شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    الأمل عطبرة يودع الممتاز رسميا رغم التعادل أمام المريخ    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    اكتشاف مركبات "زائفة" تشعل نوبات الربو    دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



وردي: فنان الهضبة والساحل كلمات في التاريخ وللمستقبل


[email protected]
(1)
وردي: هو محمد عثمان حسن وردي، ولد في عام 1932 في بلدة (صواردة) بمنطقة السكوت والمحس في أقصى شمال السودان، والذين مع مجموعات الدناقلة والحلفاويين يشكّلون المجموعة النوبية التي إنتمت إليها الأسر السودانية الحاكمة إبان فترة الفراعنة وحكم الممالك النوبية من قبل خمسة آلاف سنة. أشهر ملوك النوبة هو تهراقا، والذي حكم مصر وحتى بلاد الشام شرقاً بالإضافة لمملكة النوبة التي شملت مملكة أكسوم في الهضبة الإثيوبية في الشمال الشرقي، وجنوباً حتى تخوم يوغندا وغرباً حتى دارفور (حيث أن كثيرين من أهل دارفور ينتمون بأصولهم إلى النوبة مثل الميدوب) بالإضافة لسكان جبال النوبة (النوبة). كان وردي كثيراً ما يمزح وسط أصحابه بإنتمائه لتهراقا .. ذلك الملك النوبي العظيم، وكثيراً ما لقبه أصحابه ب "الفرعون" والأمبراطور أحياناً.
توفيت والدة محمد وردي وهو مازال رضيعاً (وقيل دون الثالثة)، ومات والده وهو في سن العاشرة، فنشأ يتيماً ليتولى عمه تربيته. تلقى تعليمه بشمالي السودان في قرية صورادة والمناطق المجاورة، وعمل معلماً للغة العربية في المدارس الإبتدائية ثم إنتقل للعمل بمدينة شندي التي تبعد حوالي 150 كيلومتراً شمال الخرطوم ومنها توجه إلى العاصمة الخرطوم في عام 1957 ليبدأ مسيرته مع الفن، والتي دامت لأكثر من 50 عاماً من الإبداع المتفرّد. وقد تخطت سيرته وسمعته حدود السودان حتى أصبح محمد وردي فنان السودان الأول وهرماً فنياً شامخاً في إفريقيا المقربين منه يقولون أن وردي قد ورث جمال الصوت عن أمه.
(2)
تحكي الروايات أنه وعند قدومه لإذاعة أمدرمان في العام (1957) لتسجيل أُولى أغنياته باللغة النوبية، طلب منه مسؤولي الإذاعة السودانية حينها البقاء في العاصمة وأولوا رعايته لأحد عازفي الكمان المشهورين. وقد إلتقي في ذلك الوقت أيضاً بالفنان الراحل إبراهيم عوض والذي سأل وردي عن مهنته الأساسية، فرد عليه بأنه يعمل معلماً للغة العربية، فنصحه الفنان الراحل إبراهيم عوض بأن يعود لممارسة التدريس ويترك الفن(!)، وأغلب الظن كان ذلك من باب الإشفاق على وردي الشاب من المجازفة وترك وظيفة مضمونة العائد تؤهل صاحبها في ذلك الوقت للإنتماء للطبقة الوسطى والعيش السهل الرغد. لكن كانت نفس وردي أكبر: "إذ كانت النفوس كباراً ... تعبت في مرادها الأجسام"، فآثر أن يشق طريق المعاناة منتصراً لروحه المغمورة في بحر الفن.
(3)
الفنان العبقري محمد وردي هو فنان تجاوز إبداعه حدود السودان الجغرافية وإن إنحدر هو من أقصى الشمال السوداني (كما ذكرت). فقد إمتدت شهرته إلى كل أطراف أفريقيا حتى توّج فنان إفريقيا الأول. ووردي هو فنان الهضبة والساحل ومن أكثر الفانين شهرة في القرن الإفريقي (أثيوبيا، إرتريا الصومال)، الساحل (نيجيريا، الكاميرون، تشاد، مورتيانيا). الجدير بالذكر أن أغنية 19 سنة والتي تقول كلماتها:
"خلاص كبرت وليك 19 سنة...
