كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أبكر محمد أبو البشر:اسقاط نظام المؤتمر الوطني واجب وطني


الثلاثاء‏، 13‏ سبتمبر/أيلول‏ 2011م.
كنت قد بدأت في كتابة مقالة عن عدم جدوى الحوار مع أهل المؤتمر الوطني. وضعت في الإعتبار التجربة التاريخية الحديثة لهؤلاء منذ الانقلاب المشئوم في العام 1989م إلى يومنا هذا، وهجوم المليشيات الحكومية قبل أسبوع لمدينة الدمازين حاضرة النيل الأزرق. يحدث هذا ونيران الحرب التي أشعلها النظام في جنوب كردفان قبل شهرين ومن قبلها في دارفور قبل ثمانية سنوات لم تخمد بعد، بل إزدادت اشتعالاً. الشاهد في الأمر أن هذا التاريخ حافل بتصعيد الحروبات في كل ربوع السودان. سماها النظام نفسه في بعض المناطق بالجهادية. في الواقع هم يفعلون هذا لإشغال الناس بالخلل الأمني، وهذا يجعلهم يعتقدون أنهم سيستمرون في حكم البلاد للأبد. بالطبع تناسوا المثل القائل "لو دامت لغيره لما آلت إليه". هذه الحروبات خلفت إبادات جماعية في كثير من مناطق السودان. في موضع آخر يشهد لنا هذا التاريخ ممارسة أهل الإنقاذ لنقض العهود والمواثيق، مما قاد البلاد إلى التجزئة. إذن لا يفيد التعامل الحضاري – الحوار - مع هذا النظام. بدلاً عنها، يمكن الاستجابة لنداء قيادته العليا (البشير – نافع) بحمل السلاح لاسقاطه، إن أردنا الإصلاح للوطن الجريح. في هذا الاتجاه قرأت مقال الأخ الحاج وراق بعنوان "أفكار واقتراحات حول قضايا اسقاط النظام" المنشور في موقع سودانايل بتاريخ 8/9/2011م. ومن ثمّ عدلت موقفي وقررت أن أساهم مع الآخرين في مخاطبة أهل السودان، ونداءهم لتوحيد الجهود المعارضة للنظام، من أجل الهدف الوطني النبيل، وهو اسقاط هذا النظام وإقامة دولة المواطنة الحقة.
في البدية نثمن على جهد الأخ وراق واقتراحه الجيد بأن يكون مقاله هذا بمثابة فتح باب للحوار الوطني، لنصل جميعاً إلى صيغة توفيقية للخلاص من هذا النظام، هنا أود أن أذكر الجميع، بأن هناك عدد كبير من السودانيين قد سبقوه بالكتابة، في طرح مثل هذه الأفكار الوطنية والدعوة لاسقاط النظام بأية وسيلة ممكنة، لأنهم توصلوا إلى قناعة مفادها أن استمرارية النظام الحالي يعني هلاك البلاد بأكملها. يمكن أن أذكر هنا بعض من أسماء الكتاب الذين ساهموا بآرائهم، في هذا المشروع الوطني. "مسودة وثيقة تضامن التغيير الديمقراطي" 26/11/2007م، مبارك عبد الرحمن أحمد "ورقة عن مشكلة الهوية في شمال السودان" 8/12/2009م، د. حيدر إبراهيم علي "السودان والبحث عن بديل" 7/9/2010م، "الجبهة الشعبية للتغيير" 19/9/2010م، سالم أحمد سالم "المرتكزات الأساسية للدستور" 31/12/2010م، عثمان إدريس أبو راس "البحث في الهوية - جسر للوحدة أم منزلق للتفتيت" 23/2/2011م، د. صدقي كبلو "أفكار حول السمات الأساسية للدستور الديمقراطي" 3/3/2011م، أبكر محمد أبو البشر "السودان إلى أين؟" 10/5/2011م، عبد الجبار محمود دوسة "أمّة السودان التي وُلِدت" 7/7/2011م، الصادق عبيد "إعادة صياغة للوجدان الوطني" 12/8/2011م، د. الشفيع خضر سعيد "جبهة واسعة لإنقاذ الوطن" 30/8/2011م. هذه بعض الكتابات التي حاولت بروح صادقة علاج بعض النقاط الخلافية، التي تعتري استدامة السلام في السودان، بعدما يأتي سقوط نظام المؤتمر الوطني.
