الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    البرهان يفاجئ الجميع بشأن استقالة    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    منع مشاركة أي وزير في أعمال أي لجان أو مجالس أو كيانات خارج نطاق الحكومة إلا بإذن من رئيس الوزراء    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    مجلس السيادة ينعى للشعب السوداني وفاة 21 شخصا من منطقتي ديم القراي وطيبة الخواض    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"طَقتْ طلَعتْ....طَقتْ طَلعتْ !" .. بقلم: مجدي إبراهيم محجوب/قاضٍ سابق
نشر في سودانيل يوم 07 - 07 - 2017


" طَقتْ طلَعتْ....طَقتْ طَلعتْ ! "
كان ذلك في أو حوالي الربع الثالث من العام 1988 ؛ وفجاءة ، وبدون أية مقدمات أو إرهصات أو إشارات أو تنبيهات بحدوث أمرٍ جلل ، وقبل نهاية يوم عمل قضائي مضنٍ وشاق بمحكمة القاضي المقيم بمدينة الأُبيض ، والذي إنقضى جُله في تصريف إجراءات قانونية لمحاكم كبرى فإذا بي أسمعُ همساً يدور بين أفراد شرطة قاعة المحكمة بأنَ .. " طقت طلعت..طقت طلعت ! ". لم أنتبه كثيراً لهذه العبارات أو معناها بأن طقت قد طلعت ، وواصلت عملي منكباً على ألأوراق و المستندات التي أمامي ، ولكن الهمس الذي كان يدور تحول إلى أصواتٍ عالية، ومن ثم إلى صراخ ، وحالة من التحفز بين أفراد شرطة المحكمة وجمهرة المتاقضين خارج المحكمة ، وعندما رفعت رأسي للإستفسار عما يدور حولنا كان السيد/ قاضي مديرية شمال كردفان يقف أمامي مباشرة ، وبشحمه وعظمه ولحمه وطوله الفارع ، ووجه حديثة لي مباشرةً وبلهجة آمره : طقت طلعت..طقت طلعت..تحرك الآن والشرطة في إنتظارك بالخارج..والله يكون في عونك.. جميع القضاة إعتذروا فقد إستشعروا حرجا لأنهم من مدينة الأُبيض..عليك أن تذهب الآن مع الشرطة لتفرقة المظاهرات .. تحرك الآن ..وأترك أي إجراءات أمامك.. !" ؛ ثم إنسرب مهرولاً خارج قاعة المحكمة ، وخرجت أيضا مهرولاً خلفه ، وهرول خلفنا رجال شرطة المحكمة وشرطة البلاغات وشرطة الحراسات وبعض جنود سجن مدينة الأبيض وجمهرة المتاقضين ، وعند نهاية الممر المؤدي للبوابة الخارجية لمجمع محاكم الأُبيض شاهدت القمندان عميد الشرطة ومدير شرطة مدينة الأبيض يقف عند البوابة ، وما أن وصلناه حتى ردد لنا العبارة الغريبة لهذا اليوم الغريب ، وبصوتٍ كالصاعقة ..." طقت طلعت..طقت طلعت..!".
لم أتردد ، وأصلاً لم أفكر بأن ذلك كان أول خطأ فني ، وشكلي ، أرتكبته في ذلك اليوم حيث أسرعت وركبت مع السيد مدير شرطة مدينة الأبيض في عربته البوكس تويوتا موديل 88، وبجواره ، وكان ثالثنا السائق ؛ ذلك لأن قوانين ذلك الزمان كانت تنص صراحة ًعلى إلزامية إشراف القاضي المختص على تفرقة المظاهرات والتجمعات غير المشروعة ، وأن تعمل الشرطة وفقا لتعلميات القاضي المختص في كيفية وآليات إستخدام أدوات تفرقة المظاهرات إبتداءً من إستخدام الهراوات إلى الغازالمُسيل للدموع ثم أخيراً إستخدام الأسلحة غير النارية وأخيراً النارية ، وبطريقة سلمية ، وبحيث لا تحدث خسائر في الأرواح أو تدمير للممتلكات العامة والخاصة ؛ إذ انه في مثل هكذا حالة كان ينبغي أن أستقل عربة المحكمة ، وذلك كمظر شكلي من مظاهر إستقلالية وحيادية القاضي المختص بتفرقة المظاهرات ، والهدف معلوم.
