السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    توجيهات بحجز جميع المركبات والشاحنات المخالفة لقرار حظر تداول الحديد الخردة ونقل الحطب بالخرطوم    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    لجنة (الجاز).. المريخ (هوَ اللي بيطلع جاز)..!!    وزير الشباب والرياضة بنهر النيل يؤكد دعمه لتفعيل العمل الشبابي والرياضي بالولاية    المنصوري يتعهد بتقديم الدعم لتنمية الثروة الحيوانية بمحلية الحصاحيصا وجامعة الجزيرة    موعد تجربة سيري 2.0 لأول مرة على آيفون    مان سيتي يسرق الفوز من ليفربول    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    عبلة كامل حديث السوشيال ميديا رغم الغياب    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    انخفاض أسعار النفط والذهب والفضة يواصلان مكاسبهما    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    السودان.. الإعلان عن توفير 40 ألف وظيفة حكومية    السودان..تمديد فترة تسجيل طلاب الشهادة الثانوية للوافدين    ترامب يهاجم مغنيا شهيراً.. "رقصه مقزز وكلامه غير مفهوم"    وزير الشباب والرياضة يخاطب جماهير السَّلَمة الكباشي ويتكفّل برعاية البراعم والناشئين    مدير مستشفى سنار التعليمي يشيد بالمقاومة الشعبية والمنظمات لتطوير المستشفى    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    مشروب من مكونين يخفض وزنك ويحافظ على استقرار سكر الدم    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رايس: 7 سنين من دبلوماسية الدم

انها عائدة الاسبوع المقبل الى المنطقة للمشاركة في مؤتمر دول الجوار العراقي واستكمال التحضيرات لعقد مؤتمر انابوليس. لكن الانطباع السائد في الاوساط العراقية, كما في الاوساط الفلسطينية, فضلاً عن انقرة التي تستضيف المؤتمر العراقي, ان كوندوليزا رايس تراكم الاخطاء منذ كانت مستشارة في الأمن القومي خلال ولاية بوش الاولى, وان الاستراتيجية التي تسعى الى تطبيقها اغرقت المنطقة في الدم, وشوّهت الى مدى زمني طويل صورة الولايات المتحدة في العالمين العربي والاسلامي, والظن الراجح ان الكوارث التي ارتكبتها في افغانستان كما في العراق مرشحة للانتقال الى ايران, والى دول اخرى في «الشرق الاوسط الكبير». هل يمكن في عرض سريع تعداد هذه الكوارث؟ عندما اعترضت ناشطة السلام الاميركية ديزيريه انيتا علي ­ فيروز طريق كوندوليزا رايس يوم الاربعاء من الاسبوع الفائت, بعدما لطخت يديها بلون الدم, كي تحتج على التوجهات الخارجية في السياسة الاميركية واصفة الوزيرة بأنها «مجرمة حرب», بدا المشهد وكأنه يختصر في لحظات استراتيجية الحروب الاميركية والثوابت الدامية في خيارات بوش ­ تشيني ­ رايس التي زرعت الفوضى في العالم العربي والعالم من دون ان تقيم اي اعتبار لمصالح الاوطان والشعوب وحقها في الأمان والاستقرار. وفي اقتناع معظم المحللين السياسيين ان دور رايس كان محورياً في حربي افغانستان والعراق, وان دورها الآخر في الازمات التي تشهدها الاراضي الفلسطينية المحتلة ولبنان, والتجاذبات الحادة في العلاقات الاميركية ­ الايرانية والاميركية ­ السورية ليس اقل اهمية. وكثيرة هي المعلومات التي تنسب اليها اخطاء فادحة في التعامل مع الاصدقاء العرب «المعتدلين» وعلى رأسهم مصر والسعودية, فضلاً عن بعض حلفاء واشنطن في دول اوروبا الشرقية والجمهوريات السوفياتية السابقة في محيط بحر قزوين. ويمكن الاستدلال الى بعض هذه الكوارث في اكثر من وثيقة مكتوبة. في كتابه «ذي كونفيدانت» €المؤتمنة على الاسرار€ حول السيرة الذاتية لوزيرة الخارجية الاميركية يقول غلين كيسلر الصحفي في «واشنطن بوست» التي تعتبر مقربة من الخارجية الاميركية ان رايس, اكبر مستشاري جورج بوش, «فشلت منذ اكثر من سبع سنين في تقديم رؤية متماسكة عن السياسة الخارجية».