وفاء لفقيد الرياضة اليمنية ورياضة ألعاب القوى اليمنية عبيد عليان .. نادي شباب رخمة ينظم سباق الضاحية للفئات البراعم والناشئين والاشبال..    ضربة جزاء.. تعادل قاتل لنهضة بركان المغربي أمام الهلال السوداني في ذهاب ربع نهائي دوري الأبطال    ترامب يرفض جهود الوساطة.. وإيران "لن نفاوض تحت النار"    شاهد بالصور والفيديو.. جلسة صلح جديدة للفنان المشاكس.. الفنان شريف الفحيل يعتذر للشاعرة داليا الياس ويُقبل رأسها    بالصورة.. السلطانة هدى عربي ترد على "خبث" أعدائها: (دايرني يعني ادخل في مشاكل؟ مساكين والله والكوبلي دا إهداء لروحي العاجباني)    بعد أن اتهمها بالتقرب إلى لجنة إزالة التمكين وشراء "توسان".. الصحفية عائشة الماجدي ترد على أحد النشطاء: (أنا أرجل منك)    البرهان يؤدي واجب العزاء في شهداء قرية شكيري: لا تعايش مع المتمردين    شاهد بالصورة والفيديو.. خلال برنامج على الهواء مباشرة.. شيخ سوداني يغادر الأستوديو غاضباً بعد سماعه مداخلة من إحدى لاعبات كرة القدم    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    (ما بحترمك وما بتشرف تكون ولدي وما عافية ليك ليوم الدين) خلاف بين الصحفية داليا الياس وبين شاعر وناشط على مواقع التواصل    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    ختام الدورة الرياضية للمؤسسات بولاية كسلا    إيران تهدد بضرب موانئ الإمارات بعد غارات أمريكية على جزيرة خرج النفطية    أوكرانيا.. من ضحية حرب إلى أداة مرتزقة في خدمة الأجندات الغربية    لجنة الأسواق المتضررة من الحرب بالخرطوم تشرع في إعادة تنظيم الأسواق داخل الأحياء السكنية    الجيش يستهدف رتلاً عسكريًا للميليشيا ومقتل قائد كبير    اكتمال عملية إجلاء لطلاب سودانيين من إيران    "ندمانة إني اشتغلت فيه".. فنانة مصرية تهاجم مسلسلها الجديد    آيفون القابل للطي سيقدم تجربة تعدد مهام بواجهة تشبه الآيباد    النعاس المستمر يرتبط بمشكلات صحية خطيرة    تقرير: إدارة ترامب على وشك جني 10 مليارات دولار من صفقة تيك توك    جريدة سعودية : هل يبدأ البرهان معركة كسر العظم؟ تصنيف الإسلاميين ينذر بسيناريوهات معقدة    بعد ظهورها مع رامز جلال.. شيماء سيف تعود إلى زوجها    بينها تعزيز جهاز المناعة.. فوائد صحية لن تتوقعها للابتسامة    الهلال في اختبار التحدي أمام نهضة بركان الليلة    فريد زكريا: إيران فخ إمبراطوري وقعت فيه أمريكا    عبده فايد يكتب: ضربة إيرانية مزدوجة لأمريكا والسعودية    باريس يقطع شوطا في حسم التأهل    عضو مجلس السيادة د. نوارة تدعو لوحدة أهل الشرق وتؤكد سعي الحكومة لحل مشكلة المياه بالبحر الأحمر    المريخ يتوج بطلاً للدورة الرمضانية للجالية السودانية في مقديشو بعد فوزه على الهلال    عطل مفاجئ.. وكهرباء السودان تعلن عن برمجة بولايتين    عاجل.. ترامب: أعتقد أن مجتبى خامنئي لا يزال على قيد الحياة    رئيس الوزراء السوداني يصدر قرارًا بإعفاء مسؤولين    مباحث بحري تُحبط سرقة بملايين الجنيهات من "دال" للمواد الغذائية    إيران تضع شرطا واحدا للمشاركة في كأس العالم 2026    مَن يقل وزنه عن 50 كيلو "ممنوع" من التبرع بالدم    دراسة تكشف أسبابًا وراثية للصرع لدى الأطفال    الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    الطاقة والنفط في السودان: توجد