كانت تلك أول مرة أُكلف فيها بالخروج مع رجال الشرطة للإشراف على تفرقة مظاهرات وتجمعات غير مشروعة تُهدد السلم والأمن والطمأنينة العامة ، ولم تكن سنوات خبراتي في العمل القضائي قد تجاوزت الستُ سنوات وكنت قد أنفقت معظمها في العمل بالمحاكم المدنية. وهكذا وجدت نفسي محشوراً بين القمندان والسائق ، وخلفنا يقف رتل من سيارات وكوامر الشرطة ، وكانت حوالي السبعُ أو ثماني سيارات كبيرة ، وبها المئات من رجال الشرطة بكامل عدتهم وعتادهم وسلاحهم ، وقبل أن يتحرك الموكب بادرت القمندان بسؤالٍ بدأ متأخراً بعض الشيء :
- مالذي حدث بالضبط...تحديداً ؟
فرد بصوت متهدج وبكلمات سريعه ، وأنفاسٍ لاهثة :
- مدرسة طقت الثانوية طلعت ..وحاكم الإقليم أصدر قراراً بإغلاق مدرسة طقت فوراً..وترحيل جميع طلاب المدرسة فوراً إلى مُدنهم وقراهم الليلة..الليلة دي لازم كل الطلاب يكونوا عند أهلهم. وماهى علاقة حاكم الإقليم بمدرسة طقت الثانوية ؟..كان هذا هو سؤالي الثاني ، وكأنه كان يتوقعه ، فأجاب :
- الحاكم قال ده مخطط من الجبهة القومية الإسلامية لإثارة الفوضى و المظاهرات والإضطربات وخلق حالة من البلبلة وعدم الإستقرار في البلد عشان يقلبوا الحكومة !
إخترق موكبنا الرهيب ذاك عروس الرمال منطلقاً من أمام مقر مجمع المحاكم حيثُ مقر محكمة القاضي المقيم بالأبيض ومحكمة مديرية شمال كردفان ومحكمة إستئناف كردفان ، وعبوراً بسوق الأُبيض الكبير ثم متجاوزاً بسرعة أحياء السوق الكبير، سوق أبوجهل الصغير والحي المحيط به ، مستشفى الأُبيض ، حي الموظفين ، حي السكة حديد ، مسرح كردفان،حي أمير ، حي كريمة ، وحي طيبة الذي بدأ تشييده حديثا في أقصى شرق المدينة ولم أشاهد أية مظهر لمظاهراتٍ أو تجمعات ، وأجواء المدينة هادئة ووديعة كما نعهدها في كل يوم فكان لابد لي من أن أسال القمندان السؤال المنطقي التالي :
- أين هي المظاهرات ؟ ألم تقُل بأن طقت طلعت..فأين هي المظاهرات..طقت طلعت ..هل شاهدت مظاهرة ما؟؟ وكان رده محبطا لي :
- لعلهم الآن في الطريق من المدرسة إلى المدينة !
تجاوز موكب سيارات الشرطة مدينة الأبيض منطلقا نحو مدرسة خور طقت الثانوية العليا للبنين، في الشمال الشرقي للمدينة ، وتبلغ المسافة ما بين المدينة والمدرسة حوالي العشرة كيلومترات ، وسط هدوء وسكون يلف السهل الأخضر المنبسط ، وتُشاهد فيه أشجار التبلدي الضخمة الشامخة والهشاب المخضرة متناثرة في فوضى بديعة ؛ أين هي المظاهرات ؟ كان هذا سؤالي وألقى القمندان بقنبلةٍ ، وبمكر ، وبإبتسامة أكثر مُكراً :
- ما هو الحاكم قال تتخذوا إجراءات إحترازية.. إحتياطية وكدا .. ومصادرنا أفادت بأن المظاهرات ستخرج من المدرسة.
وهنا أدركتُ تماما بأنني قد وقعتُ ضحيةً لكذبةٍ كبرى فكان ردي سريعاً ، وغاضباً :
- أنا لا يهمني الحاكم ..ولا تهمني مصادركم..ومهمتي هي حماية الأرواح والممتلكات..أعرف هذا جيداً من الآن وصاعداً ! وبلغت الرسالة للقمندان فصمت. وحسناً فعل. وساد صمت رهيب بيننا.
