وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    البنزين الأوروبي والأميركي يتجه إلى آسيا    دراسة تحذر: الذكاء الاصطناعي يميل إلى "مجاملة" المستخدمين على حساب الدقة    رئيس الوزراء الباكستاني: نعرب عن تضامننا الكامل مع الشعب الإيراني الشجاع في هذه الظروف الصعبة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    جاهزية متكاملة واعتماد حكام دوليين لبطولة العرب للشباب في ألعاب القوى بتونس    حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المنصوري يا مكنة    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السودانُ وسدُّ النهضة: تعقيبٌ على الأستاذ هانئ رسلان


1
نشر الأستاذ هانئ رسلان مقالاً بصحيفة سودانايل الالكترونية يوم الخميس 20 فبراير 2014 بعنوان "السودان وسد النهضة"، وكذلك في الأهرام اليومي. أشار الكاتب إلى أن موقف السودان من سد النهضة تحوّل من التناول المتوازن بواسطة الخبراء والمتخصّصين للجوانب المختلفة لسد النهضة كمنشأة ذات أثر خطير على الأوضاع المائية للسودان ومصر، إلى الحديث عن قيام السودان بدور الوسيط أو المسهِّل للمفاوضات بين مصر وإثيوبيا، إلى أن وصل الموقف السوداني الرسمي إلى محطته الأخيرة عبر الإعلان المدوّي للرئيس البشير فى مطلع ديسمبر الماضي المؤيّد صراحةً للسد.
أشار الأستاذ رسلان لما عدّدناه في مقالاتٍ سابقة من الآثار الإيجابية لسدِّ النهضة على السودان ووصفها بأنها "هامشية"، وأوضح أن تعلية خزان الروصيرص سوف تحقّق نفس الأغراض. أشار أيضاً الى "الضرر البالغ على الاعداد الهائلة من المواطنين السودانيين الذى يزرعون أراضي الجروف الزراعية على ضفاف النيل" والتي سيفقدونها بسبب السد. ثم عاد الأستاذ ليذكّر الشعب السوداني ويخيفه "بعدم الاستقرار الزلزالي إذا لاحظنا أن ثقل المياه وحدها سيبلغ 74 مليارا." ثم أوضح ما سماه "الآثار الخطيرة التى ستترتب على نقص تغذية المياه الجوفية التى كانت تتغذى على جانبى النيل من مياه فيضان النيل الأزرق." وواصل الأستاذ رسلان شرحه السيريالي بأن إثيوبيا سوف تصير "صاحبة اليد الطولى، فى تقرير تدفقات المياه وتوقيتاتها والتصرّف فيها سواء بالبيع او النقل ... وأن إثيوبيا ستكون المتحكّمة فى إمدادات الكهرباء وأسعارها."
وختم الأستاذ رسلان مقاله بملاحظة "أن الموقف السودانى قد اتجه بالفعل إلى تغليب الاعتبارات السياسية اللحظية الخاصة بتوازنات السلطة القائمة وتحدياتها الداخلية، دون النظر فى التغيرات الإستراتيجية فى أوضاع المياه والأمن فى النيل الشرقى. وهو الأمر نفسه الذى حدث من قبل فى عملية فصل جنوب السودان."
نكتفي بهذا القدر من الاقتباس من مقال الأستاذ هانئ رسلان، وسوف نقوم في هذا المقال بالتعقيب على هذه النقاط، مع البدء بعرض بعض الملاحظات العامة.
2
توقيت المقال: حلايب - الغائب الحاضر؟
استرعى انتباهي منذ البداية توقيت المقال. فالمعلومات التي بنى عليها الأستاذ رسلان مقاله ليست جديدة، بما فيها تصريح السيد رئيس الجمهورية المؤيّد لسدِّ النهضة الذي أدلى به يوم 4 ديسمبر عام 2013، أي قبل قرابة الثلاثة أشهر. عليه فإن توقيت المقال يثير سؤالاً مُلِحّاً وهاماً: لماذا هذا المقال الآن؟
إن توقيت المقال مرتبطٌ لا شك بالتطوّرات التي حدثت في حلايب الأسبوع الماضي. فقد قام السيد أحمد المسلماني المستشار الإعلامي للرئيس المصري بجولةٍ في يوم 13 فبراير عام 2014 في منطقة حلايب وشلاتين، وأعلن خلال لقاءات جماهيرية تدشين مشروعات تنموية بقيمة تبلغ 110 ملايين دولار، وذلك كما ذكر "في إطار تأكيد السيادة المصرية عليها.” ثم أعلن السفير بدر عبد العاطي، المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية في نفس اليوم لصحيفة الشرق الأوسط أن «حلايب وشلاتين جزء لا يتجزأ من الأراضي المصرية، وهو أمر غير قابل للنقاش». وأضاف أن «الموقف المصري واضح في هذا الموضوع، وهو أنها أرض تمارس عليها أعمال السيادة المصرية."