ومعروف ان رايس كانت مستشارة الأمن القومي خلال ولاية بوش الاولى, وهو منصب مهم في البيت الابيض سبق ان تولاه هنري كيسنجر, ويعتبر من المواقع الاولى في التأثير على قراري الحرب والسلم. ومما قاله كيسلر: كانت اضعف المستشارين لشؤون الأمن القومي في تاريخ الولايات المتحدة» (...) و«قلة خبرتها انعكست على العالم واثرت على الخيارات التي يتعين عليها القيام بها كوزيرة للخارجية», في اشارة الى غزو العراق وتدهور العلاقات مع الاوروبيين والصورة الكارثية للولايات المتحدة في العالم العربي. وقد تحولت رايس ­ وهي اول امرأة اميركية من اصل افريقي تسند اليها حقيبة الخارجية ­ سريعاً الى نجمة في ادارة بوش عندما عينت وزيرة للخارجية في العام 2005, لكن شعبيتها تراجعت بالسرعة نفسها مع مرور الاشهر, ولم يبق امامها متسع من الوقت لتحسين صورتها في كتب التاريخ. ويذكر كيسلر من اخفاقات رايس الحرب الاسرائيلية على لبنان الصيف الماضي التي وصفها بأنها كانت «منعطفاً اساسياً في تراجع النفوذ الاميركي في المنطقة», اضافة الى التجربة النووية لكوريا الشمالية في تشرين الاول 2006 التي كان في امكان الادارة الاميركية تفاديها, وعملية السلام الاسرائيلية الفلسطينية التي راوحت مكانها لسنين والمأساة الانسانية في دارفور التي لم تسهم شخصياً في تسويتها. ويقوم كيسلر بتغطية يومية للسياسة الخارجية الاميركية, ويرافق بانتظام وزيرة الخارجية الاميركية في تنقلاتها حول العالم. وقد سمح له ذلك بالكشف عن تفاصيل مفاوضات رايس مع قادة اجانب ومباحثاتها الخاصة مع بوش, وبالقاء الضوء على شخصية امرأة من اكثر النساء تكتما في السلطة بالولايات المتحدة مع نكات حول تقديمها مساعدة لصديقة كانت تواجه مشاكل مالية. كتاب آخر يحكي قصة الفشل في ادارة السياسة الخارجية الاميركية هو كتاب بوب وودوارد الحاصل على عدد من الجوائز «حالة انكار» الذي يرجع معظم الفضل في الشهرة التي تتمتع بها رايس الى وسائل الاعلام. في هذا الكتاب يؤكد ووداورد ان مستشارة الأمن القومي السابقة تجاهلت تحذيرات تتعلق بهجمات 11/9/2001 كما لعبت دوراً حاسماً في تقرير حرب العراق. ومعروف ان وودوارد كان قد ساعد في تغطية فضيحة ووترغيت التي اطاحت بالرئيس الاميركي السابق ريتشارد نيكسون. في كتابه يقول وودوارد ان جورج تينيت مدير وكالة المخابرات المركزية السابق اطلع رايس في اجتماع عقد في 10 تموز 2001 على أدلة تشير الى وجود خطط لشن هجوم وشيك على الولايات المتحدة, لكن رايس انكرت ان يكون هذا الاجتماع قد عقد. في وقت لاحق تلاقى عدد من الباحثين الاميركيين على ان الاجتماع حصل وان رايس تحاول النأي بنفسها عن الاخطاء والمقاربات الفاشلة في التعامل مع برنامج ايران النووي وازمة الشرق الاوسط, فضلاً عن عدم وقف النار في حرب تموز 2006 الذي منح اسرائيل الضوء الاخضر لمواصلة الهجمات الجوية على لبنان وبالتالي الانزلاق الى الهزيمة التي حصلت, وهي الاولى في تاريخ الدولة