الجمعية العمومية تجيز تكوين اللجان العدلية برفاعة    مان سيتي يقصي ليفربول    يفتتح اكاديمية اساطير المستقبل بكندا المهندس.. فكرة الاكاديمية لتطويرة الكرة السودانية ودعم المنتخبات    المدير العام لقوات الشرطة يتفقد مكان حادثة الإنفجار ببرى ويطمئن مواطنى المنطقة    وزير الداخلية يبحث مع نظيره المصري تعزيز التعاون الأمني وتبادل الخبرات    طريقة عمل السجق البلدي بدبس الرمان.. بنكهة مختلفة ومميزة    ذكرى ميلاد هيثم أحمد زكي.. واجه الأضواء مبكرا بسبب والده ورحل في صمت مؤلم    ماذا يعنى ترويج ترامب لعلم أمريكى ب56 ولاية؟.. نيوزويك: طموحات توسعية    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيه "حميدتي" يحيي حفل زواج عروس سودانية وعريس مصري بالقاهرة    حاتم صلاح يستقبل عزاء والده اليوم من مسجد الرحمن الرحيم    الاتحاد الرواندي يساند الهلال السوداني أمام الكاف وسط صمت محلي    برشلونة بالقوة الضاربة لمواجهة أتلتيكو مدريد فى قمة الدوري الإسبانى    ضبط شبكة إجرامية خطيرة في الخرطوم    يارا السكري تشارك متابعيها بصورة أثناء أداء مناسك العمرة    برومو فيلم أسد يكشف قصة حب أسطورية تتحول إلى حرب لا رجعة فيها    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيه "حميدتي" يحيي حفل زواج عروس سودانية وعريس مصري بالقاهرة    أطعمة ترفع رائحتها مستوى الطاقة واليقظة لديك دون الحاجة لتناولها    فيروس من الجمبري قد يصيب العين.. اعرف تفاصيله وعلاقته بارتفاع ضغط العين    مشاورات بين السودان وإثيوبيا بشأن استئناف الطيران    شاهد بالفيديو.. من هو مجاهد سهل رئيس نادي المريخ؟ تعرف على مجال عمله والشركات التي يديرها!!    شاهد بالفيديو.. الفنانة حرم النور تغني للكويت بعد قرارها بإستقطاب معلمين سودانيين: (أرفع رأسك يا سوداني الكويت بلدنا التاني)    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب "سوداني" يتزوج من حسناء "تونسية" ويغازلها أمام الحاضرين: (في قلبي وفي رأسي)    قوات الدفاع المدني تنفذ حملة واسعة النطاق لمكافحة نواقل الأمراض وإصحاح البيئة بمحلية جبل أولياء    وزارة الداخلية توضّح بشأن دوي انفجار هزّ منطقة شرق الخرطوم    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بيننا
رحم الله عمنا الطريفي وأيام زمانه
نشر في الرأي العام يوم 09 - 11 - 2011


بينما توجه حجاج بيت الله إلى داره مغبطين وتركونا بقيدنا موجعين وفيهم الأستاذ أزهري الطريفي المحامي والناشط الحقوقي، وفي يوم الوقوف بعرفة وصلنا خبر وفاة والده العم الحبيب الطريفي عوض الكريم متأخرا، وكان خبرا مفجعا لعلاقة صداقة ومودة تربطنا بهذه الأسرة، وملح وملاح، وكذلك لما يمثله جيل عمنا الطريفي في ذاكرة هذه الأمة. كان أول عهدنا بالعم الطريفي في منتصف عام 1986م، حينما طرأت برأس إشراقة ابنته فكرة أن تسوق مجموعتنا كلها، وكنا مجموعة من الصديقات الطالبات بكلية الهندسة جامعة الخرطوم، لنقضي فترة من الإجازة الرمضانية في منزلهم ب(تفتيش عبد الحكم) في مشروع الجزيرة، حيث كان والدها مفتشا بالمشروع في (عبد الحكم). وقضينا هناك أسبوعين رائعين لا أذكر الآن منهما إلا أطلال تلك الروعة والانطباع عن العم الطريفي والخالة آمنة (أم المصباح) المضيافين وابنهما الخلوق أزهري الذي كان يصر مازحا أنه طالما هو الولد الوحيد بين سبع بنات فهو المصباح المقصود. كان تفتيش عبد الحكم حينها في أيام ازدهاره والأشجار الوارفة ومنزل المفتش الرحيب وحقول المحاصيل الممتدة، ولشد ما انقبضنا لصور شاهدناها مثبتة في الفضاء السايبري لتفتيش عبد الحكم مؤخرا حيث صار قاعا صفصفا. وإذا جئت تعرف عما لحق بالمشروع الذي كان عظم ظهر اقتصاد بلادنا، فستتزاحم عليك الأهوال، بدءا من تصفية كل ممتلكات المشروع وبيوت المفتشين والسكة الحديد والمكاتب، مرورا بانطمار الترع والقنوات وانهيار كل بنية المشروع التحتية، وأخيرا الضيم البالغ في عملية تعويض الملاك، بحيث كان المبلغ المدفوع كتعويض عن النخلة للقرى التي انطمرت بسد مروي في الشمال تقيّم بما يساوي حوالي سبع مرات الفدان الواحد لملاك مشروع الجزيرة مع أن تعويض الفدان يحتوي على قسمين: التعويض عن استخدام الأرض