عمر الزهور .. عمر الغرام .. عمر المُنى ..
أتمنى يوم تجمعنا جنات حبنا".
قد لُحنت بمدينة كرن الإرترية، وقدمت لأول مرة في مسرح سينماء أوديون وسط أسمرا في عام 1963 وكان وردي حينها في زيارة لإرتريا، وهناك روايات شفاهية تؤكد أنه قد أحيي حفلاً ساهراً أثناء تلك الزيارة بمدينة بارنتو في العام 1963 ومن ثم توجه إلى مدينة كرن التي غنى بها تلك الأغنية وكان السفر وقتها باللواري.. هناك رأي آخر يقول أن الأغنية (19 سنة) قدمت لأول مرة بأديس أبابا، وهذا غير صحيح.
وردي هو نبض الإحساس الفني في السودان النيلي الذي جسّد العلاقة بين الغابة والصحراء وبين السافنا والنهر، وبين تلال البحر الأحمر والبطانة مع الجزيرة الخضراء في وسط السودان. وبذات القدر لقد ربط وردي شرق أفريقيا وهضبتها بالساحل الغربي لأفريقيا، ولا غرابة إذ أن وردي هو سليل الحضارة النوبية التي سادت في شمال السودان وإمتدت لتغطي مصر شمالاً ومملكة أكسوم (الحبشة) قبل آلاف السنين (قبل الميلاد). فهل يا تري: يكون وردي هو الرابط الشفيف بين النوبة وأكسوم في عصرنا الحديث؟.
(4)
إن الجوار السوداني لعب دوراً كبيراً في تطورات قضيتي الهوية والوعي القومي السوداني، فتأرجحت هذه الإتجاهات في بداياتها بين الهوية العربية الإسلامية تأثراً بنداءات جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والجامعة الإسلامية، وتأثيرات دولة الخلافة الإسلامية التي كان على رأسها الأتراك العثمانيون، والتي إنهارت بنهاية الحرب الكونية الأولى (1919). تبع ذلك بدايات الوعي واليقظة العربية، فإستجابت لها بعض حركات الوعي القومي السوداني التي نادت بعروبة السودان وبإسلاميته بقيادة عبدالرحمن الضرير (كتاب الأدب السوداني وما ينبغي أن يكون عليه) ثم بعد ذلك بدأ ظهور البعد الإفريقي خاصة في الأدب بقيادة حمزة الملك طمبل وروّاد مدرسة الفجر بقيادة محمد أحمد محجوب ومحمد المهدي المجذوب، إلى أن تبلور ذلك الوعي بالإفريقية في المكون الثقافي السوداني لاحقاً في مدرسة الغابة والصحراء وصولاً لمحطة السودانوية التي ترى كل المكونات العربية والأفريقية في الشخصية الثقافية السودانية دون غلبة لواحدة على الأخرى.
كان وعي وإدراك وردي الفني الذي تألق نجمه في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات قد تفتق في أحضان مدرسة الغابة والصحراء والوعي بإفريقية السودان وعلاوبته وخصوصيته (السودانوية) وقد إنعكس ذلك في أغاني وردي الراسخة والباقية في الوجدان السوداني:
"هام ذاك النهر يستلهم حسنه... فإذا ما عبر بلادي ما تمنى..
طرب النيل لديها وتثني .. أروي يا تاريخ عنا
نحن في الشدة بأس يتجلي .. وعلى الود نمد السهلا أهلا
ليس في شرعتنا عبد ومولي
... حين (.. ) في الأرض دروبه .. عزم تهراقا وإيمان العروبة... عرباً نحن حملناها ونوبة.