ناقلتان من البنزين في عرض البحر    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    توضيح من وزارة الطاقة بشأن ترتيبات استيراد الوقود    سؤال إلى الأمن الاقتصادي بجهاز المخابرات العامة    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    تحركات ملحوظة في سعر الريال السعودي    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    وزير الصحة يشيد بجهود الصليب الأحمر في دعم الخدمات الطبية بالسودان    فرق الإنقاذ البري بقوات الدفاع المدني ولاية الجزيرة تنتشل جثماناً من بئر بمستشفى الكلي في أبو عشر بعد عملية دقيقة معقدة    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    السودان.. مباحث مكافحة سرقة السيارات تطلق تحذيرًا    جديد واقعة بدلة الرقص في مصر.. أقوال الفتاة وإحالة المتهمين للجنايات    بالصورة.. الفنان مأمون سوار الدهب يكتب عن علاقته بشيخ الأمين ويتحدث عن الصورة المثيرة لشيخه مع المطربة هدى عربي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التحرش الجنسي بالغرب..لاكبت ولاتشدد..فما السبب
نشر في كوش نيوز يوم 07 - 03 - 2018

في أحد الأيام قررت الذهاب إلى مقر العمل بتنورة (جيبة) جديدة، لم أكن أعلم أنها ستجلب لي الكثير من المشاكل.. منذ بداية اليوم، لم أستطع حصر عدد الأعين التي حدقت إليّ وإلى مؤخرتي. تلقيت أيضا أطنانا من التعليقات من زملائي في العمل قائلين بأني مُغرية وأبدو فاتنة وأمتلك مؤخرة جميلة.. لا أعلم إذا يمكن تصنيف ذلك كتحرش جنسي أم لا، لكن ما أعلمه هو أني لم أكن مرتاحة لهذا الوضع، وفجأة، وجدت نفسي في حمام الشركة منهارة في البكاء."[1]
هكذا كانت قصة فتاة واحدة من مئات آلاف الفتيات اللاتي يتعرضن للتحرش الجنسي، ولا يزال الإنترنت يزداد بمثيلاتها بعد صعود هاشتاج #MeToo في أكتوبر/تشرين الأول 2017، حيث أشعلت اعتداءات منتج هوليود هارفي واينستاين فتيل أزمة لم تخمد حتى الآن، لكن المريب أن فضيحة وينستن باتت أشبه بسر يعلمه الجميع دون أن يُفصح عنه أحد.
تتكرر قصة التحرش بتفاصيلها دائما: رجال عاديون أو ذوو مناصب يستغلون ذكوريتهم في افتراس النساء والتحرش بهن، وعقب فضيحة وينستن، بدأت آلاف النساء على هاشتاج #MeToo في حكاية مواقفهن الشخصية التي تعرضن فيها للتحرش الجنسي، وقد حقق الهاشتاج انتشارا ضخما في 85 دولة كذلك، مما يدل على تجذر الأزمة في العالم بأسره تقريبا[2].
على الجانب المقابل، -حسب موقع الجزيرة نت -في عالمنا العربي، لا تزال هناك أسطورة منتشرة تدّعي أن التحرش الجنسي يتجسد من "ثالوث" الفقر والكبت الجنسي والتشدد الديني، وأن الرفاه الاقتصادي والحرية الجنسية هما سبيلا التخلص من ظاهرة التحرش إلى الأبد، لتصبح الصورة المألوفة للمتحرّش هي الصورة الشيطانية للشاب العربي المقهور دينيا والمكبوت جنسيا في مقابل صورة أشبه ما تكون بالمثالية للشاب الغربي المتسامح دينيا والمنفتح جنسيا في بلاده التي لا تعاني من التحرش أو العنف الجنسي.
لكنه وبعد انتشار هاشتاج #MeToo وتكثيف الدراسات والإحصائيات حول التحرش في الغرب، باتت هذه الصورة بحاجة إلى كثير من التعديل، فالغرب الذي يضرب به المثل في انفتاحه، وبمساحات الحرية الجنسية الواسعة فيه بالإضافة إلى استقرار المستوى المعيشي فيه، لكنه على الرغم من ذلك فإن التحرش في بلاده يمثل أزمة حقيقية.