ثم أصدرت الحكومة المصرية يوم الثلاثاء 18 فبراير عام 2014 قراراً بتحويل حلايب إلى مدينة، وفقاً لما ذكره المتحدث باسم مجلس الوزراء المصري هاني صلاح، الذي ذكر في تصريحاتٍ صحفية إن الحكومة المصرية اتخذت هذا القرار بهدف تعزيز الخدمات في كلٍ من حلايب وشلاتين.
من الواضح أن الأستاذ رسلان اختار توقيت مقاله ليبعد الأنظار ولو لبعض الوقت عن الخلاف الرئيسي والحاد الذي يواجه العلاقات المصرية السودانية. فهو يعرف حق المعرفة أن حلايب نقطة التقاء كل كيانات الشعب السوداني دون استثناء. وهو يعتقد أن هناك خلافاتٍ حول سد النهضة بين السياسيين والأكاديميين السودانيين. فرأى أن يلعب في حلقة الخلافات على أمل تركيز النقاش حول السدِّ، ونسيان حلايب، ولو إلى حين.
عليه فإن المقال لم يُشِر من قريبٍ أو بعيد إلى نزاع حلايب، رغم إمكانية الربط بين نزاع حلايب والفشقة من جهة، وتأييد السودان لسدِّ النهضة من الجهة الأخرى. بدلاً من ذلك حاول الأستاذ رسلان الربط بين سدِّ النهضة وانفصال جنوب السودان، متمثّلاً في رأيه في فشل السودان في "النظر في التغيرات الاستراتيجية فى أوضاع المياه والأمن فى النيل الشرقى."
إذن فحلايب الغائبة من مقال الأستاذ رسلان كانت في حقيقة الأمر الضمير المستتر في ذلك المقال.
3
متى أيّد السودان سدَّ النهضة؟
وقع الأستاذ رسلان في عدّة أخطاء كبيرة في مقاله. كان الخطأ الأول عندما ذكر أن السودان تحوّل من التناول المتوازن لسدِّ النهضة، إلى لعب دور الوسيط، ثم إلى التأييد للسدِّ (لاحظ أن تعبير "التناول المتوازن" تعني عند الأستاذ رسلان رفض السدِّ والوقوف ضده مع مصر !!)
لقد أيّد السودان سد النهضة منذ 20 يونيو عام 2011 (أي بعد شهرين فقط من البدء في بنائه) عندما أعلن السفير السوداني في إثيوبيا وقتها السيد محي الدين سالم عن دعم السودان لسدِّ النهضة (الألفية وقتها). وقد أبرزت الصحف السودانية ذلك التأييد وأوردته صحيفة السوداني في صفحتها الأولى.
وفي شهر نوفمبر من نفس العام (2011) تمّ تعيين الدكتور سيف حمد وزيراً للموارد المائية في السودان. كانت أولى مهام الدكتور سيف الاجتماع بالنائب الأول لرئيس الجمهورية وقتها الأستاذ علي عثمان محمد طه لمناقشة سدِّ النهضة. صدر بعد الاجتماع بيانٌ رسمي بتأييد السودان للسدِّ أبرزته بعض الصحف السودانية، وتمّ تضمينه في الموقع الرسمي لحكومة السودان. وعندما أعلن سفير السودان في القاهرة في مايو عام 2013 معارضة السودان لتحويل إثيوبيا مجرى النيل الأزرق لبدء بناء السد، سارعت الحكومة السودانية لنفي ذلك الخبر.
عليه فقد كان موقف السودان مؤيداً لسد المهضة منذ البداية، ولكن بصوتٍ خافت أملته العلاقات مع مصر ومحاولة احتواء الخلافات حول السد ومعالجتها في هدوء ومن وراء الكواليس.
