الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جمعة الكلاب !!!
نشر في حريات يوم 15 - 11 - 2012


بقلم / أبكر يوسف آدم
[email protected]
لعل السودانيين اليوم هم الأوفر حظا فى الكشف عورات الإسلام السياسى والوقوف على سوءاتها وإخفاقاتها ، وبطلان نظرتها ونظريتها فى التعامل مع موضوعات الحاضر ، فرأيتم كيف أنهم فشلوا ، هم ودولتهم فى إدارة التنوع السودانى ، وتدبير معايشها وسلامتها وأمنها بل وزادوا من تعاسة مواطنيها ، حتى تطلب الأمر إلى ضرورة إنشاء دولة أخرى بمفهوم مختلف لتتقاسم مع السودان أعباء مشكلات لم تتسبب فيها إلا الإسلام السياسى …. !!
البعض يدعى إلى أن منظومة الحكم الحالية ، لا تتحمل كل العثراث والمشكلات التى ينوء من حملها السودان ، فقد ورثتها أبا عن جد ، وهى مضطرة إضطرارا للتعامل معها !
أى نعم ! ونحن أيضا نوافق على ذلك ، فأكثر الأزمات موروثة عن أجيال سابقة ،، إلى هنا .. ونحن متفقون.
لكن الإسلام السياسى لا يمكنه أن ينج بأى حال من الأحوال من التهم والمسئولية الكاملة جنائية كانت أم أخلاقية ، ولن يفلت من الإدانة المغلظة للعثرات والإخفاقات والمآسى والطرق والانفاق المظلمة التى دخلها السودان ويسلكه ، منذ إنهيار آخر الممالك الوطنية فى أعقاب خراب سوبا ، حتى تسللت براغيث الجبهة القومية إلى عباءة الرئيس الأسبق جعفر محمد نميرى عام 1978.
لقد كانت الممالك النوبية طوال فترتها التى إمتدت لقرابة 7000 سنة ، مشغولة بكل ما يعنى بتطوير المدنية والزراعة والصناعة والبناء والفنون وتشغيل المعادن والإبتكار ، ونحسب أنها كانت ستكون ذات شأن عظيم إن كف عنها تدخل الدخلاء وعبث العابثين ، ونشوء ثقوب الجدار والإعاقات الدائمة والمكابح الخبيثة التى إستحدثتها ثقافة وعقلية البدو والأعراب ، وأحسب أنه ما كان للشمال الأفريقى ولا الخليج العربى أن تنالا إمتيازا ولا جدارة لمجرد الإقتراب منها أو ندية السودان لو أن الأمور سارت على الدروب الأقدمين . لقد وضع السودانيين لأنفسهم الكابح الأكبر والصفد المعيق طوعا ، بمجرد أن إختاروا لأنفسهم التسور بأغلال العروبة ، فسلموا بذلك رقابهم لمقصلة الخلافات الأسلاموية سيئة البناء ، سيئة الأداء ، سيئة السمعة …
لا أعرف حقا ، إن كان هناك منتج ، وآفة سياسية أكثر تخذيلا وتدميرا وتعويقا للحضارات أكثر مما يسمى بالعروبة والإسلام السياسى !! .
إنه المنتج القديم ، المتجدد حقبة بعد آخرى بأثواب ومظاهر حربائية ، يكسب لنفسه فى كل وسط لونا ، خافيا سما زعافا مموها بزهو الألون ، أو كتلك الديدان التى تسقط شعرا شائكا وساما على مسارها ، فيتأذ ويتسمم ، أو يشل حركة كل من يتعقبه ، أو يضعه حظه العاثر فى تقاطع مع طريقهما . ونحن فى السودان النوبى ، سلكنا ذلك الطريق ، وتعقبنا دودة الإسلام السياسى وقع الحافر بالحافر ، وما زلنا ، فأصبحنا نتطلع ليس إلى سباق الأمم ، بل نحلم بمجرد تنفس هواء نقى خال من ريح قذارة وغازات وبراز الأعراب الذين ما فتئنا نتعقبهم ، فأضحت حياتنا ، قذارة فى قذارة ، عفن فى عفن ، تخلف فى تخلف ، بل ، جنون فى جنون !!
لقد أفشل الإسلامويون ، المثل السودانى الذى يقول أن الكلاب لا تردع الطيور ، حسنا .. ولكن فى نفس السودان الذى يردد فيه هذا المثل ، فقد أفلحوا فى إيجاد طريقة لجمع المكونات السودانية وحبسها فى قفص العروبة والبداوة ، ووقفوا عند بابه ردعا للحرية ومنعا لمن يحاولون تقديم العون..