هل ينتشر التحرش الجنسي في الغرب؟
"إن مشكلة التحرش الجنسي ليست مشكلة خاصة بهوليود، ولا بغرف الإعلام أو حتى بالكونجرس فحسب.. إنها مشكلة منتشرة في كل مكان!".
(رسالة مفتوحة من 200 امرأة أميركية عاملة في قطاع الأمن القومي الأميركي)
طبقا للمركز الوطني لمكافحة والوقاية من الإصابات بالولايات المتحدة الأميركية، يقع اعتداء جنسي كل 98 ثانية، وتقع امرأة واحدة من بين كل 5 نساء ضحية اغتصاب أو محاولة للاغتصاب[3]، وضحية واحدة من كل 10 ضحايا للاغتصاب في أميركا هو ذكر وليس أنثى، ومن اللافت أنه إذا كان هذا الذكر طالبا جامعيا فإن احتمالية تعرضه للاعتداء الجنسي تزيد 6 أضعاف عن احتماليتها إذا لم يكن طالبا جامعيا، أي إن المجتمع الجامعي هو أكثر تعرضا للتحرش الجنسي من المجتمع العام[4].
وإذا انتقلنا من الولايات المتحدة التي تعرضت فيها 60% من النساء إلى التحرش الجنسي مرة واحدة في حياتهن على الأقل[5] إلى الدول الأوروبية فإننا نجد أن فصول المأساة مستمرة. في فرنسا مثلا، لا سبيل للهروب من التحرش، فالواقع المؤسف، طبقا لشبكة "فرانس24″، أن 100% من النساء في فرنسا يتعرضن إلى التحرش الجنسي في وسائل المواصلات العامة، مع التنوع في طرق التحرش من وضع أحد الرجال ليده على مؤخرة المرأة، إلى توجيه الشتائم أو النظرات الموحية إليها[6].
أمّا ألمانيا، فطبقا لاستبيان أعدته مؤسسة "YouGov" لتحليل البيانات في العام الماضي، فقد تعرضت نصف النساء الألمانيات إلى التحرش الجنسي، وكانت أكثر طريقة للتحرش ذيوعا في ألمانيا هي اللمس المباشر لجسد المرأة بطريقة غير لائقة[7]. أما بريطانيا، فإن النسبة لا تختلف كثيرا عن نظيرتها الألمانية، فقد تعرضت أكثر من 50% النساء العاملات في بريطانيا إلى التحرش الجنسي في مقرات عملهن[8].
(نسبة التحرش الجنسي للبالغين في الدول الأوروبية الغربية)
ولا تختلف السويد والدنمارك كثيرا عن سابقاتها، فعلى الرغم من مستوى المعيشة المرتفع في هاتين الدولتين وتمتعهما بقدر كبير من الحرية الجنسية في الوقت ذاته فإنهما أعلى الدول الأوروبية من حيث شيوع التحرش فيهما، فنسبة النساء اللاتي تعرضن للتحرش الجنسي في هاتين الدولتين تتراوح بين 80-100%، أي إن بعض المناطق هناك لا توجد فيها امرأة إلا وكانت ضحية للتحرش الجنسي، طبقا لإحصاء مؤسسة Statista[9].
التحرش ليس في الشارع فقط!
لا يقتصر التحرش الجنسي في الغرب على الشارع فقط، بل يمتد ليشمل المؤسسات العلمية، والتعليمية، والدينية، والإعلامية، بل والعسكرية كذلك. بعض الناس يقولون إنه في كل مكان تقريبا ستجد التحرش بانتظارك، فهل هذه حقيقة؟
إذا أخذنا جولة داخل المدارس الثانوية البريطانية، فإننا سنجد أن طالبة واحدة من بين كل 3 طالبات -قاصرات- تتعرض في بريطانيا إلى التحرش الجنسي[10]، أما في الولايات المتحدة فإن النسبة ترتفع لتصل إلى أربع طالبات من كل خمس تعرضن للتحرش الجنسي في المدرسة، أي بنسبة 80% من الطالبات![11] وفي إحصاء أُجري عام 2014 مع العلماء التجريبيين العاملين في بعض المؤسسات الغربية العلمية، خصوصا الفتيات اللاتي سافرن إلى بعثات علمية خارج العالم الغربي، كشفت 64% منهن أنهن تعرضن إلى التحرش الجنسي داخل هذه المؤسسات العلمية، لكن بسبب هيمنة الذكور على المجال فإنهن فضّلن السكوت[12].