من إذن هو المعارض لسد النهضة في السودان؟ ينتقد السد عددٌ صغير من الفنيين يشمل اثنين من المستشارين السابقين في وزارة الري والموارد المائية. وقد اختار الاخوة المصريون هذين الصوتين وقرروا أنهما "الخبراءالسودانيون" دون سواهم. فالأستاذ رسلان يقول إن "المنافع الهامشية فندها من داخل السودان عدد من الخبراء المشهود لهم بالكفاءة والخبرات الممتدة." لكنه لم يذكر اسماً واحداً من أسماء هؤلاء الخبراء، ولم يوضّح لنا من شهد لهم بالكفاءة. كما يقول في نفس المقال "حذر خبراء آخرون من عدة نقاط بالغة الدقة، تتصل بانعدام المبررات الهندسية والاقتصادية لرفع سعة التخزين من 12 مليار،" دون أن يخبرنا من هم هؤلاء الخبراء الآخرون. ثم يتحدث الأستاذ رسلان عن تقارير تؤيد بعض النقاط التي أثارها عن السد دون أن يخبرنا ما هي هذه التقارير ومن كتبها ومتى؟
4
هل هناك إجماعٌ على الاعتراض على السدِّ في مصر؟
وقع الأستاذ رسلان في خطأِ ثاني عندما حاول إبراز الوضع وكأن هناك إجماعٌ على رفض سد النهضة في مصر. لكن الحقيقةَ مختلفةٌ. فقد نقلت وكالات الأنباء خبر اجتماع اللجنة المصرية العليا لمياه النيل برئاسة السيد حازم الببلاوي رئيس الوزراء في يوم الثلاثاء 29 أكتوبر عام 2013 قبل أيام من الاجتماع الثلاثي بين مصر والسودان وإثيوبيا. وقد صرح السيد الببلاوي بعد الاجتماع أن اللجنة العليا تعتقد أن سد النهضة يمكن أن يكون مصدر خير ورفاهية لدول حوض النيل. لكن يبدو أن الصقور في حكومة المشير السيسي استعملوا حق النقض وأوقفوا هذا اللين والواقعية في المنحى التفاوضي المصري لاجتماع نوفمبر.
وكان الأستاذ فهمي هويدي قد نشر مقالاً بعنوان "أخطأنا بحق إثيوبيا والسودان...أغرقنا 24 قرية سودانية ودمرنا مليوني نخلة" بصحيفة الشروق بتاريخ 15 يونيو عام 2013، والذي قامت صحيفة الراكوبة الالكترونية بإعادة نشره في نفس اليوم. وتضمّن المقال لأول مرةٍ اعترافاً صريحاً من أحد الكتاب المصريين البارزين بارتكاب مصر أخطاء في علاقاتها النيلية ليس فقط مع السودان، ولكن حتّى مع اثيوبيا في مشروع سد النهضة. وقد نصح الأستاذ هويدي قادة بلاده بقوله "إن خطوات بناء السد صارت حقيقة ماثلة على الأرض، وإن المشروع تحول إلى قضية قومية وثيقة الصلة بالكبرياء الوطني في إثيوبيا .... وإن مطلب وقف بناء السد الذي دعا إليه البعض لن يجد آذانا صاغية إذا لم يقابل بالصد والاستهجان."
وكان الكاتب المصري الأستاذ محمد حسنين هيكل قد نشر مقالاً يدور في نفس منوال مقال الأستاذ هويدي. وقد قمنا بالرد الأسبوع الماضي على مقال الأستاذ حلمي شعراوي الذي نشره في سودانايل في 14 فبراير عام 2014 والذي اقترح فيه على السودان ومصر العمل على تحويل سد النهضة إلى مشروعٍ تنمويٍ مشترك.
ترى كم من الكتاب والفنيين المصريين يتفقون مع هذا الرأي ولكنهم يخشون من ردّة فعل النظام إن جاهروا بآرائهم؟
على الأستاذ رسلان أن يحاول أن يقنع هؤلاء السياسيين والكتاب المصريين الذين لايرون في سد النهضة تلك المشاكل التي يراها هو قبل محاولة إقناع الشعب السوداني.
5
ما هي فوائد سدِّ النهضة على السودان؟
وصف الأستاذ رسلان الفوائد التي سيجنيها السودان من سد النهضة من وقفٍ للفيضانات والطمي وتغذية للمياه الجوفية وإطالة لعمر خزان الروصيرص، ومن كهرباء عرضت إثيوبيا بيعها بسعر التكلفة، ومدِّ السودان بمياه ري من بحيرة السدِّ لولاية النيل الأزرق بأنها هامشية.
