسف ابراهيم    الناتو وساعة اختبار التضامن: "النعجة السوداء" في قِمَّة لندن.. ماكرون وأردوغان بدلاً عن ترامب! .. تحليل سياسي: د. عصام محجوب الماحي    توقيف إرهابيين من عناصر بوكو حرام وتسليمهم إلى تشاد    مارسيل غوشيه في نقده للماركسية واشادته بالعلمانية .. بقلم: طاهر عمر    صراع ساخن على النقاط بين الفراعنة والأزرق .. فمن يكسب ؟ .. بقلم: نجيب عبدالرحيم أبو أحمد    نمر يقود المريخ إلى صدارة الممتاز .. السلاطين تغتال الكوماندوز .. والفرسان وأسود الجبال يتعادلان    ايها الموت .. بقلم: الطيب الزين    الشاعر خضر محمود سيدأحمد (1930- 2019م): آخر عملاقة الجيل الرائد لشعراء أغنية الطنبور .. بقلم: أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك    الجيش السوداني يعتقل 6 من عناصر (بوكو حرام) بجنسيات تشاديه    تشكيلية سودانية تفوز بجائزة "الأمير كلاوس"    أمريكا والسودان يعتزمان تبادل السفراء بعد انقطاع دام 23 عاما    اتفاق سوداني امريكي على رفع التمثيل الدبلوماسي    وزير الطاقة يكشف عن سياسة تشجيعية لمنتجي الذهب    الجبهة الثورية تتمسك بإرجاء تعيين الولاة    اتفاق بين الخرطوم وواشنطن على رفع التمثيل الدبلوماسي    النطق بالحكم في قضية معلم خشم القربة نهاية ديسمبر الجاري    بنك السودان يسمح للمصارف بشراء واستخدام جميع حصائل الصادر    العطا: المنظومة العسكرية متماسكة ومتعاونة    د. عقيل : وفاة أحمد الخير سببها التعذيب الشديد    مجلس الوزراء يُجيز توصية بعدم إخضاع الصادرات الزراعية لأي رسوم ولائية    لماذا يجب رفع الدعم عن المواطنين ..؟ .. بقلم: مجاهد بشير    نوم العوافي .. في الشأن الثقافي .. بقلم: د. أحمد الخميسي    أساتذة الترابي .. بقلم: الطيب النقر    تعلموا من الاستاذ محمود (1) الانسان بين التسيير والحرية .. بقلم: عصام جزولي    الطاقة تكشف عن سياسة تشجيعية لمنتجي الذهب        اتّحاد المخابز يكشف عن أسباب الأزمة    والي الخرطوم يتفقد ضحايا حريق مصنع "السيراميك"    في بيان من مجلس الوزراء الإنتقالي: حريق هائل بمصنع سالومي للسيراميك بضاحية كوبر يتسبب في سقوط 23 قتيلاً وأكثر من 130 جريح حتي الان    مقتل 23 شخصا وإصابة أكثر من 130 في حريق شمال العاصمة السودانية    مبادرات: مركز عبدالوهاب موسى للإبداع والإختراع .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    من يخلصنا من هذه الخرافات .. باسم الدين .. ؟؟ .. بقلم: حمد مدنى حمد    وفاة الفنان الشعبي المصري شعبان عبد الرحيم    حريق هائل في المنطقة الصناعية بحري يؤدي لوقوع اصابات    تدشين الحملة الجزئية لاستئصال شلل الاطفال بمعسكر ابوشوك            "دي كابريو" ينفي صلته بحرائق الأمازون    الفلاح عطبرة.. تحدٍ جديد لنجوم المريخ    الحل في البل    مولد وراح على المريخ    بعثة بلاتينيوم الزيمبابوي تصل الخرطوم لمواجهة الهلال    الهلال يطالب بتحكيم أجنبي لمباريات القمة    فرق فنية خارجية تشارك في بورتسودان عاصمة للثقافة    انفجار جسم غريب يؤدي لوفاة ثلاثة أطفال بمنطقة تنقاسي    والي كسلا يدعو للتكاتف للقضاء على حمى الضنك بالولاية    حملة تطعيم للحمى الصفراء بأمبدة    أنس فضل المولى.. إنّ الحياة من الممات قريب    ضبط كميات من المواد الغذائية الفاسدة بالقضارف    وزير الثقافة يزور جناح محمود محمد طه ويبدي أسفه للحادثة التي تعرض لها    مولاَّنا نعمات.. وتعظيم سلام لنساء بلادي..    وزير الشؤون الدينية والأوقاف : الطرق الصوفية أرست التسامح وقيم المحبة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





جدلية الغيب والإنسان والطبيعة عند حاج حمد في ضوء فلسفة العلوم المعاصرة..إعداد: د. محمد العاني
نشر في حريات يوم 18 - 03 - 2012


إعداد: د. محمد العاني..
مدخل
هل يستطيع الإنسان أن يحدد هويته الإنسانية دون أن يكون للغيب وجود في صياغة هذه الهوية؟ أَنظر إلى تقسيمات أوغست كونت حول مراحل التفكير (اللاهوتي- الميتافيزيقي- الوضعي)، وفي الجهة الأخرى أنظر إلى نقد الحاج حمد الذي يرى أن هذه الثلاثية هي أشكال معرفة، والتفكير يتناولها بكيفية إحيائية أو ثنائية أو جدلية، فعلى سبيل المثال موضوعات ميتافيزيقية كالإلهيات والنص الديني تدرس بأسلوب ثنائي أو جدلي[1]، والفلسفات الحديثة التي خرجت من الوضعية التقليدية؛ لا تستبعد الميتافيزيقيا، ولكن طريقة التفكير في مواضيعها أصبحت مختلفةً. في هذه الدائرة تحركت مؤلفات حاج حمد، وعلى رأسها (العالمية الإسلامية الثانية) الذي يقول عنه: “فالدائرة الفلسفية التي تحرك الكتاب في فضائها وهي علاقة الغيب بالواقع أربكت الكثير من الأفهام العلمية والموضوعية التي اعتبرته تعدياً (لاهوتياً) على حقلها. كما أن الفكر الديني السائد أيديولوجياَ اعتبر فيه الكثير من التجاوزات”[2].
إن معالجة حاج حمد لعلاقة الغيب بالواقع، يدخل في موضوع الميتافيزيقيا بشكل عام، والدين كجزء رئيس وهام فيها ومتعلق بخصوصيتنا الثقافية، والقرءان على وجه التحديد.
تتخذ إشكالية الميتافيزيقيا منحى آخر في فلسفة العلم عندما يتعلق الموضوع بتحديد ما هو ميتافيزيقي وما هو غير ذلك، لاسيما وأن التطور العلمي نفسه أصبح يضع في دائرة تساؤلاته أسئلة كانت يوماً ما ميتافيزيقية. يقول ريتشارد موريس: “وبمرور القرون اتسعت موضوعات العلم باطراد بينما تقلصت موضوعات بحث الفلسفة. وإذ حل النصف الأخير من القرن العشرين، أصبح العلماء يسألون أسئلة عديدة كانت ذات وقت ما تعد أسئلة ميتافيزيقية بالكامل. وكمثل، يتساءل الفيزيائيون عن مسائل مثل، ما هو الزمان؟ من أين أتى الكون ؟ هل من الممكن تخليق شيء من لاشيء؟ بل إن بعضهم استدعوا المبادئ الإنسانية للتساؤل عما يمكن استنباطه من حقيقة وجودنا، إن كان هناك ما يستنبط منها[3]“.
إذن الكثير من المواضيع الميتافيزيقية أصبحت تخضع للعلم التجريبي وتُدرس بكيفية وضعية، ومنها ما يتبقى في دائرة الميتافيزيقيا كالإلهيات. نعلم اليوم بعد مئات السنين من رحيل أوغست كونت بأنه لم تكن هناك مرحلةٌ تاريخيةُ ذات صبغة وضعية بحتة، ولم تستطع أيُّ فلسفة ذات نزعة وضعية أو مادية أن تقدم البراهين على صحة مقولاتها بأصل الوجود المادي وماهيتيه.
ليس من الصعب أن ننظر إلى تقسيم تاريخ الفكر من حيث هيمنة نمط التفكير أو النسق الثقافي، وعندها يمكننا أن نصف مرحلة ما قبل العلم، بأنها مرحلة مجتمعات يهيمن عليها التفكير اللاهوتي أو الميتافيزيقي. فالميتافيزيقيا هي مواضيع للبحث، وهي أيضاً حالة ذهنية.
عندما ننظر إلى الميتافيزيقيا كعنصر من عناصر الوجود وكفرضية غير قابلة للتكذيب رغم عدم إمكانية إخضاعها للقياس العلمي، تغدو الميتافيزيقيا مكون أساسي من مكونات الوعي. وبما أنها كذلك يكون الدين بما هو ميتافيزيقيا عنصر من عناصر الهوية البشرية، ومكون فاعل في صيرورة تطور الاجتماع. يقول عالم الأديان المعروف ميريتشا الياده: “يكفي هنا أن أقول إن المقدس هو عنصر من عناصر الوعي وليس مرحلة من مراحل تاريخ الوعي. ذلك أن عالما ذي معنى – والإنسان لايسعه أن يعيش في العماء أو الخواء- هو حصيلة سيرورة جدلية يمكننا أن نسميها عملية تجلي المقدس……فمنذ أقدم الوثائق والوقائع الدينية التي يمكن الوصول إليها، وحتى زمن المسيحية والإسلام، لم ينقطع حبل محاكاة صورة الله بوصفه معياراً وخطاً موجهاً للوجود البشري. والحق أن شيئا غير ذلك لم يكن ممكناً. فإذا عدنا إلى أقدم مستويات الثقافة نجد أن العيش ككائن بشري هو بحد ذاته فعل ديني.”[4].
منذ أقدم العصور وصورة الإله تتجلى في حياة الإنسان بكيفيات مختلفة، ولا يوجد مرحلة تاريخية واحدة اتسمت باللاتدين أو أنها استبعدت المعرفة الميتافيزيقية من خارطة نسقها الفكري.
يمكننا أن نقبل باحتمال كون الميتافيزيقيا مرحلة تاريخية، فيما لو قدم العلم البراهين على أن الإنسان بكليته كائن طبيعي، أي أن شروط المادة هي التي حددت تشيؤه وانتقاله من كائن همجي إلى متأنسن عاقل (يصنع تاريخ). لكن علم النفس أثبت أهمية اللاوعي المتشكل عبر التاريخ في تحديد هويتنا، وفي المقابل كانت البيولوجيا تقف عند منطقة ظهور الإنسان العاقل الأول لترى فيها مجموعة ألغاز وأحاجي لا يمكن تفسيرها بالتطور البيولوجي. وحتى الاعتبار الذي يفترض حدوث محفز تاريخي استثنائي أدى إلى ظهور الإنسان العاقل، فإن ذلك كان بحاجة إلى فترة زمنية أطول بكثير جداً مما تبينه الوثائق الأركيولوجية، كما يحتاج إلى افتراض ظهور سلالات بشرية وسيطة تبين تطور الجهاز الرمزي. والدليل الأهم هو ما أثبته المعطى الأركيولوجي بوجود إنسان النياندرتال والعاقل جنباً إلى جنب أكثر من 40000 سنة. فإذا افترضنا وجود محفز تاريخي طبيعي فلماذا لم يستجب إنسان النياندرتال له، وكان عدم تطوره سبباً بانقراضه؟
في مقالة نشرتها مجلة العلوم الأمريكية جاء ما يلي:
“تطرح إحدى النظريات الرائجة أن يكون أفراد الإنسان الحديث امتازوا على النياندرتاليين بميزة استعرافية cognitive advantage من نوع ما، ربما تمثلت في قدرة تعد أهم صفة بشرية على الإطلاق، هي الفكر الرمزي symbolic thought، وبضمنه اللغة. ولقد برزت مثل هذه التعليلات استنادا إلى ملاحظات مفادها أنه بعد مضي أربعين ألف سنة، بقيت الحضارة النياندرتالية راكدة نسبيا، في حين تباهى الأوروبيون الحديثون بمجموعة من السمات الجديدة اتصف العديد منها بالرمزية. وقد اتضح أن أفراد الإنسان الحديث فقط هم الذين مارسوا وقائع دفن متطورة، وعبَّروا عن أنفسهم باستخدام الحلي والتماثيل الصغيرة والرسوم في الكهوف والأدوات الحرفية المعقدة المصنوعة من العظام وقرون الوعل (وهي صناعة وُصفت على نطاق واسع بأنها تعود إلى العصر الحجري القديم الأعلى). وبالمقابل، لم تضم المجموعة النياندرتالية إلا أدوات حجرية من العصر الحجري القديم الأوسط مصنوعة بحسب الأسلوب الموستيري Mousterian style”[5].
إن الافتراض الذي يعتبر الميتافيزيقيا أو الدين مرحلة من مراحل التاريخ، ويعلن موت الإله كما على لسان نيتشة، عليه أن يبرهن أن الإنسان كائن طبيعي وليس كائناَ تاريخياً يستجيب للشروط والمحفزات التاريخية التي تحفر في لاوعيه. كما عليه أن يبرهن أنه من الممكن التخلص من مناطق اللاوعي التي يملؤها بالتدين. وأكثر من ذلك وعلى مستوى دراسة ظهور الإنسان العاقل الأول، فإن ذلك لم يكن استجابة لحدث بيولوجي أو لحدث تاريخي طبيعي محفز. فلا التطور البيولوجي ولا التطور الاجتماعي بقادر على تقديم تفسير لظهور الإنسان العاقل وذلك على الأقل ضمن شروط التطور التي تتيحها هاتان النظريتان.
إن تاريخ الإنسان العاقل هو تاريخ الإنسان المتدين كما تبين الوقائع الأركيولوجية، وثمة إضافة نوعية أدت بالتزامن؛ إلى ظهور أشكال التدين مع ظهور أجدادنا الأوائل.
على أي حال ليس من الصعب تقديم البراهين التاريخية والعلمية على أن الميتافيزيقيا هي مكون أساسي من مكونات الوعي البشري، وعنصر من عناصر الهوية البشرية لم ينفك عنها يوماً. وهذا الجزء الهام في صيرورة تشيؤ البشر له أصله في الوجود.
وبالتالي إذا رجعنا إلى جدلية حاج حمد بالكيفية التي طرحها، فإن (الغيب والطبيعة) هو الجدل الرئيس الذي تشيأ عنه الإنسان، ومن ثمَّ تفاعل مع هذا الجدل ليصبح ثلاثياً بين (الغيب والإنسان والطبيعة). هناك حريتان (الغيب والإنسان) وجبرية (الطبيعة)، حرية وإرادة مطلقة (الغيب) قيدت نفسها بعد خلق الكون والإنسان بحرية الإنسان (النسبية) وبجبرية الطبيعة.
فعن حريته المطلقة:{إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)} البروج.
وعن تقييدها بجبرية الطبيعة: { وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9)} الأنعام.
أما عن جدلها مع حرية الإنسان النسبية: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19)} الإسراء. فهناك إرادة للإنسان وإرادة لله مهيمنة عليها بما تتيحه سنن المشيئة { سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ۖ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62)} الأحزاب.
ونحلل بشكل مبدأي منظومة حاج حمد، حيث هناك ثلاثية الغيب والطبيعة والإنسان. بدأت بجدلية ثنائية مابين طبيعة مقيدة بالزمان والمكان، وغيب مطلق ينفذ أمره من خلال سنن الطبيعة الممتدة كونياً، ثم تشيأ عن هذه الجدلية الثنائية الإنسان. فحرية الله المطلقة في (عالم) أمره، خرج منها مشيئة موضوعية جبرية مسنونة في القانون الطبيعي، وعنهما انبثق عالم (الإرادة النسبي) المتعلق بوعي الإنسان وبتكوينه، فما بين مطلق الحرية وجبرية القانون الطبيعي تكمن حرية الإنسان النسبية.
عالم الإرادة نسبيٌ، ومتعلقٌ بالإنسان وليس جبري “هنا يدلنا فقط على ما فعله هو، وبالتالي على ما ينبغي لنا أن نفعله لا على ما يتوجب علينا فعله”[6]. فهي مسألة وعي لها من الحرية ما للإنسان من حرية في أن يؤمن أو يكفر.
من هذه الثلاثية تكون محاولة الإنسان لقراءة الغيب في عالم أمره في حدود وعيه النسبي (عالم الإرادة)، وقراءةُ للعالم الموضوعي (عالم المشيئة) بقوانينه وسننه. فيجمع الإنسان ما بين قراءة باسم الله وقراءة بالقلم، فسنة التاريخ وصيرورته لا يمكن حصرها بالمعرفة المادية (القراءة بالقلم)، كما لا يمكن أن نرجعها لمطلق التحكم الإلهي ونسف القانون الموضوعي (الفكر اللاهوتي). والإنسان الذي تشيأ من جدل (الغيب والطبيعة)، عليه أن لا يُستلب في وعيه للتحكم الإلهي المطلق فيعيش جبرية اللاهوت، وأيضا لا ينسحق تحت جبرية القانون الطبيعي فيعيش جبرية مادية.
إذن على الدين أن يُبنى على توازنات هذه الجدلية الثلاثية ليشيّد بها نموذجه الإرشادي وما يلحق به من نظم اقتصادية وسياسية واجتماعية إلخ….، فهو جدل متشيء من عناصر الوجود نفسها والتي حكمت صيرورة نشوء الإنسان العاقل وحددت هويته الإنسانية.
في هذا الإطار انصبت جهود المرحوم حاج حمد، فهو يرفض التدين الموروث بمنهجه اللاهوتي، بقدر ما يرفض دين المادية الوضعية، فكلاهما لا يحقق التوازي مع عناصر الوجود الرئيسة.
الميتافيزيقيا والعلم – الدين والعلم
يتجلى الدين في الواقع بأشكال مختلفة بحسب الأوضاع التي يعيشها الإنسان، فهو إذ يبحث عن معنى وهدف حياته، فإنه يتمثل هذا الهدف من خلال متاحات المعرفة الموجودة ونظامه الاجتماعي. وبالتالي فإن النص الديني كمصدر معرفي متعالي لا يكشف عن نفسه إلا في الحدود الثقافية والفكرية للمجتمع. وحتى عندما تعاملت الوضعية مع الدين فإنها تعاملت مع هذا الشكل المعرفي من خلال نمط إنتاج الأفكار الذي تعيشه. لذلك فإن تغير ظروف الإنتاج الفكري يؤدي إلى اختلاف في طريقة التعامل مع مصادر المعرفة.
فيما يخص دراسة الدين بما هو سيرورة تهدف لإضفاء معنى على الحياة، فإن الظروف التاريخية والأنساق الثقافية هي التي تؤطر وتضبط إيقاع إنتاجه للأفكار الدينية، وبالتالي لا يمكن سحب هذه الأفكار ومناهج التفكير الديني إلى مراحل زمنية متقدمة لها ظروف إنتاج فكري مختلفة، وإلا جَعَلَنا هذا القول نرى في الإنسان كائناً لا يستجيب للشروط التاريخية، وبالتالي يصبح الدين عندما نتعاطى معه معرفياً؛ مرحلة تاريخية يُراد سحبها قهراً وإكراهاً على جميع مراحل التاريخ. والشيء الوحيد الذي يقود ذلك هو حاجة الإنسان الفطرية للتدين لكونه جزء أصيل من هويته الإنسانية، وحينها لا يتم هذا السحب اللامنطقي والإكراهي إلا بشحن إيديولوجي يرتكز على هذه الحاجة الفطرية.
لذلك عندما نقوم بتفكيك صور التدين أو صورة الإله وردها إلى حالاتها التاريخية، فإن هذا العمل يتناول الحمولة المعرفية، لا الحمولة الإيمانية. وبالتالي فإن ترك الموضوع عند نهايات التفكيك دون أن يكون هناك عمل يقوم بإعادة تركيب نموذج إرشادي جديد في ضوء شروطنا الفكرية، فإننا نترك الإنسان هنا إما للاستلابات الوضعية التي تنتهك جزءاً من هويته وذاته، أو نتركه للفجوة بين المعطى الإيماني والمعطى المعرفي التي تقوده إلى القلق والفصام النفسي.
يعتبر البحث في جدليات تشيؤ الوجود والإنسان وتطور اجتماعه هو المنطلق لوضع هذا النموذج الإرشادي، وللنص الديني دوره في بناء هذا النموذج بحكم كونه جزءا من سيرورة وصيرورة هذا التطور. وتبقى إشكال الكيفية التي يتم التعامل بها مع النص الديني. هنا يمكن لعلوم اللغة والاجتماع والفلسفة أن تبين ذلك، لكن مقاربة تضع هذا النص كمصدر متعالٍ في فروض البحث أياً كان مجالها ولا تعتبر مقولاته صادقة – لأنها مفسرة من قبل الإنسان المحكوم بنسقه الثقافي- إلا عندما يبرهن عليها البحث؛ كفيل بأن يضع النص الديني تحت سلطة المعرفة. فالنص الديني يقدم مقترحاً حسب قول الدكتور بوهندي، وهذا المقترح يدخل في فروض البحث، وتبقى هنا مسألة المنهج الذي تسير وفقه الدراسة.
الميتافيزيقيا هي أي فرض أو مقولة غير مختبرة علمياً، والدين يرسله الله محمولاً برسالة يبلِّغها نبي، فكل ما فيه هو أنباء، والنبأ يحتاج للاستقرار (لكل نبأ مستقر)، واستقراره لا يكون إلا بالعلم (وسوف تعلمون). وسوف أحاول هنا تقديم مدخل علمي لمشروعية دخول الميتافيزيقيا –ومنها الدين- في بناء المناهج ونظريات المعرفة، وذلك من خلال نتائج العلم وفلسفته الحديثة في مجال العلوم الطبيعية، والتي أشار إليها حاج حمد في كتابيه العالمية ومنهجية القرءان المعرفية.
ربما تبدو معالجة الموضوع الديني من هذه الزاوية، موضوعةٌ في مجال النقاش الغربي، وبعيدة عن نسقنا الثقافي الذي لم يتطور بعد ليشعر بأزمة المناهج وضرورة بناء النماذج الإرشادية. فسطوة اللاهوت ما تزال مسيطرة في مجتمعاتنا ولا ترفض حضور مصادر المعرفة الميتافيزيقية في تفسير الوجود، بل هي تحاول فرض وصاية هذه المعارف (النصوص) على كيفيات التفسير وترفض نتائجه المتعارضة مع منظومتها الإيديولوجية، ناهيك عن تدخلها في شروط البحث.