"كان عندي 11 عاما، ذهبت إلى حمام الكنيسة، وتبعني قسيس شاب. ثم أمسك بذراعي، لكني كنت محظوظة بما فيه الكفاية لأقاومه وأهرب، لكني أتساءل: كم فتاة لم تكن بنفس حظي؟" (13)
فتاة أميركية على هاشتاج ChurchToo#
أما في القطاع العسكري فإن مأساة الحرب -اللاأخلاقية- تجتمع مع مأساة العنف الجنسي، مما يؤثر بالسلب على صحة المجندات الذهنية، وبذلك ترتفع نسبة الانتحار في صفوف المجندات بنسبة 250% من المواطنة الأميركية العادية[14]. لذلك فعقب انتشار هاشتاج #MeToo، كتبت 200 امرأة تعمل في قطاع الأمن الأميركي، في السفارات ومراكز الأبحاث والكونجرس والجامعات والجيش، أن مشكلة التحرش الجنسي "ليست مشكلة خاصة بهوليود أو غرف الإعلام أو الكونغرس فحسب، إنها مشكلة منتشرة في كل مكان"[15].
هل الكبت الجنسي هو السبب؟
هذا الانتشار السرطاني للتحرش الجنسي يشير لانتقال التحرش من كونه حادثة فردية متفرقة إلى ظاهرة وبائية تكاد تعصف بالمجتمع الغربي بأسره، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل: لماذا ينتشر هذا السعار الجنسي الذي طغى على كافة مناحي المجالات والمؤسسات الغربية؟!
تذكر معظم النماذج التفسيرية النسوية العربية عاملين للتحرش الجنسي، وهما: الكبت الجنسي للعرب، وسوء أحوالهم الاقتصادية. لكن يتضح بجلاء قصور هذا النموذج التفسيري في عدم استطاعته أن يفسر ظاهرة التحرش في الغرب بناء على ما أوردناه أعلاه. فإذا كان التفسير خاطئا إذن، فما الأسباب التي قد تدفع الإنسان الغربي إلى التحرش الجنسي؟
Sex Sells .. الجنس يبيع
"هناك مقولة معروفة في كل غرفة أخبار في جميع أنحاء الدولة: الجنس يبيع"
(أرمسترونج ويليامز، كاتب أميركي)
من الأفلام والمسلسلات إلى الأغاني وألعاب الفيديو، من الإعلانات والإعلام إلى المجلات ووسائل التواصل الاجتماعي، ينتشر في كل مكان مبدأ "الجنس يبيع". حيث تقوم فكرة هذا المبدأ على أن هناك غريزة جنسية كامنة في لاوعي الإنسان، وتعتبر هذه الغريزة من أقوى غرائز الإنسان، وبالتالي فإن أفضل وسيلة لترويج السلع والبضائع ليست إظهار الفضائل العملية والتقنية للسلع والمنتجات، وإنما مخاطبة هذه الغريزة الجنسية عبر ربطها بالسلعة بشكل مباشر.
في سياق هذا المبدأ تستخدم الشركات في إعلاناتها صورا جنسية لنساء شبه عاريات، يقمن بحركات وإيماءات إغرائية أو يصدرن أصواتا لإثارة الاهتمام حول سلعة أو منتج معين. وهذا المبدأ الجنسي الطاغي في المجتمع الغربي، كما تقول الكاتبة وصانعة الأفلام جين كيلبورن، "يخلق مناخا حيث يتم التسويق فيه للنساء كأدوات جنسية"[16]، وهو ما يتسبب في "زيادة العنف تجاه النساء نظرا لانحصار النظرة إليهن باعتبارهن أدوات لإشباع الرغبات الذكورية لا أكثر". فأي طريقة أفضل من نزع الإنسانية عن المرأة وتحويلها إلى أداة صُممت من أجل إشباع رغبة المستهلك، لإنماء أرض خصبة للتحرش الجنسي؟!