ولا عجب في ذلك إذ أن وردي نوبيٌ إنتماءاً وعربيٌ الثقافة (حتى النخاع)، حيث درَّسها في مدارس السودان وغني لفحول شعرائها في تأكيد بأن العربية ليست عرق بقدرما هي ثقافة كما يقول الحديث النبوي الشريف "كل من تحدث العربية فهو عربي".
(5)
من أشهر الأغاني الوطنية التي تغني بها الراحل محمد وردي، والتي ظلت عالقة في وجدان السودانيين على مدى الأجيال، أغنية "اليوم نرفع راية إستقلالنا"، وهو النشيد الذي ظل كل السودانيين يسمعونه صبيحة الأول من يناير من كل عام، وهو يوم الإحتفال بالإستقلال، على مدى أكثر من خمسة عقود، ، ويقول مطلع النشيد:
اليوم نرفع راية إستقلالنا.. ويسطّر التاريخ مولد شعبنا.
ياإخوتي غنوا لنا..
كرري تحدث عن رجال كالأسود الضارية
خاضوا اللهيب وشتتوا كتل الغزاة الباغية
والنيل يطفح بالضحايا .. بالدماء القانية
ما لان فرسان لنا.. بل فرَّ جمع الطاغية
الفن هو الوجدان، والوجدان هو الإحساس الجمعي بالجمال والنبل والفضيلة .. بالحزن والمعاناة أحياناً. الفن هو عملية إجترار الماضي وجدانياً والإنفعال به، وفي ذات الوقت هو عملية إستشراف المستقبل والتطلع إليه والإنفعال معه. وبين الإنفعال بالماضي والتفاؤل بالمستقبل كان يتربع وردي في الوعي الوجداني وفي ذاكرة التاريخ وحاضر الحياة ومستقبل الأمة السودانية. ويبدو أن روح الفنان وردي الشفيفة قد تحسست هذه الخيوط الرفيعة وتبينتها من وقت باكر وعبّرت عنها شدواً قومياً يأخذ بلب القلوب. لقد كان محمد وردي مشروعاً قومياً متكاملاً لخلق الوحدة الوطنية في وطن كبير .. واعد.
كان وردي حاضراً معنا ونحن أطفالاً في مدرسة الدلنج الريفية عام 1967 ( في جنوب كردفان) وأذكر تماماً حينما كان يرقص جميع الأطفال وأغلبهم من النوبة الصغار (وجميعهم دون الخامسة عشر). كانوا يرقصون في أعياد إستقلال السودان على صوت الميكروفون وهو يردد رائعة وردي: اليوم نرفع راية إستقلالنا... وكان بعضنا يببكي بحرقة ونردد مع صوته: كرري تحدث عن رجال كالأسود الضارية .. وكل منا في تلك الأثناء يتذكر جده لأمه أو لأبيه ممن ماتوا في تلك المعركة بجوار النهر الذي أضحى قانياً في ذلك الصباح من 2/9/1899 كان الإحساس كما يقول لي الراحل عليوة (من أبناء البقارة) وكنا في الحادية عشرة من أعمارنا: "إن الله مد في العمر السودان ده لازم نبنيه.. السودان دا بلد زين... السودان ده بلد سمح بلحيل".. مات عليوة وعمره 35 عاماً، وهو ممسكاً بزناد رشاشه في حروب أهلية ما تخمد إلا لتشتعل في الوطن... مات وهو عاشقاً للسودان ولوردي. ومن أؤلئك الأطفال أيضاً كان عبدالعزيز آدم الحلو.