وأيضاً هناك التساؤل عن ضرورة البحث عن الميتافيزيقيا في مجال العلوم الطبيعية طالما أن الأمر متاح وغير مرفوض في مجال الإنسانيات حتى في الغرب، فلماذا نريد تقديم البراهين على الوجود الميتافيزيقي في مجال العلوم الطبيعية سواء من ناحية جدله مع المادة، أو من ناحية تدخله في تفسيرها ؟
الميتافيزيقيا التي تشتغل في بنية تفكيرنا في المجتمعات الإسلامية، يمثل الدين الجزء الأكبر والأهم فيها، ومن خلال معالجة مسألة الميتافيزيقيا في مجال العلوم الطبيعية لا نقف فقط عند نقد وتحليل فلسفات العلوم الغربية بل هي تمتد بالضرورة إلى نقد شروط التفكير الديني في تعامله مع واحدة من أهم المسائل التي تهم الإنسان وتشكل الخلفية الذهنية والمواقف التي ينتج عنها سلوكه وردود فعله، وصولا إلى التأثير على نظرياته التشريعية والاقتصادية والسياسية.
عندما نقارب مسألة علمية في إطار ديني، فإننا نقف على أرض خصبة بالصراع، والإشكاليات المعرفية، والتعقيدات الإيديولوجية. وفي وقتنا الحالي يخضع كل من العلم والدين إلى مجالٍ معرفي مختلف عن الآخر، وهذا ما يجعلنا بحاجة إلى إطار أشمل قادر على استيعاب هذين المجالين برؤية كونية تستجيب لتكوين الإنسان نفسه، والذي تخلَّق فيزيائياً وبيولوجياً وروحياً. فالإنسان بحكم طبيعة نشأته يتطلب معرفة تجمع وتؤلف بين مكوناته. فكما يضطرب بيولوجياً نتيجة اضطرابه نفسياً، والعكس صحيح؛ فإن عدم وجود إطار معرفي يجمع مابين حاجاته كلها، النفسية والبيولوجية والروحية والاجتماعية، سيؤدي إلى فصامات فكرية واضطرابات في هذه المجالات المعرفية المنفصلة.
ومهما حاولنا الجلوس في قاعة العلوم الإنسانية، فإن الإشكالية في العلوم الطبيعية تنعكس سلبا على منجزات الأولى، وقد حصل ذلك في الغرب سابقاً، حيث أن فصل القضايا الأخلاقية عن دائرة الدين لم يكن نتيجة برهان علمي، وإنما كانعكاس لفشل الدين في تحقيق مصالحة مع العلوم التجريبية.
إن الدين بما هو ميتافيزيقيا ضرورة وجدانية، والعلم ضرورة لاجتماع الإنسان وحياته، وبالتالي فإن إقامة مصالحة بينهما تخدم وتفيد كلا الطرفين، ويصبح الوجدان داعماً ودافعاً للعلم، ويصبح العلم داعماً للدين كي يتحرر من الكهنة والسدنة و المتلاعبين بعقول الناس من خلال الخرافات و الأكاذيب. ولكي يتحرر الدين من إسار سلطة الموروث الشارح والمفسر له، لابد أن يوضع تحت اختبار النقد والتمحيص العلمي والمعرفي.
لذلك نحن بحاجة إلى بناء منهجية معرفية تكامل بين مجالي العلوم الطبيعية والإنسانية، وقادرة على الكشف عن دور الميتافيزيقيا، حركة وتفسيراً، في قوانين الطبيعة وفي سنن الاجتماع الإنساني. وفي هذا انصبت جهود المرحوم حاج حمد في كتابيه العالمية الإسلامية الثانية ومنهجية القرءان المعرفية.
أما عن الافتراض القائل بإمكانية تكامل الدين والعلم على أساس أنهما يتبعان مجالين أو منهجين مختلفين، ولكل منهما دوره، ومن ثم يمكن للدين أن يقدم إجابات عن معنى الحياة وعن بعض الأسئلة الوجودية الكبرى، والمسائل الاخلاقية، دون أن نقحمه في القضايا العلمية. فإنني أرى بهذا المخرج نوعاً من الهروب، إذ كيف نطلب أجوبة عن أسئلة وجودية كبرى، ومسائل أخلاقية، دون أن نختبر مقولاته في الحديث عن أمور صنعها بنفسه (خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان وظواهر الطبيعة). وكيف نقبل ممن خلق، وشهد هذا الخلق، أن يرسل رسالة تقحم نفسها ببعض قضايا العلم ودور الله في الطبيعة ثم نجده يخالف العلم في ذلك.
أما مخاوفنا المتعلقة بفهم النص وتعدد التأويلات فهي ليست مبرراً لهذا الهروب، طالما أنها فهم بشري للنص وليست النص نفسه. عندما يقع النص تحت فحص المسائل العلمية المضبوطة، فلا ينبغي أن نهرب من هذا الفحص خوفاً عليه أو على إيماننا، لأنني أرى بهذا إيماناً كإيمان العجائز لا يقوم على يقين علمي. ومهما كانت درجة الإبداع في مقارباتنا للنواحي الأخلاقية والفلسفية، فهذا لا يكفي في زمن سطوة العلم وإنجازاته. وعدم إدراك دور الله في الطبيعة، ودخول الفروض الميتافيزيقية في مجال علومها، سوف يُحدث شرخاً في العلوم الإنسانية عندما نقاربها مع الدين، بحكم تأثير الطبيعة وقوانينها على حراك الإنسان الاجتماعي، إضافة إلى جانب تكوين الإنسان الطبيعي. فدون منهجية تأخذ بأبعاد الإنسان كلها الطبيعية والنفسية والروحية فستبقى منهجية عرجاء قابلة للسقوط في الفجوات والفراغات المتروكة في مجال العلوم الطبيعية دون إدراكٍ لوجود البعد الغيبي فيها.
وببسيط العبارة هي المشكلة القائمة بين العلم والدين، الميتافيزيقيا والفيزيقيا، وخصوصاً في مجاله الطبيعي، والتي تُركت لأصحاب الإعجاز العلمي ليخوضوا فيها دون منهج أو ضوابط علمية.
لذلك يهتم هذا البحث في الكشف عن دور الغيب (الميتافيزيقيا) في الطبيعة حركة وتفسيراً، وكيف يكون هذا الجدل بين الغيب والطبيعة الذي طرحه حاج حمد، وما هو دور الإنسان فيه.
الله والوجود
ثمّة تساؤلٌ جوهريٌ داخلَ كلّ إنسان، يطلب معرفة متى وأين وكيف يتدخل الله في حياتنا، وفي سيرورة التاريخ، وفي الطبيعة. وتبقى الكيفية التي يحضر بها الله في الوجود من القضايا التي تشغَل الإنسان البسيط والمثقف والعالم والفيلسوف. هذا الحضور للإله أو قوة عظمى بحده الأدنى (شعورياً) موجودٌ حتى لدى الكثير من العلماء أصحاب النزعة المادية في تفسير الوجود، فلا العقل ولا الوجدان بقادران على تنحية هذا الشعور والإحساس.
أعطى العلم في مجاله الطبيعي حرية كبيرة للإنسان في تعامله مع الطبيعة، وتقلصت مساحة الميتافيزيقيا في داخله بشكل كبير. ولم يؤدِّ ذلك إلى اختلاف الأجوبة على المسائل الميتافيزيقية وإشكالاتها القديمة فقط، وإنما اختلفت طبيعة الأسئلة ذاتها وحدودها وأفرزت قضايا جديدة لم تكن مطروحة من قبل. كلُّ ذلك كان له أثر رجعي على صورة الإله المرسومة في التصورات الدينية نتيجة الفجوة بين المعطى الإيماني المبني على تفسيرات تكرس الفاعلية الإلهية المباشرة، وبين المعطى العلمي الذي لا يرى أثراُ واضحاً للقوى الغيبية على حركة المادة. فأصبح الإيمان يواجه المعرفة دون مستند علمي، بل بمعرفة مناقضة في كثير من الأحيان لنتائج العلم ونظرياته. هذه الفجوة تتسع بتسارع خطى العلم، وبالتالي أصبحت صورة الإله بحاجة إلى إعادة صياغة جذرية.
في محاولة الإنسان لفلسفة ناتج العلوم، حاول ضبط مسائله الإنسانية بالكيفية نفسها التي ضبط بها العلوم الطبيعية ليفتح الباب أمام حرية الإنسان من خلال استثمار ناتج العلوم الطبيعية في مجال الإنسانيات، وبنقده لوجود أبعاد لا يمكن تفسيرها بكيفية وضعية أو مادية. ولكن هذه الحريةُ التي اكتسبها الإنسان عندما تمت فلسفتها جعلت الإنسان حراً بحدود حرية حركة المادة وجدلها، أي بحدود جبريتها، بما يجعله مستجيباً لمركباته الطبيعية ومحدوداً بها.
ربما يعترض البعض بما يراه ماثلاً من آفاقِ حريةٍ واسعةٍ للإنسان، اكتسبها نتيجة التفكير الوضعي، وهذا صحيح، لكن المسألة تمضي إلى نتائج هذه الحرية على المستوى الأخلاقي والتشريعي الذي لا ينسجم مع حقيقة التكوين الإنساني. فالإنسان الذي يرى أن اتساع الحرية الجنسية إلى حد الإباحية، تتوافق مع مركباته البيولوجية ونزعته الغرائزية؛ لا يرتضيها منهجاً للحياة ليس على مستوى الشعور فقط، بل على مستوى نتائجها الضارة على المجتمع ونظام علاقاته. وكذلك حرية الاقتصاد التي تنسجم مع رغبته الأنانية في كنز وحب المال، تؤدي إلى تفكك موازين التضامن الاجتماعي بما يؤدي إلى الاستغلال بمنطق القوة.
هذه المسائل حاول الإنسان الغربي ضبطها أخلاقياً بالمواثيق وأهمها ميثاق حقوق الإنسان، لكن هذا الميثاق لا يمكنه أن يكون فاعلاً في الواقع، لأن النهايات الفلسفية لما تمخضت عنه التجربة الأوروبية ذات النزعة المادية الوضعية، تقوم على مبادئ الصراع والتضاد والانتخاب الطبيعي (البقاء للأقوى والأصلح) في جدل الطبيعة، والتي أفرزت نظريات وآليات اقتصادية وسياسية لتقنين هذا الصراع لا تفضي إلى مجتمع السلم. يقول حاج حمد: ” إن التأويل الفلسفي للعلم ينتهي بالضرورة إلى لاهوت الأرض في شكله التحليلي الماركسي.
وفي المقابل نرى بوضوح، من خلال الوقائع اليومية في كل مجالات الحياة، أن المنهاج العلمي لحياة البشر أو الذي كرست الحضارة الاوروبية تطبيقه حياتياً، قد أدّى ويؤدي وسيؤدي إلى نتائج وخيمة أقلها انسحاق الإنسان في عالم الأشياء وارتباطه بالجبرية المادية…….
إن أي محاولة جذرية لإيجاد بديل حضاري فلسفي لمنهاج حياة البشرية تتطلب خروجاً واضحاً على لاهوت الأرض، أي على تجاوز الإحالة الفلسفية للحقائق العلمية في وحدتها. ويستحيل هذا الأمر مادام الإنسان كائنا ينبثق في تركيبه من الوجود الطبيعي، ويمتد بتركيبه فيه، كما يستحيل مادام الوجود كواقع ينعكس مباشرة عبر العلميات الجدلية على فكر الإنسان. إنه جدل صعب لايمكن تجاوزه ضمن اتجاهات اللاهوت الأرضي، وضمن الاعتماد على تأويل الحقائق العلمية كمصفاة لعقل الإنسان في بناء تصوره الكوني وعلاقته بالوجود”[7]
هذا التأويل الفلسفي الذي يمثِّل النموذج الإرشادي للغرب، لا يمكنه أن يوفر آليات ضمان وحماية لحقوق الإنسان عادلة وموضوعية، وإنما تكون هذه الآليات- كمجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان والأمم المتحدة – فاعلة في إطار مصالح القوى العظمى والدول الكبرى. وهذا مانراه وندينه من مواقف سلبية تجاه فلسطين ودول العالم الثالث تتخذها هذه المجالس والجمعيات والمنظمات. فرغم أن الدوافع الأخلاقية المتراكمة خلال آلاف السنين أفضت إلى ميثاق حقوق الإنسان، إلا أنه تم احتواء هذا الميثاق بما تعطيه الفلسفة الوضعية من مواقف نفعية وذرائعية مركبة على منطق القوة والصراع.
ومن جهة أخرى فإن التشريعات والنظم الاجتماعية والاقتصادية التي لا تعي تلك الحاجات البيولوجية و الغرائزية وتقوم بتقييدها إيديولوجياً، فإنها تعمل ضد قانون الطبيعة مما يؤدي إلى أمراض نفسية ونفاق داخلي يجعل الإنسان يفتي تبريراً ويخفي داخله شخصيةً مزدوجة.
إذن مسألة (الحضور الإلهي) تفرز إشكالياتٍ تختلف باختلاف ظروف إنتاج الفكر، وتكون إجاباتها محكومة بنفس هذه الظروف المحددة لطبيعة الإشكال. وبما أن طبيعة الإشكال نفسه متغيرة بتغير ظروف الواقع وشروطه الفكرية، فإن هذه الإجابات ترسم صوراً مختلفة للإله تعكس النسق الثقافي نفسَه. وينعكس ذلك على جميع المسائل التي تنشأ عن صورة الإله، من قضايا تشريعية وفكرية وثقافية تحاول رسم العلاقات بين الإنسان والله.
فمن أجل فكر تجديدي حقيقي، لابد من إعادة النظر في تحديد علاقة الله بالوجود في ضوء العلوم والمعارف الحديثة، وبناء رؤية قادرة على الدفع بعملية التغيير والتحديث والنهوض بالإنسان وإخراجه من ظلمات الجهل والفقر إلى نور العلم والحياة الكريمة.
لقد تعلمنا من ثورة مصر وتونس درساً قويا، إذ أن جميع أجهزة الاستخبارات والدراسات الاستراتيجية والدولية لم تتنبأ بمثل هذا الحدث لا من قريب ولا بعيد. وجميع هذه المؤسسات تدرس الواقع وفق المعطيات المادية والمحسوسة. لكن هذه المرة لم تكن الشروط المادية هي التي أنتجت هذه الثورة. نعم لا يمكن أن ننكر الأبعاد المادية كالفقر والقهر والظلم، لكن لم تكن جميع الدراسات والتنظيرات وما خفي من أمور استخباراتية بقادرة على توقع هذا الحدث.
هل يمكن تقديم دليل على أن الشروط المادية السياسية والاقتصادية والمناخ الثقافي والفكري كان يهيئ لمثل هذا الحدث الضخم؟؟؟؟؟ وهل استيقظ شيء ما داخل الإنسان المصري نتيجة صحوة الإنسان في تونس؟؟ وكيف نهض وثار الإنسان في ليبيا بعد أن كدنا نظن أن عقدته لن تنحلَّ إلا بتدخل قوة خارجية، ولكنه واجه الرصاص الحي بجسده وأثبت أن إرادة الإنسان بالحرية أقوى من جميع القوى المادية (السلاح والمال).
الله موجود في الإنسان بنفخة الروح التي فطر عليها كإنسان عاقل له كيانه الذي لا يمكن حصره بالمعطى الطبيعي وقانونه، وعندما تعامل الحكام مع شعوبهم كقطيع من الحيوانات ثارت تلك الروح على من أراد مسخها.
ومن جهتها لم تستطع الحركات الإسلامية وأدبياتها بما تملكه من حمولة أيديولوجية أن توقظ هذا الإحساس وتشعل ثورة الإنسان على الظلم لعقود طويلة، وذلك رغم طبيعة مجتمعاتنا المتدينة. ولم تفرز هذه الطبيعة مطالبات بدولة إسلامية وإنما المطالبة كانت بدولة مدنية تشرع لنفسها، ولم تجرؤ الحركات والتنظيمات الإسلامية سوى أن تحاول التسابق للمطالبة بدولة مدنية وهي التي تؤمن في أعماق ذاتها بأن الدولة الإسلامية الإيديولوجية هي الحل.
على الحكام العرب أن لا يركنوا ويطمئنوا لقبضتهم الأمنية أو لقراءة الوضع متجاهلين أن في الإنسان روح لا يقاس تصرفها بحساباتهم الاستخباراتية أو الأمنية (المادية)، وعلى الأدبيات الإسلامية أن تتعرف أكثر على ميكانيزمات النهوض والتغيير والإصلاح بعيداً عم آيديولوجيتها وتفسيراتها اللاهوتية لحراك الإنسان الاجتماعي. أما الغرب فعليه أن يعي تماماً الفارق بين التغيير القسري من الخارج (العراق) وبين التغيير عندما يأتي من الداخل (مصر)، وهنا كان الداخل حقيقي دون إي شعار طائفي أو حزبي أو عرقي، فهي أمة (منكم)، {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير}، وليست (عليكم) أو (فيكم) حسب الكيفية التي فسر بها حاج حمد {أولو الأمر منكم}. وعليه أيضاً أن يعيد النظر بفلسفته المادية القائمة على المصلحة والمنفعة الذاتية، التي كان يدعم من خلالها هذه القوى الدكتاتورية، وأن يدرك من خلال ما تفاجئ به من ثورات في الشرق الأوسط أن ثمة بعد غير مادي في صيرورة التاريخ.
من هنا تبدو مسألة البحث في الكيفية التي يحضر الله بها في الوجود، ذاتَ علاقة بمواضيع كثيرة وشائكة، وتؤسس لأرضية معرفية تأخذ باعتبارها الجوانب الغير مادية في حركة التاريخ والسلوك الإنساني، و لا تقع أيضاً في التفسيرات الإعجازية.
إن قضية الإيمان بوجود الله ليست مسألةً صوريةً أو يمكننا أن نقول أنها شخصية، بما أن سؤال الكيفية يمتد عنها و يشتغل بشكل فاعل في بناء النماذج الإرشادية؛ تلك التي تجمع ناتج النشاط الإنساني لبلورته وتقوم بتوجيهه والكشف عن بنيته القيمية والأخلاقية ومحركاته، وتشكل المرجعية الفلسفية للعلوم و التشريعات وفهم السلوك الإنساني.
لقد كان توصيف دور الإله في الوجود وتأصيله عقائدياً قبل الثورة العلمية يتم من خلال جملة من المعطيات (الثقافة والأعراف والسياسة والمعرفة إلخ….)، ولكن المعطى المعرفي كان يمر من قناة الحدس والتأمل المختلط بالتصورات اللاهوتية.[8] وفي موروثنا الديني بشكل خاص فإن علاقة الله بالوجود بنيت على جملة رؤى أسطورية مؤدلجة توراتياً تريد أن ترى الله حاضراً في الوجود بشكل محسوس وخارق، وتؤصل لهذا الحضور إيديولوجياً وتجعله من متعلقات الإيمان وضروراته. وهي المرحلة التي وصفها الحاج حمد بالحاكمية الإلهية وحاكمية الاستخلاف، التي اتسمت بها الدورة التاريخية لبني اسرائيل حيث كان الله يباشر حاكميته بشكل محسوس وخارق. وامتد تأثير العقلية التي تطلب هذا التجلي المباشر لتنطبع بها تفسيرات النص القرءاني. ولكن حكمة الله اقتضت – لعلمه بصيرورة تطور البشرية- ختم النبوة وإنهاء حالة الحاكمية الإلهية التي لا تتسق في منهجها مع العقلية العلمية.
في ظل النظريات العلمية الحديثة تقلصت مساحات الفعل الإلهي – حسب التصور اللاهوتي- في مواجهة التفسير الاختباري والعلمي لعلاقة السبب بالنتيجة مادياً. ولكن نشأت مقاربات جديدة انتقل فيه الإعجاز من صورة نمطية إلى أخرى، كمقاربات الإعجاز العلمي ومحاولة ملئ الفراغات التي لم تفسر علمياً بعد، وحشوها بما يعقلِن المنحى الإيديولوجي. هذا على مستوى الجزئيات. أما على مستوى النظريات فلم يكن بالمقدور إحداث مقاربات تمس الأصول الاعتقادية الرئيسة. فنشأت مواجهات التف عليها المنطق اللاهوتي باستثارة النعرات الإيمانية والخداع العلمي، كما هو حاصل في مواجهة نظرية التطور بنظرية الخلق التي لا تستند على أي أساس علمي وتضرب بعرض الحائط الدليل الأركيولوجي. وكما حصل أيضاً بتطور العلوم الاجتماعية والسياسية التي نتج عنها ميثاقُ حقوق الإنسان الذي لا يتوافق مع ركائز هذا الموروث الديني.
بعد عصر التنوير أصبح العلم التجريبي وخصوصاً في مجال العلوم الطبيعية حاضراً بقوة في بناء الفلسفات.وبما أن الفلسفة، بما هي محاولة لربط تفاصيل الواقع والكشف عن آلياته والقيم الكامنة فيه ابتغاء تحسينه ودفعه نحو المستقبل، فهي تستثمر الأفكار المحورية في حاضرها. لذلك أصبح العلم المبني على التجربة والإدراك الحسي بما حققه من إنجازات؛ السلاح الأمضى في الصراعات الفلسفية، ولا يمكن للفلسفة أن تتجاهل منجزاته.
ويقف الدين بحكم كونه الجزء الأكثر رسوخا وأصالة في الذات الإنسانية، كقوة مكافئة للعلم التجريبي في تأثيره على الفلسفات وعلى مؤطرات نماذج تفسير الوجود وحركته، وذلك من ناحية إنكاره أو مقاربته؛ بشكل جزئي أو كلي. وعلى الرغم من أن العلم التجريبي قد تمكن من تقزيم دور الدين في مجال العلوم الطبيعية، إلا أنه مازال فاعلاً ومؤثراً في مجال العلوم الإنسانية.
لقد حاول الكثير من الفلاسفة سحب ناتج العلوم الطبيعية على مجال الاجتماع، وتأسيس فيزياء اجتماعية كمحاولة توماس هوبز[9] وجون لوك[10] مثلا، وكذلك هولباخ[11] وديدرو[12] في الأخلاق. وبظهور نظرية التطور الداروينية، اتخذ المذهب الطبيعي من القوانين البيولوجية مستندا لتفسير سلوك الاجتماع الإنساني، واعتُبر الإنسان بأخلاقياته امتدادا للتكوين الطبيعي. ولكن محاولة تطبيق ناتج العلوم الطبيعية على المحاور الإنسانية فشل في تحقيق فلسفة متماسكة ومقنعة، وذلك لاختلاف مناهج البحث في المجالين إضافة إلى الفلسفة المنقوصة للعلوم الطبيعية التي تجاهلت جانب التركيب في المادة، يقول حاج حمد: “بل حتى لا يمكن القول بأن هناك فلسفة مخاصمة للدين تتخذ صفتها من إحالة قوانين العلوم الطبيعية إلى (فلسفة) وأخلاق اجتماعية بكيفية وضعية أو مادية (1)، فقانون العلوم الطبيعية نفسه يحمل إلى جانب التضاد في حركة المادة وهو جانب (السلب) (2) جانبا آخر هو (التركيب) وعبر (وحدة المضادات) الجدلية، والتركيب هو الأس الفلسفي لمبدأ الغاية، فلا يكون التركيب حليبا من لبن صاف إلا وليشربه الإنسان، والغائية في الوجود الكوني الطبيعي تحمل (هدفيه) نقيضه للعبثية(3) ، والهدفية تتضمن (الرحمة) والرحمة أساس العلاقة بين الخالق والكائنات : فحتى فلسفة العلوم الطبيعية لا يمكن أن تتحول إلى فلسفة (بهيمية) متى عالجت مبدأ (التركيب) في الحركة الكونية المادة كما عالجت مبدأ النفي والتضاد”[13].