عينات من استخدام النساء كأدوات جنسية في الإعلانات التجارية تطبيقا لمبدأ "Sex Sells"، على اليمين إعلان لمجلة "Vogue" للموضة وهي تصور طفلة ذات 10 سنوات بصورة إغرائية وموحية جنسيا، وفي المنتصف إعلان لإحدى شركات الخمور حيث تمت تغطية جسد المرأة العارية بنوع "البراند" وهو ما يعكس تصوير جسد المرأة كأداة للانتشاء لا أكثر، وعلى اليسار إعلان لمطعم "Burger King" يستخدم إيحاء جنسيا صريحا للترويج لطعامه.
وإذا عرفنا أن المواطن الأميركي العادي يرى نحو 3000 إعلان في اليوم الواحد[17]، فماذا نتوقع من رجل يتم إغراق عقله بوابل من الصور المحفزة لغريزته والتي تصوّر المرأة كأدوات جنسية مصنوعة للمتعة، مئات المرات في اليوم الواحد؟! يعلق عبد الوهاب المسيري على هذا النمط الدعائي قائلا: "ومن المعروف أن تصعيد السعار الجنسي مرتبط تماما بتصعيد الشهوات الاستهلاكية، وهذا ما أدركته تماما صناعة الإعلانات التليفزيونية، فمعظم الإعلانات تلجأ إلى الجنس لبيع السلع، فالسعار الجنسي يفصل الفرد عن مجتمعه وأسرته، وعن أي منظومة قيمية اجتماعية، فيحاول تحقيق ذاته من خلال منظومة المتعة الفردية والمنفعة الشخصية"(26).
وبجانب الإعلانات، فثمة تأثير هائل للأفلام الإباحية على المجتمع الغربي، وتسود في الأفلام الإباحية أفكار مثل انتزاع صفة الإنسانية من المرأة وتحويلها إلى مجرد أداة جنسية لإشباع رغبات الرجل، ويبلغ مدى الأفلام الإباحية كما تروي الناشطة الأميركية شيرا تارنت إلى حد أنها "تعيد تشكيل مشهدنا الثقافي"[18].
وبحسب باتريك ترومان، مدير المركز الوطني للاستغلال الجنسي بالولايات المتحدة، فإن الأفلام الإباحية تسبّب "وباءً من الضرر" حيث إنها تزيل حساسية الرجل تجاه الألم الذي تعاني منه المرأة جراء الاستغلال الجنسي[19]. مما يعني تحفيز سلوك التحرش الجنسي بشكل أو بآخر. هذه إذن طبيعة النموذج الاجتماعي الغربي التي تحرض بأشكال متنوعة على الاستغلال الجنسي للنساء مما ينعكس على سلوك الرجال ويفتح لهم المجال أمام التحرش الجنسي. لكن هل المرأة قد تكون مسؤولة بشكل ما عن التحرش الجنسي تجاهها؟ أم هي معفية تماما من أي لوم كونها الضحية؟
ملبس المرأة: عامل محفز أم حرية شخصية؟
"التحرش الجنسي سلوك مشين ولا يمكن تبريره، لكن في بعض الأحيان فإننا -كنساء- يجب أن يقع علينا اللوم".
(أنجيلا لانزبري، ممثلة في هوليود)
ما أن ينطلق لسانك بالحديث عن المسؤولية الجزئية للمرأة عن التحرش ودورها في ضبط ملبسها وسلوكها حتى تنهال عليك كتائب النسويات بالشتائم والاتهامات بالرجعية والتحريض على العنف ضد المرأة وتتم شيطنتك إلى الأبد، وهو الأمر الذي حدث -مثلا- مع أحد المذيعين على قناة سكاي نيوز عندما قال إن زي المرأة قد يكون محفزا لغريزة الرجل، فانهالت عليه أسهم النقد بأنه رجعي معادٍ للنساء[20]، كما تكرر الأمر ذاته مع عضوة بالكونجرس الأميركي عندما صرّحت أن طريقة ملبس المرأة وسلوكها قد يتحكمان في مدى تعرضها للتحرش الجنسي، وهي التصريحات التي فتحت عليها سيلا من الهجوم والاتهامات[21].