بما أن مشكلة السودان قد أصبحت واضحة والحلول أكثر وضوحاً. وشعوراً منهم بعمق الأزمة السياسية في السودان، تمت مناقشات واسعة بين عدد من السودانيين في الخارج وداخل البلاد، خلال العامين الماضيين تمخض عنها قيام جبهة وطنية معارضة، هدفها الاستراتيجي إعادة تشكيل الدولة السودانية برمتها عن طريق اسقاط النظام الحالي، بكل الطرق والوسائل الممكنة والمتاحة، هذه الجبهة هي "الجبهة السودانية للتغيير".
يجدر بنا أن نذكر هنا، أن قيام هذه الجبهة كان في أكتوبر من العام الماضي، في لندن ببريطانيا بإسم "الجبهة الوطنية العريضة". وعندما اختلف عدد من المؤسسين فاق عددهم نصف أعضاء هيئة القيادة مع رئيس الجبهة آنذاك الأستاذ/علي محمود حسنين حول مقررات المؤتمر، من ضمنها فقرات وضعت أسس متينة لحلول الأزمة السودانية مثل فصل الدين والعرق عن السياسة. على ضوء هذا الخلاف الجوهري قرر المؤمنون بمقرارت المؤتمر إقامة مؤتمر استثنائي في القاهرة في شهر إبريل الماضي. بموجبه تم إعادة تشكيل الجبهة بمنهج حضاري ووطني. ليس فقط في تشكيل قيادتها القومية بل في أهدافها الاستراتيجية، التي تشمل حل القضية السودانية مرة واحدة وإلى الأبد.
لهذا نحن الآن في "الجبهة السودانية للتغيير"، في المرحلة العملية لاسقاط النظام، بالرغم من ذلك نثمن على جهد الذين ذكرتهم آنفاً. ليس فقط لأن ذلك يساعدنا في الاسراع لاسقاط النظام، بل لأنه يساهم في المزيد من التوضيحات في أمر ومعضلات السودانيين. لذا تجد في أدبياتنا أن " إسقاط هذا النظام الفاسد ليس هو غاية في حد ذاتها بل وسيلة لتحقيق الغاية الأسمى، ألا وهي بناء المجتمع الديمقراطي الحر الكريم وتأمينه بميثاق تمهره الجماهير (الدستور)، وليس ميثاقا فوقياً يسهل الإنقضاض عليه من المغامرين وطلاب السلطة". هذه الوثيقة – أي الدستور القومي – تخاطب وتعالج في الأساس قضايا الهوية، والدين، والسياسة، والديمقراطية، ونظام الحكم، والعدالة الاجتماعية، والإعتراف بواقع السودان التعددي، والحريات الأساسية للإنسان، وطريقة إدارة الاقتصاد الوطني.
أضف إلى ذلك، تجد أن من ضمن أدبيات الجبهة ما يلي: "هذه مسؤولية تاريخية جسيمة ومعقدة. تقع علي عاتق القوى الخيرة والديمقراطية بمختلف أعراقها، وسحناتها، ودياناتها، وتعدد ألسنتها، وثقافاتها، وروافدها الفكرية، والتي عليها أن تستعيد وتستلهم تاريخ شعبنا النضالي وإرثه الديمقراطي، وتستنهض طاقات شبابنا التي تعج بالحياة، وتتفجر بين جوانحها ينابيع العطاء اللامحدود". وبما أن الأخ وراق وحسب رؤيته قد ذكر من ضمن أسباب اسقاط النظام " سيؤدي استمرار نظام الإنقاذ الى مزيد من تمزيق البلاد". إلا أننا نضيف مزيداً من الأسباب – وهي كثر - أن استمرار النظام في السلطة سيؤدي إلى إبادة الشعب السوداني بأكمله، خاصة عندما نعلم أن من ضمن وسائل الإبادة الجماعية هي القصف بالطائرات (دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق) وصناعة المجاعات وتهيئة المناخ للأوبئة الفتاكة في بقية أنحاء السودان. إضافة إلى ذلك، أن من حق السودانيين أن يشكلوا دولتهم بالطريقة التي يرونها مناسبة للعيش الكريم فيها وفي أمن وسلام.