واصل موكبنا المذعور ذلك مسيره نحو قرية "طقت الحلة" ، أو حلة عمر ( قرية صغيرة سميت بإسم العمدة الحاج عمر والد الخبير الإقتصادي الدكتور بشير عمر ) ثم "طقت الدونكي " ، واخيراً لاحت لنا مباني مدرسة خور طقت الثانونية العليا للبنين ، مبانٍ عتيقة ، وعريقة ، مبانٍ بيضاء ، و المساحة الشاسعة التي تحتلها ، نحو أربعة كيلومترات أو يزيد ، مربعة الشكل، ومسورة بأسلاك شائكة تحيط بها من الجهات الأربع ، وكان قد تم تصميمها فيما يبدو لي على شكل شجرة تبلدي ضخمة ، ولعلها كانت أكبر شجرة تبلدية على وجه البسيطة.
وقبل أن نبلغ البوابة الرئيسية للمدرسة ، بحوالي نحو كيلومتر أو يزيد، كانت هنالك أصوات هتافات آتية من ناجية البوابة الرئيسية ، وكانت تُسمع بوضوح ، إلتفت نحو القمندان وقلت له بلهجة صارمة وجادة :
- يا قمندان انت والقوة التي معك ستقفون هنا تحت آخر تبلدية..وممنوع تجاوزها..سوف أنزل و أدخل المدرسة وأقابل المدير لمعرفة مالذي يدور بداخلها..ممنوع الإقتراب من البوابة أو السور..حدك هنا وبس.
فرد بخبثٍ :
- طيب يا مولانا ما أنا برضو مهمتي حمياتك.. كيف تمشي لوحدك. جاء ردي سريعا وبدون تردد : ده أمر.
ولم أنتظره ليُعقب أو يرد ؛ وذهبت وحدي نحو البوابة الرئيسية للمدرسة ، وكلما إقتربت أصبحت الهتافات مسموعة وأكثر وضوحاً..أصوات هتافات وصياح مجموعة من الطلاب المتجمهرين خلف البوابة..هتافات على شاكلة " الدم .. الدم .. لكلاب الأمن" .." مدرسة حرة أو لا مدرسة"...."يا بوليس ماهيتك كم ؟"..الخ.
وقبل بلوغي البوابة بحوالي مائة مترٍ إنهمرت الحجارة ، أمطارٌ من الحجارة ، وصحتُ بأعلى صوتي ، رافعا يدي لأعلى ، وكنت أحمل في يدي اليمنى مجموعة من الأوراق البيضاء التي أخذتها من المحكمة سهواً مع قلم حبرٍ جاف ، وكلها ساعدت في إقناع تجمعات الطلاب أمام البوابة بأن القادم ليس من كلاب الأمن :
- يا أبنائي أنا معكم لحمايتكم ..أنا ما تابع للشرطة..أنا القاضي وقد جئتُ لحمايتكم وحماية المدرسة. وتوقف الرجم بالحجارة عندما صاح زعيمهم :
- خلوهو يدخل ..خلوهو يدخل. شكراً جزيلاً لك يا أيها الزعيم المبجل ، كان هذا ردي.
وعبرت البوابة نحو المدرسة بسلام من خلال تجمعات الطلاب وسالت عن مكتب المدير أو الوكيل ، وتم إرشادي إليه بواسطة طالبين ، وقد رافقاني تماما مثل معتقل ، ولأول مرة أدخل مدرسة خور طقت الثانونية العليا ، وبدون شهادة ، وتطلعت نحو المباني العريقة العتيقة ، ومررنا أمام مسرح ضخم ، ووجدت نفسي أمام صف من المكاتب..مكتب المدير ، الوكيل ، المدرسين ، وكان أمامي مباشرةً مدير المدرسة المهيب ، والمربي الجليل والفاضل الأستاذ/ السني عبدالله معروف ، والذي أشار إلي به الطالبان من قبل ب"دااك حضرة الناظر"، وكان واضعاً يديه فوق بعضمهما ، ثم أشار نحوي بسبابة يده اليمني وقال لي :
- إسمع أنا المدرسة دي ما حا أقفلها يعني ما حا أقفلها..والحاكم بتاع الإقليم يعمل اللي عاوز يعمله.. أنا دا ألسني عبدالله معروف ما حا أقفلها !!
وبعبارته هذه إتضحت لي الصورة تماما ، ولم أكن بحاجةٍ لتوضيح أكثر عما حدث ويحدث وما سيحدث ، ومنحني شجاعة لأقول له بكل وضوح وبصراحةٍ ، وبلا لبسٍ أو غموض ، وبأدبٍ جم :
- يا حضرة الناظر أنا القاضي المُكلف بحمايتكم أنتم والمدرسين والطلاب وحماية ممتلكات هذه المدرسة العريقة ولا علاقة لي بالحاكم أو بالشرطة..وقرارتك دي مسؤول عنها أمام وزارة التربية والتعليم ..ولا علاقة لي بها.