العبرية. هذه الفاشلة في مجلس الأمن القومي والعراق وايران, فضلاً عن آسيا البعيدة واوروبا الشرقية, ينظر اليها الاسرائيليون بأنها « تلميذة متفوقة في مدرسة الكون». والزيارات المكوكية التي قامت وتقوم بها الى المنطقة عشية انعقاد مؤتمر انابولس تثير اهتمام وسائل الاعلام الاسرائيلية بشكل غير مسبوق. وقد ركزت الصحف الاسرائيلية الكبرى على تحليل مدى حاجة هذه الزيارات والاهداف منها ولمن تعود المصلحة في الضغوط التي تمارسها على حكومة اسرائيل بهدف التوصل الى اتفاق مع الفلسطينيين عشية المؤتمر وضمان نجاحه. ابرز الكتّاب الذين ابحروا كثيراً في تحليل هذه الزيارة اهرون برنياع, الذي وصف رايس بالتلميذة المتفوقة وفي رأيه ان الضغوطات التي تمارسها على رئيس الحكومة ايهود اولمرت تصب اولاً واخيراً في صالح اسرائيل ومستقبلها الاستراتيجي. وقد حرص برنياع في كتاباته حول رايس على اطلاق الاوصاف التي تميزها عن سابقيها قائلاً: «اقوالها مختصرة وواضحة وتعبر عما تريده من دون تردد. تتحدث بطلاقة لافتة للنظر. انها قادمة من ثقافة مختلفة عن سابقيها. فحديثها ليس فيه شيء من الاحتكار كما سلفها هنري كيسنجر ولا من البشاعة التي تسمى تصريحات المحامي العنيد الذي يريد الاقناع بأي ثمن, جيمس بايكر, ولا الطريقة الآسرة للقلوب التي استخدمها الرئيس بيل كلينتون. لقد جاءت من ثقافة اخرى من منابع اخرى». يتابع الكاتب قائلا: « رايس لا تؤمن بثقة كاملة ان اتفاقاً على سلام شامل سيخرج من المحادثات الحالية او في الفترة المتبقية من رئاسة جورج بوش (التي ستنتهي في مطلع سنة 2009). وموقفها هذا اوضحته عندما تحدثت للاسرائيليين قائلة: «نحن ملزمون بالسعي للتوصل الى مثل هذا الاتفاق وبأن نظهر للفلسطينيين ان هناك احتمالات لذلك, وإلا فستحصلون ليس على سيطرة «حماس» على الضفة الغربية فحسب, انما ستتلقون نوعاً آخر من «حماس», هو ذلك الخاضع لنفوذ ايراني واسع وكذلك خاضع للقاعدة». وفي محاولة للاقناع اضافت تقول «من كان يصدق ان «حماس» ستحكم في قطاع غزة ومن كان يصدق ان «حماس» السنية تقيم علاقات وطيدة مع ايران الشيعية». وتتابع رايس, حسب الكاتب, ان جيمس بيكر, وزير الخارجية الاميركي في زمن جورج بوش الاب كان يقيس الناس على اساس مدى صدقيتهم وقدرتهم على تنفيذ وعودهم واخلاصهم للمصالح الاميركية. لكن رايس تقسم الناس الى جيدين وسيئين. بالنسبة اليها فان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات سيئ ومفسود. اما الرئيس محمود عباس ورئيس وزرائه, سلام فياض فهما غير مفسودين انهما جيدان. واذا ساعدناهما في تنظيف السلطة من ارث عرفات, فإنهما سيقيمان هنا دولة فلسطينية عصرية وديمقراطية. في الوقت نفسه فان رايس تعتبر الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية ليس فقط مشكلة سياسية وعسكرية, انما مشكلة اخلاقية. وقد شرحت كيف مرت في زيارتها الاخيرة بالقرب من الجدار العازل الذي اقامه الاحتلال الاسرائيلي قرب بيت لحم بالنسة اليها, وهي التي ولدت في الباما, حيث فرض على السود ان يجلسوا فقط في الجزء الاخير من حافلات الركاب, كان المشهد فوق طاقتها على الاحتمال. ويكشف بارنياع ان عدة مسؤولين اسرائيليين سألوها عن سبب رفض ادارة الرئيس بوش اجراء محادثات سلام مع سوريا. وقالوا لها انهم يعرفون ان ايران بدأت تتغلغل في سوريا وان الرئيس بشار الاسد لا يريد ذلك ويحاول التخلص من هذه القبضة لكنه