ذكرت سابقاً أن الهدف الاستراتيجي "للجبهة السودانية للتغيير" هو إعادة تشكيل الدولة السودانية بإجماع أهلها. وهنا نعني بأن على السودانيين أن يقرروا حول مسألة أساسية تتمحور في سؤالين، أولهما: هل يريدون أن يعيشوا في البقعة الجغرافية الحالية بسلام دائم؟ فإذا كانت الإجابة بنعم! يكون السؤال الذي يليه، كيف يتم ذلك؟ نحن في الجبهة نؤمن قاطعاً بأنه لا بد من حل كل المسائل الدستورية الخلافية باجماع أهل السودان. وهي المسائل المضمنة في السؤال "كيف يتم ذلك؟". ردنا أنه يتم عن طريق إبعاد كل ما يفرق بيننا في منهجية إدارة شئون الدولة مثل الدين. – كسودانيين لنا أديان مختلفة لذا يجب عدم إقحام الدين في العمل السياسي. لنا أصول عرقية مختلفة وبالتالي تجب إبعاد العرقية والقبلية من العمل السياسي. بما إننا رجال ونساء، هذا يتطلب بالضرورة إبعاد عامل الجنس من العمل السياسي، وعدم التفرقة بسبب "الجندر" الجنس.
من هذا المنطلق نصل إلى قاعدة دستورية لوصف المواطنة التي تستند إلى عدم تفرقة الناس على أساس الدين أو العرق أو اللون أو الجنس أو الانتماء الثقافي أو السياسي أو الجهوي. وبالتالي عندما يجتمع السودانيون على أسس التمثيل الإقليمي، وليس الحزبي فإنهم بالتأكيد سوف يصلون إلى تفاهم عام في إبعاد كل المسائل الدستورية الخلافية – وهذا ما نعنيه بالمؤتمر الدستوري القومي. إذ أن الأحزاب السياسية والنظم العسكرية التي تعاقبت على حكم البلاد منذ العام 1956م، قد فشلت تماماً في وضع دستور دائم للبلاد برضاء أهله. لهذا نحن مع طرح آراء الأخوين سالم أحمد سالم ود.صدقي كبلو، فيما ذهبا إليه وهو نقاش حول مرتكزات الدستور الدائم للبلاد قبل أن نتحدث عن الديمقراطية. لأن في ذاكرتنا تجربة طرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان في فترة الديمقراطية الثانية في ستينات القرن الماضي. لتبقى الأسئلة الموضوعية، مثل هل هذه هي الديمقراطية التي نطالب بها بعد إسقاط النظام؟ وهل هذه هي الحريات الأساسية التي ننادي بها؟ بل الأهم من ذلك، ما فائدة الديمقراطية أو الحرية التي لا تستند إلى دستور دائم يرضاه كل أهل البلد؟
نحن في "الجبهة السودانية للتغيير" نتحدث وننادي بقيام مؤتمر دستوري قومي. بعد إسقاط هذا النظام نقرر جميعاً كسودانيين في أمر السؤال "كيف نعيش بسلام في هذه البقعة الجغرافية المسماة بالسودان؟" هنا أذكر الناس ما قاله الأخ سالم أحمد سالم " لا يحق لأي حكومة في الدنيا أن تضع بمفردها دستوراً أو تعدّله بمفردها، حتى لو كانت حكومة منتخبة ديموقراطياً بواسطة الشعب وبرضاه ناهيك عن حكومتكم هذه". بالرغم من أن حلول الأزمة السودانية قد أصبحت واضحة إلا أن الضرورة تقتضي مواصلة النقاش، في بعض القضايا أثناء فترة النضال الذي يؤدي إلى اسقاط النظام. يكون ذلك في حوار هادئ، ومن ضمن هذه القضايا يجب أن تشمل نوعية الدستور القومي الدائم، وآلية تنفيذ الدستور، والتوفيق في تفسير بعض المصطلحات السياسية، كالعلمانية والسيادة والدولة وحقوق المواطنة. لنصل جميعاً إلى صيغ توفيقية نتفق حولها.