ومرت بضع ثوانٍ كأنها الدهر كله ، وتنفس خلالها حضرة الناظر الصُعداء. وقام بسحب كرسي من خلفه وجلس عليه. ولم يقل لي حتى تفضل. وقمت بسحب كرسيٍ آخر وجلست عليه ، ووجهت كلامي له :
- أنت حرٌ تقفلها تخليها..أنا بحرس هؤلاء الطلاب وممتلكات المدرسة ولن أسمح للشرطة بالدخول للمدرسة ولو إنطبقت السماء مع الأرض.
وساد الصمت بيننا. وبيني وبين نفسي قلت ولوعلى جثتي لن أسمح للشرطة بالدخول ، وذلك بسبب إحساسٍ طاغٍ أنتابني بأن الموضوع منذ بدايته كان كذبا وتدليساً وخداعأ لحاجةٍ ما في نفس يعقوب ، وغيريعقوب.. قال أيه..طقت طلعت..طقت طلعت...هاهي طقت أمامي لم تطلع ولا يحزنون.. نعم كانت هنالك هتافات وتجمعات للطلاب ولكن داخل حرم المدرسة ، والحقُ دائماً يقال ، فلم يتجاوزوا البوابة الرئيسية ، يعني ما في أي طالب طلع ، فليهتفوا كما يشاؤون ولن أتدخل .
ومسحتُ ببصري المباني العتيقة والعريقة والتي تم تصميمها على نسق الطراز الفيكتوري الإنجليزي ..الملاعب الرياضية الفسيحة والمتنوعة .. الداخليات في شكلٍ دائري وباسماء نظار القبائل ..ود أبوسن ..زاكي الدين..ثم ود تكتوك..أبوعنجة..الخ وداخل هذا الشكل الدائري ، وفي وسط الدائرة تماماً ، تقع الفصول الدراسية والمكاتب الإدارية.. الإذاعة..المكتبة..ولم أكتف بالتجول ببصري حول هذه المملكة البابوبة ؛ إذ كنت أقوم بنفسي وأستطلع المباني واللافتات وما هو مكتوب عليها وأعود لأجلس وأرتاح قليلاً.. وتخيلت أين كان يقف الشاعر الكبير محمد المكي إبراهيم على خشبة المسرح وهو ُيلقى ببواكير قصائده الرائعة وفي هذا العالم السحري المنعزل كان يرسم، وينحت ؛ ويُشرِح الضفادع والجراد والوطاويط ، وكل ما يعثُر عليه ، الأستاذ العالم في علوم تشريح الحيوان ، البروفسيور محمد عبدالله الريح ، وهو يوزع قفشاته وشعره الحلمنتيشي بين أترابه من الطلاب..ولابد من أن الفريق عبدالماجد خليل والمشير عبدالرحمن سوار الذهب كانا في يوم من الأيام من ضمن طلاب " كديت" هذه المدرسة.. وفي أي فصل من الفصول كان البروفيسور فرانسيس دينق مجوك يتلقى العلم ..ويا ترى أين كان يذاكر دروسه الطالب وعالم الرياضيات والفيزياء النابغة بروفيسور محجوب عبيد ؟هذه المدرسة العريقة صممت وتم تشييدها في هذا المكان الرائع المنعزل كبوتقةٍ لينصهر فيها الطلاب المتفوقين من جميع أنحاء السودان ، وقامت بتربية وتعليم وتدريب وتأهيل وتخريج نوابغ السودانيين في مجالات الطب ، العلوم ، الهندسة ، الإقتصاد، القانون،الديبلوماسية ، الفنون والآداب ، الخدمة المدنية ، وكبارالقادة العسكريين ؛ هذه ليست مجرد مدرسة ثانوية عليا ؛ وبدت لي من مبانيها الضخمة شبيهةٌ بجامعة "كنت " الواقعة في أقصى الريف الإنجليزي المحيط بعاصمة الضباب مدينة لندن.