لا يستطيع بسبب العزلة التي تفرضها عليه الولايات المتحدة وهي التي تمنعه من الحوار مع اسرائيل. وكان جوابها ان اميركا لا تحبذ اجراء مثل هذا الحوار, وكما انها لا تشجع حواراً مع «القاعدة», فانها لا تحبذه مع سوريا. برنياع يؤكد ايضاً ان رايس غير مقتنعة كثيراً بان اولمرت ينطلق بالمسار السلمي وفق الحاجة انما في محاولة للخروج من ورطاته في ملفات الفساد الاربع التي تفتحها الشرطة ضده. ويضيف الكاتب ان اولمرت يريد النجاح لمحادثاته مع ابو مازن ويريد لمؤتمر انابولس النجاح, لكنه في الوقت نفسه ليس مستعداً لأن يخسر حلفاءه من حزبي اليمين «شاس» (لليهود الشرقيين المتدينين) و«يسرائيل بيتينو» (لليهود الروس). ولذلك يحاول التوصل الى وثيقة عمومية لا تتطرق الى شيء مقنع, وهذا لا يريده الفلسطينيون. وهم ليسوا مستعدين للمشاركة في مؤتمر انابولس من دون وثيقة مقنعة تتطرق الى قضايا التسوية النهائية بكل وضوح. وقد جاءت رايس باقتراح مغر الى اولمرت, بعد ان كانت اصطدمت مع ابو مازن ومع ابو العلاء, لأنهما هددا بالامتناع عن الذهاب الى المؤتمر مع وثيقة ضحلة. وقالت لهما ان ما تقترحه ملائم جداً لطموحات الشعب الفلسطيني, حيث انها تتحدث عن دولة فلسطينية مستقلة الى جانب اسرائيل بحدود معدلة للخط الاخضر €حدود 1967€, عاصمتها الاحياء العربية من القدس الشرقية المفتوحة على القدس الغربية, وتسوية واقعية للاجئين الفلسطينيين تضمن عودتهم او التعويض الى الدولة الفلسطينية. هذا الاعجاب الاسرائيلي يقابله تخوف فلسطيني حقيقي من ان ينتهي مؤتمر انابولس الى فشل حقيقي يعيد اشعال الانتفاضة في الاراضي الفلسطينية. في هذا السياق يقول معين بسيسو: ما يدركه الجميع ان السلطة الفلسطينية قد دلفت الى الجحر الاميركي زمن الرئيس الراحل ياسر عرفات, وخلفه ابو مازن حتى فوز «حماس» في الانتخابات التشريعية العام الماضي, وسايرت الاميركيين في كثير من رؤاهم واشتراطاتهم, وقبلت عروضهم ومبادراتهم التي كان آخرها «خريطة الطريق» التي تسيدت فيها القضايا الامنية الظالمة, وتذيلت القضايا السياسية, وطغت الحلول الجزئية الموقتة, ومع ذلك لم يتغير من واقع الامر شيء, بل كان الحصار والمقاطعة والاغتيال جزاء «ابو عمار», وكان التهميش والتجاهل والاستخفاف نصيب «ابو مازن». ولم تقل الادارة الاميركية يوماً شيئاً عن حقيقة فهمها لمفهوم «الدولتين», وطبيعة رؤيتها لدولة الفلسطينية المنشودة, ومدى تحقيقها بعناصر الحياة والتواصل ومقومات السيادة والاستقلال, بالرغم من الطنين الشديد والجلبة البالغة التي تحدثها تصريحات مسؤوليها حول المسعى الاميركي لانصاف الفلسطينيين باقامة دولتهم وحل معاناتهم. واطرف ما في الامر ان رايس قد ابتكرت اسلوباً جديداً «ثنائياً» لاحداث حراك ايجابي على الصعيد التفاوضي, وكأن الادارة الاميركية لم تجرب كل اساليبها لانهاء القضية الفلسطينية وفقا لرؤيتها الخاصة, وكأنها لم تجعل من الساحة الفلسطينية حقل تجارب لوثائقها ومبادراتها ومشاريعها الامنية التي فاقت حدود العقل والاتزان والموضوعية. ويضيف: اخطأت رايس بعدم حملها الى المنطقة مشروعاً سياسياً منصفاً يلبي الحد الادنى من حقوق الفلسطينيين, واخطأت اكثر حين اعتقدت ان الضغط على الفلسطينيين فحسب من دون الاسرائيليين يؤتي اكله من دون عوائق, واخطأت اكثر واكثر حين اعتقدت ان من المكن طمس المبادرة العربية وتفريغها من محتواها استجابة لعيون الاسرائيليين. واخطاء رايس ­ التي تحمل اعلى المؤهلات الاكاديمية والعملية ­ مركبة ومتكررة