في عهد النظام العالمي الجديد، أصبحت السيادة ملك للدولة كلها – أي للشعب + الحكومة + المعارضة + الأقاليم – ففي سابقة تاريخية، نجد اليوم أن رئيس الحكومة السودانية – وهو ما زال في كرسي الحكم - مطلوب لدى القضاء الدولي، لإرتكابه جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وإبادة جماعية، وتطهير عرقي في شعب يشكل أصلاً الركيزة الأساسية للدولة التي يحكمها. هذا يعني، ان النظام العالمي الجديد لن يعفي من المحاسبة والمحاكمة أي إنسان مهما كان موقعه الدستوري إذا إرتكب مثل هذه الجرائم. لذلك يجب أن نضع في الإعتبار عندما يحين وقت وضع الدستور رأي الأخ د. صدقي كبلو، والذي مفاده " ينبغي إن ينص الدستور الديمقراطي على مبدأ السيادة للشعب، فمثلا يكون النص الدستوري في هذه الحالة - السودان جمهورية ديمقراطية السيادة فيها للشعب".
فشلت كل الأنظمة التي تعاقبت على حكم البلاد منذ الاستقلال، في وضع دستور قومي دائم. أضف إلى القناعة الراسخة بأن وضع الدساتير الدائمة ليست من حق الحكومات لوحدها. إذاّ تبقى في قناعتنا الآلية المثلى لوضع الدستور، هي إقامة مؤتمر مائدة مستديرة، يجمع كل أهل السودان. يمثلون أقاليمهم المختلفة، يقررون فيه المبادئ الأساسية لنوعية الدولة التي يريدونها، دون أن تفرضها عليهم أية جهة خارجية ثم، يأتي بعد ذلك الخبراء الدستوريون، ليصيغوا تلك الإتفاقية في قالب دستوري. وهذا هو بالفعل ممارسة حق تقرير المصير. ففي اللغة " تقرير المصير يعني الإختيار الحر لأفعال المرء دون إكراه خارجي. أما في السياسة فيفسره البعض على أنه حرية شعب إقليم ما أو تجمع مجموعة وطنية ما في تحديد وضعها السياسي والكيفية التي ستحكم بها من دون اي تأثير من أي بلد آخر."
في الفقه الدستوري يُفسر تقرير المصير، بأنه الحق الأساسي لجميع الناس في أن تقرر بحرية تامة وضعها الخاص، وأن تسعى بحرية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذاتية. الجدير بالذكر أن مفهوم تقرير المصير قد تجسد أولاً في إعلان الاستقلال الأمريكي في العام 1776م ثم في الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان في العام 1789م. إذاً لا شك أن تقرير المصير هو إرادة الشعوب العليا، في وضع أبجديات وأسس مسيرة حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. بالطبع لا خلاف في أن الطريقة التي تمت بها تشكيل الدولة السودانية الحالية، كانت من دون إرادة الشعوب القاطنة داخل حدود هذا البلد. لهذا يصبح من الضروري أن تحدد هذه الشعوب بنفسها كيفية صناعة مستقبلها، بمحض إرادتها دون إكراه خارجي. لهذا ترى "الجبهة السودانية للتغيير" أن ممارسة حق تقرير المصير تعني إقامة مؤتمر مائدة مستديرة بالمنهجية المذكورة آنفاً ليضمن لنا وحدة الجزء الباقي من البلاد، بل تشجيع الجزء الجنوبي لإعادة توحيد القطر بأكمله.