هذا السلوك الذي يراه الكثيرون قمعيا يستجلب التعاطف إلى قضيتهم قسرا وحصرا، ويغلق الباب أمام أي مناقشة جادة عن دور المرأة في تحفيز سلوك التحرش، ومن هنا فإننا نطرح السؤال التالي: هل فعلا المرأة معفية تماما من أي مسؤولية حول التحرش؟ تكمن خطورة السؤال في مناقضتها لجوهر القضية النسوية في هذا الجانب التي تقوم على توظيف ظاهرة التحرش من أجل الاستدلال على رسم صورة الأنثى كضحية بريئة تماما من أي مسؤولية، مع توجيه كل اللوم إلى وحشية الذكر وهمجيته وسعاره الجنسي، فما صحة هذا الزعم؟!
يكتب الطبيب النفسي الأميركي ليون سلتزر مقالا بعنوان: "مشغلات الرغبة الجنسية: الرجال ضد النساء" الذي اعتمد فيه على إحصاء ضخم تم إجراؤه عبر مقابلات شخصية مع أكثر من 18,000 إنسان، وخرج الإحصاء بنتيجة واضحة وقطعية: الرجال شديدو الحساسية تجاه المؤثرات البصرية، أي إنه في اللحظة التي تدخل فيها الصورة البصرية إلى مخ الرجل فإنه يتم استثارته جنسيا، عضويا، ونفسيا في اللحظة ذاتها، يقول سلتزر: "النساء الغاضبات دائما تقول إن مخ الرجل يقع بين رجليه. لكن الرؤية العلمية للدراسة المذكورة سعت في توضيح هذه العلاقة بين مخ الذكر وأعضائه التناسلية"[22].
هذه الصفة الذكورية -الاستثارة البصرية الفورية- تختلف تماما عن الصفات الأنثوية التي يتم استثارتها بطرق أخرى، وهو ما دفع الكاتبة الأميركية ذائعة الصيت شونتي فيلداهن إلى القول بأن "مخ الرجال يعمل بطريقة مختلفة بالكلية عن مخ النساء لدرجة أنه يمكن اعتباره مخا لفصيل آخر من الكائنات الحية"[23].
وتشرح فيلداهن هذه الطبيعة البصرية للرجال بتشبيه لطيف فتقول: "في مخ الرجل تتفاعل ثلاث مناطق، اللوزة والغدة النخامية والنواة المتكئة، عندما يرى فتاة جذابة، يشتعل في مخه على الفور تفاعل بيولوجي لا إرادي، وهو نفس رد الفعل اللاإرادي الذي يحدث لدى الإنسان الجائع بشدة عندما يرى طبقا من الآيس كريم، أو عندما يرى المدمن حفنة من الكوكايين"[24].
لكن هل هذا يعني أن الرجل معذور في تحرشه الجنسي؟ بالطبع لا، ففيلداهن تستدرك على هذه الطبيعة البصرية وتقول إن الرجل بعد تحفيزه الأوّلي عند رؤيته لفتاة جذابة فإنه ينبغي أن يُتبعه بتحكم في هذه الغريزة ليسيطر على رد فعله، وفي المقابل، فإن جزءا من اللوم يقع على الفتاة لارتدائها لملابس جذابة و"ساخنة" أكثر من اللازم. لذلك، وفي تصريح جريء من الفنانة الهوليودية الشهيرة أنجيلا لانزبري، صرّحت قائلة بأن: "التحرش الجنسي سلوك مشين ولا يمكن تبريره، لكن في بعض الأحيان فإننا -كنساء- يجب أن يقع علينا اللوم"[25].
هذه إذن هي الثقافة الغربية التي ولّدت ظاهرة مخيفة مثل ظاهرة التحرش، توغل سرطاني للتحرش في كل المؤسسات، ومجتمع مليء بالمحفزات الجنسية والتطبيع مع فكرة استغلال المرأة جنسيا، فهل هناك بشائر بانتهاء هذه الظاهرة قريبا؟ يبدو أن الإجابة هي: لا، ولا أدل على ذلك من أن هاشتاج #MeToo ما زال يتصدّر في مواقع التواصل الاجتماعي، وتضاف إليه عشرات الحكايات حول التحرش الجنسي يوميا، وهو ما لا يبشر بحدوث تغيير جذري في طبيعة الظاهرة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.