للإسلام السياسى تعاريف كثيرة ، متناقضة ومجهدة وكثيرة التلفيق ، ولكننى أختار التعريف التالى ، وأنا حر فى ذلك ، أما باقى التعريفات ، فأتركها لعرابى ومروجى الظلامية وسكان المجارير، ليغرقوا بها هذا المقال ، وهم بالمثل أحرار ..
….. الإسلام السياسى هى صفقة وخطة عمل لتبادل مصالح بين السلطان ورجال الدين ، ترمى إلى الإستفادة القصوى من عملية إنتشار وتوسع الدين الإسلامى ، بإتخاذه طريقا سهلا مخادع خاليا من الإلتزامات ، للوصول إلى السلطة والتحكم فى ثروة الشعوب ، وإستخدام وتطويع الشعائر والآداب والتراث الإسلامى للبناء والتمكين الطبقى ، وتطويع النصوص القرآنية والأحاديث النبوية لتوفير الحماية لرموز السلطة ، والتدخل لسترهم وحمايتهم بتبرير أخطاءهم وجرائمهم ، وتخذيل الأمم عن أى محاولات للتدخل فى أمر الدولة ، وحرف الوعيد الأخروى الموجه للمشركين والكفار ، إلى وعيد أخروى للمنافسين والمعارضين وغير المتعاونين ، وتوريث الحاكم لملكه لمن يحب ويرضى ….
وقد طبقت ،،، لا أحسب أن دولة أو حضارة فى العالم ، دمرت بواسطة الإسلام السياسى ، كم حدثت للنوبية ، والتى هى الدولة السودانية.
أول إطلالة للإسلام السياسى على السودان ، كانت بإتفاقية الشؤم ، المسماة بالبقط ، لتسليم ربط سنوى من العبيد إلى قادة الإسلام السياسى فى مصر ، فى ظاهرة إستنزافية لم تسبق لها مثيل ، يعنى لم تكن حملات تبشيرية ، ولا وفود تدعوا لإعتناق دين الإسلام ، ولا تعليم اللغة العربية ، ولا مدارس للقرآن ، ولا شيئ من ذلك أبدا .. بل فى مصر كان يمنع منعا باتا ، تعليم القرآن واللغة العربية !!
تفضلوا معى أيها السادة … وإجتهدوا معى ، وراجعوا نصوص الإتفاقية ، جملة جملة ، كلمة كلمة ، حرف حرف ، وجدوا ما يشير لخلاف ذلك…
تراجعت سطوة ونفوذ ومهنة الدولة النوبية ، لتشتغل بأعمال جمع وتجارة العبيد ، فأهملت ما كانت تقوم به من تطوير وأنتاج ، إلى تجارة مدمرة وخبيثة ، (تماما كتكاسل بعض دول الخليج عن تنمية القدرات والبحوث عقب طفرة النفط) .
تراجع مركز ثقل الدولة النوبية من وادى النيل السفلى بكل من نبتة ومروى ، إلى سوبا الى الجنوب من المملكة ، لتنأ بنفسها عن التهديدات الدائمة السابحة عكس التيار النيلى.
تحالف الإسلامويين المستعربة العبداللاب والفونج لإنشاء الحلف الأول للإسلام السياسى فى السودان 1505م ، بهدف القضاء على آخر معاقل النوبية السودانية ، لتبدأ بعدها رحلة سلب الهوية ، وضياع النظام ، وسيادة عقلية البداوة العروبية التآمرية ، ووجدت من الوقت ما يكفى لأجراء تجاربها وتأكيد فشلها التام فى إنجاز أى تطوير أو تحقيق أى إنجاز على أى من الأصعدة التى يمكن الإشارة اليها بالإشادة ، فشل تام فى كل شيئ ، إلا فيما يتعلق بالجزية ، والإستعراب ، وإدارة الظهر على الذات ، وإعمال التدمير الذاتى والإجتماعى . ما يؤكد ذلك أن 315 سنة ، من الحكم ، لهى فترة كافية للتطوير والبناء فوق موروث الحضارة النوبية والقفز بها لآفاق جديدة ، ولكنها حكم الإسلاميين التى لا تشتغل إلا فى المؤامرات والإستعلاءات ، وتتسامح مع الشلل وخمل العقول ، وترضى بالرجعية وتتعايش معها بإنسجام غريب . هذا بجانب رفعة رجال الدين وأئمة التخذيل وشغلهم بحماية السلاطين ، والنتيجة الضعف العام والتخلف بمقاييس الأمم المعاصرة فى تلك الأيام.
لقد كانت دولة صفقات فحسب ، صفقات تخدم السلاطين ، دون أى طفرات أو طموحات تنموية لتطوير وبناء القدرات ، ولولا الجغرافيا التى بعدت عنها خطوط مسارات الأقوياء ، لما إتيح لها كل هذا الوقت للتقزم والإنغلاق.