مع تطور العلوم البيولوجية وعلوم الفيزياء تبدلت معطيات العلوم التي بنيت عليها الفلسفات المادية، وساندت علوم الإنسان( الأنثروبولوجيا، والأديان ومقارنتها وتاريخها، والحفر الأركيولوجي) على تحرير العلوم الإنسانية نوعا ما من قبضة المادة والتأصيل الطبيعي لها.
إذن العلم التجريبي نفسه الذي فرض مناهج تفكير حاولت اختزال الإنسان في مركباته الطبيعية، هو نفسه الذي أثبت أن جوهر الأنسنة (الأخلاق والشعور والإدراك) لا يمكن إخضاعه للقياس والإدراك الحسي فقط. فالنظرة المادية محصورة بين فكي تطور العلوم من جهة، و فشل محاولة سحب ناتج العلوم الطبيعية على العلوم الإنسانية من جهة أخرى.
ولكن، لا يمكننا أن نعالج أزمة الفلسفة المادية بمنطق لاهوتي يستثمر النقد من أجل حشرها في تقديم إجابات على أسئلة مفصلة مسبقاً دون أن نعي المقدمات وجذور الأزمة. لأن منطق اللاهوت يطرح إشكاليات ماضوية مفصلة على مقاس الأجوبة. فهو ينطلق من قناعات مسبقة يقوم بمنطقتها، وتتولد الأسئلة والأجوبة من داخل المنظومة الأيديولوجية نفسها والمنفصلة عن الواقع المعاش، وبالتالي يتم سحب مشكلات الفلسفة المادية والوضعية من أجل الرهانات الأيديولوجية وترسيخها في الواقع الاجتماعي.
تستشف الفلسفة روح العصر وعلومه وجزئياته وتضعها في قوالب تفسيرية وإرشادية تقرأ بها الوجود، وبذلك تكون إطاراً ضابطاً لفهم علاقات الوجود وحركة المادة وصيرورة التاريخ. ويقف في مقابل هذا المعطى المعرفي الذي يمر من مصفاة العلم؛ المعطى الإيماني الذي يدفع للإيمان بوجود الله، ويقف عند محاولة تفسير دور الله في الوجود لتتداخل الأمور بمحاولة تأويل النصوص واتخاذ مقاربات مع الفلسفات والعلوم المعاصرة، مختلفة، سواء شاملة أو جزئية، والدين هو المحور الرئيسي الذي يتمثله الإنسان للربط بين المعطَيَين المعرفي والإيماني.
الأديان تتحدث عن هذا الإنسان تاريخه، تكوينه، معاشه، علاقته بالطبيعة، وعلاقته بما وراء الطبيعة. ومن الخطأ حصر فهم الدين في مجال معرفي محدد. جميع العلوم (بيولوجيا وفيزياء وتاريخ واقتصاد وسياسة إلخ…) هي ناتج إنساني، أي معبرة عن طاقات جملة الوعي لديه. لذلك حتى نفهم كيفية حضور الله في الوجود لابد من التعامل مع كافة الإمكانيات التي تعطيها جملة الوعي، أي مع كل العلوم والنظريات الممكنة، وهذا عمل لا يمكن أن يكون فردي.
أما الذين يريدون وصاية على الدين ويحددون المناهج والمعارف التي يُفسَّر بها، فهؤلاء يريدون مسخ طاقات الوعي الإنساني ومسخ الدين، ولن يدركوا حضور الله في الوجود إلا باشتراطات تغّيب العقل وتقلص حدوده. لكنهم حقيقةً وإن كانوا على قناعة ضمنية بأن مسخ العقل يرفع من دور الله في الوجود، لكن هذا الإله الذي يرسمونه في مخيلتهم يتحول إلى إله عاجز عن النهوض بشعبه ونصره إلا بكيفيات إعجازية وخارقة لم ولن تتحقق، أو بإله يطلب القرابين الطقوسية، وعندها تتحول العبادات التي ترتقي بالإنسان وتسمو به؛ إلى واجبات وظيفية تستمطر عطف الإله ومكافئاته الأخروية. أو كما يقول حاج حمد، تصبح عبادة الله كمنطق المقايضة التجارية.
إن حصر العلوم التي تدرس الدين في قراطيس هو اختزال للإنسان، واختزال للإله في صور صنمية يتم رفعها في المعارك الإيديولوجية فيخفون ويبدون مايريدون منها. { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)} الانعام.
وقرطس أي أصاب الغرض كما في معاجم اللغة، والقراطيس إذا هي ما يكتبونه ليصيبوا به غرضهم بعملية الإخفاء والإبداء.
الذي يؤمن بالله ثم لا يدرك كيفية حضوره في الأحداث المحيطة به سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، فإن هذا الحضور سيغيب أيضاً عن سيرورة حياته فعلياً، وتتحول علاقته بالله لأداء طقوسي وتأديةِ واجبات لينال في الآخرة محرمات الدنيا. فهي مشكلة المؤمنين مع إدراك حضور الله في الوجود، “مشكلة (يخفونها) مع الله بحكم الآداب الإيمانية أو الخشية من أن ينعكس عليهم ما يمكن أن يبدوه على مصيرهم في الآخرة. فهؤلاء المؤمنون لا يرون أن الله يمارس تدخلا و حضورا بما فيه الكفاية لحل التحديات التي تواجههم في العالم و في فلسطين خاصة, فهناك (عتب إيماني مكبوت), و لكنه ينتهي إلى الشعور بالعدمية مما يدفع للبحث أيضا عن وسائل عملية لحل الإشكاليات و التحديات بما تتجاوز في كثير من الأحيان توجيهات الله و وصاياه ثم (تأويلها) بكيفية ما تجعلها لائقة مع نصوصهم الدينية بكيفية فهمهم لها, و مع مصالحهم المناقضة لهذه النصوص, و هناك مختصون بمفهوم (الوسطية) يماثلون مهمة (المحلل) للنكاح مجددا بعد الطلقة الثالثة”[14]
ولكن كيف تتحول تلك النزعة الإيمانية بداخل الإنسان-والتي ينادي بها حتى الكافر عندما تعتصره الأزمات وتحيط به المصائب- إلى معرفة بكيفية وجود الله في الأحداث التي تحيط بنا وتمسنا وتؤثر علينا. {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22)} يونس.
وماهي حدود وامتداد هذا الحضور في تصورنا لحرية الإنسان ومسؤوليته عن فعله؟
هذه التساؤلات تنتهك الاطمئنان الذي تخلقه النزعة الإيمانية داخل كل إنسان. وهي محور الاعتراض على الإيمان بالله الذي تجلى في القرءان بصور مختلفة في الصراع بين الأنبياء والأقوام التي أرسلوا إليها، فكانوا يسألونهم معجزات تثبت حضور الله في الواقع، ويسألون رؤيته، وينكرون قدرته.
إذن لم تعد القضية في ضوء سيطرة العلم حديثاً وإمكانية التفسير العلمي للكثير من القضايا، وفي ظل فلسفات ليبرالية ووضعية أزكت ودفعت بمسألة حرية الإنسان إلى الواجهة، في مقابل موروث ديني مازال متأخراً بشكل كبير عن ميثاق حقوق الإنسان بل ينهاضه في اثنين من أهم أسسه، حرية العقيدة والفكر؛ هنا لم تعد مسألة استدلالات منطقية أو براهين صورية أو عقائدية باستخدام العقل فقط. فعلى مستوى العلوم الطبيعية؛ هناك تفسير وتحكم بالكثير من الأمور التي كانت تنسب للقوى الغيبية، وبتطور الاكتشافات العلمية والمعارف المختلفة يتم تغييب دور الإله، يقول حاج حمد: ” فالحفر المعرفي بكافة مضامينه و أشكاله, و المنطقية المعاصرة حتى في نقدها لدغمائية الوضعية الكلاسيكية و تحريرها لفلسفة العلوم الطبيعية منها, و دخول الجميع مجالات التاريخانية و الألسنية إلى تحليل النصوص و المقدس منها بالذات. كل ذلك يشكل أزمة اختبار للفكر الديني و لمفهوم الإله, فتغييب الإله يمضي تدريجيا” [15]. لقد أصبح كما يقول هويمارفون ديتفورت في كتابه تاريخ النشوء (أزمة سكن إلهي). فعند كل فجوة لا يفسرها العلم تقوم الإيديولوجية بملئها، ثم عندما يقدم العلم تفسيره يبدأ الحرج وتبدأ التأويلات والتبريرات بالكشف عن وجهها.
أما على مستوى العلوم الإنسانية، فرغم أن الفروض الميتافيزيقية تدخل في خطة بحثها، ولكن هذه النظريات ما لم تُفضِ بنتائجها إلى ما لا يناقض حقوق الإنسان، فإنها لن تكون إلا تركيبات محلية وإقليمية بذريعة الخصوصية الثقافية والاجتماعية، ولن تصمد أمام ضغط العولمة وما ينجم عنها من تداخلات ثقافية وحضارية.
إنها مسألة مناهج “فإذا كان المنهج مادياً في تصوره للكون، ينتج أفكاراً لا تكون إلا مادية تغلق الوجود وحركته على قانون التركيب عبر وحدة المتضادات بشكل جدلي مادي، وفي كل الاتجاهات العلمية من الطبيعة وإلى الإنسان، وإذا كان المنهج لاهوتيا- ولا أقول دينيا- يتصور الوجود وحركته في إطار الجبرية الغيبية المطلقة، ولا يحق له – ضمن منهجه هذا ولو أراد- أن يتفوه بكلمة عن الحرية أو الاختيار وإلا فارق المنهج المحدد والناظم للأفكار وأصبح انتقائياً وتوفيقياً”[16]
المنهج اللاهوتي أغلق الطريق أمام العقل، لأنه اتخذ من الأنساق الفكرية الموروثة منهجاً له، وبالتالي لم يعد للعقل من دورٍ إلا إتباع قول الآباء، يقول تعالى: { بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22)} الزخرف. والأمة هي المنهج. فإبراهيم كان أمة {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)} النحل. ومنهج إبراهيم هو منهج الشك والبحث في الوجود وفي كيف تنشأ الحياة من الموت:
{ وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)}الأنعام.
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)} البقرة.
أما من يتبع مناهج الآباء ولا يحنف عنها ولا يسير في الأرض بحثاً فهؤلاء فمناهجهم هاوية {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9)} القارعة.
عندما لا يتفاعل العقل مع واقعه ومكوّناته، يصبح طريق الحرية والاختيار مغلق، فالعقل أداة ربط (عقال الناقة)، ولا يمكنه أن يربط بين واقع، وبين منهج ناشئ عن واقع مغاير. فذلك إسقاط مستحيل لا يتم إلا بتغييب حرية التفكير والاعتقاد، كي يَسهُلَ كَفْرُ الشروط الفكرية لواقعه. فمن الطبيعي أن لا ينسجم الفكر اللاهوتي مع ميثاق حقوق الإنسان لأنه بحاجة إلى تفكيك منهجه بداية.
الفلسفة التي تسعى لفهم الوجود بكيفية مادية أو لاهوتية، ستؤدي إلى نتائج فكرية وفلسفات و تشريعات منسجمة مع مبادئ المنهج نفسه ولا يمكن الهروب منها. وستؤدي في النهاية إلى تغييب العقل (المنهج اللاهوتي) أو إلى نهايات فلسفية ذرائعية ونفعية وأخلاقية بهميمة (المنهج المادي).
قد لا يعي العقل المسلم هذه الإشكاليات المنهجية، لأن نسقه الفكري لم يتعامل مع مسائل جدل الإنسان و الطبيعة، “وهما جدلان متولدان في أحشاء التجربة الأوربية ومنذ القرن السابع عشر وفي إطار المعركة ضد اللاهوت والميتافيزيقيا”[17]. والواقع الإسلامي لم يعش هذه التجربة حتى يعاني من إشكالاتها.
الإشكالات التي يعالجها حاج حمد تتعلق بالظروف المحيطة التي أدت إلى نشوئها، والأسئلة التي يفرزها تصور علاقة الغيب بالواقع، أو جدل الميتافيزيقيا والفيزيقيا، ونقد النهايات الفلسفية المادية التي خلقت لاهوتاً جديداً نستعيض به الفاعلية الإلهية بقانون كوني شامل. ومع فشل العلم التجريبي في تحقيق هذه الاستعاضة، حدثت ثغرة كبيرة بين نتائج العلم والحامل الفلسفي لها. ولم يعد من الممكن استبعاد الميتافيزيقيا من ساحة العلم على مستوى تفسير جدل الطبيعة نفسه. فالذات الإنسانية الناظرة في هذا الجدل والتي لا يمكن إخضاعها من حيث الدرس للمنهج التجريبي والإدراك الحسي فقط؛ تدخل على موضوعات الواقع بجملة وعيها. وفيزياء الكم على المستوى التحت ذري أثبتت عدم إمكانية فصل الذات عن الموضوع، أي أن المراقب له تأثير على المادة نفسها. وبالتالي فإن فصل الغيب عن الواقع يبدو مستحيلاً حتى على مستوى العلوم الطبيعية من حيث خصائص الواقع الطبيعي نفسه ومن حيث الذات القارئة لهذا الواقع. فثنوية (ذات /موضوع) المنفصلة لم تعد تصلح كمبدأ في ظل العلوم الحديثة في مجالها الطبيعي، وهي مستحيلة الفصل بشكل أكبر في العلوم الإنسانية.
بالرغم من أنه في حقل العلوم الطبيعية، يحاول العقل العلمي أن لا يرى تدخلا إلهيا فيها، وحقق خطواتٍ كبيرة في مسيرة تأليه السببية الطبيعية. ولكن تطور العلم أثبت أنه ثمّة مناطق ميتافيزيقية لا يمكن الهروب منها. فنحن إذا ذهبنا إلى نقطة الماقبل، أي ما قبل نقطة الصفر التي انطلق منها الكون، فثمة نظريات فيزيائية حديثة قادرة على تفسير نشوء الكون ذاتياً- كالتي طرحها الفيزيائي اللامع ستيفن هاوكنج- لأنها لا تفترض وجود بداية ونهاية للكون، بل إنه وجودٌ أزليٌ قادرٌ على إنشاء ذاته بذاته. ولكن تبقى مسألة القانون الطبيعي الذي تستعصي نشأته وأصله على الفهم، تُثير إشكاليات وأسئلة وفروض ميتافيزيقية تتعلق بدور قوة ما في نشوئه.
إن عقل الإنسان ذو منشأ كوني وبالتالي فمعرفته محدودة في إطار الكون، ولا يمكنه إخضاع ما هو خارجُ أصل نشأته، و فوقها، إلى القياس والتجربة التي تختبر ما هو محسوس و ناشئ عن هذه القوانين. والمسألة ليست قانون منشئ للمادة، إذ القانون هو تصور تجريدي لا ينشئ شيئاً دون مادة موجودة، وبالتالي هذا يفترض أزلية المادة الأولى، التي نشأ الكون عنها. أما حركتُها، وصيرورتها، وتعقدها، فإنها تَتْبَعُ نَمذجةً رياضية قابلة للتصور والتعقل من قبل الوعي البشري، ولكنها لا تذهب إلى ما قبل لحظة وجود القانون إلا بافتراضات فيها الكثير من الميتافيزيقيا، ومرتبطة بشكل حميم بتعليل ما هو لاحق، لأننا نكون قد دخلنا في المنطقة التي لم تُشكِّل العقل. فهي مرحلة ميتافيزيقية خالصة وما وراء عقلية. والعقل الذي اكتشف القانون الرياضي ذو منشأ كوني انطبعت فيه هذه النماذج بكيفيات قبلية، وتبقى مسألة ما قبل النموذج هي المسألة الميتافيزيقية التي لا يمكن اختبارها بالشروط والقوانين المابعدية.
إننا بالعودة إلى نقطة الصفر حين بدأ الانفجار الكبير، نقف عند بداية الزمن، وقبل ذلك لا يوجد زمان ومكان، إذ تنهار جميع النماذج الرياضية والقوانين الفيزيائية بدون عامليّ الزمان والمكان، وبالتالي لا يمكننا التفكير في هذا الماقبل، ولكن يمكننا أن نقدم افتراضات متعددة، تعتمد على معقولية النسق ومنطقيته، ولكنها ستبقى مفتقرة للدليل المادي، لأننا نتحدث عمَّا قبل المادة والزمان، وهنا لا يمكن أن تُستبعد الفروض الميتافيزيقية.
نحن نفكر ونتخيل من خلال الزمان والمكان، ودونهما لا يوجد طريقة لبناء أي نظرية متماسكة. لابد أنَّ ثمَّة (ماقبل) للانفجار الكبير، منه و به حدث، وهذا (الماقبل) دخل بعلاقات مع العالم الذي تسبب بحدوثه، والذي لا ندرك منه شيئاً إلا من خلال هذه العلاقات. فالله ليس كمثله شيء، ولكننا نحاول إدراكه من حيث أسمائه وصفاته التي اشتبكت بالوجود.
إذن على المستوى العلمي وبأقدر النظريات على تفسير وجود الكون، لا يمكن استبعاد أو سدِّ الباب بوجه الأسئلة الميتافيزيقية. ولكن سؤالنا كمؤمنين بالله، لا ينحصر فقط عند علة الكون الأولى، سواء من حيث المادة أو القانون.
أما إذا نظرنا للموضوع من ناحية العلوم الإنسانية، فإن تشويشات الخصوصية الثقافية والعادة الاجتماعية تكون ذات تأثير كبير، حيث تتداخل الذات بالموضوع بشكل كبير. ويمكن من ناحية العلوم الإنسانية أن نقيم حُججاً ذاتوية على صحة المقولات الأخلاقية و الاعتقادية المرغوبة، وكذلك تجاهل الحصانة العلمية والانحياز لنسقنا الثقافي. فهناك عدم دقة وانضباط في طبيعة العلوم الإنسانية، و كذلك انحياز في محاولات فلسفة هذه العلوم. وينشأ بناء على ذلك نزعات فلسفية تستمد مشروعيتها من الحالة الثقافية والمعتقدات التي يتمثلها المجتمع.
بما أن دراسة العلوم الإنسانية تستعصي على فصل الذات عن الموضوع، إذاً تبقى الفروض الميتافيزيقية حاضرة بشكل قوي وكبير في مجالات اشتغالها، وبالتالي فإن مسألة معرفة الكيفية التي يتدخل بها الله في حركة التاريخ والاجتماع الإنساني مرتبطة بدراسة حقول المعرفة الإنسانية بشكل قوي، ومنها الدين وعلومه.
إنَّ كلا العلوم الطبيعية والإنسانية بمنهجيهما الاستنباطي والتجريبي، لم تستطع استبعاد الفروض الميتافيزيقية، فثمة بعد غير مادي يضع نفسه كبعد من أبعاد الإنسان ويتدخل في تفسير الوجود. فهو ذو طبيعة جدلية مع الذات الإنسانية، والإنسان في أبعاده الأخرى ذات المنشأ الطبيعي يتداخل مع هذه الجدلية. وبالتالي تكون جدلية الغيب والإنسان والطبيعة تعبيرٌ صادق وحقيقي ليس عن كيفية الوعي بالوجود فقط، وإنما عن صيرورة المعرفة البشرية، وعن حقيقة الوجود نفسه.
تبدو مسألة الميتافيزيقيا، سواء في العلوم الإنسانية أو الطبيعية، متداخلة في الكثير من النماذج المعرفية، وهي تستمد مشروعيتها من نتائج العلم الحديثة في الفيزياء و البيولوجيا، وهذا سيكون أحد محاور البحث اللاحقة، والتي تحدث عنها حاج حمد باقتضاب في المجلد الأول من العالمية.
إذاً السؤال عن دور الله في الوجود يستدعي سؤال المنهج الذي يُعالَج به الموضوع، والمنهج ما لم يتوافق مع مركبات الإنسان كلها فسوف يؤدي إلى نهايات فلسفية تختصر أحد هذه المركبات التي استبعدها بداية. وعندها لن يتوافق الناتج الفلسفي مع تحقيق شروط الخلافة و ما تتضمن من مفاهيم السلام والحرية والعلم بالحق. ولن تكتشف الحقَّ في الخلق.
وبالتالي تطرح مسألة الحضور الإلهي في الواقع جملة من الاسئلة منها:
هل يقتصر فهم وجود الله على أنه العلة الأولى لوجود الكون، أي بمثابة الصانع الذي يعمل الآن مراقباً لما صنعه؟ أم أنه مازال يتدخل في إدارة الكون؟ وعلى أي مستوى يكون هذا التدخل، وما هي حدوده، طالما أن العالم الطبيعي يمكن تفسيره – في معظمه- بالسببية الطبيعية؟
وما هي حدود العلاقة بين إرادة الإنسان وإرادة الله في ظل مسؤوليته التي يحاسب عليها؟
ثم ما هي حدود هذه المسؤولية بين تركيبه البيولوجي اللاإرادي وتركيبته النفسية التي لم يكن له تحكُّم بها في أهمّ مراحل تكوينه النفسي، وبين ما اكتسبه حراً بنفسه؟
وكيف نقرأ الرحمة والعدل (صفات الله) في سيرورة حياتنا التي لا نملك حرية صناعتها في جوانب كثيرة؟
وكيف نعي حضور الله في عالم متصارع، وكيف يتحقق نصره، وماهو دور الفطرة التي لا تبديل لها في حراك الإنسان، ومدى تأثيرها على سنة التاريخ ؟
وهل يمكن للنظرة المادية أن تحجب دور الله في التاريخ بالقدر نفسه الذي حجبت به دوره في الطبيعة؟
وهل سيتمكن الإنسان من ضبط قوانين الاجتماع الإنساني وحراكه بمستوى الضبط في القانون الطبيعي وعندها يمكن الاستغناء عن الرب؟
وهل سنة التاريخ تتغير وتتبدل ويستحيل تحديد سنة تاريخية يمكن سحبها على جميع الدورات التاريخية؟
لا يمكن الإجابة عن هذه التساؤلات في بحث صغير أو كتاب، ولكننا نثير الأسئلة ونثير ماحولها من قضايا لتحفيز العقل للبحث عن إجابات لها.