ولمعرفة إن كانت هذه الفوائد هامشية علينا أن نسأل لماذا بنتْ مصرُ السدَّ العالي؟ لقد بنت مصر السد العالي من أجل وقف الفيضانات وتوليد الكهرباء وتخزين مياه النيل من أجل الري. لماذا يعتبر السيد رسلان هذه فوائد حقيقية لمصر بينما يعتبر نفس هذه الفوائد للسودان من سد النهضة صورية أو هامشية؟
لقد أنهك الطمي الإثيوبي سدودَ السودان وقنواته. وقد فقدت خزانات سنار والروصيرص وخشم القربة أكثر من نصف طاقتها التخزينية للمياه ولتوليد الكهرباء بسبب الطمي. كما انهارت بنية الري التحتية لمشروع الجزيرة تماماً بسبب الطمي أيضا. ويصرف السودان أكثر من عشرين مليون دولار لإزالة الأطماء كل عام بلا فائدة. بل إن السودان يبني حالياً سدّي أعالي عطبرة وسيتيت بسبب إغلاق الطمي لخزان خشم القربة. سيقوم سد النهضة بحجز كميات كبيرة من هذا الطمي ويطيل عمر سدود السودان ويجعلها تعمل بكفاءة أكثر بكثير من ذي قبل. ولكن الكثير من الطمي – الذائب في مياه النيل وذلك الذي سيخترق بوابات السد – سوف يتواصل ويصل مزارعنا، فلا داعي لقلق السيد رسلان على فلاحي السودان.
إن فوائد تعلية خزان الروصيرص محدودةٌ بسبب أن الخزان نفسه منهكٌ جداً من تراكم الطمي الإثيوبي. برزت محدودية فوائد التعلية في أن السودان اشترى كهرباء من إثيوبيا في نفس العام الذي اكتمل فيه مشروع التعلية. ولو كانت فوائد التعلية ربع ما ذكره الأستاذ رسلان لما احتاج السودان لسدِّ مروي، أو سدّي سيتيت وأعالي عطبرة. بل إن كل ما فعلته التعلية في حقيقة الأمر هو محاولة إعادة إمكانيات السد التخزينية والتوليدية إلى ما كانت عليه قبل تراكم الأطماء، أي إلى عام 1966.
أما عن الضرر البالغ على "الاعداد الهائلة من المواطنين السودانيين الذى يزرعون أراضى الجروف الزراعية على ضفاف النيل" والتي سيفقدونها بسبب السد فهو قولٌ مردود. فالفيضانات التي تسقي الجروف لا تأتي كل عام، والأعداد التي تعتمد عليها ليست هائلة، والجروف نفسها ليست كبيرة .
إضافةً إلى هذا فالسودان لا يستعمل أكثر من 12 مليار متر مكعب في العام من ال 18,5 مليار التي منحته إياها اتفاقية مياه النيل، تاركاً كل عام أكثر من ستة مليار متر مكعب لتذهب لمصر. وكما أوضحنا من قبل فإن السودان قد منح مصر أكثر من 350 مليار متر مكعب خلال الخمسين عام الماضية من نصيبه من مياه النيل التي فشل في استعمالها. إن الحديث عن فقدان الري الفيضي مع فشل السودان في استعمال نصيبه الأصلي من مياه النيل هو حديثٌ عن النوافل قبل أداء الفروض، كما ذكرنا من قبل.
كما أن تغذية المياه الجوفية في حقيقة الأمر سوف تنتظم طوال العام بسبب انتظام انسياب النيل الأزرق، وليس العكس.
أما الحديث عن أن إثيوبيا ستصبح بعد السد صاحبة اليد الطولى، فى تقرير تدفقات المياه وتوقيتاتها والتصرف فيها سواء بالبيع او النقل، فهو قولٌ ساذج ويتجاهل طبيعة الهضبة الإثيوبية. أين ستخزّن إثيوبيا هذه المياه بعد أن تمتلئ بحيرة السد؟
أما القول أن إثيوبيا ستكون المتحكّمة فى إمدادات الكهرباء وأسعارها، فهو قولٌ مردود لأن هذه المسائل تحكمها اتفاقيات يتم التوقيع عليها قبل نهاية المشروع. وهناك العشرات من مثل هذه الاتفاقيات في عالم اليوم. فالارجنتين تشتري كهرباء سد إيتايبو من البرازيل وبراغواي. وجنوب أفريقيا وقّعت مذكرة تفاهم لشراء كهرباء سد إينقا من الكونغو الديمقراطية. وجيبوتي ظلت تعتمد منذ زمنٍ طويل على شراء الكهرباء من إثيوبيا.