هذه الايام, ولن يقوم للسياسة الاميركية ازاء قضيتنا اي مقام ما دامت تخطئ اختيار المنهج والاداة, وتصر على الدوران حول الاسس البالية والمفاهيم العقيمة التي مارستها حتى الآن. يبقى مشهدان على الاقل في معرض الاضاءة على «دبلوماسية الدم» التي تمارسها وزيرة الخارجية الاميركية بامتياز, الاول في العراق والثاني في لبنان. كوندوليزا رايس التي كانت أحد الدافعين الى هذه الحرب يوم كان كولن باول وزيراً للخارجية بشرت ولا تزال باقامة نظام ديمقراطي فريد من نوعه في العراق على انقاض «الديكتاتورية المقيتة» التي كان يمثلها صدام حسين. ويمكن القول بكل ثقة ان الولايات المتحدة اخفقت بعد اربع سنوات من نظام صدام في تحقيق حلم العراقيين بتشكيل حكومة تعددية ديقراطية والعيش الرغيد تحت مظلة ذلك الحلم الاميركي, وكانت هي التي دعمت نظام صدام خلال سنوات حكمه, خصوصاً اثناء حربه التي شنها على الجمهورية الاسلامية في ايران وساعدته في قمع انتفاضة العام 1991, متجاهلة وعدا قطعه الرئيس الاميركي السابق جورج بوش €الأب€ للعراقيين للقيام ضد صدام. فئة قليلة من العراقيين كانت تقرأ المشهد كما هو, بحسب رؤية لم تميز بين اداء الولايات المتحدة في فلسطين والعراق. فواشنطن اعتبرت ارييل شارون مرتكب العديد من الجرائم الموثقة في حق الفلسطينيين واللبنانيين, رجل سلام, وتسعى للعب دور «الصالح» مع العراقيين. فقد كانت تلك الفئة تحذر من إضفاء صفة الرحمانية على الشيطان, ونادت بصوت عال لكي يسمعه غالبية العراقيين يومذاك منبهة الى ان «الشيطان واحد», سواء في فلسطين او في العراق. وما جناه العراقيون منذ العام 2003 من مكاسب, لا يتناسب ابداً مع حجم ما قدموه من تضحيات طائعين او مكرهين. فهم لم يحصلوا على دستور دائم يمنع الانقسام ويحول دون الاصطفافات, بالرغم من كل ما في الدستور الجديد من ايجابيات, كما لم يحصلوا على برلمان او سلطة تشريعية حقيقية تحاسب الحكومة وتسقطها اذا فشلت في ترجمة برنامجها المعلن, ولم يشهد العراق الجديد بعد سقوط صدام, نشوء نظام تعددي يسمح بنشوء احزاب سياسية بطريقة حرة وبعيداً عن سيطرة الاحزاب والشخصيات التقليدية والزعماء المكررين, الذين لم يتغيروا منذ عقود وبات على الشعب المسكين ان يقبل مكرها بنظام تداول السلطة بين احزاب وشخصيات بعضها يورث لبعض في الية جديدة, اقصت ديكتاتورية الفرد الواحد, ولكنها وسعت من دائرة الديكتاتوريات المتعددة بنظام وراثي واقطاعي وعشائري, يغلف نفسه في كثير من الاحيان بعباءة الدين. واخطر ما في السنين الماضية, ان السلطة لم تسقط في معظم مفاصلها في يد ضحايا النظام السابق, كما كان يجب ان يكون. فقد غيّر العديد من رجالات صدام, وتحديداً المنتفعون من حكمه والانتهازيون في عهده, جلدهم وتحولوا في ظل الفوضى السائدة الى مناصرين للعهد الجديد, بل وامسك الكثير منهم خصوصاً في مناطق الوسط والجنوب, بتلابيب السلطات المحلية, معتمدين على نظام العشائرية والقبلية, مع غياب الدولة وانهيارها الكامل يوم 9 نيسان من العام 2003. كان القمع من نصيب الاحزاب الاسلامية والحزب الشيوعي والاكراد, ولكن وبعد اربع سنوات من زوال النظام السابق, يشعر ذوو الضحايا والضحايا الاحياء, انهم لم ينصفوا ابداً, وهم اليوم اكثر جرأة من اي وقت آخر في التحدث عن معاناتهم وعن تحولهم