هذه الأسئلة جميعها، وغيرها، دفعت بالحاج حمد نحو القرءان كما قال هو بنفسه في جواب على سؤال في مقابلة مع أحمد الديري:
” المشروع بدأ منذ 1975م وصدر في 1979م. القضية التي أنطلق منها في البداية وقبل أن أعالج النصوص، هي قضية ذات منهج نقدي ابتسمولوجي.أي قبل ظهور مجلدي (العالمية الإسلامية الثانية- جدلية الغيب والإنسان والطبيعة) وأنا أنطلق من التساؤلات. في عام 1975م والتي تكاد تكون محرجة للغاية ولكنها كانت مدخلاً، كنت في بيروت أرى قصف الطائرات لمخيمات فلسطين واحتراق الأطفال. وقتها كنت أتساءل عن رحمة الله سبحانه وتعالى، وعن أساسيات التجربة البشرية في الوجود المعرّضة للنكبات و الفيضانات والسيول والظلم الاجتماعي.
عدم التوافق مع الطبيعة كأنها ثائرة ضد الإنسان والإنسان ثائر ضد نفسه، فأين الوجود الحقيقي لله في إدارته للكون بهذه المواصفات؟! وذلك مع التزامي الإيماني ؟!”
لايكفي أن نقول أن الله موجود، ولكن كيف هو موجود…..وموجود مع من وفي مواجهة من…في كارثة تسونامي مات مئات الالوف من الفقراء وتشرد الملايين ممن هم أصلا أشبه بالمشردين، ألم نتساءل لماذا حلت هده الكارثة وأصابت الفقير ونكبته؟
أليس من المنطقي أن نسأل عن الرحمة الإلهية في هذا الكون المتصارع كما يبدو؟ لعل التزامنا الإيماني يدفن هذه التساؤلات، لكن لاينبغي أن تبقى مدفونة. فثمة جدل بين الغيب والإنسان والطبيعة، بحكم تركيب الإنسان نفسه وطبيعة العلوم الإنسانية، والمناطق الميتافيزيقية الموجودة في دراسة الطبيعة وعلاقتها بالإنسان.
ولكن ماهو المدخل المعرفي لفهم دور الله في الوجود؟
الغائية كمدخل لفهم دور الله في الوجود
في حين يعترض حاج حمد على اللاهوت بنسقه الفكري المغِّيب للعقل، فإنه يرفض بناء على نتائج العلم الحديث وضع الإنسان في سجن المادية الوضعية التي تلغي في دراستها للإنسان الجوانب الميتافيزيقية (الغيب). فتحول بنظره من جانب التضاد في الطبيعة الذي يفضي إلى العبثية، إلى الجانب التركيبي الذي يدلل على الغائية في صيرورة الحركة. ونظر إلى حركة التاريخ وفق جدل العلاقة بين مشيئة الإنسان وإرادته وبين الإرادة الإلهية في دفع النهايات الجدلية لسيرورة الواقع نحو تركيب غائي يدفع الباطل بالحق. “فقانون العلوم الطبيعية نفسه يحمل إلى جانب التضاد في حركة المادة وهو جانب (السلب) جانبا آخر هو (التركيب) وعبر (وحدة المضادات) الجدلية، والتركيب هو الأس الفلسفي لمبدأ الغاية، فلا يكون التركيب حليبا من لبن صاف إلا وليشربه الإنسان، والغائية في الوجود الكوني الطبيعي تحمل (هدفيه) نقيضه للعبثية ، والهدفية تتضمن (الرحمة) والرحمة أساس العلاقة بين الخالق والكائنات : فحتى فلسفة العلوم الطبيعية لا يمكن أن تتحول إلى فسلفة (بهيمية) متى عالجت مبدأ (التركيب) في الحركة الكونية المادة كما عالجت مبدأ النقي والتضاد.”[18]
يتحدث حاج حمد في كتابه منهجية القرءان المعرفية عن غائية مزدوجة أساسها الخلق والتشيؤ معاً، وقوانين التشيؤ التي تتحكم بالتحولات الإحيائية والفيزيائية تختلف باختلاف المركبات، أما مفهوم الخلق فهو مهمين على قوانين التشيؤ وينسف قوانينه الطبيعية ذاتها. فتتحد خصائص المركبات الطبيعية وتختلف النتائج، أو تختلف خصائص المركبات الطبيعية ويتحد الناتج. فالغائية المزدوجة أساسها الخلق والتشيؤ معاً “والفارق بين المفهومين أن الخلق أكبر من التشيؤ، لا من زاوية الإعجاز الإلهي في التركيب المعقد في الخلق والتخليق بما يتجاوز قدرات الطبيعة الذاتية في التشيؤ، ولكن من زاوية هيمنة مفهوم (الخلق) على مفهوم (التشيؤ) ونسف قوانينه الطبيعية ذاتها علماً بأنه قد ركب عليها الوجود”[19] . ولكن يبدو هنا الكلام غامضاً ومبهماً أو متناقضاً، فكيف نأخذ بالقانون الطبيعي الذي يمكن نسفه، وهو يقول بنفس الكتاب: ” فالظواهر الكونية المتشيئة عبر الصيرورة والتحول تحكم في ذاتها غاية ترتبط بوجود الإنسان نفسه، وبما أن منهجية الخلق مهيمنة على منهجية التشيؤ وعاملة من خلالها فإن توجهاتها الغائية لاتظهر- كما في السابق – بخرق قوانين الطبيعة، كشق البحر مثلاً، ولكن تظهر من خلال قوانين التشيؤ نفسها.”[20]
ماهي القوة الناسفة للقانون الطبيعي والتي تعطله وتعطي نتائج مخالفة لسببيته؟ ألا يمكن أن توصف بأنها خارقة أو إعجازية، حتى وإن لم تكن ظاهرة للعيان؟ وكيف تعمل وتعطي نتائج مختلفة وهي عاملة من خلال القانون الطبيعي ذاته؟
ربما لم يقدم حاج حمد تعبير علمي صحيح عن هذه الكيفية في الفقرات السابقة، لكننا نستوضح معنى كلامه في فقرات أخرى لنبين أن المسألة تتعلق بخطأ في تعريف القانون الطبيعي نفسه وبمشكلة فيزيائية لم يتم تقديم حل لها بعد، وهي القوانين الفيزيائية العاملة على المستوى الميكروسكوبي (اللامتناهي في الصغر) والقوانين على المستوى الماكروسكوبي (اللامتناهي في الكبر).
يسوق حاج حمد نسبية الزمان والمكان في نظرية آينشتاين، حيث تكون قوانين التشيؤ ثابتة في مجالها الأرضي ولا تقبل الاحتمالية في حدودها الوظيفية، ولكنها “حين توضع في الإطار الكوني تصبح احتمالية والإطار الكوني هو الذي يتضمن منهجية الخلق المستوعبة والمتجاوزة لقوانين التشيؤ الثابتة أرضياً والاحتمالية كونيا”[21]. يمكن أن نفهم المسألة عندما ندقق في معنى الحدود الوظيفية أو المعرفية الوظيفية، والتي يستعيض بها حاج حمد عن مفهوم النسبية المطروح لأسباب تتعلق بالمعرفة التوحيدية والخوف عليها من النهايات المادية الفلسفية لقوانين الطبيعة[22]. والمعرفية الوظيفية تدرس في إطار نظريات التشيؤ وليس الخلق.
ولكن قوانين آينشتاين صحيحة في المستوى الأرضي أيضاً ولكنها غير مؤثرة بسبب أن السرعات ليست عالية، فالفوارق الزمنية بالنسبة للمجال الأرضي والتي تختلف باختلاف الراصد موجودة لكنها ضئيلة جداً وغير مؤثرة. لذلك نظن أنها لا تقبل الاحتمالية في حدودها الوظيفية، لكنها احتمالية بلغة الرياضيات ووفق القانون ذاته الذي لا يتغير على المستوى الأرضي أو الكوني، الميكروسكوبي أو الماكروسكوبي، لكن المسألة تتعلق بالأثر، لذلك يُطبّق قانون نيوتن عند السرعات البطيئة والتي لا تقترب من سرعة الضوء.
إذن من الناحية النظرية فإن كلام حاج حمد حول قوانين التشيؤ وقوانين الخلق، هو مجرد فوارق في الحدود الوظيفية. وكذلك تفسيره لاختلاف النتائج باتحاد المركبات أو العكس بأنه نسف للقانون الطبيعي مع أنه يعمل من خلاله؛ هو تعليل يتعلق بالتعارض بين ناتج العلوم وبين فلسفة العلم الكلاسيكية ولغتها، كتعريف المادة (جسيم /موجة) وكذلك السببية الشاملة بدل السببية المحلية. فيبدو هذا التعارض وكأنه نسف للقانون الطبيعي. وتمدنا فيزياء الكم أيضاً بأمثلة كثيرة عن عدم تغير النتيجة باختلاف الأسباب، أو اختلاف النتائج رغم وحدة المركبات. لكن عملياً فإن هذا لا يناقض قوانين التشيؤ وينسفها، وإنما يبدو أنه نسف عندما نقابل نتائج العلم بتفسيرات تقوم على السببية المباشرة أو المحلية. أما لغة العلم الحديثة فهي لغة رياضية ولا يمكن التعبير عنها باللغة العادية، ومن هنا تنشأ الإشكالات عندما يحاول فلاسفة العلم تفسير نتائج العلم بلغتنا. فلغتنا وثيقة الصلة بما هو محسوس، ولا يمكنها أن تشرح وتبسط المعادلات الرياضية الحديثة، وهو ما يتفق حوله معظم فلاسفة العلم، وعلى حد تعبير أحدهم عن فلسفة فيزياء الكوانتم:
“الكلمات تخذلنا؛ كل ماتفعله أن تحمل مابين دفتيها المظهر المخاتل للأشياء، وتتصادم فيما بينها عن طريق التناقضات العديدة المديدة. الرياضيات لاسواها هي التي تملك الشراك القادرة على اقتناص مفاهيم الفيزياء، ليس فقط من أجل أن تجعلها دقيقة، كما كان الأمر في علم العصور الغابرة، بل لكي تصوغها وتعبر عنها، ولاشيء البتة يحل محل الرياضيات في هذا”[23].
هذا الموضوع شائكٌ ويحتاج إلى بحث مستقل ليس هذا مكانه. ومن جهة القانون الطبيعي نفسه فإنه يختلف في المستوى الميكروسكوبي عنه في المستوى الماكروسكوبي. فنظرية النسبية تفسر المستوى الأول، ونظرية الكم تفسر المستوى الثاني، وتصل أحيانا الفروقات بين القوانين العاملة في كل من المستويين إلى حد التناقض الكلي. ويسعى العلم لإيجاد نظرية موحدة لكل شيء وهي ما تبدو مستعصية حتى الآن.
أما على المستوى البيولوجي فالأمر يبدو أعقد بكثير، لأن دراسة المادة الحية تختلف عن دراسة المادة الجامدة لصعوبة عزل الجزء عن محيطه، فهي من المنظومات اللاخطية، التي تتبادل الطاقة والمادة. و روابط المواد العضوية تشاركية وليست ذات منحى استقلالي.
لذلك تكون دراسة المادة الحية تعتمد على مبدأ دراسة المنظومة ككل في حال ترابطها وتشاركها، ويصعب جداً عزل أجزائها والكشف عن عوامل سببية مباشرة ومحلية. فالقانون الطبيعي الذي يتعلق بالمادة الجامدة تختلف تأثيراته في الإطار الكوني فلا تعود السببية المباشرة مفسرة لحركته في هذا المجال، ولكن القانون البيولوجي دون أن ندخل في إطار امتداده ونشأته الكونية، لا يمكن تفسيره دون أن نأخذ بالمنظومة البيولوجية ككل.
إذن يمكننا من الناحية الوظيفية الحديث عن منهجيتين، لكن في الواقع فإن هذا التفريق ليس حقيقي، وإنما يرجع إلى قصور العلم حتى الآن عن إدراك كافة العوامل المؤثر في المحيط الكوني، واختلاف القياسات والسرعات في المستوى الميكروسكوبي عنها في المستوى الماكروسكوبي، وكذلك عدم إمكانية شرح التجريد الرياضي من خلال اللغة العادية، كمحاولة تفسير فيزياء الكم وترجمتها.
لكن ما أود أن أبينه أنه فعلاً هناك غائية كونية تعمل على ضبط حركة المادة وصيرورتها المركبة على فهم كلي ومترابط للوجود لا تنفصل فيه الذات عن الموضوع، ولا يمكن أن تقسِّم الواقع إلى أجزاء يمكن دراستها بمعزل عن الكل.
إذن منهجية الخلق عند حاج حمد هي التي تبين جدلية العلاقة بين الغيب والطبيعة، وهذه الجدلية يدخل الإنسان مؤثرا وفاعلاً فيها عندما يحاول رصدها وفهمها. فالحضور الإلهي في حركة المادة قابل للضبط والمقاربة العلمية من خلال مبدأ الغاية المفسِّر لهذه الحركة والذي يمكن رصده على مستوى النتائج.
إن حاج حمد يحاول في مشروعه فهم الوجود الإلهي بكيفية لا تستلب دور القانون الطبيعي وسنة التاريخ والتي يسميها مقتضيات عالم المشيئة، لكنه وقف عند بعض الإشكاليات العلمية وتعقيداتها ليبرهن على الحضور الغيبي من خلالها، على الرغم من أن هذه التعقيدات والإشكاليات تعطي عند شرحها وبسطها علمياً ماهو أكبر من وجود منهجيتين، وهو وجود مستويات متعددة للواقع تنسجم مع فكرة العوالم الثلاث.
في رصد حركة المادة وتكوينها كما تشير نظريات العلم، فإن الراصد (الإنسان) يكون فاعلاً ومؤثراً وليس حيادياً. والأمر أكبر من ذلك وأوسع عندما نتحدث عن العلوم الإنسانية التي تدرس حركة الإنسان في التاريخ والتي تتمتع بحرية كبيرة، والدارس لهذه الحركة له أثره الكبير على فهمها ورصدها. فالعلاقة بين الذات والموضوع كبيرة جداً في مجال العلوم الإنسانية، والغائية موجودة من حيث التفسير ومن حيث التأثير على الحركة التاريخية، فالإنسان مليء بالمعطيات الغير قابلة للقياس (العواطف والوجدان والقيم والدين) وهي التي تحتوي رموزاً ثقافية ميتافيزيقية وليست عضوية أو بيولوجية، وبالتالي يكون للمعطى الميتافيزيقي أثر كبير على غائية حركة التاريخ.
هذه الغائية في الجانب الإنساني تُدرس من خلال علاقتها بمنظومة الأخلاق، إذ لابد من وجود ثوابت نهائية (مبادئ) توضع كأسباب ومؤثرات على نهوض وسقوط الحضارات إلى جانب الأسباب المادية، وتمثل هذه (المبادئ) الغائية التي تهدف إليها صيرورة الاجتماع. لذلك علينا أن نكشف عن منظومة القيم والأخلاق التي إذا ما اصطدم بها المجتمع فإنها تؤدي إلى تآكله وسقوطه، فالمسألة لا تقاس فقط بما هو مادي ” بهذا الحق خلق الإنسان وبهذا الحق يدان ، في الدنيا كما في الآخرة ، فإذا قرأ علماء التاريخ والحضارات أسباب النشوء والانهيار بالعقل الطبيعي ، فإن مصير الحضارات والبناء البشري مرتبط بكلمة العقاب الإلهي حين تصل كل حضارة بهيمية إلى دورة تبلغ فيها قمة كل شيء ، هنا يحدث الانهيار والكوارث الإنسانية والطبيعية ، نزاجاكي ، هيروشيما ، الحروب العالمية الساحقة الماحقة ، الزلزال ، البراكين ، هكذا سبقتنا أمم الشقاء من قبلنا فأحاطت بها خطاياها ، بلغت القمة ثم انهارت”[24]
أما من حيث المعارف المتعلقة الدين، فإن تجلى الوجود الإلهي في الموروث الديني ينتهي إلى الاعتبارات التشريعية التفصيلية التي لا تنسجم مع تلقائية وفطرة الإنسان “فالنموذج الديني الذي يأخذ شكل (المثال) يأتي دائما ملفوفا بالقيم التطهيرية، والتي بالغ البعض بها لدرجة على أي شق من جنوبنا ننام . لقد خاصم الكثيرون التدين بوصفه نقيضا لتلقائية الإنسان، وبقدر ما اشتمل التراث الديني على ضوابط تحد من هذه التلقائية بقدر ما زاد تعور الإنسان واتسعت مخاصمته للتدين”[25]، هذا التقييد الشديد لتلقائية الإنسان اتُّخذ كاشتراطات أخلاقية منوطة باستتباعات غيبية أخروية، وترتكز على حضورٍ أسطوري ومعجز ينتهك السببية الطبيعية (وينسجم مع النسق الثقافي لتلك المرحلة)، لذلك لا يمكن أن تستمر هذه التقييدات الشرعية في علاقة الله بالإنسان دون الإبقاء على نسق التفكير السلفي في علاقة الله بالطبيعة، فالتحكم الإلهي المطلق بالطبيعية، مسحوب على التحكم الإلهي المطلق بالإنسان دون ضرورة للفهم. ولكي نحرر الإنسان من قبضة اللاهوت في الجانب التشريعي والعقائدي، ينبغي أن يتم تحريره من النسق الفكري الناظر للطبيعية وعلاقة الله بها بكيفية خارقة وإعجازية.
عندما يصبح الدين مناقضاً لتلقائية الإنسان ومحاصراً لها بجزئياته، ويتحول إلى جملة واجبات تؤدى كما تؤدى الوظيفة، فإن غائية فهم دور الإنسان في الوجود تصبح مرتبطة بامتثاله الأعمى للسلطة الإلهية التي يقوم بتمثلها في الواقع رجال الدين ومؤسساته. فيستعاض عن غائية الحق بالغائية السلطوية التي لا يمكنها أن تكون إلا إكراهية وجبرية.
الغائية في القانون الطبيعي وفي حركة التاريخ هي التي يمكنها تقديم فهم للوجود الإلهي في حركة الواقع والطبيعة. فالحق غاية الخلق كما يقول حاج حمد، وهذا الحق يتجلى في الغائية التي تفسر التوافق بين حاجة الإنسان والمركبات الناتجة عن جدل الأضداد في الطبيعة. وكذلك في فهم الغاية من وجود البعد الروحي المولد للأخلاق في تكوين الإنسان الذي يهمين على تكوينه الحسي والغرائزي، فلا نرتد بفهم الإنسان إلى أسفل سافلين بكيفية بهيمية لا ترى سوى جانبه الغرائزي والنفعي.
هذه الغائية التي يُنظر إليها في الطبيعة من خلال التوافق في تركيبها مع احتياجات الإنسان، موجودة على مستوى التكوين والتخليق نفسه، وأستشهد بمثال صارخ في البيولوجيا لا يمكن تفسيره إلا بمنطق الغائية، ويبين أيضا ما تحدث عنه حاج حمد من اتحاد المركبات واختلاف النتائج أو العكس. وكما ذكرت فإن المسألة ليست نسف للقانون، وإنما تعارض بين ناتج العلوم وفلسفتها ولغتها الكلاسيكية.
لقد كان التصور القديم لعمل الجين كالتالي: يقوم dna الجينة بعمل نسخة، فهو عبارة عن شريط مزدوج حلزوني، والنسخة تكون عبارة عن شطر واحد من هذا الشريط المزدوج، ثم تحفظ هذه النسخة بجزيء (حامل للمخطط) هو الrna المرسال، الذي يحمل مخطط عملية صناعة البروتين. ثم تقوم الآلية الخلوية بعمل ترجمة لهذا المخطط، حيث أن كل ثلاثة أحرف تترجم إلى حمض أميني. ويقوم جزيء آخر يسمى ال (رنا) الناقل بتنفيذ العمل بإحضار الأحماض الأمينية وترتيبها حسب مخطط العمل، ويتشكل من اصطفاف 20 حمض أميني بروتين واحد. وباختلاف تسلسل الأحماض الأمينية يختلف نوع البروتين. وبتبسيط أكبر فإن المعلومات (مخطط البناء) مشفرة داخل شريط ال (دنا) بشكل كلمات ثلاثية الأحرف، و عدد الأحرف التي يوفرها ال (دنا) هو 4. أي لدينا أربعة أحرف علينا أن نشكل منها كلمات من ثلاثة أحرف، يصبح المجموع الأقصى الذي يمكن تشكيله منها هو 64 كلمة. تنسخ هذه الكلمات بواسطة ال (رنا المرسال)،وهذه الكلمات تسمى (كودون)، وكل 64 كلمة تترجم إلى 20 حمض أميني. بعد ذلك يقوم ال (رنا الناقل) بتنظيم الأحماض الأمينية وفق المخطط الذي أحضره ال (رنا) المرسال، ويضعهم بالترتيب المقترح، فيتشكل من اصطفافهم بروتين واحد.
إذا هو مخطط بسيط:
64 كودون 20 حمض اميني بروتينات.
لكن لماذا لا يؤدي 64 كودون إلى تصنيع 64 حمض أميني؟ولماذا تقوم الآلية الخلوية بتجاهل 44 كودون؟ الحقيقة أن هذه كانت من المشاكل التي حاول العلماء فكها رياضياً ومختبرياً، وجاءت النتائج بأن هناك أكثر من كودون للحمض الأميني، بعضها يصل إلى أربعة أو خمسة. كان الظن بأنه مجرد صدفة، لكن هذه الصدفة تصبح أساسية في طبيعة النظام الخلوي، وتختلف من كائن لآخر. أي أن الكودون نفسه قد يترجم إلى حمض أميني مختلف عند اختلاف الكائن الحي، (أي يتوافق مع حاجة الكائن الحي) فعلى سبيل المثال: “في حين أن معظم الكائنات الحية تقرأ الكودون CUG في الرنا ليعني الحمض الأميني لوسين، فإن أنواعا كثيرة من فطور المبيضات Candida، تترجم الكودون نفسه (CUG) إلى الحمض الأميني سيرين. كما أن للميتوكوندرات مولدات الطاقة البالغة الصغر التي توجد في أنواع الخلايا جميعها جينومها الخاص بها، وأن عددا كثيرا منها طور لنفسه نظاما كودونيا خاصا به. فمثلا، يكود الحمض الأميني تريونين في جينوم ميتوكوندرات خميرة الخبازين (الفطرية السكرية الجعوية saccharomycescerevisiae)، بأربعة كودونات من أصل ستة تكود في الحالة السوية (في بقية الكائنات الحية) الحمض الأميني لوسين.”[26]
إذاً من الصعب القول بالصدفة، كما يصعب القول بالحتمية المبنية على السببية المحلية (أي أن س لابد أن ينتج ع). ففي نفس المقال السابق جاء عن الصدفة والعشوائية مايلي:
“فإن حجة المصادفة المنجمدة، التي نشرها كريك نفسه عام 1968، سادت حتى وقت قريب التفكير العلمي. لقد كتب كريك: “إن تحصيص الكودونات للحموض الأمينية كان، في ما يتعلق بهذه الناحية، مجرد صدفة.” ولكن ما إن يظهر الكود في أي شكل من الأشكال التي اتخذها، حتى يصير أساسيا للحياة إلى درجة أن حدوث أي تغيير إضافي قد يكون كارثيا……لقد كتبت التعليمات الوراثية لصنع الپروتينات في “كلمات” ثلاثيةالأحرف، تعرف بالكودونات، يحدد كل واحد منها أحد الحموض الأمينية العشرين، أو إشارة “إنهاء الترجمة”. لقد اعتبر في ما مضى أن تراتب هذه الكودونات ومعاني حموضهاالأمينية أتى عشوائيا. بيد أن الاكتشافات الحديثة تشير إلى أن الإنتقاء الطبيعياختار هذا الترتيب وحافظ عليه.”[27]
وهنا نقع في حيرة علمية إذا كان ثمة منطق آيديولوجي يصر على القول بالصدفة أو الحتمية، حيث أن الانتقاء الطبيعي لا يقوم فقط بحفظ الترجمة المفيدة للكودون، ويجعل لعدة كودونات حمض أميني واحد لتقليل الأخطار، بل إنه أيضاً يغير من ترجمة الكودون بين كائن وآخر. فتطبيق مبدأ الحتمية في المنظومات الحية لا يمكن إثباته، كما أن الصدفة لا يمكن أن يبرهن عليها بالحسابات الاحتمالية والزمن المفترض لها مقارنة بزمن التطور الفعلي، لأن احتمالية وقوعها في هذه الأحداث المركبة والمعقدة والكثيرة جداً؛ تصبح صفر ولا يكفي أضعاف عمر الكون إلى حدوثها.
