وجدت زيارة الدكتور مرسي رئيس جمهورية مصر العربية المنتخب ترحيباً كبيراً في السودان ، كما وجدت الزيارة ارتياحاً عميقاً في الأوساط الرسمية والشعبية ... لكن كثيرين تساءلوا أن المباحثات الناجحة بين الوفدين اقتصرت على الجوانب الاقتصادية ، ورغم أهمية هذا الجانب في حياة الشعبين الشقيقين إلا أن هناك قضايا مهمة ، مثل أهمية الاقتصاد في حياة المواطن . الرئيس مرسي تحدث حديثاً حماسياً ووطنياً في مسجد النور ... أشاد فيه بوحدة وادي النيل ، مؤكداً أننا لن نبكي على ما كان وللغد ماضون ... بينما أكد البشير أن لا عصبية لدينا مع مصر بشأن الحدود وننتظر مصادقة مرسي على الحريات الأربع . والذي أود أن أقوله لماذا لم تناقش المباحثات الحريات الأربع ... ولا وجود ممثلين وآخرين من قيادات الحركات الدارفورية ... وهم موجودون منذ أيام الرئيس مبارك ، ولم يحسم الأمر في عهد الرئيس مرسي الذي تربطه بالنظام الحاكم في السودان روابط قوية وعميقة . أيضاً لم تتم مناقشة إيقاف التأشيرات لمواطني البلدين تسهيلاً للحركة و التنقل ، والإبقاء على أخذها في مطاري البلدين ... كما لم يتم حسم المشكلة بين دولتي وادي النيل حول تقسيم مياه النيل ، بين دول المنبع ودولتي المصب . مرسي فعل حسناً عندما إلتقى برؤساء وقيادات الأحزاب السياسية خاصة المعارضة في لقاءات مفتوحة ، لكن لقاء مرسي مع الدكتور الترابي كان لقاء مغلقاً وسرياً بناء على طلب الدكتور الترابي . الإصرار على سرية اللقاء بين الدكتور مرسي والشيخ الدكتور الترابي ألقى بظلال من الغموض والشك في أهداف اللقاء ... وعن ما دار فيه ... خاصة أن الدكتور الترابي لا يزال عند مواقفه القديمة من النظام ... وأن العلاقات بين أخوان مصر وأخوان الترابي قويه جداً. وكنا نأمل أن تستثمر هذه العلاقة القوية في إحداث انفراج حقيقي بين الإخوان . لقد تأخرت كثيراً زيارة الدكتور مرسي إلى السودان ، لأن كثيرا من المراقبين كانوا يتوقعون أن تكون أول زيارة له للسودان ، نسبة للروابط التاريخية العميقة بين البلدين وبين الشعبين الشقيقين .... لكنها أن تأتي متأخرة خيراً من أن لا تأتي مطلقاً . إن العلاقات السودانية المصرية لا تحتاج لوسطاء من أجل الزيارات المتبادلة بين القيادات ، لأنها علاقات أزلية وتاريخية ... يربط شعبي وادي النيل تاريخ مشترك وجغرافية مشتركة ومتداخلة ... ولن نرضى أبداً أن تكون العلاقات بين البلدين علاقات فاترة أو ضعيفة لأن أمن مصر القومي من أمن السودان القومي والعكس صحيح . إن من أعظم نتائج هذه الزيارة أنها أزالت الشكوك التي بثها الأعداء حول العلاقات المصرية السودانية بعد وصول أخوان مصر إلى السلطة. كما ان إحدى أعظم النتائج تأكيد الرئيس مرسي بأنه سوف يعيد مثلث حلايب إلى ما قبل 1995 ... وأعتقد أن هذه الزيارة شكلت نقطة انطلاقة قوية لعلاقات أكثر رحابة بين البلدين الشقيقين والشعبين الشقيقين . قدم البروفيسور إبراهيم غندور مسؤول العلاقات الخارجية بالمؤتمر الوطني ... بشريات جديدة حول تكليفه برئاسة وفد التفاوض الحكومي مع مجموعات النيل الأزرق وجنوب كردفان . والبروف إبراهيم غندور ... رجل منحه الله نعمة القبول وسعة الصدر وسلامة المنطق وذرابة اللسان ... وأتوقع لرجل موهوب مثله أن يحقق نجاحاً غير مسبوق في هذه المحادثات ، إذا صدقت نوايا قطاع الشمال في المنطقتين . الآن السلام بدأ يسود معظم مناطق التوتر والحروب بعد اتفاقية الحكومة وحركة العدل والمساواة ... ونأمل من الجناح الآخر من هذه الحركة الالتفات لصوت العقل والانضمام لاتفاقية الدوحة ... وكذلك المطلوب من عبد الواحد نور ومناوي الدخول فوراً في هذه الاتفاقية لإيقاف الحرب والقتال في دارفور ... ومن أجل إعادة أهل دارفور لقراهم ولزراعتهم ، وليعيشوا في ظلال السلام والمشاركة في تنمية هذا الإقليم الوافر بالخيرات والتي كانت أحد أسباب نشوب حركات التمرد وبإيعاز من الأجانب الذين يعرفون حجم وأهمية الخيرات التي في باطن أراضي دارفور و فوقها . سنوات طويلة من الحرب لم تحقق فيها حروب الحركات ضد الحكومة أي انتصار سوى المئات من القتلى وتدمير مئات القرى وتشريد الآلاف من المواطنين الأبرياء . لقد حان الوقت لإيقاف نزيف الدم في دارفور ... خاصة أن مؤتمر المانحين بدأ أمس في العاصمة القطرية الدوحة بحضور القيادة القطرية والنائب الأول لرئيس الجمهورية الأستاذ علي عثمان ... وممثلين لأعداد كثيرة من الحكومات التي تهتم بسلام وتنمية دارفور. وما يأتي من دعم مالي لصالح تنمية دارفور وإعادة الإعمار يستوجب استتباب الامن بشكل كامل في كل أنحاء دارفور ... من أجل توظيف هذا الدعم الذي نتوقع أن يكون دعماً سخياً ، لأن الحرب والتنمية خطان متوازيان . ولابد من الإشادة بالجهود التي بذلها وفد التفاوض مع حركة العدل والمساواة الذي قاده ذلك الفتى المستنير الدكتور أمين حسن عمر ورفاقه ... وكذلك لابد من الإشادة بجهود الدكتور التيجاني السيسي الذي زار أركان الدنيا الأربعة من أجل مشاركة كل الدول في مؤتمر المانحين ... وقد توجت جهوده بنجاح كبير ... نسأل الله أن لا تفسد بعض الحركات الدارفورية التي رفضت السلام هذه الجهود. أعلم تماماً أن أهل دارفور إذا اجتمعوا وأصبحوا في قلب رجل واحد... ستتحقق كل أماني وأشواق شعب دارفور في الحياة الحرة الكريمة .