لثلاثة عقود من الزمان لم يكن الإيجار يدفع فيها، وثمن الفدان الذي سوف يقتلع من الملاك. الضيم الواقع على الملاك سار به الركبان، ورفضوا كلهم قانون المشروع لسنة 2005م، ورفضوا تقديرات التعويضات إلا قلة قليلة جدا فضلت أن تصرف النقود المقررة في يأس وجزع وعوز لتلك الملاليم، ولسخرية (الإدارة) حتى أولئك الراضين بتبخيس أشيائهم قوبلوا بصلف ولم يعطوا الثمن البخس ذاته! ولكن الاختلاف المريع عن ذلك الزمان أننا حينما تذكرنا الطريقة التي قادتنا فيها إشراقة إلى بيتهم في ذلك الزمان ظهر لنا ليس فقط كرم البيوت السودانية الأصيل وبابها المفتوح على المجتمع، فإشراقة كانت واحدة من بنات سبع ?ما شاء الله- لكل منهن صديقاتها وعلاقاتها إضافة لأزهري وصداقاته الممتدة، وكان بيت العم الطريفي بمثابة (كبانية) تلتقي فيها كل تلك الجموع. بل الاختلاف الأبلغ في مدى سماحة ذلك الزمان، وحسن الظن في الشباب، وانفتاح الأسر السودانية على بعضها بدون ريبة. فقد كنا ثماني صديقات من مختلف جهات السودان وقبائله.. ولم تسبق لنا معرفة ولا لأسرنا إلا في رحاب جامعة الخرطوم، وحينما جاءت فكرة الرحلة لم تتوقف أسرة واحدة في منع بنتها من السفر إلى عبد الحكم والبقاء كل تلك الفترة بعيدا عن أعينها مع أننا كنا فتيات دون العشرين، وأذكر أن الخالة فاطمة ذو النون والدة صديقتنا أريج جعفر بخيت قالت لي في محضر من الصديقات إنها كانت ترفض فكرة سفر (أريج) مع أسرة لا تعرفها ولكنها اطمأنت لوجودي في المعية ولهذا السبب سمحت لها لأنها تعلم أسرتي وتعلم أنها لن تدعني أسافر إلا مع أسرة مضمونة. وكان ما قالته الخالة فاطمة صادما لنا جميعا حينها لأن الفكرة لم تتطرق لرأس أية أسرة أخرى من أسرنا، ولا أذكر أن والدي حفظه الله ولا والدتي رحمها الله سألا عن أصل وفصل صديقتي التي سوف نذهب معها، كان كافيا لهما ضمانتي الشخصية لأذهب لعبد الحكم، وكدت أقول لخالتي فاطمة: إن أسرتي لا تعرف أسرة إشراقة ولا سألت عنها، ولكني صمت تقديرا لأن الخالة فاطمة حالة استثنائية وكلنا نعرف تشدداتها وآراءها الصارمة، فهي مثلا تحرم الجبن مظنة أن حبوب التجبن مأخوذة من الخنزير، فقسنا حديثها عن تحريم الذهاب مع غير (الأسر المعروفة) على تحريم أكل الجبنة، وصمتنا! ولكن للأسف، كلنا الآن مدفوعون للتفكير مثلما فكرت الخالة فاطمة يومها. فمن يضمن في مجتمعنا الحالي جماعة من الشابات في عمر المراهقة، بعيدا عن أسرهن كل تلك الفترة؟ والمجتمع الذي صارت الطفلات فيه غير آمنات من الاغتصاب داخل أسر ذويهن كما تتكرر الفواجع منذ (مرام ما جات) ولا يزال العرض مستمرا، والذي يذبح فيه الطالب الجامعي صديقه، والطالبة معلمتها، وتشيع فيه قصص يشيب لها الولدان، لم يعد مكانا لمثل تلك المسادير البهية. سألت نفسي: هل يمكن أن أسمح لابنتي اليوم بما سمح لي به والداي الأمس فاتركها تذهب في رحلة نصف شهرية مع صديقات لا أعرف من هن إلى مشروع الجزيرة؟ وكانت الإجابة القاطعة: لا.. هذا ليس مثل ذلك الزمان.. ثم لم يعد هناك كما كان: مشروع جزيرة! وحينما بلغ العم الطريفي سن المعاش في التسعينيات حضر واستقر في الخرطوم، بمدينة الفيحاء ببحري الحاج يوسف، فكان من أوائل القاطنين هناك، وصار عمدة في المنطقة، لأنه نقل زهو ذلك الزمان معه، وظل ابنه وبناته وصهاراتهم وصداقاتهم يسبكون حول داره بالفيحاء طعما نخشى أنه إلى انقراض. حينما جاءنا خبر رحيل العم الطريفي بكينا كرمه وبشاشته وأريحيته، وبكينا ذلك الزمان الذي كان فيه العم الطريفي بدرا في تفتيش عبد الحكم، فما عاد هناك عبد الحكم.. ولا العم الطريفي، ألا رحمه الله وأحسن نزله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. وأحسن عزاء الخالة آمنة وأزهري وإشراقة وأخواتها وأصهارهم وعلى رأسهم دكتور عبد الله علي إبراهيم، الذي جاء صهرا لاحقا ولكنه صار فردا مهما في نسيج بيت العم الطريفي يلقبونه ب (عمي الدكتور). لقد ذهب (مشروع الجزيرة)، وذهب ألق مجتمعنا فداء ل(لمشروع الحضاري) فكانت ثمار الأخير بئيسة، وثمار الماضي ألذ وأشهى. ولا أقول أحسن الله عزاء أهل السودان في ذلك الزمان المقبور، بل، يا زمان هل من عودة.. هل؟ وليبق ما بيننا

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.