جاء في مقالة مجلة العلوم السابقة: “فإن التعيينات المعيارية للطبيعة المتمثلة بكودون حمض أميني، والتي نقحت واحتفظ بها في خلال بلايين السنين، لم تكن مصادفة. وفي الحقيقة، فإن تراتب الكودونات يعمل بكفاءة عالية في تخفيضه إلى الحد الأدنى تأثير المصادفات.”[28]
ويبين صاحب المقال صعوبة القول بالانتقاء الطبيعي أمام هذه الآلية المعقدة والدقيقة: “إن موطن الضعف هذا يشدد على مشكلة ثانية ذات صلة بالكودات المصممة لتكون أقرب ما يمكن إلى الكمال. فالانتقاء الطبيعي “مصمم أعمى” من حيث إنه يستطيع فقط أن يتلمس طريقه باتجاه الهدف عن طريق اختياره أفضل البدائل ضمن جمهرة من التفاوتات في كل جيل من الأجيال. وعندما نحاكي الانتقاء الطبيعي بهذا الأسلوب، فسنجد أن درجة تخفيض الخطأ إلى الحد الأدنى، الذي أنجزه الكود الوراثي المعياري، لا تزال إلى حد ما مثيرة للإعجاب؛ بمعنى أن أقل من ثلاثة في المئة من الكودات النظرية، يمكن نمطيا أن تتطور في شروط الانتقاء الطبيعي لتكافئ مرونة الكود الوراثي الطبيعي.”[29].
ولا تنحصر الصعوبة هنا فقط، حيث أن هذه الآلية لا تقف عند حد التقليل من الأخطار، وإنما إلى تحسين التطور والارتقاء.
وهنا نلاحظ توافق الكثير من العلماء حول نفي الصدفة في عملية التطور، ورفض الغائية، ولكن حتى لا نقول بالغائية علينا أن نؤمن بالحتمية، والحتمية تتعذر في دراسة المنظومات الحية.
لقد كان المعتقد أننا نستطيع أن نفهم الحتمية الوراثية الكامنة في الكائن البشري بعد فك شيفرة جينومه كاملة، لكن ذلك سقط أمام تطور علم الوراثة ودراسة الجينوم البشري، وفي مقالة لمجلة العلوم: “وقد درج العلماء على القول بأن الجينة الواحدة تقابل مرسالاً واحدًا، وهذا بدوره يقابل پروتينًا واحدًا؛ بيد أن الحقيقة أعقد من ذلك بكثير. فهم يعرفون الآن أنه يمكن قراءة الجينة الواحدة على شكل أجزاء، ويمكن أن تقطع وتُضفَّربأشكال مختلفة، لتعطي أنواعًا متباينة من الرنا المرسال. وكذلك يمكن للمعالجة اللاحقة للپروتين المكود في تلك النسخ، والذي تم صنعه للتو، أن تغير من وظيفته. فتسلسل دنا الجينوم البشري إذًا يروي لنا جزءًا ضئيلاً من أحداث قصة ما يجري داخل خلية نوعية معينة.”[30]
إن الآلية الخلوية، وهوية الكائن الحي تتدخل بعملية ترجمة الكودونات، فالإطار الكلي هو الذي يفسر سلوك العمليات الجزئية، ولا تصبح العلاقة بين السبب والنتيجة مباشرة. أي أن السببية المباشرة لا يمكنها أن تقدم تفسيراً معقولاً ومنطقياً لما يجري، وتكون الآلية التي تقوم بالترجمة من الكفاءة بحيث تقلل من أثر الأخطاء. وهنا يبدو لنا أن الموضوع غائي وليس حتمي، لأنها لو كانت حتمية لكان التطور خطي؛ سبب نتيجة، كما في المادة الجامدة على المستوى الماكروسكوبي.
فهناك غائية منشودة في عمل الطبيعة هذا وهو تطوير نظام التكويد للتقليل من الأخطار. إن جينوم واحد يصنع أكثر من بروتين، هو عملية تخص بشكل أكبر الكائنات المعقدة وخصوصاً الرئيسيات العليا، و”في ربيع عام 2000 راهن البيولوجيون الجزيئيون بعدد من الدولارات في محاولة منهم للتنبؤ بعدد الجينات في جينوم الإنسان التي سيجدونها لدى الانتهاء من سَلْسَلة نكليوتيدات الدنا (DNA) ، وارتفع التقدير في ذلك الحين إلى 153000 جينة، واستند البعض « منطقيا» في رهانه إلى اعتقاده أن لدى بني البشر ما يقرب من 90000 نمط مختلف من الپروتين. لذا، فلا بد أن يتألف الجينوم البشري من هذا العدد من الجينات على الأقل، كي يكود هذا العدد من الپروتينات.”[31]
ولكن المفاجأة كانت بعد الانتهاء من وضع خريطة الجينوم البشري، حيث اكتشفوا أن عدد الجينات المكودة للبروتينات حوالي 25000 فقط. ” بيد أن مختصي الوراثة أخذوا يدركون في الفترة نفسها أنه ربما يجب النظر إلى هذا العدد المنخفض كدلالة على التعقيد الذي يميزنا كبشر، لأننا نفيد إفادة قصوى من مثل هذا العدد الضئيل من الجينات.”[32].
تعود أهمية اكتشافات علم الوراثة إلى أن حوالي 2% فقط من جيناته مسؤولة عن التشفير، والباقي 98% ليست رمم أو نفايات كما كان يُعتقد، بل هي مسؤولة عن الكثير من تنظيم الآلية الخلوية والوراثية، وهذا التعقيد يتجلى في الكائنات المعقدة بشكل كبير وخصوصاً لدى الرئيسيات العليا.
إن عدة كودونات تنشيء بروتين واحد يؤدي إلى تخفيض أخطار الأخطاء التي يمكن أن تحدث في سيرورة الترجمة والنسخ. وجينوم واحد يترجم إلى أكثر من بروتين خصوصاً عند البشر، يؤدي إلى أن الفرق بين الإنسان والشمبانزي بيولوجياً ودماغياً أكثر من مجرد اختلاف بنسبة 2% في الجينات المكودة. لذلك لا يمكن القول بالحتمية في دراسة المادة الحية، وتطور التكويد نفسه نشهده على مستوى تعقيد الكائنات الحية ونشوء البشر، فكلما انخفض عدد الجينات المكودة وازداد عدد الغير المكودة، نجد أن هذا الكائن أكثر تعقيداً. فحبة الأرز لها عدد جينات مكودة أكثر من الإنسان.
إن احتمال الصدفة في نشوء الحياة أعقد بكثير من احتماله في تطور الحياة، لأنه انتقال من منظومة إلى أخرى مختلفة بشكل كبير، وليس مجرد تطور داخل المنظومة نفسها. إذا كيف نبرر القول بالصدفة في نشوء منظومة بيولوجية من منظومة لاعضوية، ومن ثم نرفضها داخل المنظومة نفسها ونعلل ذلك بالحتمية؟
فإذا كانت الحتمية متعذرة في دراسة العديد من آليات التطور؛ وهي أيضاً ليست صدفوية، فماذا يمكن أن نسمي هذا الوضع؟ لاصدفة ولاحتمية مطلقة، وأركز على قولي بأنها ليست مطلقة لأن الحتمية موجودة في الكثير من النواحي وخصوصاً الكيميائية.
هناك حتمية ولاحتمية في المتعضيات الحية وليس هناك صدفة، فلا مهرب إذاً من الغائية التي تفسر نتائج هذه التركيبات بما يتوافق مع حاجة الكائن الحي.
كيف تحدث الأمور وكيف تتصرف الطبيعة؛ يجيب عليها العلم، ولكن لماذا يحدث ذلك فهنا ننشد فهم الغائية التي يجيب عليها الوحي، والتي تفتح الباب أمام العقل ليفهم دور الله في الوجود. فالله يوجهنا في كتابه للسير في الأرض لنعلم (كيف) بدأ الخلق ونعلم عاقبة المكذبين، وذلك (الكيف) لا يكون إلا بالسير بحثا وكشفا وعلما. حينها نعقل بيان الله في كتابه.
عندما نختصر الإنسان ككائن متشيء من مكونات الطبيعة، فالعلاقة الجدلية بينه وبين الله تمر من خلال القانون الطبيعي الذي تمظهرت فلسفته في تصورات مادية نفعية وغرائزية، ولكن حتى هذه الفلسفات المادية لم تنظر إلى الطبيعة نظرة صادقة فألغت جانب التركيب في المادة من حساباتها كي تهرب من مفهوم الغائية (محور الرؤى الدينية).
لقد ظلمت هذه الفلسفات الطبيعة أيضا عندما لم تنظر إلى نتائج اختلال التوازن فيها. فالفلسفة المادية التي دفعت بالنزعات الغرائزية والنفعية جعلت الكون مكب للنفايات ومركز استهلاكي أدى إلى نتائج وخيمة على البيئة. فهي أخذت بمبدأ العبثية ولم تنتبه إلى أن قانون الغاب نفسه قائم على التوازن، فالاستهلاك وجدل الأضداد في الطبيعة لاينتهك توازنها، ولكن تدخل الإنسان الذي يعرف حق المعرفة أن التوازن غاية من غايات جدل المادة في الطبيعة، هرب من الغائية وبنى فلسفته على النفعية والاستهلاك فانتهك التوازن البيئي وجاء اليوم ليدفع الثمن. لقد سقطت الفلسفة المادية في زاوية التضاد في حركة المادة وتجاهلت جانب التركيب فاستُلِبت لصالح الباطل.
وعندما تُستلب يكون الهدم نتيجة طبيعية للبناء كما يقول حاج حمد، فلا أحد ينكر ما تبنيه الحضارة الغربية، ولكنها تهدم في المقابل اعتبارت الأنسنة، وعندما تكون الحرية مطلباً وحاجة فطرية في الإنسان، فإن تركيبها على المكون الطبيعي، يؤدي إلى خنق الحرية وربطها غريزياً، فينشأ اقتصاد مبني على إشباع هذه الغرائز، بل وخلق شهوات متكافئة في لا تناهيها مع ما سُخِّر في الكون للإنسان من مادة لا متناهية في تركيبها. فكلما اكتشف الإنسان هذا اللامتناهي في الطبيعة وإمكانية تسخيره، استثمره في شهوة الإنسان ورغباته اللامتناهية، ليصل إلى تضخمات اقتصادية لا تنفك عقدتها إلا بالحروب.
جدل الميتافيزيقيا والفيزيقيا
ربما كانت العلاقة بين العلم والميتافيزيقيا من المسائل التي خضعت لجدال فلسفي تاريخي طويل، ومع التقدم العلمي والانجازات التي حققها، أصبحت مسألة الميتافيزيقيا أكثر تعقيداً، ولم تعد خاضعة للسجال الفلسفي العقلي والمنطقي فقط، فهي المسألة التي امتدت إلى العلوم ونظرياته وماتزال تفرض نفسها على الساحة المعرفية وتطل برأسها، سواء من حيث علاقة العلم بالدين، أو من حيث دور الميتافيزيقيا في الوجود، سبباً وتفسيراً.
ورغم أن الكثير من فلاسفة العلم، لم ينكروا الوجود الإلهي، إلا أن هذا الوجود لم يكن ذو معنى حقيقي أو مؤثر على الطبيعة أو الحركية التاريخية، وفق ما خلصت إليه فلسفة العلوم. وربما اقتصر دوره عند أكثرهم إيمانا بالله بأنه واضع القوانين الأولى ثم تركها تسير ووقف هو موقف المراقب لها فقط. وهذا مايسميه بعض الفلاسفة عملية دفع الإله إلى الوراء.
وبتطور علم الفيزياء وسعيه نحو إيجاد قانون موحد وما يقوده ذلك إلى بساطة القوانين الفيزيائية الأولى، فالقضية تبدو أكثر من دفع الإله إلى الوراء، لتصبح مسبب لبعض القوانين البسيطة الرئيسية ولا علاقة له بالتفاصيل.
إن صورة دفع الله إلى الخلف، تصور ليس جديد على العقل البشري، فالأساطير تدفع الإله أو القوة العظمى إلى الخلف، وتصنع آلهة تتعامل معها بشكل مباشر(آلهة ثانوية أو انصاف آلهة) وهي تعبّر عن تصورهم للقوى الكونية كما يقول بعض محللي الأساطير. لكن في العلم الحديث فإن اكتشاف القانون الطبيعي هو الذي يدفع الإله نحو الخلف وليس التأمل، أو الرغبة الذاتية في التعامل مع الآلهة المتجلية بشكل حسي.
لكن هذه الرؤية نابعة من خلال تصورنا للإله نفسه، فإذا تصورنا أن الله كذات تقوم بإدارة العالم بصنع قوانين أولية وأنظمة يسير الوجود بناءً عليها ، فيمكننا القول أنه مع تطور الاكتشافات العلمية وبساطة القوانين الكلية، لن يبقى لله سوى دور بسيط في إيجاد بعض القوانين البدئية. ولكن الوجود الإنساني ذاته وتطور العلوم البيولوجية والفيزيائية يمنع من الوقوف عند هذا الحد.
لقد عزز تطور العلوم الاصطدام بين النتائج الفلسفية (الصدفة والعبثية والنظرة الآلتية والحتمية) وبين مكتشفات العلم ونتائجه الاختبارية في الفيزياء الحديثة والبيولوجيا. ودون الخوض في تفاصيل الموضوع، وعلى سبيل التذكير بما بيناه سابقاُ، فإن الكشف عن خريطة الجينوم البشري ودراسات البيولوجيا الجزئية وعلوم الوراثة، غيَّر المعتقد السابق الذي كان يرى أن الجينات هي المتحكمة بسلوك وتصرفات الإنسان بكيفية حتمية، وأخفق هذا الحلم، وبدا السلوك البشري غير مرتبط بشكل حتمي ببرنامجه الجينومي، فالفارق بين جينومات الإنسان والقرد تقريبا 2% فقط. لكن الفارق على المستوى الفورمولوجي والسلوكي والعقلي كبير جداً ولا يمكن أن يعزى إلى هذا الفارق الجيني المتمثل ب الواحد بالمائة.
لعل الفلسفة الوضعية التي قادت لعقود طويلة سفينة الحضارة، وكانت بمثابة الربان الذي يوجه الحركة، وبعد أن مضت لتفكيك الكل إلى أصغر أجزائه، ووسعت مجال رؤيتها إلى المجال الكوني؛ رست سفينتها على شاطئ غير الذي كانت ترنو إليه وتأمله. لقد تفكك وجه الوضعية نفسه، وذلك بعد أن غيرت نظرية النسبية لاينشتاين ونظرية الكم صورة العالم الذي أصبح بحاجة إلى نموذج إرشادي جديد؛ يمكن للتراث الديني أن يساهم فيه بشكل كبير.
في الماضي، ساعدت انتصارات العلوم الوضعية وخصوصا الفيزياء الكلاسيكية؛ على استبعاد الميتافيزيقيا ومحاربتها، وكذلك كانت هي بمنحى آخر ردة فعل تجاه النظرة اللاهوتية التي عادت العلم والعلماء لعقود طويلة، ” وقد تبين هؤلاء أن عصر العلم يقتضي تفكيراً جديدا وان الفلسفة التقلدية نمت في غياب العلم وذلك باستبعاد أشباه المشاكل التي تشكل الخطاب الميتافيزيقي”[33]، ولكن العلم اليوم هو نفسه الذي فتح المجال للميتافيزيقيا لتعود للمشاركة في بناء نموذج ارشادي جديد للوجود، وذلك بعد النظر بموضوعاتها في ضوء نظريات العلم الحديثة.
لذلك تتسم جهود الحاج حمد بقدر من الأهمية بسبب عمق إشكالية علاقة الميتافيزيقيا بالعلم، بل وحاجة المعرفة للميتافيزيقيا للمشاركة في بناء نموذج معرفي كوني لا يختصر الإنسان في تكوينه الطبيعي، وينشل العلم من أزماته الخانقة، ويحرره من فلسفته الكلاسيكية الغير قادرة على بلورة الواقع، ولا لغتها ومفرداتها تنسجم مع حقيقة المكتشف العلمي.
حاول حاج أن يؤسس لهذا النموذج الإرشادي من خلال الجدلية الثلاثية ” التفاعل الكلي للعناصر باتجاه تركيب وفق صيرورة لها غايات كونية، حيث تتفاعل في هذه الصيرورة إطلاقية الغيب ووجودية الإنسان وقوانين الطبيعة. وليس بمطق التضاد. وكذلك ليس بمنظق الاستلاب بحيث ينفي الغيب وجودية الإنسان أو قوانين الطبيعة.”[34]
ويحدد موقفه من الميتافيزيقيا من خلال ست ملاحظات أوردها في كتابه العالمية الإسلامية الثانية[35]:
1- “رفض مناهج وطرق البحث التقليدي في الموضوعات الميتافيزيقية ونؤكد على ضرورة الأخذ بالمحددات النظرية العلمية ولكن خارج نهاياتها الفلسفية الوضعية…أي أننا نرفض إعمال العقل وحده دون محددات معرفية ومنهجية”. فالمسألة عنده لايمكن أن تعالج من خلال النقاش المنطقي العقلاني دون الأخذ بالنظريات العلمية.
2- ” أننا لانغالي كالوضعيين التقليديين أو المعاصرين في إدانة العقل الميتافيزيقي بشكل قاطع، فنموذج الفيلسوف العربي (أبو يوسف الكندي -83-856م) ونموذج الفيلسوف الألماني (عمانوئيل كانت – 1724-1804 م) لم يكن نموذجا يتعالى على الخبرة الحسية حيث عالجا الخبرة ضمن ثنائية الإدراك، فكلاهما قال بإدراك الحواس للجزئيات وإدراك العقل للمقولات والكليات”.
3- “فإننا نرى أن الموضوعات التي شغلت التفكير الميتافيزيقي – وليس نهج التفكير الميتافيزيقي- تبقى موضوعات أساسية وقابلة للبحث ضمن رؤية كونية”، وهذا ما ذكرناه سابقاً حول دخول موضوعات كانت تعتبر يوماً ما أسئلة ميتافيزيقية ثم دخلت في صلب العلم، وماسنبينه لاحقا من منعكسات تطور العلوم على مواضيع الميتافيزيقيا من ناحية تحديد ماهو ميتافيزيقي، وكذلك موازاتها مع العلوم الحديثة.
4- “أننا يجب ألا نغالي في مواجهة المنطقية الوضعية المعاصرة، فهي لم ترفض موضوعات الميتافيزيقيا كمعرفة الله ولكنها اعتبرتها خارج موضوعات الميتافيزيقيا، فمدرسة فيينا الوضعية المنطقية التي سبقت الإشارة إليها، ليست مدرسسة إلحادية. فهي أقرب في هذا الإطار للاتجاهات التي تعلق الحكم على الشيء طالما أنه خارج نطاق بحثها”، ولعل هذا سيتضح من خلال مناقشة المعيار المعتمد للتفريق بين ماهو ميتافيزيقي وماهو غير ذلك، بين ماله معنى وماليس له معنى بناء على ما يمكن أن يتناوله التفكير والبحث.
5- “أن الموضوعات الميتافيزيقية تشكل منطقة تداخل مابين اللاهوتي والعلمي. فإذا كان اللاهوتي قد استلب الموضوعات الميتافيزيقية وفسرها بمنطقه، فإن الروح العلمية- التي قيمها –د عبد السلام بن عبد العالي- لديها ماتعطيه في مجال (نقد) طريقة التفكير الميتافيزيقي المتعلق بهذه الموضوعات لوضعها في إطار قراءة جديدة، سواء على مستوى تفيها أو مقاربة التعرف عليها بنهج جديد. وفي هذا الإطار تقع جهودنا.” وهي جهود حاول فيها حاج حمد مقاربة الميتافيزيقيا بالاستناد إلى القرءان بوصفه وعي معادل للوجود الكوني وحركته، وأيضاً كما ذكر سابقاً بالأخذ بنظريات العلوم ومنهاجها دون التوقف عند نهاياتها الوضعية. وهذا الأسلوب الذي يدعوه بالجمع بين القراءتين.
6- “أن الفلسفات العلمية لازالت مفتوحة على كل الاحتمالات”.
سنعمد هنا إلى توضيح هذه النقاط دون توسع في عرض تاريخ العلاقة بين الميتافيزيقيا والعلم، وإنما بتناول ماله علاقة مباشرة بالموضوع. وعندما نتناول موضوع الميتافيزيقيا بعلاقته بالعلم التجريبي أو بالعلوم المضبوطة (الفيزياء والبيولوجيا..)، فإن ذلك يفتح المجال أما موضوعاتها في العلوم الإنسانية بشكل أكبر. ونؤكد على ملاحظة أن معالجة المسائل الميتافيزيقية في مجال العلوم الإنسانية لا يتم أيضاً من خلال العقل فقط، وبالكيفية التقليدية، وإنما بمحددات منهجية وعلمية.
إن المفهوم الأكثر ضداً (للميتافيزيقيا)؛ هو (الوضعية) التي تقول: لا يوجد معرفة حقيقية إلا المعرفة التجريبية القائمة على الخبرة والإدراك الحسي.
لقد اتخذ هذا الاصطلاح معناه الفلسفي، مع الفيلسوف (أوغست كونت)، الذي يعتبره الكثيرون مؤسس الوضعية، وقد قسم تاريخ الفكر الإنساني إلى ثلاثة مراحل وهي: التفكير اللاهوتي- التفكير الميتافيزيقي- التفكير الوضعي العلمي.