ولمن يدعى أن بإمكان دولة الإسلام السياسى أن يبتكر وينتج ويطور ، فليعدد للقراء الكرام ، منجزات دولة سنار الإسلامية الظاهرة الجديرة بالإشارة والشاهدة للعيان ، بخلاف الإغارة من أجل الغنائم والجوارى والعبيد ، والزواج مثنى وثلاث ورباع ، ممارسة الجنس مع الصغيرات تحت غطاء الزواج ، وزواج الأقارب بين بنات وأولاد العم ، والحلول فى الحكم حتى الممات ، وتوريث السلطة لمن يرضون من أولى القربى .. !!
أنتهت دولة الخلافة السنارية ، بواسطة دولة الخلافة العثمانية ، وهذه عادة معروفة فى الإسلام السياسى ، فمملكاتها وخلافاتها تبطش بعضها ببعض ، وسيف الإسلامويين مسلول دائما ، أما على غيرهم ، وإما على بعضهم البعض ، وتجربة التركية فى السودان معروفة للسودانيين بمرارتها وفوضويتها وإجراءاتها التأديبية غير المبررة ، والذاكرة الشعبية تحفظ وتردد الكثير من الأمثال كناية عن وحشيتها وبربريتها ، ودونكم حملة الدفتردار الإنتقامية.. فالإنتقام المتهور سمة سائدة وأساسية فى ظل حكم الإسلام السياسى ، هذا بجانب التعسفيات التى تخرج على النص ، كفرض الجزية على المسلمين وإسترقاقهم وبيعهم.
نعم جزية على المسلمين ،،،، والجزية الشهيرة على المك نمر خير مثال .. إنها جزية مسلمين أتراك ، على مسلمين سودانيين
لنتوقف هنا الآن ، ولنعد إلى الوراء قليلا ، لنتفحص منشأ هذه الأزمة :
لعلكم تتذكرون الكثير من الآيات القرآنية التى تتحدث عن الذين يشترون بآيات الله ثمنا قليلا.
وعمن يمنون على الرسول ، كونهم آمنوا وأسلموا.
وعدد مرات ورود كلمة المنافقين ومشتقاتها وردت 37 مرة فى القرآن الكريم.
إذن فإن أمرهم جدى ، بل خطير .. أليس كذلك !!
لقد أخذ الإسلام السياسى يختمر ويكبر بواسطة المنافقين أصحاب المصالح الدنيوية ، وظلوا قريبين من سلطة دولة المدينة ، حتى أن النبى محمد (ص) فضح من أمرهم ، ونزلت فيهم آيات تتوعدهم بأن سيكونوا فى الدرك الأسفل من النار ، فلم يردعهم هذا الوعيد .
وأحسب أنكم تذكرون جيدا قصة سقيفة بنى ساعدة التى أعقبت وفاة النبى محمد (ص) !
وإليكم المقطع الأشهر من مجادلات ذلك الإجتماع ، كنموذج ودليل لا يقبل النقض على أن هناك دائما ثمة من يحاول إستثمار الدين ونسب نجاحاته إليهم ، وفى سجال هذه السقيفة يلاحظ الغياب التام للإستدلال ، لا بالقرآن ولا بالحديث النبوى ، فهى فنون توظيفية سياسية إكتشفوا سحرها وجدواها الإسلامويون اللاحقون الذين أتوا من بعد السقيفة ….
…….. (فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم ، فمنا أمير ومنهم أمير)
ليتلقفها عمر بن الخطاب )هيهات لا يجتمع سيفان فى غمد ، والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم ولا تمتنع العرب أن تولى أمرها من كانت النبوة منهم ، فمن ينازعنا سلطان محمد ونحن أولياؤه وعشيرته ؟؟
فيجيبه الحباب بن المنذر بعد الفوت :
(يا معشر الأنصار ! أملكوا أيديكم ، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر ، فإن أبوا عليكم ، فأجلوهم من هذه البلاد ، وأنتم أحق بهذا الأمر منهم ، فإنه بأسيافكم دان الناس بهذا الدين )
ثم يضيف :
(أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب ، أنا أبوشبل فى عرينة الأسد ، والله إن شئتم لنعيدها جزعة).