في راكوبة المهيدي الكبيرة في قريتنا بجنوب كردفان، إستمعنا إلي وردي ونحن أطفالاً قبل أكثر من أربعين عاماً وهو يردد: القمر بوبا عليك تقيل في المساء ونحن جلوس حول القدح الكبير (عصيدة الدخن بملاح الروب وزيت السمسم) .. وعندما يذهب أحدنا فجأة لإحضار المزيد من الملاح نجد النساء في البيت (بيت النسوان) وهن يرقصن على ضوء المسرجة على أنغام القمر بوبا بملابسهن المتسخة (من عمل البيت الشاق وإعداد الطعام)... لقد كان غناء وردي يمثل البرنامج (الإذاعي والتلفزيوني) الوحيد الذي يجمع وجدانيات وطن تقسم على أكثر من 600 قبيلة. كان على بعد كيلومتر واحد من قريتنا وعلى تل عالٍ قرية الدينكا الذين يعملون عمالاً زراعيين في مزارع أهل القرية وجلهم من شمال بحر الغزال. كان للدينكا في تلك القرية شيخ يسمى شيخ كوال وهو يمثل حلقة الوصل بين أهل الحاجز وأهل قريته وكذلك مع السلطات المحلية. كانت تربطنا علاقة صداقة مع شيخ كوال وأسرته.
كان شيخ كوال يحضر من منزله البعيد بمجرد سماع صوت وردي في المذياع في أمسيات الخريف، وكان عادة مايحضر في هدوء ويجلس بهدوء أيضاً (جاراً عكازتته) ولا ينبس ببنت شفة: وعند إنتهاء الأغنية دائماً يردد "ينصر دينك يا مهمد وردي... ياجماعة والله كان جيبتو لينا كباية شاي بكون كويس....". كان شيخ كوال كمن قد حدث له جفاف من شدة التوتر وشد الأعصاب وتداخل الأحاسيس من الإستماع لمحمد وردي. لقد عبر شيخ كوال النهر وإتجه جنوباًفي حين توجهت روح وردي صوب السماء لملاقاة ربه.. لقد إنفصلا: كلٍ ذهب إلى سبيله .. وأضحى السودان بلا كوال .. وبلا وردي.
(6)
لم يكن وردي فناناً عادياً بل كان مثقفاً منتمياً لقضايا وطنه ومهموماً بها وعلى الرغم من إنطلاقه من منصة إنتمائه لليسار السوداني (الحزب الشيوعي) نحو الإبداع المؤدلج، لكن ذلك لم يمنعه من التعبير في غنائه عن الإنتماء الأكبر للوطن، منفعلاً بكل قضاياه وهمومه. فغني لثورة أكتوبر الشعبية التي أطاحت بنظام الفريق إبراهيم عبود العسكري 1958 1964 ، وهي ما عرفت في الأدب السوداني بالأكتوبريات، وغني أيضاً لثورة الشعب السوداني في أبريل 1985 أروع الأناشيد والتي ظلت وستظل خالدة في ذاكرة التاريخ السوداني:
فعندما قامت ثورة أكتوبر غني:
أصبح الصبح لا السجن ولا السجان باق
وإذا الفجر جناحان يرفان عليك
وإذا الحزن الذي كحّل هاتيك المآقي
إلتقي جيل البطولات بجيل التضحيات
إلتقي كل شهيد قهر الظلم ومات
بشهيد لم يظل يبذر في الأرض بذور الذكريات
وأبداً ماهنت يا سوداننا يوماً عليناً.
......
وأيضاً غني أكتوبر الأخضر:
أسمك الظافر ينمو في ضمير الشعب إيماناً وبشرى
وعلى الغابة والصحراء يلتف وشاحاً .. وبأيدينا توهجت ضياءاً وصباحاً
وتسلحنا بأكتوبر لن نرجع شبرا..
سندق الصخر حتى يخرج الصخر لنا زرعاً وخضرا
ونرود المجد حتى يكتب الدهر لنا إسماً وذكرى.
...
وبسقوط نظام مايو غني:
بلا وإنجلي .. إنهد كتف المقصلة
.....
يا شعباً لهبك ثوريتك .. تلقي مرادك والفي نيتك
وعمق أحساسك بحريتك يبقي ملامح في ذريتك.
.......
(7)
غني وردي أروع أشعار أسماعيل حسن العاطفية، وقد لا يسع المكان لذكرها لكن هناك أغاني ظلت خالدة:
1. أغنية (الود) والتي مثلت قطعة فنية موسيقية نادرة المثال قام بتوزيعها بالقاهرة الموسيقار اليوناني أندرية رايدر.