ويرى كونت في الوضعية مقابل وضد للميتافيزيقيا واللاهوت اللذان يردان العلل الأولى والظواهر إلى أسباب فوق طبيعية. أما الفلسفة الوضعية عنده فهي: “إن الخاصية الأساسية للفلسفة الوضعية هي النظر إلى كل الظواهر على أنها خاضعة لقوانين طبيعية ثابتة…….في الوقت الذي نعتبر فيه أن البحث عما يسمى العلل الأولى أو النهائية هو أمر غير مقبول وخال من المعنى(محاضرات في الفلسفة الوضعية ج1 – ص 16-ط2-1864)”[36].
ومن بعده، تطور موقف الوضعية من الميتافيزيقيا على يد جماعة فيينا[37] التي تأثرت بمقولات الفيلسوف لودفينغ فينغنشتاين[38]، واعتبرت أن أي قول لا يمكن التحقق منه بالإدراك الحسي؛ ليس له معنى. واعتمدت هذه الجماعة التحليل المنطقي واللغوي للعلوم الطبيعية، ابتغاء وضع قواعد علمية منطقية للعلوم. لذلك كان رفض كل ما ليس له أساس تجريبي وحسي أحد أهم أركان هذه الفلسفة، ولم تقتصر على الرفض دون أن تعتمد التحليل اللغوي والمنطقي لتبرير هذا الرفض وتقديم البراهين عليه. وفي منطق الفلسفة الوضعية و بحسب المنهج الصحيح للفلسفة عند فيتغنشتاين “أن أية قضية ميتافيزيقية هي قضية خالية من المعنى”[39]. وقد توصلت جماعة فيينا بتفسيراتها لكتاب فيتغنشتين (الرسالة)، إلى معيار القابلية للتحقق من الصدق للتمييز بين ماله معنى وماليس له معنى، والذي يُخرِج القضايا الميتافيزيقية من المعرفة بناء على هذا المعيار لأنها قضايا لا يمكن التحقق من صدقها، وربما تطرفت إلى أبعد مما كان يقصده فتغنشتين، الذي كان يريد وضع حد للتعبير عن الأفكار، وليس حدود للتفكير نفسه كما يذهب إلى ذلك دونالد جيليز في كتابه فلسفة العلم في القرن العشرين. وبالتالي فإن المعرفة الممكنة فقط هي المعرفة العلمية القائمة على الإدراك الحسي والملاحظة المباشرة. وحسب عبارة الفيلسوف الثائر على الميتافيزيقيا (ديفيد هيوم)[40]: “ماكتب من مجلدات في اللاهوت والميتافيزيقيا لا يحتوي سوى سفسطة وأوهام”، فالمعرفة البشرية برأيه لا يمكن أن تكون إلا معرفة قائمة على (الحواس والخبرة)، وفي هذه الفقرة من كتابه بحث في الفاهمة البشرية، يهاجم هيوم الميتافيزيقيا بشدة:
“لكن يؤخذ على غموض الفلسفة التجريدية المتعمقة أنه ليس مزعجاً ومتعباً وحسب بل هو، أيضاً، منبع للحيرة والغلط، لامهرب منه، وبالفعل، هنا يكمن أصوب مأخذ على قسم واسع من الميتافيزيقيا، وأكثره قبولا هو أنها ليست من العلم بصحيح معناه في شيء، بل هي وليدة عقم جهود الغرور البشري الذي يريد الدخول في موضوعات لايمكن للفاهمة البشرية أن تطالها البتة”[41]
ولكن، ما أورده دونالد جيليز عن فتغنشتين فإن هذه النظرية لم تجعل الميتافيزيقيا – كما ذكرنا- فقط خالية من المعنى، وإنما أيضاً، قد تصير القضايا الاخلاقية بلامعنى[42].
ولكن لابد أن نأخذ ملاحظة جيليز التالية بالاعتبار، يقول:” إنني أرى أنه من الصواب القول بأن كل قضايا الملاحظة هي دالات صدق للقضايا المستمدة بالملاحظة، والخطأ الذي وقعت فيه جماعة فيينا هو أنها طابقت بين هوية هذه الفئة من القضايا وفئة كل القضايا التي لها معنى.”[43] ، أي أنه من الصحيح اعتبار كل قضايا الملاحظة هي دالات صدق للقضايا البسيطة المستمدة بالملاحظة، ولكن لا ينبغي تعميم هذه المقولة على جميع القضايا التي لاتستمد من الادراك الحسي، ومنها مثلا القضايا الأخلاقية.
هذه المسألة معقدة أكثر من ذلك، لأنه ينبغي تحديد ما هي الميتافيزيقيا التي لا معنى لها، أو التي يجب تنحيتها. فنحن نعلم أن الأنثروبولوجيين يعملون على دراسة وتحليل الديانات القديمة والثقافات البدائية بهدف الكشف عن معنى الحياة وطاقات العقل البشري، وهذا البحث في هذه هذه الثقافات وعناصرها (نصوصها وأدبياتها وطقوسها ومقدساتها وأعرافها) هو بحث في مسائل ليست مادية (عضوية أو بيولوجية)، فهي وإن تغافل بعض علماء الاجتماع والأنثربولوجيا عن كنهها وحقيقتها تبقى رموزاً وعناصر ميتافيزيقية، والبحث فيها طوّر نظريات الإناسة والاجتماع بشكل كبير.
إذا اعتبرنا أنه لا يمكن أن ندخل في فروض العلم إلا ما هو قائم على الملاحظة الحسية (المنهج الاستقرائي)[44]، فإننا نقتل بذلك الإبداع، لأنه لا يمكن أن ننكر وجود نوع من الافتراضات الحدسية (غير الحسية) تنشأ في ذهن الباحث قبل مجموع الملاحظات المستمد من الملاحظة، ويمكن للقارئ أن يرجع إلى انتقادات الفيلسوف كارل بوبر، والفيلسوف بيير دوهيم..
ولست هنا بصدد عرض تاريخي للعلاقة بين العلم والميتافيزيقيا، ولكن من الضروري أن نعرف أن للعلم تأثيره الكبير على الميتافيزيقيا، فأكثر الفلاسفة تطرفاُ ضد الميتافيزيقيا، تأثروا بشكل كبير بالنظريات الفيزيائية التي سادت عصرهم، وأعني هنا الفيزياء الكلاسيكية لنيوتن، إضافة إلى الثورة التي أحدثها داروين في البيولوجيا، والتي أحرجت المفاهيم اللاهوتية حول نشأة الحياة. ومع تغير وتطور نظريات العلوم، لم يعد من الممكن التسليم بفلسفة ترتكز على علوم تبدلت وتغيرت.
في مقابل معيار القابلية للتحقق الذي يعطي القضايا معنى، طرح كارل بوبر في نقده لجماعة فيينا معيار قابلية النسق للتكذيب، واعتبره المعيار الذي يميز بين القضايا الميتافيزيقية والعلمية، ولكنه لم يضعه كمعيار بين ماله معنى وما ليس له معنى. فليست كل قضية ليست علمية أو لا تخضع للعلم التجريبي هي قضية بلا معنى.
إضافة إلى ما سبق فقد بين كارل بوبر أن النظريات الميتافيزيقية يمكن أن يكون لها معنى، وقد يؤسس عليها نظرية علمية قادرة على التنبؤ. فالفروض تكون قبل الملاحظة الحسية أحياناً، ولا يمكن للاستقراء وتسجيل الملاحظات أن يفضي إلى شيء دون حصيلة معرفية قبلية مكتسبة، وبالتالي يمكن للميتافيزيقيا أن تدخل في فروض البحث العلمي في جانبه التجريبي. يقول دونالد جيليز: “ساعدت هذه المفاهيم والأفكار الميتافيزيقية- حتى في صورتها القديمة- على تنظيم تصور الإنسان للعالم، ليس هذا فحسب، بل أدت في بعض الأحيان إلى تنبؤات صحيحة. ومع ذلك فإن أية فكرة لاتكتسب صفة العلمية إلا حين تصاغ على نحو قابل للتكذيب”[45]، ويعرض في كتابه بعض الأمثلة التي ساقها كارل بوبر في مواجهة جماعة فيينا، كالنموذج الذري الميتافيزيقي، الذي ساعد كلاً من دالتون وماكسويل في بناء نظرياتهما، التي كانت تنبؤاتها صحيحة. ومن جهة أخرى فإنه يعرض أيضاً لبعض النظريات الميتافيزيقية التي أعاقت العلم، كالنظرة اللاهوتية لنشوء الحياة،” فضلاً عن أن بعض النظريات قد تكون ساهمت في إعاقة العلم أكثر مما ساعدته، فلقد وقفت- على سبيل المثال- النظريات الدينية عن الخلق اللاهوتي والنفس الإنسانية”[46].
من وجهة نظر الفيزياء الحديثة القائمة على الرياضيات، يبدو معيار القابلية للتحقق في الوضعية المنطقية في موقف حرج، لأنه يرتبط بشكل لصيق بالمنهج الاستقرائي المستمد من الملاحظة الحسية. إن نظرية أينشتاين لم يتم اكتشافها في المختبر أو من خلال التجارب، وإنما أطلق فرضياته بناء على المعادلات الرياضية، وتم البرهنة على مقولاته لاحقاً من خلال التجارب. وبالتالي لم يعد الحس والواقع الموضوعي هو الرافد الأكبر للتطور العلمي والمعرفي، بل أصبحت الرياضيات “العالم الأفلاطوني” يمدُّ العالم الفيزيائي بافتراضات لم يكن الفيزيائي ليتوقعها، وكثيرا ما تتغير مسارات التجارب، وتتقوض نماذج وتنشأ غيرها. يقول “روجر بنروز” أستاذ كرسي الرياضيات في جامعة أكسفورد: “في هذا الصدد نجد أن هناك درساً مستفاداً غاية في الأهمية، وهو أن دوافع أينشتاين لتخصيص ثماني سنوات أو أكثر من حياته لاستنباط النظرية العامة لم تكن مبنية على الملاحظة أو التجريب، وفي بعض الأحيان، يتعامل الناس مع هذا الأمر على النحو الآتي، يبحث الفيزيائيون عن النماذج الممكن اتباعها ضمن نتائجهم التجريبية، وعندما يتوصلون إليها يكتشفون نظرية متقنة تتفق وهذه النماذج، وربما يبين هذا سبب تعاون الرياضيات والفيزياء معاً بكفاءة عالية. لكن في هذه الحالة، لم تكن الأمور على هذه الشاكلة على الإطلاق؛ فقد طورت النظرية في الأساس دون أي دوافع قائمة على الملاحظ؛ فإن النظرية الرياضية بالغة الإتقان وهي فيزيائياً مبنية على دوافع قوية، والمسألة أن التركيب الرياضي موجود في الطبيعة، ولكن النظرية من الناحية الواقعية تطبق في الفضاء؛ بمعنى انه لم يفرضها أي شخص كان على الطبيعة” [47].
أردنا أن نبين مما سبق أن طرائق التفكير والفرضيات التي ينطلق منها الفيلسوف، هي التي تحكم فلسفته ورأيه في الموضوع. ولعل مسألة التمييز بين ماهو ميتافيزيقي وماهو علمي، ماله معنى وماليس له معنى، والمعايير المختلفة المطروحة لذلك، تؤكد صعوبة فصل التداخل بين هذين المجالين المعرفيين، إضافة للكيفية التي تعالج بها موضوعات الميتافيزيقيا. لعل هذه الخلاصة التي يضعها دونالد جيليز بعد مناقشته للكثير من مسائل فلسفة العلوم الحديثة والنظريات؛ تختصر علينا الطريق: “ويبدو أن النتيجة التي لامفر منها هي أن الأفكار الميتافيزيقية ليست مفيدة للعلم فحسب، بل هي ضرورية له أيضاً. إذ أنها توفر إطاراً لا غناء عنه يمكن من خلاله تشييد نظريات علمية محددة ومقارنتها بالتجربة. فالميتافيزيقيا تعمل كمرشد أو موجه للعلم. ولكن في حين أن الدليل الميتافيزيقي ضروري للتحرك في أي اتجاه على الإطلاق، فإن هذا الدليل يمكن أن يقود بسهولة إلى الطريق الخطأ، كما قد يقود إلى الطريق الصحيح”[48].
إن فيزياء الكم قد وضعت استبعاد الميتافيزيقيا من دائرة المعرفة ومقولة (أنها بلامعنى) في حرج كبير، وليس أدل على ذلك مما جاء في مؤتمر البندقية عام 1986 الذي عقد بمبادرة من اليونسكو وضم جمع كبير من العلماء، ونشر حوله كتاب بعنوان “العلم يواجه تخوم المعرفة” من منشورات وزارة الثقافة السورية (1994). ومما اتفق عليه العلماء في هذا المؤتمر، أن الثورة العلمية في مجالي الفيزياء والبيولوجيا فتحت الباب أمام نماذج معرفية أخرى، وأهمها التراثات الروحانية، وأن العقلانية الجديدة المتوخاة تقود إلى آفاق ميتافيزيقية جديدة.
وقد كان لرأي مؤسسي نظرية الكم، وممن لا يشك في مصداقيتهم العلمية صدى كبير على فتح هذه الآفاق أمام الميتافيزيقيا لتسهم في بناء النموذج الإرشادي الجديد لصورة الوجود، ومما جاء عنهم:
” من أجل مواز لدرس النظرية الذرية.. يجب علينا أن نلجأ إلى تلك الأنواع من المشاكل الإبستمولوجية التي واجهت المفكرين قبلئذ أمثال بوذا ولاتسو، عندما نحاول أن نناغم موقعنا كمتفرجين وكممثلين في دراما الوجود العظيمة” نيلز بور[49].
“المساهمة العلمية العظيمة في الفيزياء النظرية جاءت من اليابان منذ الحرب الأخيرة هي الإشارة إلى وجود علاقة معينة بين الأفكار الفلسفية في تراث الشرق الأقصى والجوهر الفلسفي لنظرية الكم” فيرنر هايزنبرغ[50].
أما روبرت أوبنهايمر “والد القنبلة النووية” فيقول: ” إن الأفكار العامة حول الفهم البشري التي توضحها الإكتشافات في الفيزياء ليست بطبيعة الحال غير معروفة كلياً، أو لم يسمع بها كلياً، أو جديدة. فحتى في ثقافتنا لها تاريخ، وفي الفكر البوذي والهندوسي لها مكانة مركزية وأكثر اعتباراً. إن ماسنجده هو نمذجة، تشجيع، وتهذيب لحكمتنا القديمة”[51].
لقد استفاد الفلاسفة الوضعيون من صورة العالم التي تمخضت عنها الفيزياء الكلاسيكية لنيوتن، والتي تبنت صورة آلتية للعالم، يقول فريتشوف كابرا: “لقد ساد الأنموذج الذي يتقهقر حالياً ثقافتنا عدة مئات من السنين، شكَّل خلالها مجتمعنا الغربي الحديث وأثَّر تأثيراً بالغاً على بقية العالم. يتكون هذا الأنموذج من عدد من الأفكار والقيم الراسخة، من بينها: رؤية العالم كمنظومة آلية مركَّبة من لبنات بناء أولية، ورؤية الجسم الإنساني كآلة، ورؤية الحياة في المجتمع كصراع تنافسي من أجل البقاء، والاعتقاد بالتقدم المادي غير المحدود وبأن الوصول إليه يتم عن طريق النمو الاقتصادي والتكنولوجي المتسارع” [52].
إن الواقع الذي تكشف عنه الفيزياء الكوانتية، يجعل مفاهيم الحتمية، والسببية المباشرة، والانفصالية، غير قادرة على تفسير هذا الواقع التحت ذري، هذه المفاهيم كانت من الأسس الهامة التي استند عليها الوضعيون في اعتبارهم الميتافيزيقيا قضية لامعنى لها. لقد اكتسبت الميتافيزياء تعريفات جديدة وقوة حضور بفضل الثورة الفيزيائية الكوانتية التي بدأت منذ بدايات القرن العشرين، وعاد الحديث عنها في ضوء مفاهيم مخالفة للفيزياء النيوتونية كالسببية الشاملة[53] والثالث المشمول[54] واللاانفصالية[55].
يقول رولان اومنيس أحد كبار الفيزيائيين :
“حدثت الإنقلابات الكبرى في مضمار الفيزياء، هي: أولا نظرية النسبية وقد أعادت فحص مقولات الفهم التي نظر كانط لها، ثم – وبصفة خاصة – ذلك العلم الذي يكاد يكون علماً كونياً شاملاً، والموسوم باسم “ميكانيكا الكوانتم”، والذي هو في واقع الأمر تعبير عام عن قوانين الطبيعة في عالم مصنوع من جسيمات حاضرة في كل مكان، وتكاد تكون غير قابلة للإدراك الحسي، ميكانيكا الكوانتم هي العلم الذي راح يحذرنا من حدود الحس المشترك، ومن أن بعض المبادئ الفلسفية الأساسية قد تكون على خطأ: مثلاً القابلية للفهم والتعقل، التموضع، العلية. الكلمات تخذلنا؛ كل ماتفعله أن تحمل مابين دفتيها المظهر المخاتل للأشياء، وتتصادم فيما بينها عن طريق التناقضات العديدة المديدة. الرياضيات لاسواها هي التي تملك الشراك القادرة على اقتناص مفاهيم الفيزياء، ليس فقط من أجل أن تجعلها دقيقة، كما كان الأمر في علم العصور الغابرة، بل لكي تصوغها وتعبر عنها، ولاشيء البتة يحل محل الرياضيات في هذا”[56].
من المعلوم أن فيزياء الكم ونظرية النسبية لهما الأثر الكبير على المنجزات التكنولوجية التي دخلت كافة مناحي حياتنا، من التصوير إلى الطب إلى الأقمار الصناعية، والكمبيوتر والطاقة النووية، ولكن لم يقتصر أثر النظريات الفيزيائية الجديدة على ذلك فقط، بل غيرت من رؤية العلماء للعالم، وأصبحت البيولوجيا مرتبطة بشكل كبير بالفيزياء، والفيزياء مؤسسة على الرياضيات أي على أعلى درجات التجريد. “ولولا ميكانيكا الكم لظلت الكيمياء في عصورها المظلمة، ولما وجد علم البيولوجيا الجزئية – ولاكنا سنفهم الهندسة الوراثية- أبداً”[57]
لقد أعطت نظرية الكم تصوراً لبنية العالم قائم على الإحتمالية واللاتعيين، وغيرت من مفهوم المادة، والسبب والنتيجة والعلة والمعلول. لذلك عبر أينشتاين عن هول هذه الصورة بقوله: “كان كما لو أن الأرض قد سحبت من تحت، المرء بدون أي أساس ثابت منظور في أي مكان، يمكن أن يبنى عليه”. أو كما قال نيلز بور أحد مؤسسي نظرية الكم ” أي شخص لايصاب بصدمة من نظرية الكم فإنه لم يفهمها”.
ينبغي أن نؤكد ثانية أننا نتحدث عن نظريات نعيش نتائجها في أدق تفاصيل حياتنا، ولو افترضنا أن قوة ما قررت سحب هذه النظرية من الوجود، فإن الحضارة ستعود مائة عام إلى الوراء.
هذه النظرية توصِّف الواقع الميكروسكوبي، أي الواقع دون الذري، وتعتبر نظرية عالية الدقة بشكل كبير. في هذا العالم تحت الذري شيء يشبه السحر والألغاز والأشباح، “ذلك أن ميكانيكا الكم تنادي بألا شيء حقيقي، ولا يمكننا قول أي شيء عما تفعله الأشياء عندما لا نشاهدها…..ففي عالم ميكانيكا الكم تتوقف قوانين الفيزياء المألوفة في حياتنا اليومية عن العمل، وبدلا من ذلك فإن الاحتمالات هي التي تتحكم بالأحداث”[58] .
فيما يخص ملاحظة حاج حمد حول استبدال الرؤية الوضعية برؤية كونية، فلعل ظاهرة التعالق الفيزيائية في فيزياء الكم تبين الامتدادات الكونية لحركة الأجسام، وكذلك عدم إمكانية تفسير الجزء إلا في إطار الكل.
إن التأثيرات اللاموضعية (ظاهرة التعالق) هي أحد ألغاز ميكانيكا الكم، حيث تتأثر أجسام ببعضها البعض دون أي اتصال بينها، كأن تقوم بفصل كرة إلى كرتين ثم تضع كل واحدة في مكان بعيد، وعندما تحدث تأثيراً على إحداهما لتدور فإن الأخرى تدور أيضاً، في هذه الظاهرة يتبخر الزمان والمكان ولا يغدو الواقع المعروف موجوداً. يقول بنروز: “ويعتبر التشابك الكمي نموذجا بالغ الغرابة، حيث إنه يكون في موضع ما بين أجسام منفصلة وتكون على صلة أحدها بالآخر، إنها ظاهرة خاصة بميكانيكا الكم فقط ولايوجد لها نظير في الفيزياء الكلاسيكية”[59]
وفي موضع آخر من الكتاب يقول: “كما أن التأثيرات اللاموضعية المماثلة لهذه التأثيرات تحدث في ميكانيكا الكم ولايمكن فهمها في إطار شيء منفصل عن شيء آخر، حيث يحدث نوع من النشاط الكوني”[60].
إن ظاهرة التعالق (التأثيرات اللاموضعية)، لا يمكن أن تفهم بالخبرة أو بالإدراك الحسي، كما هو شأن معظم مقولات فيزياء الكم، ولا يمكن أن يستوعب العقل بحدوده سبب هذا التعالق والتأثر بين مجموعة جزيئات لا يربط بينها أي شيء مادي، وتمضي بسرعة أكبر من سرعة الضوء، بل أكثر من ذلك لا يعود للسرعة والزمن معنى. فماذا يعني أن الجسيمات المتعالقة تتأثر فيما بينها دون أي روابط، ومهما كانت المسافة؟
هذه التبصُّرات لفيزياء الكم أثبتت أن الواقع التحت ذري، هو واقع لا يمكن توصيفه من خلال السير في تجزئته إلى قطع صغيرة، نعم إن هذه العملية ضرورية، لكن الكل هو الذي يحدد سلوك الجزء، وكل شيء مرتبط بكل شيء، من خلال روابط لاموضعية، “إنها ارتباطات آنية بالكون ككل….عندما ننتقل إلى أبعاد أصغر، فإن تأثير الارتباطات اللاموضعية يصبح أقوى، وتفسح اليقينيات الطريق للاحتمالات، ويصبح من الصعب أكثر فأكثر أن نفصل أي جزء من الكون عن الكل”[61].
إن الكون عبارة عن شبكة معقَّدة من العلاقات، يقول فريتشوف كابرا: “فقد بيَّن التحليل العميق لعملية المراقبة في الفيزياء النووية أن لا معنى للجسيمات تحت الذرِّية ككيانات منعزلة. لكن، ما زال من الممكن فهمها من خلال العلاقات التي تربط بين التحضير للتجربة وبين ما يلحقها من قياس. وهكذا عبَّرت النظرية الكوانتية عن الوحدة الأساسية للكون، لأنها أرتنا أنه ليس بوسعنا تجزئة الكون إلى كيانات صغيرة مستقلة بحدِّ ذاتها، ولأنه بمقدار ما نغوص في قلب المادة بمقدار ما تبيِّن لنا الطبيعة أن الكون لا يتألف من “كتل بنيان أساسية” منفصلة، إنما هو شبكة معقدة جدًا من العلاقات التي تربط بين مختلف أجزاءه”.[62]
لقد حطمت فيزياء الكم الكثير من المفاهيم المستقاة من واقع خبرتنا، وأربكت أكثر العلماء فهماً للفيزياء والرياضيات.