ولا بُدّ من الإشارة هنا إلى أن السودان أصبح مشترياً لكهرباء إثيوبيا منذ العام الماضي، وبسعر التكلفة، وقبل أن يكتمل سد النهضة، وبعد أن اكتملت تعلية الروصيرص.
6
هل يقع السد في منطقة زلزال؟
عاد الأستاذ رسلان ليذكّر الشعب السوداني ويخيفه "بعدم الاستقرار الزلزالي إذا لاحظنا أن ثقل المياه وحدها سيبلغ 74 مليارا" في بحيرة سد النهضة."
حجم المياه في بحيرة السد العالي يزيد عن 162 مليار متر مكعب، وهي تساوي أكثر من ضعف مياه بحيرة سد النهضة. لماذا صمد وسيصمد السد العالي ابن التقانة السوفيتية في خمسينيات القرن الماضي وينهار سد النهضة ابن التقانة الغربية للقرن الحادي والعشرين؟ إن هناك في عالمنا اليوم أكثر من 45,000 سد كبير (كما ذكر تقرير المفوضية الدولية للسدود)، لم نسمع عن انهيار أيٍ منها منذ بداية القرن الماضي. كما أن الشركات العالمية، ومنها الشركة الإيطالية التي تبني السد (شركة ساليني)، تعي جيداً مسئولياتها القانونية والمالية إذا انهار السد. فالشركات تهتم بسمعتها أكثر من الدول والأفراد، وعالم اليوم كتابٌ مفتوح ومتاحٌ في الشبكة الإسفيرية لكل من يريد القراءة. ولا أحد يعتقد أن إثيوبيا ستصرف خمسة مليار دولار على سدٍّ وتهمل سلامته.
ولو كانت منطقة سدِّ النهضة منطقة زلزال كما يزعم الأستاذ رسلان لانهار خزان الروصيرص الذي يقع في نفس منطقة سد النهضة، ولما كان هناك معنى لتعليته.
لكن على السودان أن لا يتجاهل مسألة سلامة السد، وعليه أن يطالب بلجنة مشتركة مع إثيوبيا كما اقترحنا مراراً من قبل.
7
من الذي رفض سدَّ ال 12 مليار متر مكعب الإثيوبي؟
أخبرنا الأستاذ رسلان أن "خبراء قد حذروا من عدة نقاط بالغة الدقة، تتصل بانعدام المبررات الهندسية والاقتصادية لرفع سعة التخزين من 12 مليار متر مكعب التى حددتها هيئة الاستصلاح الأمريكية فى موقع سد النهضة المقترح إلى 74 مليار متر مكعب."
من الذي رفض السدَّ بسعته التخزينية التي لا تزيد عن 12 مليار؟ لقد أجاب على هذا السؤال الأستاذ فهمي هويدي عندما كتب في نفس المقال الذي أشرنا ىإليه أعلاه: "وليس مفهوما أيضا أن ترفض مصر يوما ما فكرة بناء السد الإثيوبي حين كان مقترحا أن يستوعب 14 مليار متر مكعب من مياه النيل الأزرق، ثم تثور ثائرة المسؤولين المصريين حين أعيد تصميمه ليستوعب 74 مليار متر مكعب، ونقرأ أخيرا أن خبراء وأساتذة الهندسة الهيدروليكية يطالبون الآن بألا تزيد كمية المياه التي يحتجزها السد في حدود 14 مليار متر مكعب فقط، وهي ذات الكمية التي رفضتها القاهرة من قبل."
بل لقد قرأنا أن الرئيس السابق محمد حسني مبارك كان قد أمر بضرب السد الذي يستوعب 14 مليار متر مكعب في حالة بدء إثيوبيا في بنائه.
8
الإخطار المسبق والاتفاقيات القائمة: ماذا تقول؟
أشار الأستاذ رسلان إلى أن إثيوبيا لا تعترف بمبدأي عدم إلحاق الضرر، والإخطار المسبق، ولا بالاتفاقيات القائمة.
كما ذكرنا في المقال السابف فقد استبعدت اتفاقية مياه النيل لعام 1959 دول النيل الأخرى وأقصتها إقصاءاً تاماً من خلال الآتي:
أولاً: قرّرت الاتفاقية نفسها أن مجمل مياه النيل مقاسةً عند أسوان هي 84 مليار متر مكعب. خصمت منها عشرة مليار تتبخّر في بحيرة السد العالي، ووزّعت ما تبقّى وهو 74 مليار بين مصر التي نالت 55,5 مليار، والسودان الذي نال 18,5 مليار. عليه فلم تتبق قطرةٌ واحدةٌ من مياه النيل لبقية دول حوض النيل. وفي حقيقة الأمر فإن الاتفاقية نفسها عنوانها "اتفاق ... للانتفاع الكامل بمياه نهر النيل." (لاحظ كلمة "الكامل" هذه.)