2. أغنية الحبيب العائد.
3. حبيب القلب يا أغلي الحبابيب
4. مرحباً ياشوق
إن الفن هو إبداع إنساني .. ثقافة إنسانية تعبيرية ذاتية وهو لغة التعبير عن الذات الجوهرية.. هو موهبة الإبداع .. فهو بقدر ما أنه إبداع وحدس، فهو ايضاً خبرة ودراية.. لقد كان وردي فناناً بمعنى الكلمة، غني للحب وللعاطفة وللوطن حتى بلغت أغنياته الثلاثمئة، ومن كثرة ما غني للشعراء السودانيين حتى يمكن وصفه بأنه غني دواوين من الشعر السوداني.
لحّن وردي وغني لفطاحل الشعراء السودانيين من أمثال الفيتوري وصلاح أحمد إبراهيم والتيجاني سعيد وإسماعيل حسن ومحجوب شريف ومحمد المكي إبراهيم وإسحاق الحلنقي، محمد علي أبو قطاطي وعمر الطيب الدوش وآخرين.
نماذج من الأغاني والشعراء الذين غني لهم الراحل وردي:
1. اسماعيل حسن (بعد إيه، المستحيل، خاف من الله، لو بهمسة، الرّيلة، وغيرها).
2. محمد عثمان كجراي (مافي داعي).
3. الجيلي عبدالمنعم عباس (مرحباً يا شوق، الهوى الأول).
4. صاوي عبدالكافي (أمير الحسن، حبيب القلب يا أغلى الحبايب).
5. صديق مدثر (الحبيب العائد).
6. أبو آمنة حامد (فرحة. بنحب من بلدنا).
7. محمد الفيتوري (أصبح الصبح وغيرها).
8. محمد المكي ابراهيم (أكتوبر الأخضر. إنني أؤمن بالشعب حبيبي وأبي، وغيرها).
9. مرسى صالح سراج (يقظة شعب).
10. إسحق الحلنقي (عصافيرالخريف، ياراجياني، أقابلك في زمن ماشي، وغيرها).
11. السِّر دوليب (هدية).
12. محمد على أبوقطاطي (المرسال، سوات العاصفة).
13. التجاني سعيد (من غير ميعاد، قلت أرحل).
14. عمر الطيب الدوش (الودّ، بناديها، وغيرها).
15. الجيلي محمد صالح (الحِبيِّب).
16. صلاح أحمد إبراهيم (الطير المهاجر، يا ثوار اكتوبر).
17. عبدالواحد عبدالله (اليوم نرفع راية استقلالنا).
18. محجوب شريف (أحبك أنا مجنونك، بلا وإنجلا وغيرها).
19. على عبدالقيوم (بسيماتك تخلِّي الدنيا شمسية).
20. محمد يوسف موسى (عذبني).
(8)
وردي والمرض:
أصيب الفنان وردي بالفشل الكلوي والذي استمر معه لسنوات قبل أن ينجح في الحصول على كلية من أحد معجبيه بعدما تبرع بها لإنقاذ فنان السودان الأول كما قال وقتها، لتنجح زراعة الكلية الجديدة في قطر ويعود بعدها إلي البلاد ويواصل عطاءه من جديد. وقد كان وردي في آخريات أيامه وقبل رحليه يغني جالساً في تحدي للمرض إلى أن توفي في 18 فبراير 2012 عن عمر قارب الثمانين.
وتقديراً لدروه وإسهامه في حياة السودانيين طوال نصف قرن من الإبداع الفني الذي شكل وجدان السودانيين وتاريخهم منحته جامعة الخرطوم درجة الدكتوراه الفخرية عام 2005 تقديرا لهذا العطاء المميز. ألا رحم الله الفنان الموسيقار محمد وردي واسكنه فسيج جنانه بقدرما قدم للسودان ولأفريقيا وللإنسانية.
نقلا عن صحيفة إرتريا الحديثة (اسمرا)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.