وفي كتاب روجر بنروز فيزياء العقل البشري يبين كيف أن معالجة مسألة الوعي البشري هي موضوع يجب أن يُبحث بامتدادته في المجال الكوني كله:
“يبدو لي أن الوعي شيء كوني، لذلك فإن أية عملية فيزيائية مسئولة عن الوعي لابد أن تكون ذات خاصية كونية بصفة أساسية”[63].
إن الصورة التشاركية الكلية للكون بحيث يفسر الكل سلوك الجزء، تتجلى بشكل كبير في المنظومات الحية (الكل أكبر من مجموع اجزائه).
لقد أحرز التقدم في الفيزياء والعلوم البيولوجية وعلم النفس، نظرة أكثر استيعاباً للوجود وتستوحي فلسفتها من تداخل العلوم وترابطها، وتؤدي إلى فهم الجزء في إطار الكل من خلال وظيفته ودوره في الطبيعة ككل. ولم تعد دراسة المتعضيات الحية قاصرة على كينونتها، وإنما يضاف إليها جملة العلاقات التي تربطها بمحيطها البيئي. هذه الرؤية الجديدة تُعرف باسم “الإيكولوجيا العميقة”[64]. وهو مفهوم يعتمد على الفهم التشاركي بين مجموعة الكينونات المنفصلة ظاهرياً، وهي رؤية شديدة الظهور في فهم الكائن الحي، لأنها تتطور وتتكاثر وتنمو، وتدرس الظواهر كمنظومات من خلال علاقاتها وارتباطاتها مع المنظومات الأخرى.
يقول فريتشوف كابرا: “كان لإدراك المنظومات باعتبارها كلِّيات متكاملة، لا يمكن فهمها تحليلياً، وقع أكبر في الفيزياء منه في البيولوجيا. إذ طالما اعتقد الفيزيائيون منذ أيام نيوتن، أن الظواهر الفيزيائية كافة يمكن اختزالها إلى خصائص القسيمات المادية الصلبة الصماء. غير أن النظرية الكوانتية في العشرينيات أجبرتهم على قبول واقعة أن الموضوعات المادية الصلبة للفيزياء الكلاسية تتلاشى في المستوى التحتذري subatomic إلى نماذج احتمالية أشبه بالأمواج. علاوة على ذلك، لا تمثل هذه النماذج احتمالات لأشياء، بل بالحري احتمالات الترابط المتبادل فيما بينها. ليس للأجزاء التحتذرية من معنى ككيانات معزولة، بل يمكن فهمها فقط كترابطات أو علاقات متبادلة بين سيرورات متنوعة من الملاحظة والقياس. بكلمات أخرى،ليست القسيمات التحتذرية “أشياء” بل ترابطات متبادلة بين الأشياء، وهذه بدورها ترابطات بين أشياء أخرى وهلمَّ جرا. في الفيزياء الكوانتية لا نتوصل إلى “أشياء” بل نتعامل دوماً مع ترابطات متبادلة. كذا فإن الفيزياء الكوانتية تبيِّن لنا أنهلا يمكن أن نفكِّك العالم إلى واحدات أولية موجودة وجوداً مستقلاً بعضها عن بعض. وفيما نحن ننقل انتباهنا من الموضوعات الماكروسكوبية إلى الذرات والقسيمات التحتذرية، لا تبدي لنا الطبيعة أية لبنات بناء معزولة، بل تظهر بالحري كنسيج معقَّد من العلاقات ما بين أجزاء متنوعة لكلٍّ موحَّد. فكما عبَّر فيرنر هايزنبرغ – أحد مؤسِّسي النظرية الكوانتية: “بذلك يظهر العالم كنسيج معقد من الأحداث تتناوب فيه روابط مختلفة الأنواع أو تتشابك أو تتراكب، وبالتالي تعيِّن نسيج الكل.” إنما الجزيئات والذرات – البنيات التي تصفها الفيزياء الكوانتية – عبارة عن مكوِّنات. غير أن هذه المكوِّنات – أي القسيمات التحتذرية – لا يمكن فهمها ككيانات معزولة بل يجب التعريف بها عبر علاقاتها المتبادلة. عبَّر هنري ستاب عن ذلك بالكلمات التالية: “القسيم الأولي ليس كياناً غير قابل للتحليل ذا وجود مستقل. إنه،في ماهيَّته، جملة من العلاقات تمتد خارجاً لتواصِل الأشياء الأخرى)[65]
وعن هذه الرؤية يقول موسى ديب الخوري: “إننا نشهد ثورة مهمة في ميدان العلم،نتجت عن العلوم الأساسية من خلال الانقلاب الذي قامت به في حقل المنطق، وفي الإبستومولوجيا، كما وفي الحياة اليومية من خلال التطبيقات التقنية. إلا أننا نلحظ،في الوقت نفسه، وجود انحراف كبير بين النظرة الجديدة إلى العالم التي تنجم عن دراسة المنظومات الطبيعية وبين القيم التي مازالت سائدة في الفلسفة وفي العلوم الإنسانية وفي الحياة على صعيد المجتمع الحديث. فهذه القيم تعتمد، بدرجة كبيرة، على الحتمية الميكانيكية والوضعية أو العدمية. ونشعر أن هذا التطرف مؤذٍ جدًا ويحمل تهديدات عظيمة بتدمير جنسنا. وصلت المعرفة العلمية، بفعل حركتها الداخلية ذاتها، إلى تخوم يمكنها أن تشرع عبرها في الحوار مع أشكال أخرى للمعرفة. ونلحظ، وفق هذاالمعنى، ومع الإقرار بوجود اختلافات أساسية بين العلم والمنقول القديم، أنهما ليسا متعارضين، بل متكاملان. إن التلاقي غير المتوقع والغني بين العلم ومختلف المنقولات القديمة يسمح لنا بالتفكير في ظهور رؤيا جديدة للبشرية، أو حتى عقلانية جديدة قد تقود إلى منظور ميتافيزيائي جديد))[66]
هذا الاتجاه الآخذ في الانتشار، يحاول مقاربة الميتافيزيقيا بأسلوب علمي، ويتخذ منها رافداً معرفياً وفلسفياً. “إن الفيزياء الجديدة هي جزء لايتجزأ من رؤية العالم الجدية التي تنشأ الآن في كل العلوم وفي المجتمع. والرؤية العالمية الجديدة هي رؤية عالمية إيكولوجية تترسخ أساساً، في الوعي الروحاني. لذلك ليس مفاجئاً أن النموذج الإرشادي الجديد، كما يظهر في الفيزياء والعلوم الأخرى، سيكون متناغما مع أفكار كثيرة في التراثات الروحانية……
فقد أثبتتها التطورات الحديثة في العلوم الأخرى، على نحو بارز في علم الأحياء وعلم النفس، وأنا الآن أقف على أرض أكثر صلابة. إذ يصبح جلياً أكثر من ذي قبل أن التصوف، أو الفلسفة السرمدية، كما يدعى أحياناً، يقدم الخلفية الفلسفية الأكثر تماسكاً للنموذج الإرشادي العلمي الجديد. “[67].
إننا كلما اقتربنا من العالم الحي نجد أننا نقترب من الميتافيزيقيا أكثر، فعند الحد الفاصل بين العالم الميكروسكوبي وقوانينه، والعالم الماكروسكوبي وقوانينه؛ يوجد عالم يمكنه أن يفسر سلوك بعض المنظومات البيولوجية، ” سنكون راغبين في معرفة كيف تتعامل الطبيعة فعلياً مع هذا الحد الفاصل”[68]
إن دراسة المادة الجامدة وفق نظريات العلم الفيزيائية الحديثة لا تسد الباب بوجه الفروض الميتافيزيقية، وهي أكثر حضورا في البيولوجيا، أما على المستوى الإنساني فهي ضرورة وجودية.
يبدو النموذج الإرشادي الجديد الذي لايستبعد أو يحارب الميتافيزيقيا، ويتشارك معها في بناء صورة أكثر إنسجاماً وفهماً للوجود، هو نموذج كوني. ويقودنا إلى النظرة الكلية التشاركية والترابطية للوجود، التي يؤكدها كل من العلم الحديث والتراث الصوفي.
هذه المحاولة لاعتبار الميتافيزيقيا ذات معنى، وأنه من الممكن أن تساهم في البناء المعرفي، ليست محض آمال، وإنما تلقى انتشاراً كبيراً بين مجموعة كبيرة من علماء الفيزياء والرياضيات والبيولوجيا أكثر من الفلاسفة، ويقودها فيزيائيون لامعون أمثال فريتجوف كابرا[69]، وباسراب نيكولسكو[70]، ديفيد بوم[71]، وهنري ستاب[72]، ومن قبلهم من فتح الباب لمثل هذه الرؤية وهم مؤسسي نظرية الكم (نيلز بور وفيرنر هايزنبرغ).
وفي كتابه التصوف الشرقي والفيزياء الحديثة، عقد فريتشوف كابرا لهذه التوازيات بين التراث الصوفي والفيزياء الحديثة، حتى أن القارئ لا يمكنه أن يميز أحياناً بين قول الفيلسوف الصوفي وقول الفيزيائي.
ولكن ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار تنبيه جون جريبين عن إساءة فهم مثل هذه الكتب :”وقد أفرخ كتاب فريتجوف كابرا الرائع” طاوية الفيزياء” عدداً من المقلدين الذين لم يفهموا الفيزياء ولا الطاوية لكنهم تكهنوا بوجود مال يمكن كسبه بربط العلم الغربي بالفلسفة الشرقية”[73].
وعلي أن أوضح نقطة بشأن الكتاب، وهو أن مخطوطته الأولى قد تمت مراجعتها مع أحد كبار مؤسسي نظرية الكم “فيرنر هايزنبرغ”، وبيع منه أكثر من مليون نسخة.
العلاقة بين الميتافيزيقيا والعلم معقدة ومتداخلة، والعقل البشري يلجأ إلى الميتافيزيقيا لتفسير مالا يستطيع تفسيره من خلال إدراكه الحسي والتجريبي. وكلما تطورت أدوات البحث والنظر كلما تقلصت دائرة الميتافيزيقيا، ولكن هذا لا يمنع من ظهور إشكالات وتساؤلات جديدة تفسح المجال لمسائل ميتافيزيقية لم تكن محل تفكير في السابق. بل إن التعمق في دراسة الكون من أصغر أبعاده إلى أكبرها؛ فرض مفاهيم جديدة ورؤية لم يعد فيها العلم المبني على التجربة والمحسوس كافِ لتفسير حركة المادة الجامدة، والمسألة أعقد في المادة الحية.
لم تختفي الميتافيزيقيا يوماً من ساحة العلم، ولكن حضورها اختلف ومساحتها ومجالاتها تغيرت، واليوم أصبحت أكثر معقولية وأقرب إلى العلم ونظرياته، ولكن ما استبعد من دائرة العلم بشكل تقريبي هو الميتافيزيقيا الكلاسيكية وخصوصا تلك التي تتعلق بالأساطير والخرافات.
إذاً إمكانية دفع الله إلى الوراء باستبعاد الميتافيزيقيا أو تبسيط دوره في مسائل العلوم المضبوطة المتعلقة بالطبيعة، فشل بعد النتائج الفلسفية التي أفضت إليها ميكانيكا الكم ونسبية اينشتاين وتطور البيولوجيا)، وبالتالي فإن سحب الدور الإلهي من الوجود في ما يخص الجانب الإنساني يبدو أمراً مستحيل.
إننا كلما اقتربنا من الإنسان كلما اقتربنا من الغيب، ولكنه الغيب المتشيء في الواقع كما يقول حاج حمد، والذي بمقدور الإنسان أن يدركه من خلال القرءان الذي يمثل عنده معادلاً موضوعياً للوجود.
لقد أتاحت نظريات العلم الحديثة المجال للميتافيزيقيا بشكل واسع، وينبغي علينا استناداً لهذا التقدم أن نحاول تأسيس نموذج معرفي يحقق التكامل بين حقول العلم ومجالات المعرفة المختلفة. فالإنسان كما يطرح الحاج حمد بدن وحواس ونفس وروح (مادة ونبات وحياة وغيب)، وجميع العلوم والمعارف التي تنظم حياته يجب أن تأخذ بهذه الأبعاد كلها، ودون منهجية قادرة على استيعاب هذا التكوين، فإن فلسفتها للعلوم ستكون قاصرة عن تحقيق غائية الخلق، والقرءان يمكنه أن يعطي تلك المنهجية المعرفية.
الروح هي قناة الاتصال بالله (ونفخت فيه من روحي)، وهي سر الأنسنة المتعلق بمسائل الوجدان والأخلاق والقيم والضمير.
لذلك يكون هذا البعد الرابع (الروح) هو الضابط والناظم لمتطلبات ومقتضيات الإنسان في أبعاده الثلاثة الأخرى. لأنه عندما تغيب مقومات الأنسنة من قيم أخلاقية وجمالية. يصبح الإنسان حينها مستلبا لمنشئه المادي فقط، ويسيّر مقتضيات حياته وتشريعاته ومنظومته الأخلاقية وفق نزعة غرائزية نفعية.
فإشكالية المعطى العلمي تتجلى عندما نسحب الجزئي على الكلي، أي سحب ما يعطيه الإدراك المحدود بالوجود الموضوعي على كلية الإنسان والوجود، الذي ينزع بتكوينه نحو المطلق واللامتناهي.
ولكن الله من خلال الروح أرسل لنا رسائله وكان ذلك أول تدخل معرفي بالوجود.
الوحي كأول تدخل لله في الوجود
إذا كان العلم لا يستطيع استبعاد المعرفة القائمة على الحدس، ولا يمكنه رد جوهر الأنسنة إلى التكوين الطبيعي المادي، وبما أن هذه المسائل ذات الصبغة الدينية تزامنت مع ظهور الإنسان العاقل، فإن النصوص التي لعبت دوراً كبيراً في سيرورة تطور المجتمعات، هي التي تبين علاقة الله بالوجود وبالإنسان. فهي الوحي الذي يبين الله من خلاله كيفيات تدخله بالواقع، يقول حاج حمد:” المعرفة بالله عبر الوحي المطلق هو بداية التدخل الإلهي في الواقع عبر الأنبياء, و عبر هذا الوحي المطلق نفهم كافة أشكال و مضامين التدخل الإلهي في الكون”[74]
يتدخل الإنسان لتفسير هذه النصوص وفق أشراطه الثقافية، فيتجلى تصوره لهذه العلاقة بينه وبين الله والوجود في تشريعاته وحياته الاقتصادية والسياسية ومايلحق بها.
ومن أجل درس موضوعي لهذه العلاقة علينا أن نعيد بناءها وفق شروطنا الثقافية والفكرية والمعرفية، وبعد ذلك نشيد بناء عليها تشريعاتنا وأنظمتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وبذلك لا يغيب البعد الموضوعي المشروط بظروف الواقع وعلومه عن هذا البناء، وكذلك نهتدي بالوحي الذي جاءنا من خالقنا.
جميع الفلسفات والأديان تحيل نتائج حركية الواقع إلى صراع بين الخير والشر (الحق والباطل)، ولكن دون أن نفهم الكيفية التي عليها القانون الطبيعي وسنة التاريخ – باعتبارهما المبادئ التي تستوي على الحق- فلن نتمكن من فهم دورنا وما يتوجب علينا فعله، وكيف نتفاعل مع هذه الحركة الجدلية دون أن نُستلب لصالح الباطل، فنَخْلُد لتصوراتنا اللاهوتية بانتظار انتصار قائم على فعل غيبي محض، وما ينشأ عن هذه التصورات من سلبية في الفعل وسلوك متطرف أو عنصري. وكذلك دون أن نختزل التكوين الإنساني في المركب الطبيعي، فنرتد إلى مادون البهيمية، كما في فلسفة الأخلاق الطبيعية التي ردت الفعل والسلوك الإنساني إلى الطبيعة وقاست الخير على أساس النفعية والسلوك الغريزي.
القرءان المصدق والمهيمن على جميع الكتب السماوية هو الوحي المطلق الذي يستطيع استيعاب المناهج المعرفية والعلمية ويرتقي بها نحو غائية وجود الإنسان، ويبني نموذجه الذي يستجيب ولا ينفي أي بعد من الأبعاد الإنسانية الأربعة.
ويكون ذلك بفهم التركيب القرءاني من خلال تغير محتويات وطبيعة الوعي بحكم كونه قدرة كونية مستمدة من منشائه الكوني ومكافئة لكونية القرءان. فالقضية ليست استناداً على المناهج المعرفية وأدواتها، وإنما استناد على جملة الوعي الإنساني بكونها أكبر من هذه المناهج والعلوم. وهنا يأتي دور الغيب ليرتقي فوق هذه المناهج ليضع نموذج إرشادي كوني للوجود.
فالنص ثابت ولكن جملة الوعي هي التي تعطي النص حركيته وزمكانيته، وذلك من خلال النفاذ إلى مكنون القرءان بكيفية تحليلية تستند على فهم منهجي نقدي لنهايات الفلسفة الغربية ومناهجها المعرفية وفلسفة علومها، وبمنطلقات تحليلية لسانية لمفردات القرءان الكريم.
وإذا أردت أن أختصر القول فإن الحاج حمد كان يبحث عن علاقة الميتافيزيقيا (الغيب) بالوجود من منطلق علمي فلسفي، وقرءاني، وهي التي تجلت عنده بالجمع بين القراءتين (قراءة بالقلم وقراءة باسم الله) القراءة بالقلم: هي قراءة الوجود والعالم الموضوعي، والقراءة باسم الله: هي استحضار وفهم الجانب الغيبي المتشيئ في الوجود، والإنسان القارئ لهما.
إذن بمعنى آخر هي محاولة تأسيس رؤية منهجية تكامل مابين الميتافيزيقيا والعلم، وذلك بنظرة كلية كونية مستمدة من كونية القرءان بوصفه معادل موضوعي للوجود. وبإعطاء دور للميتافيزيقيا في البناء المعرفي، وفي وضع نموذج إرشادي كوني يهتدي به الإنسان في فهمه للوجود من حوله ولمسائله الإنسانية والاجتماعية.
المدخل الجدلي عند حاج حمد
إن توصيف دور الله وفق المنظومة التراثية لم يعد مقبولا في ضوء العلم، ويحتاج إلى بحث معمق في جميع فروع العلم من دراسة المادة الجامدة إلى العلوم التي تعنى بالنشاط البشري، وذلك لأن تطور العلم لم يعد يقبل بترك هذه المساحة للمعتقدات القديمة، والتفسيرات اللاهوتية.
الجدلية التي تحدث عنها الحاج حمد نابعة من تكوين الإنسان ذاته. فالإنسان كائن بيولوجي متشيء من مكونات الطبيعة، وهو بحكم وجدانه وضميره، مرتبط بغيب ذو مصدر إلهي (نفخة الروح) التي تأنسن بها. وكذلك له خصوصيته الذاتية ككائن عاقل له جهاز رمزي وعقل. ودون وعي يربط بين هذه الجدليات الثلاث، تبقى أنسنته عرجاء، فإما نحو تضخم المطلق الذاتي بتغييبه لوجدانه وضميره، وما يتبعه من فلسفات ترتكز على أبعاده الطبيعية فقط، ومن ثمَّ مقاربة المسائل الأخلاقية بكيفية ذرائعية ونفعية. أو أن يبقى متجهاً إلى الخلف بعقلية لاهوتية خشية على إيمانه من نهايات العلم المادية.
مالم يستجب الإنسان وعياً لأصوله التكوينية (الغيب والطبيعة)، فسوف يصطدم بامتصاص الأبعاد المغيبة في تكوينه إدراكياً لصالح النزعات الشيطانية، لتنعكس على سلوكه وتشريعاته ونظام اجتماعه. فالشيطان يعمل من خلال ملئ الفجوات الإدراكية بمناهج التخريب، لتبرير استجابةٍ مبتورةٍ لمكونات النفس، تتجلى في نظرياته الاجتماعية ونُظُمِه التشريعية.
إن الشيطان يعيش في المنهج المادي والمنهج اللاهوتي، ويسعى لسد الثغرات في القصور الإدراكي. وعندما قام الغرب بصناعة منظومة أخلاقية دونها بميثاقه عن حقوق الإنسان، فإن هذا الميثاق لم يتساوق بكليته مع أصول ومبادئ النزعة المادية والوضعية وما أفرزته من نظم تقوم على القوة وتقنين الصراع والجشع المادي، ونظرتها التي تختزل الإنسان في بعده الطبيعي، فلا تنتهي سلوكياته الاقتصادية والسياسية إلا بما يناقض الأخلاقيات التي ينادي بها، فيكون الاستغلال و الاستعمار ولا يصحو الضمير إلا حيث تقع المنفعة والمصلحة، ويكون النفط محرضاً لتحرير الإنسان في العراق، ولكن حيث لا يوجد نفط كالدول الفقيرة في أفريقيا أو شرق آسيا، فإن سياساته لا تتدخل بشكل جدي وضاغط، بل على العكس، حيث يده ملطخة بالدماء التي تسيل في هذه الدول، وشبكاته متورطة في الجوع والفقر الذي يعانيه الناس هناك.
أما من جهة موروثنا الديني فهناك جوانب كثيرة وبارزة تستلب العقل وحرية الإنسان وتلقائيته بالتفسيرات الأسطورية والتقييدات الفقهية ذات المنشأ السلطوي والعرفي الماضوي، فتُسحَب مناهجَ فكرية ماضوية مُتولدة من رحم الصراعات السياسية والعقائدية، ليُعَالج من خلالها قضايا الحاضر. فالشيطان يأتي الإنسان من الفقه والشريعة، وهذا فهمي لقول القرءان على لسان إبليس (لأقعدن لهم صراطك المستقيم) حتى ليظن المرء أن ما يقوله من شيطنةٍ فقهيةٍ وتشريعيةٍ هو صراط الله المستقيم، فيُجحف ويظلِم ويُرِهب ويُرجِف بفتاواه، ويكْفُرُ سبيل العلم والحرية.
الدين هو الجانب الإيجابي في تكوين الإنسان (الفطرة)، ويرتبط بالروح عبر الوحي، الذي يرتقي بالإنسان ويتسامى به فوق مركباته الطبيعية دون إلغاءها أو تغييبها. وفي كتابه تشريعات العائلة يبحث حاج حمد في العلاقة بين الدين والفطرة وتكوين الإنسان، يقول: “(ذلك الدين القيم) فالقوامة فيه من (التقويم) للفطرة التلقائية ، والتقويم هو اتخاذ الجانب (الإيجابي) في الفطرة”[75]
فالاستجابة لجدل التكوين الإنساني (الروح والعقل والبدن) هي التي تحد وتلجم مناهج الفجور في النفس، فالتقوى ابتداء هي إدراك لهذه الجدلية. (الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ومما رزقناهم يتفقون. الذين يؤمنون بما انزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون) البقرة.