ثانياً: بعد أن قامت الاتفاقية بتخصيص كل مياه النيل لمصر والسودان، قرّرت الاتفاقية أن على أي دولة من دول النيل الأخرى ترغب في استعمال أي قدرٍ من مياه النيل التقدّم بمطلبها لمصر والسودان. ويقوم البلدان ببحث هذا الطلب ويقرران قبوله أو رفضه. وإذا تم قبوله تحدد الدولتان الكمية التي سيتم منحها لتلك الدولة، وتقوم الهيئة الفنية المشتركة بين مصر والسودان بمراقبة عدم تجاوز تلك الدولة لتلك الكمية التي قرّرتها مصر والسودان. هذا نصٌ في غاية الاستعلاء والإقصاء. إنه يقرّر أن نصيب دول حوض النيل الأخرى من مياه النيل هو منحةٌ من مصر والسودان، وليس حقاً لها بمقتضى القانون الدولي وقواعد العدالة والإنصاف.
ثالثاً: تتحدّث الاتفاقية عن تمكين الهيئة الفنية المشتركة "من ممارسة اختصاصها ... ولاستمرار رصد مناسيب النيل وتصرفاته في كامل أحباسه العليا ..." هذه الأحباس العليا هي دول المنبع. كيف يمكن لأي دولٍ أن تعطي نفسها حق دخول أراضي دولٍ أخرى للقيام بأي عملٍ هناك؟ أليست لتلك الدول سيادة على أراضيها وحدودها ومواردها الطبيعية؟
بعد كل هذه النصوص الاستعلائية والاقصائية يريد السيد رسلان من بقية دول حوض النيل قبول الاتفاقيات القائمة وإخطار مصر والسودان بمشاريعها.
9
لماذا أعلن السيد رئيس الجمهورية تأييد السودان لسدِّ النهضة في 4 ديسمبر عام 2013؟
كان السيد رئيس الجمهورية يعرف أن نائبه الأول وقتها، ووزيري الموارد المائية السابقين (الدكتور سيف حمد ومن بعده السيد أسامة عبد الله) يؤيدان السد، لكنه لم يكن قد اتخذ قراره.
لا بدّ أن السيد الرئيس قد شاهد بنفسه فؤائد ونتائج التعاون الحقيقي على مياه النيل عندما زار مدينة القضارف وسدّي سيتيت- أعالي عطبرة مع السيد ديسالين هايلي ماريام رئيس الوزراء الإثيوبي في 4 ديسمبر عام 2013. لقد باعت إثيوبيا للسودان مائة ميقاواط من الكهرباء بسعر التكلفة، ووصلت تلك الكهرباء في ذلك اليوم مدن وقرى منطقة القضارف والقلابات التي شاهدت بعضها الكهرباء لأول مرة في التاريخ (رغم أن كهرباء السد العالي بدأ استخدامها عام 1970). وعندما زارا معاً سدّي سيتيت- أعالي عطبرة علم السيد الرئيس أن كهرباء السدّين ستزيد بحوالى مائتين ميقاواط عما كان متوقعاً بسبب تنظيم سد تكزي الإثيوبي لسريان نهر عطبرة في السودان، وتنظيم ذلك لتوليد الكهرباء طوال العام من هذين السدّين. علم أيضاً أن سدَّ تكزي الإثيوبي الصغير الحجم سوف يزيد عدد الدورات الزراعية من نهر عطبرة. وقتها وضحت للسيد الرئيس الصورة الكبرى والفوائد التي يمكن أن يجنيها السودان من سدِّ النهضة. لا بُدَّ أن السيد الرئيس قد قارن كوارث السد العالي على السودان بفوائد سد النهضة.
إنه ليس قراراً سياسياً يا أستاذ رسلان. إنه قرارٌ انبنى على ما شاهده السيد الرئيس بنفسه، وعلى مصالح السودان، وعلى حقائق التاريخ.
نرجو في خاتمة هذا المقال أن نذكّر الأستاذ هانئ رسلان بالمقولة القديمة: "أهلُ مكةَ أدرى بشعابِها."

[email protected]
www.salmanmasalman.org


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.