أما النسخة الثالثة فى مطحن الإسلام السياسى السودانى ، فهى فوضى المهدية ، ويكفينا التذكير بالمصطلح الشهير (الدنيا مهدية ) مرادفا للإضطراب وإنعدام النظام ، وسيادة قانون الغاب ، وعشرات فتاوى التكفير والتكذيب الصادرة من أئمة السلطان طعنا فى مهدية المهدى وضلاليته . ثم البطش المفرط ببعض القبائل بدءا بالغموض الذى إكتنف موت الزعيم القبلى وحليف المهدى المك آدم ام دبالو ، وسبى الآلاف من النساء وقتل زعماء القبائل والإستيلاء على الثروات فى الطريق إلى الخرطوم. ثم جرائم جيش الخليفة عبدالله التعايشى بحق من يسمون الأشراف من أسرة المهدى ، ومجزرة الجعليين فى شندى بواسطة جيش المهدى ( سيأت إنتقام الإسلامويين لهذه المأساة فيما بعد وفى ظل حكم دولة إسلام سياسى آخر).
أنقذ الأستعمار البريطانى ، السودان من الفوضى مؤقتا ولمدة 58 عاما (1898 – 1956) ، وهى الفترة التى كان الإسلامويين يرتبون أوراقهم لعودة الكرة فيما بعد ، فرغم إستفادتهم من خيرات النظام وجودة الإدراتها وإنتاجيتها ، فقد كانوا لا يفكرون إلا فى الوراثة فقط.
لقد حصلوا على تركة الإستقلال أخيرا ،،،
وبالنظر إلى إتجاهات تيار تلكم القوى السياسية ، بغض النظر عن المسميات ، فإن الحزب الإتحادى ، صاحب نظرية الدستور الإسلامى ، وحزب الأمة ، وريثة المهدية الفوضوية وصاحبة الصحوة الإسلامية ، علاوة على جبهة الميثاق الإسلامى … فهل من يمكنه المزايدة على إسلامويتهم السياسية ؟؟
أوليسوا أئمة الأسلام السياسى السودانى ؟؟
أليس ثلاثتهم أصحاب فكرة واحدة ، ومشروع واحد موزع على زعامات وبيوت دينية تخلف بعضها بعضا ؟؟ . أنهم وجه حربائى آخر لنفس الإسلام السياسى والتى هى صفقة تبادل مصالح بين السلطان ورجال الدين وخطة عمل مشتركة ترمى إلى الإستفادة القصوى من عملية إنتشار وتوسع الإسلام.
نعم ،، إنهم قادة الإسلام السياسى الذى يمتهن المتاجرة بالنصوص ، ويتخذها طريقا سهلا مخادعا خاليا من الإلتزامات ، للوصول إلى السلطة والتحكم فى ثروة الشعب ، وإستخدام وتطويع الشعائر والآداب والتراث الإسلامى للبناء والتمكين الطبقى ، وتطويع النصوص القرآنية والأحاديث النبوية لتوفير الحماية لرموز السلطة ، وتبرير الفشل وحرفه إلى القدرية والإبتلاء ، وتخذيل الأمة عن أى محاولات للتدخل فى شئون الدولة بدعاوى مضللة ، منها القداسة الشخصية ، وحرف الوعيد الأخروى الموجه للمشركين والكفار ، إلى وعيد إلهى موجه للمنافسين والمعارضين وغير المتعاونين، وتوريث الحاكم لحكمه لمن يحب ويرضى ، والتوظيف المصلحى والنفعى الدنيوى للآية القرآنية (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) والتى تعد من أحب الآيات إلى قلوبهم ، ليس لما تنطوى عليها من حكمة ، ولكن لأنها تساعد على صرف النقد عنهم وتنجيهم من المحاسبة وتكبح من جماح الثورة ضدهم.
اليوم ،، يجتمع قادة الإسلام السياسى فى الخرطوم ، ليس لتقييم تجاربهم والوقوف على فشلهم المتواصل لما يزيد عن 500 عام منذ سلطنة سنار ، وليس للتباحث حول البؤس والمعانة والتعاسة والتأخر عن ركب الأمم المتحضرة الذى ساهموا فى تحقيقه ، ولا تقويما وإستعدالا لتجربتهم الماثلة !! ، بل ليبحثوا عما درجوا عليه منذ سقيفة بنى ساعدة ، سيبحثون كيفية توزيع الغنائم السلطوية ، وعن المزيد من طرق وفنون الإستيلاء على ثروات الشعب ، وأحدث الطرق فى تخدير وتخذيل الأمة ونقدها ، وكيل اللعنات عليها ، بالمزيد من سوء توظيف الآية القرآنية سالفة الذكر ، وإتهام البسطاء بتسببهم فى حلول البلاء بسبب بعدهم عن الدين ،، ثم كالعادة ، التباحث فى شأن توريث السلطة لمن يحبه الحاكم ويرضى ..
إذن فالسودانيون على موعد مع نباح كثير فى جمعة النباح ..
كثير نبيح وضجيج بلا طحين ..
نباح ردع للطيور الحبيسة..
أما الحرة منها ،، فلن تبال ..
فالكلاب لا تردع الطيور ..
أو كما قيل ..
والسلام عليكم …


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.