إذا كان العلماء في الغرب فيزيائيون وبيولوجيون مهتمون بالتراثات الروحية، فبين يدينا كتاب الله الذي يهيمن على هذه التراثات، ويتجاوزها إلى كونية شاملة، فحريٌ بنا أن نعيد لهذا الكتاب شأنه، من خلال قراءته بأسلوب علمي منهجي تحليلي، ينطلق من مناهج المعرفة نحو النص، ثم يعود على هذه المناهج ضبطا وتوسيعا وتجاوزاً بحكم كونيته وإطلاقيته.
إن التطور العلمي سيعزز الكشف، لا محالة، عن استحالة فهم جوهر الأنسنة بمعطيات العلوم التجريبية. لأنه عند المرحلة الفاصلة بين مرحلة البشر الهمج، ومرحلة الإنسان العاقل تظهر إشكالية الأنسنة، التي لا يمكن لنظرية التطور والانتخاب الطبيعي والطفرات البيولوجية أن تقدم لها تفسيراً، على الأقل من جهة الفترة الزمنية التي يستحيل تخيلها أو تفسيرها في ضوء التطور الطبيعي. هذه المرحلة المعبر عنها بنفخة الروح في القرءان والتي تبرهن على الوجود الإلهي في الواقع، ينبغي أن نتوسع في دراستها لفهم فطرة الله التي فطر الناس عليها والتي أهلتهم لمسؤولية الخلافة. وهي ما حاول الحاج حمد مقاربته من خلال فهم البعد الغيبي في تأسيس العائلة الأولى. لذلك أرى أننا يجب أن تبدأ من تلك المرحلة التي نقلتنا إلى مرحلة الخلافة والتوسع في تحليلها، لفهم طبيعة التكوين الإنساني، واستجلاء البعد الغيبي والموضوعي في كيفية تشكل الاجتماع الإنساني الأول وبدايات التدين وظهور الضوابط الأخلاقية. تلك الفطرة التي تمثل الركائز الأساسية التي شكلت الهوية الإنسانية، وأول مقتضياتها حرية الإرادة والعقيدة والفكر التي إذا ما استلبت لاهوتيا أو وضعيا فإنها سترتد على الإنسان ظلما وتسلطا باسم الله أو بمقتضى القانون الطبيعي المتعلق بالبدن والحواس والمسحوب على المسائل الأخلاقية.
فالمنهج الرباني هو المنهج الذي يتولد من رحم جدل تكوين الوجود، دون تغييب لأي من أبعاده. والقضية ليست شعارات فقط ولكنها تتعلق بالكيفية التي تعالج بها هذه الجدلية، وكما يقول حاج حمد فإن: ” عبارة (الجمع بين القراءتين) قول سهل، وترديد القول بوجود علاقة مابين القرآن ككون مقروء والوجود ككون متحرك، أيضاً قول سهل، والإقرار بوجود علاقة بين عالمي الغيب والشهادة إقرار سهل……….كل ذلك سهل…سهل، ولكن التحدي الحقيقي هو في كيفية الجمع بين القراءتين والتعامل مع جدل الغيب الذي تكتنفه صعوبات التحديد الموضوعي في مقابل موضوعية جدل الإنسان وجدل الطبيعة. وهي موضوعية لاتخلو أيضا من تعقيدات في سياق التحليلات الجدلية العلمية المعاصرة بمنطقيتها الحديثة ونظرياتها النسبية ومفاهيمها الاحتمالية”[76].
إذن دون استيعاب حقيقي ومدروس لجدل الإنسان وجدل الطبيعة، وما تعطيه النظريات العلمية في هذين المجالين، وذلك بتحليل مقولاتها ومقارنتها وتفكيكها، فإننا لن ندرك كيفية علاقة الغيب بالواقع، ولن يكون القرءان حاملاً لمنهجية معرفية كونية إلا شعاراً نطلقه إيماناً دون علم، وبالتالي سنعجز عن طرح الإسلام كدين عالمي.
كثيراً ماتناقش موضوعات حاج حمد من الناحية اللغوية، ولكن دون فهم للخلفيات العلمية للفلسفة المادية والوضعية، والنظر في نظريات العلم الحديثة، والدراسات الانثروبولوجية، وتاريخ الاديان ومقارنتها، فإننا لن نستثمر جهد حاج حمد بشكل إيجابي، سواء اتفقنا معه كلياً أو جزئياً، أو اختلفنا معه بكيفية نقدية وتحليلية.
إن الدائرة التي تحرك بها حاج حمد في مؤلفاته ليست محصورة بالجانب اللغوي أو بما استنتجه من تجديدات تشريعية، وإنما ما أراه الجانب الأهم والذي يحتاج إلى توسيع ونقد وتحليل هو مايتعلق بفلسفة العلوم ومناهج المعرفة الحديثة، والكيفية التي يمكن للقرءان أن يتفاعل معها ويستوعبها.
أزمة الإنسان أزمة مناهج معرفية
مالم نستوعب تماما المناهج المعرفية والنظريات العلمية الجديدة، فلن نكون قادرين على طرح الإسلام كدين عالمي، فتلك المناهج المعرفية وفلسفتها تعاني من أزمة تفسير لنتائج العلوم، وهي متعارضة فيما بينها عندما يتعلق الأمر بدراسة السلوك الإنساني. فعندما يتم سحب جانب العلوم الطبيعية على الجانب الإنساني، وهو يعاني من خلل في فلسفة نتائج العلوم الطبيعية، فسوف تكون النتائج كارثية تتمثل في تحويل الإنسان إلى سلعة وتحويل الطبيعة إلى مكب للنفايات، وتؤدي الى أزمات مالية وتضخمات ربوية لا يتم تنفيس ضغطها منعا من الانفجار إلأ بحروب وقلاقل هنا وهناك.
ندرك تماما أن حرية الإنسان المركبة في المنظور الغربي على تكوين الإنسان المادي، وحريته المزعومة في الموروث الديني المركبة على اشتراطات أيديولوجية بمنطق المقايضة التجارية مابين الدنيا والآخرة؛ كلاهما يخدمان السلطة، كلٌ بطريقته وبما ينسجم مع مركبات واقعه. أما حرية الإنسان التي ينشدها حاج حمد وننشدها معه فإنها مركبة على تكوين الإنسان بأبعاده الكونية وامتداداته الغيبية. فهي حرية مركبة على خلق الإنسان الفطري، وخلق الإنسان مركب على غائية الحق. والله هو الحق، والحق أنزله في كتابه، فهو كتاب يدرس لا ليعطينا تفاصيل العلوم ولا تفاصيل السلوك والتقنينات الفقهية، وإنما يدرس باعتباره أمثال ضربها الله للناس، ونماذج تاريخية وضعها لفهم غائيات وجودنا ولإدراك الحق من خلالها، فننسجم مع حركة الكون والوجود بما يفضي إلى السلام. فالمثال نموذج والقصة حالة، فلا يكون المثال متبوعا بالامتثال الحرفي، ولا الحالة التاريخية تعطي تشريعاً قانونياً أو فقهياً، ومن أراد ذلك فله أن يفعل، وليس له أن يعترض على حقنا في أن نمضي إلى ما وراء المثال والحالة نحو منهجية يُستَمدّ منها تشريعٌ مبنيٌ على فهم تركيبة الإنسان وحركية الوجود وسنن التاريخ؛ لندرك الحق الذي خلق به الخلق، ونبني منظومتنا التشريعية بذاتنا، ونُشيّد نموذجاً إرشادياً للوجود بعد أن نستوعب العلوم التي يشير إليها في مواضيعه.
ليس لمن لم ينظر إلى كيف رفعت السماوات وكيف خلقت الإبل وكيف سطحت الأرض وكيف بدأ الخلق، وكيف كانت الأمم السابقة وماذا حل بالمكذبين؛ أن يقول أنه دارس للقرءان. فذلك الذي لم يتبع قول الله {قل سيروا في الأرض}، لا يحق له أن يقول أنه عقل شيئا، فالعقل ربط بين شيئين، بين قول الله وبيان العلم، بالانتقال من الإشارة إلى المشار إليه حسب تعبير الدكتور مصطفى بوهندي. فلم يعط الله الناس أجوبة عن الكيفية، بل وجههم للسير في الأرض والتفكر والبحث لمعرفة الكيف:
{ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} العنكبوت(20).
{ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ ۚ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ} الروم (42).
{ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)}الغاشية، ويكمل الله قوله بعد هذه الآيات بقوله: { فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22)}، فلا سيطرة للدين على النظر والسير في الأرض لمعرفة الكيف.
والتذكير (فذكِّر) يرتبط بمعرفة (لماذا) حيث أعطانا في الوحي مداخل الأجوبة على الأسئلة اللماذية بعد أن نكون قد استوعبنا الكيفية لنركبها على معطيات الوحي فنجمع بين القراءتين.
حاج حمد وفلسفة العلم والتصوف
لقد استلهم الحاج حمد منهجه في التعامل مع القرءان من فلسفة العلوم الحديثة التي تنظر إلى أن الكل اكبر من مجموع أجزائه، وأن الكل مرتبط بالكل بعلاقات غير موضعية، والأجزاء والكثرة تُردّ إلى الوحدة. فطبق هذا المنهج التحليلي على القرءان فرد كثرته إلى الوحدة، ونظر في الآيات وارتباطاتها الغير مباشرة. وهذا يتضح من قوله أن القرءان معادل موضوعي للوجود. فبالكيفية التي تقرأ بها العلوم الحديثة هذا الوجود، قرأ الحاج حمد بها القرءان. يقول : ” وهي الطبيعة الكلية للتركيب القرآني ، فكليته هذه التي تعني وحدته من فاتحته وإلى خاتمته ، تعطى في حال استجلائها الكلي ما هو أكبر من التفاصيل وما هو أكبر من الموضوعات المحددة ، إنها تعطي (المنهج المعرفي) المهيمن برؤيته الكلية والأساسية على الموضوعات التفصيلية. فكل الموضوعات المحددة التي تستصفي دلالاتها من النصوص القرآنية في مقاطع السور المفصلة ، غالباً ما نجد أساس الحكمة منها في سور قرآنية أخرى ، تبدو ظاهرياً ألا علاقة لها بموضوعنا التفصيلي المحدد. إذن فالإدراك – في حدود الممكن – للقرآن في كليته ووحدته والإنسياب في مكنونه ، هو الأساس في فهم أي جزء من خلال الكل ، وفي فهم كل تفصيل من خلال الجمع. “[77]
و نقرأ شبيها بهده العبارة في فلسفات العلوم الحديثة، ففي الفيزياء مثلاً نجد عن ارتباط الكل ووحدة الكثرة:
“إنها ارتباطات آنية بالكون ككل….عندما ننتقل إلى أبعاد أصغر، فإن تأثير الارتباطات اللاموضعية يصبح أقوى، وتفسح اليقينيات الطريق للاحتمالات، ويصبح من الصعب أكثر فأكثر أن نفصل أي جزء من الكون عن الكل”[78].
” وهكذا عبَّرت النظرية الكوانتية عن الوحدة الأساسية للكون، لأنها أرتنا أنه ليس بوسعنا تجزئة الكون إلى كيانات صغيرة مستقلة بحدِّ ذاتها، ولأنه بمقدار ما نغوص في قلب المادة بمقدار ما تبيِّن لنا الطبيعة أن الكون لا يتألف من “كتل بنيان أساسية” منفصلة، إنما هو شبكة معقدة جدًا من العلاقات التي تربط بين مختلف أجزاءه.”[79]
“بذلك يظهر العالم كنسيج معقد من الأحداث تتناوب فيه روابط مختلفة الأنواع أو تتشابك أو تتراكب، وبالتالي تعيِّن نسيج الكل” فيرنر هايزنبرغ – أحد مؤسِّسي النظرية الكوانتية.
وفي دراسة المنظومات الحية (البيولوجيا):
“فهي دراسة للمضمون والكم ودراسة للقوانين والكيفية، وفهمها في إطار الكل الذي وُجدت في سياقه[80]”
فالكل أكبر من مجموع أجزائه، والجزء يُفهم من خلال الكل.
هذه المنطلقات المنهجية التي اعتمدها الحاج حمد، هي إحدى مستبصرات فلسفة العلوم الحديثة، فسحبها على القرءان ليفهم الجزء من خلال ارتباطاته الغير مباشرة، وليفهم الآية في إطار القرءان ككل.
فإذا كانت العلوم الحديثة ونظرياتها تشير إلى هذه الكيفية المترابطة والكلية في فهم الوجود، فإن القرءان كمعادل موضوعي للوجود يجب أن يُقرأ بذات الكيفية.
عندما نكشف عن العلاقة بين فلسفة العلوم الحديثة والتصوف الشرقي التي تزخر بها الكتب العلمية، والتي جاءت على لسان مؤسسي النظريات العلمية الحديثة، نتفهم العلاقة بين حاج حمد والتصوف من خلال فلسفة العلوم الحديثة. فهو ليس التصوف الطقوسي أو الطرائقي، أو التصوف الفلسفي المنطقي المعتمد على طاقة العقل فقط أو التأملات الباطنية، وإنما هو التصوف المنظور من خلال فلسفات العلوم الحديثة.
فعلاقة حاج حمد بالتصوف علاقة معرفية وليست إيديولوجية، وتمر من خلال فلسفة العلوم الحديثة.
وأخيراً مهما اختلفنا أو اتفقنا مع النتائج التي خلص إليها الحاج حمد، فإن مقدماته المنهجية تمثل أرضية قوية لتحريض التجديد وتأسيسه معرفيا ومنهجياً، ونابعة من رحم الإشكاليات التي يعاني منها كلا المنهجين ( المادي واللاهوتي).
نسأل الله أن يجعل هذا العمل في ميزان حسنات المرحوم محمد أبو القاسم حاج حمد،،
والله الموفق،،،
محمد العاني
أبوظبي في 25/2/2011
[1] – العالمية الإسلامية الثانية، محمد أبو القاسم حاج حمد، دار ابن حزم، طبعة ثانية، مجلد 1- ص 217.
[2] – المرجع السابق، ص 31.
[3] – حافة العلم ، ريتشارد موريس- ت د مصطفى ابراهيم، المجمع الثقافي أبو ظبي – ص 226-227.
[4] – البحث عن التاريخ والمعنى في الدين، مريتشا إليادة، المنظمة العربية للترجمة-ط1- ص 40-41
[5] – من هم النياندرتاليون- مجلة العلوم الامريكية- سبتمبر 2003.
[6] – العالمية الإسلامية الثانية، م.س، مج1- ص 448.
[7] – الحاكمية، محمد أبو القاسم حاج حمد، دار الساقي، طبعة أولى، ص 119.
[8] درس الابستومولوجيا، سالم يفوت، عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال- ط1 – 1985- ص 12-13
[9] – توماس هوبز (1588 – 1679) ،عالم رياضيات وفيلسوف إنجليزي.
[10] – جون لوك (1632 – 1704) فيلسوف تجريبي انكليزي.
[11] – بول هنري هولياخ (1723-1789)، فيلسوف مادي ألماني، ومن أشدهم إنكارا للدين.
[12] – دينس ديدرو (1713- 1784) فيلسوف وكاتب فرنسي.
[13] – تشريعات العائلة في الإسلام. محمد أبو القاسم حاج حمد- دار الساقي- تحت الطبع.
[14] – الأثر الغيبي في حركة الواقع، محمد أبو القاسم حاج حمد، مجلة المنعطف.
[15] – المرجع السابق.
[16] – منهجية القرآن المعرفية، محمد أبو القاسم حاج حمد، دار الهادي، ص 34.
[17] – العالمية الإسلامية الثانية، م.س، مج1 – ص 36
[18] – تشريعات العائلة في الاسلام – م .س.
[19] – منهجية القرءان المعرفية، م.س، ص 112.
[20] – المرجع السابق، ص 140.
[21] – المرجع السابق، ص 226.
[22] – المرجع السابق، ص 114 ومابعدها.
[23]- فلسفة الكوانتم، رولان اومنيس، مجلة عالم المعرفة. العدد 350 –أبريل 2008- ص 115
[24] – تشريعات العائلة في الإسلام ، م.س..
[25] – المرجع السابق.
[26]- دور الكود الوراثي في التطور ، مجلة العلوم الامريكية ، العدد يونيه يوليه 2004.
[27]- المرجع السابق.
[28]- المرجع السابق..
[29]- المرجع السابق.
[30]- مرحلة مابعد الجينوم البشري، مجلة العلوم الامريكية، العدد يناير فبراير 2001.
[31]- الجينوم البديل، مجلة العلوم الأمريكية، العددان مايو ويونيو 2005.
[32]- المرجع السابق.
[33] – العالمية الإسلامية الثانية، م.س،، مج1، ص 143.
[34] – المرجع السابق، ص 144.
[35] – المرجع السابق، أنظر ص 176 ومابعدها
[36]- موسوعة الفلسفة- عبد الرحمن بدوي- ج2 – ص 313- المؤسسة العربية للدراسات والنشر – ط1 .
[37]- وهي الجماعة التي أطلق على أفكارها الفلسفية (الوضعية المنطقية)، ومؤسسها هو مورتس شلك، وهي امتداد لوضعية كونت، وتأثرت بأفكار برتراند رسل ولودفيغ فتغنشتاين وفريجة.
[38] – فيلسوف نمساوي (1889- 1951) كان له أثر كبير على جماعة فيينا.
[39]- فلسفة العلم في القرن العشرين، دونالد جيليز- ترجمة د حسين علي، دار التنوير ، ط1 – ص 406.
[40] – فيلسوف اسكتلندي (1711-1776).
[41]- ديفيد هيوم – مبحث في الفاهمة البشرية- ترجمة د موسى وهبة- دار الفارابي- ط1، 2008 – ص 26.
[42]- فلسفة العلم في القرن العشرين، م.س، ص 415.
[43]- المرجع السابق – ص 416
[44]- ترجع النزعة الاستقرائية إلى الفيلسوف فرانسيس بيكون. فباستقراء حالة معينة، كلون الغربان كما في المثال الشهير، نلاحظ أننا لم نجد سوى اللون الأسود، ثم نصل إلى التعميم التالي (كل الغربان سوداء. فالكليات تستمد من الملاحظات البسيطة وجمع المعطيات.
[45]- فلسفة العلم في القرن العشرين، م.س، ص 444.
[46]- المرجع السابق، ص 450.
[47]- فيزياء العقل البشري والعالم من منظورين، روجر بنروز وأبنر شيموني ونانسي كاريت وستيفن هوكنج، كلمة وكلمات للترجمة والنشر – ط1/2009- ص (43و 45).
[48]- فلسفة العلم في القرن العشرين- م س – ص 468.
[49] – (1885- 1962) فيزيائي دانماركي، وينسب إليه النموذج الذري الحديث، إضافة إلى مساهمته الكبيرة في ميكانيكا الكم.
[50] – (1901- 1976) فيزيائي ألماني حائز على جائزة نوبل، وينسب إليه مبدأ الريبة في فيزياء الكم.
[51]- التصوف الشرقي والفيزياء الحديثة- فريتشوف كابرا – دار الحوار- ص 18.
[52]- صعود التفكير المنظوماتي، فرتشوف كابرا –– مجلة معابر الالكترونية – الاصدار السادس 2002.
[53]- وهو مفهوم حل محل السببية المحلية التي تفضي إلى الحتمية، أي أن هناك سببية كونية أو نشاط كوني يؤدي إلى نتيجة ما. وسوف نبين ذلك بشكل أوضح.
[54]- مبدأ يستعاض به عن مبدأ الثالث المرفوع (عدم اجتماع الشيء ونقيضه معا)، ويرتبط بتعدد مستويات الواقع ووحدتها وقبول وجود الأضداد معاً.
[55]- وضده هو مفهوم الإنفصالية، أي ان جسيمين يتأثران ببعضهما رغم عدم وجود أي اتصال بينهما.
وللتوسع حول هذه المفاهيم يمكن مراجعة كتاب بيان العبر مناهجية لبسراب نيكولسكو- الصادر عن دار إيزيس. أو يمكن مراجعة مواضيع بسراب نيكولسكو في موقع معابر في قسم الإبستمولوجيا على الرابط التالي: http://www.maaber.org/indexa/epistemology.htm#nicolescu_bassarab
[56]- فلسفة الكوانتم، م.س، ص 115.
[57]- البحث عن قطة شرودنجر، جون جريبين، كلمة وكلمات عربية للترجمة والنشر- ط1-2009- ص 15.
[58]- المرجع السابق، ص 16.
[59]- فيزياء العقل البشري- م س – ص 85.
[60]- المرجع السابق، ص 153.
[61]- التصوف الشرقي والفيزياء الحديثة- م س – ص 308-309.
[62] – المرجع السابق، ص 78.
[63]- فيزياء العقل البشري، م س – ص 153.
[64]- وهي مدرسة فلسفية تأسست على يد الفيلسوف آرني نيس ((27 يناير 1912 — 12 يناير 2009)..
[65]- – صعود التفكير المنظوماتي، فريتشوف كابرا، مجلة معابر الإلكترونية- http://www.maaber.org/sixth_issue/deep_ecology_1a.htm
[66]- الحكمة القديمة والميكانيكا الكوانتية- مجلة معابر ، http://www.maaber.org/issue_october03/epistemology1.htm
[67]- التصوف الشرقي والفيزياء الحديثة، م .س ، ص 322.
[68]- فيزياء العقل البشري – م س – 203.
[69]- فيزيائي مختص بدراسة القسيمات- مدرس في جامعة بركلي سابقاً، ومؤسس معهد إلموود عام 1983، ويدير حالياً مركز التوعية الإيكولوجي- له كتاب مشهور بعنوان فيزياء الطاو.
[70]- فيزيائي فرنسي في المركز الوطني للبحث العلمي، مختص في دراسة القسيمات، وله كتاب العبر مناهجية الصادر عن دار إيزيس -دمشق.
[71]- أحد كبار الفيزيائيين المساهمين في نظرية الكم (1917- 1992).
[72]- اختصاصي في فيزياء الجسيمات- منظر وباحث ذو كرسي في مختبر بيركلي.
[73]- البحث عن قطة شرودنجر- م س – ص 14.
[74] – الأثر الغيبي في حركة الواقع، م.س.
[75] – تشريعات العائلة في الإسلام، م.س.
[76] – العالمية الإسلامية الثانية، م.س، مج1، ص 33.
[77] – القراءة التحليلية بحث غير منشور، محمد أبو القاسم حاج حمد.
[78]- التصوف الشرقي والفيزياء الحديثة- م س – ص 308-309.
[79] – التصوف الشرقي والفيزياء الحديثة، م..س، ص 78.
[80]- انظر موضوع شبكة الحياة ، فرتشوف كابرا ، مجلة معابر الالكترونية – العدد آب 2003.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.