الى مجرد ادوات في العملية السياسية, التي لا تعني لأكثرهم سوى صراعات ونزاع على مراكز القدرة والنفوذ, والمال ايضاً. ومن يسمون بأبناء وذوي الشهداء الذين تم اعدامهم او تغييبهم في المقابر الجماعية من المنتمين الى حزب الدعوة الاسلامية وغيرها من التنظيمات الاسلامية او المعارضة, يشكون علناً من اذلال متعمد لهم, عندما يريد احدهم الحصول على ابسط وظيفة في اي دائرة حكومية يسيطر عليها من كان يسبَّح بحمد صدام لسنوات. والاكثر ايلاماً في مأساة ضحايا صدام الاحياء انهم خُدِّروا بفتح ابواب الزيارات الى العتبات المقدسة لهم على مصراعيها, ورضوا ذلك ولسان حالهم يقول «المهم صرنا نزور» بعد ان كانوا منعوا ذلك في عهد صدام الا بقيود وحدود, وكان الهدف من اسقاط صدام بالنسبة اليهم هو «الزيارة» وما اصبحت تنطوي عليه من موت ينشر رائحته كل حين. اما الاكراد فهم ليسوا بأفضل حال, اللهم الا بمقدار ما يحصلون عليه من الأمن, بالرغم من انهم انفصلوا بشكل شبه كامل منذ العام 1991. فها هي صحافتهم على الانترنت تتحدث عن قمع طال صحفيين ومنتقدين للسلطة المحصورة بين حزبين رئيسيين, هما الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني, وبزعامة تاريخية ثابتة لم تتغير, اما الشيوعيون فحالهم في ذلك يستوي مع اقرانهم الاسلاميين. والعراق اليوم مفتت اكثر من اي يوم, يعيش تحت رحمة الارهاب والارهابيين, سواء من جيش الاحتلال او جيوش المرتزقة او «القاعدة» او مقاتلي مجالس الصحوة, والمنطقة الكردية «الآمنة» مهدد باجتياح تركي بمباركة اميركية او بدون هذه المباركة. وتجربة لبنان ليست افضل حالاً. لبنان في زمن ما يسمى «الوصاية» السورية كان آمناً بالرغم من الخلل الذي كان يشوب الممارسة الديقراطية وانعدام الشفافية في اداء القطاع العام. بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري بدأ المشهد اللبناني ينكشف عن كل مواقع التصدع الكبيرة والصغيرة, ومع تعاقب مسلسل الاغتيالات كبر الانقسام النفسي والسياسي. وجاءت حرب تموز 2006 تزيد الانقسام انقساماً وليس ما يدل اليوم على ان اعادة اللحمة واردة بين اللبنانيين في غياب «الوصي» السوري. واذا أضفنا الى الخلافات القائمة حول المشاركة والوفاق والمحكمة الدولية والاستحقاق الرئاسي والانفراد بالقرارين الامني والسياسي, الخيوط المتشابكة والتجاذبات الحادة في المنطقة, وكلها من صنع اميركي, ادركنا الى اي حد استطاعت الدبلوماسية الاميركية تعقيد الازمات واحباط كل محاولات الخروج من المشاكل المطروحة. وآخر تجليات العبقرية الاميركية في الممارسة الدبلوماسية العقوبات الاخيرة التي فرضتها على ايران, وهي الأقسى منذ قيام الثورة الاسلامية في العام 1979. في تبرير هذه العقوبات انها «رد على تدخلات ايران في العراق ورفض طهران التخلي عن طموحاتها النووية». وما يقال عن ايران ينطبق ايضاً على سوريا التي يحاول البيت الابيض اقصاءها عن المشاركة في مؤتمر السلام في الوقت الذي ترحب رايس بحضورها كضيف على المؤتمر وكأنها ليست معنية باستعادة ارضها وحقوقها في الجولان. هذه الدبلوماسية الرامية الى زيادة الاحتقانات مرادف لدبلوماسية الدم التي تمارس على امتداد المنطقة, بل على امتداد العالم, في سياق استراتيجية الفوضى التي تشكل العنوان الكبير لسنوات جورج بوش الهتلرية. www.ldparty.org/index.php

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.