من القضايا المهمة والتي تحتاج إلى نقاش هادئ ومستفيض، هي مسألة معنى إصطلاح العلمانية. وهذا شيئ أساسي في حل الأزمة السودانية. إبتداءً، الجميع متفقون على أن السودان بلد متعدد الأعراق، والديانات، والثقافات، واللغات. هذا واقع لا يمكن إلغاءه أو تجاهله. لذا نجد أن كل التنظيمات السياسية والاجتماعية – بالأخص في الآونة الأخيرة – تنادي بعدم تفرقة الناس على أساس الدين أو العرق أو الجنس أو اللون أو الإقليم أو القبيلة أو الخلفية الثقافية. وهذا في حقيقة الأمر، يعني فصل هذه الأمور من ممارسة العمل السياسي. إذاً ما الذي يمنع استخدام كلمة العلمانية ليعني فصل السياسة عن الدين والعرق واللون والإقليم والقبيلة والثقافة؟ العَلمانية أي Secularism‏ تعني، اصطلاحاً " فصل الدين والمعتقدات الدينية عن السياسة. وقد تعني عدم قيام الحكومة أو الدولة بإجبار أي أحد على اعتناق وتبني معتقد أو دين أو تقليد معين لأسباب ذاتية غير موضوعية." لذا من الناحية السياسية، العلمانية هي التحرك في اتجاه الفصل بين الدين والحكومة. وهو ما يسمى في كثير من الأحيان في الدول الغربية بالفصل بين الكنيسة والدولة.
هذا المفهوم لمعنى العلمانية، قاد الكثيرين في أمريكا بأن يقولوا أن الدولة العلمانية قد ساعدت إلى حد كبير في حماية الدين من التدخل الحكومي. إذا كان هذا هو الحال في أمريكا، فالأمر مطلوب في السودان لوقف مزيد من الناس الذين بدأوا في التخلي عن ممارسة شعائرهم الدينية، كرد فعل لممارسات الحكومة الحالية. في الواقع العملي مع إضافة الطبيعة البشرية التي تؤمن بإلهٍ وبروح وبعالم أخروي أو مغير خفي – أنظر إلى عدد معتنقي الديانات في العالم كاليهودية والمسيحية والإسلامية والبوذية والسيخ والكجور، وأخر كثر لا نعلمها. نجد أن الدول التي تنص صراحة بالعلمانية في دساتيرها لا تلتزم بفصل الدين عن الدولة. ففي فرنسا جدول العطل الرسمية مقتبس في أغلبه من الأعياد الكاثوليكية. أما في الهند، وهي أيضاً دولة علمانية، تقدم الدولة سنوياً إعانات للحجاج المسلمين وصلت في عام 2007م إلى 47454 روبية هندية عن كل حاج هندي. إذاً يبقي الدين في حاله حتى إذا تغيرت الحكومات. بمعنى آخر فإن العلمانية تشير إلى الرأي والذي مفاده أن الأنشطة البشرية والقرارات ولا سيما السياسية منها، ينبغي أن تتجرد من التأثير الديني.
في موقع آخر كتب الفيلسوف الانكليزي جون لوك في موضوع العلمانية إذ قال "من أجل الوصول إلى دين صحيح، ينبغي على الدولة أن تتسامح مع جميع أشكال الاعتقاد دينيًا أو فكريًا أو اجتماعيًا، ويجب أن تنشغل في الإدارة العملية وحكم المجتمع فقط، لا أن تنهك نفسها في فرض هذا الاعتقاد ومنع ذلك التصرف. يجب أن تكون الدولة منفصلة عن الكنيسة، وألا تتدخل أي منهما في شؤون الآخر. هكذا يكون العصر هو عصر العقل، ولأول مرة في التاريخ البشري سيكون الناس أحرارًا، وبالتالي قادرين على إدراك الحقيقة". لكن أول من ابتدع مصطلح العلمانية هو الكاتب البريطاني جورج هوليوك عام 1851م، وتخيله بنظام اجتماعي منفصل عن الدين غير أنه لا يقف ضده "لا يمكن أن تفهم العلمانية بأنها ضد المسيحية هي فقط مستقلة عنها؛ ولا تقوم بفرض مبادئها وقيودها على من لا يود أن يلتزم بها. المعرفة العلمانية تهتم بهذه الحياة، وتسعى للتطور والرفاه في هذه الحياة، وتختبر نتائجها في هذه الحياة".
بناءً عليه، يمكن القول أن العلمانية ليست أيديولوجيا، أو عقيدة بقدر ما هي طريقة للحكم، ترفض وضع الدين أو سواه كمرجع رئيسي للحياة السياسية والقانونية. لذلك تتجه إلى الإهتمام بالأمور الحياتية للبشر بدلاً من الأمور الأخروية، أي الأمور المادية الملموسة بدلاً من الأمور الغيبية. وبناءً على التوضيحات أعلاه تنادي "الجبهة السودانية للتغيير" " بعدم استغلال الدين، والعرق في السياسة. وذلك باحترام كافة الأديان والمحافظة علي قدسيتها، والنأي بها عن الصراع السياسي، الذي يفرق بين أصحاب الديانة الواحدة، كما ينأ بالسياسة من أن تصبح صراعاً دينياً بإعتبار أن السياسة نشاط إنساني يقبل الخطاء والصواب. ويتسم بالصراع والمحاسبة. كما تنادي أيضاً بفصل الطائفية عن الحزب."
منذ الاستقلال تم وصف السودان بواسطة النخب الحاكمة بأنه بلد عربي/مسلم. هذا وصف كاذب لهوية السودانيين. إذ أنه ضرب بعرض الحائط بكل التنوع الديني والعرقي والثقافي الغزير داخل الوطن الواحد. وبالتالي فشلت النخب الحاكمة من أن تؤطر لمناخ ملائم يفضي إلى خلق أمة واحدة من تنوع هذه الشعوب. لهذا يصبح نقاش هذه المسألة بأسلوب عقلاني وموضوعي أمر في غاية الأهمية، للوصول إلى تعريف الهوية السودانية. التي يجب أن تستند على أسس المواطنة، أي السودانوية دون سواها من أي معايير أخرى إثنية كانت أم دينية أو جهوية أو ثقافية.
مفهوم السودانوية التي تستند إلى الجغرافيا – بلد السودان - سوف يروج للقيم المدنية. حيث أن المواطنة هي العامل الوحيد الذي يقرر الحقوق والواجبات لكل الشعوب التي تعيش ضمن حدود السودان الجغرافية. هذه هي الثوابت التي تنادي بها "الجبهة السودانية للتغيير".
في هذا المنحى نجد كثيراً من الوطنيين يشاركوننا هذا الرأئ. مثلاً الأخ عثمان إدريس أبو راس، إذ يقول أن " مصطلح سوداني يعني الانتماء الي جنسية قانونية لكيان سياسي موحد يتساوي فيه المواطنون مساواة مطلقة وتتفاعل فيه نحو صياغة أكثر تبلوراْ للعلاقة القومية الجامعة"، ويواصل في القول " لقد كانت واحدة من أهم تحديات ما بعد الاستقلال تتمثل في التوافق على دستور دائم مستوعب لواقع الوحدة والتنوع. دستور ديمقراطي قائم على المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات دون تمييز على أساس العنصر أو الدين أو الإقليم مستوعباً لمعادلة الوحدة والتنوع. ... وألا يكون الانتماء الديني معياراً للتمييز بين المواطنين في الحقوق والواجبات. ... ثم إن أطروحة الدولة الدينية هي محل اختلاف بين اجتهادات المسلمين ولم يجمعوا عليها، وليس هناك ما يسند هذه الاطروحة في الكتاب أو السنة المؤكدة".
في الختام، نؤكد للجميع بأننا في "الجبهة السودانية للتغيير" سوف نناضل من أجل خلق سودان ديمقراطي موحد وحيوي، حيث المواطنة فيه هي القاعدة الوحيدة لنيل الحقوقِ وأداء الواجبات. لذا نوجه دعوتنا هذه لكل من يؤمن بمبادئ دولة المواطنة، لكي نوحد الجهود، ليس فقط لاسقاط النظام بل لإقامة دولة المواطنة. وفي هذا نرى أن خارطة الطريق للسلام المستدام في السودان تتمثل في (أ) توحيد جهود المعارضة، (ب) إسقاط النظام الحاكم، (ج) تكوين حكومة قومية لمهمة محدودة ولزمن محدد، (د) إقامة مؤتمر دستوري جامع – مائدة مستديرة، (ه) وضع دستور دائم للبلاد والإستفتاء عليه، (و) إجراء إنتخابات تشريعية عامة، (ز) تسليم السلطة للقوة السياسية المنتخبة إنتخاباً حراً ونزيهاً.
أبكر محمد أبو البشر
[email protected]
مسئول العلاقات الخارجية – الجبهة السودانية للتغيير
مانشستر، المملكة المتحدة
‏الثلاثاء‏، 13‏ سبتمير/أيلول‏، 2011م.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.