إلتفت إلى حضرة الناظر الذي كان يحدث نفسه بصوت عالٍ ، منلوج داخلي ، وبإصرار عجيب :
-المدرسة دي السنة الماضية جاءت من ضمن العشرة الأوائل.. والسنة دي أنا مخطط تطلع الأولى في إمتحانات الشهادة الثانوية على جميع مدارس السودان..و العشرة الأوائل من هنا..من هنا ! وإلتقطت الخيط ، وسالته :
- ماذا حدث أصلاً ؟ رد ، وكأنه كان ينتظر هذا السؤال مني :
- الحصل أنا فصلت أعضاء اللجنة التنفيذية لإتحاد طلاب مدرسة خور طقت الثانوية العليا.. وذلك بعد أن أنذرتهم كتابياً ثلاث مراتٍ وذلك بعدم الدعوة أو التحريض على الإضراب أو المظاهرات لأسبابٍ لا علاقة لها بالدراسة..غلطان ؟
- لا والله ..حقك وفقا للوائح وزارة التربية والتعليم..وبعدين الوزارة هي التي تحاسبك..طيب حاكم الإقليم والشرطة وقمندان شرطة الأبيض ديل مالذي أدخلهم في هذا الموضوع طالما أنه لم تخرج مظاهرات من المدرسة ؟ كان هذا سؤالي له الذي ندمت عليه ؛ حيث بدأ سؤالاً ساذجاً ، ورمقني بنظرةٍ فاحصة فهمت منها أنه يريد أن يقول لي ما معناه .. " يا أخي أنت ماعاوز تفهم ليه ؟" وصمتنا.
وجالت بذهني خاطرة من معطيات السؤال والرد الصامت عليه أنه لربما كان هذا الثلاثي المكون من الحاكم وقمندان الشرطة وحضرة الناظر من ضمن طلاب هذه المدرسة العريقة ..ومن ضمن طلاب داخلياتها في سنة ما وفي يوم ما..وكان أحدهم " سنيورأً " والثاني أو الثالث ، أو الإثنان معا " جنيورز" ربما حدثت بينهما خلافات ما في السياسة ربما ولسبب ما.. ولربما كان من بينهم احد " الإيواكسات "- الطلاب الوشاه للإدارة - ربما كانت بينهم منافسات ما ..في دراسة أو رياضة..أو رياضيات أو علوم وقررت أن أمضي أكثر ولما لا فقد ذاب الجليد بيننا تماماً وأشعرني حضرة الناظر بثقته في ، فسألته :
- وإتحاد الطلاب دا ولجنته التنفيذية لونهم السياسي شنو ؟ وكان رده وببرود ، وبعض العجرفة ، وكمن ألقى بقنبلة في وجهي :
- إتجاه إسلامي !
غرق كلانا في أفكاره ، وتحليلاته ، وكان يقطع صمتنا الرهيب أصوات وصراخ الطلاب وهتافاتهم وذلك بعد أن تسلل بعض أفراد الشرطة عبر فتحة أحدثوها في سور الأسلاك الشائكة من الجانب اليمين للبوابة.. يا إلهي هذا ما كنت أخشاه تماماً.. أن تحدث مجزرة..مذبحة داخل حرم المدرسة.. فالطلابُ أيضا كانوا مسلحين بالعصي والسيخ والسكاكين.. لا لن أسمح بحدوث ذلك وأنا على قيد الحياة ، وهرعت نحو البوابة وإستخدمت المايكرفون الداخلي للإذاعة المدرسية وخاطبت القمندان وأفراد قوته :
- إلى قمندان شرطة الأبيض وجميع أفراد القوة ممنوع بتاتاً دخول أفراد الشرطة للمدرسة .. هذا أمر قضائي ..وساعدُ تقريرأ شاملاًعن جميع أحداث هذه الليلة لقاضي مديرية شمال كردفان وبصورة لمدير شرطة شمال كردفان.. وسأوصي فيه بفتح بلاغات جنائية في مواجهتكم جميعا بالتعدي الجنائي وبتسبيب الأذى الجسيم وغير الجسيم وبتدمير وتخريب ممتلكات عامة ..تنبيه هام هذا أمر قضائي..أنا أحملكم جميعاً المسؤولية القانونية كاملة عن أرواح هؤلاء الطلاب وممتلكات هذه المدرسة !
هدوء تام ، ومشوب بالحذر ، والخطر ، مرة أخرى ؛ ثم صخب وضجيج ، وكر وفر مرة ثانية و ثالثة .. وهتافات وصراخ وشتائم متبادلة ، وكنت أركض في كل عشر دقائق نحو البوابة وأكرر الأمر أعلاه..ثم نحو الواحدة صباحاً من اليوم التالي ساد الهدوء ، وكأن جميع الأطراف قد أصابهم التعب من هذه المعركة العبثية ، وبلغ بي التعب والإرهاق مبلغه بسبب الجوع و العطش و التوتر العصبي .. وحضرته يراقب كل هذا !
وحدثت المعجزة ؛ وذلك عندما خاطبني هذه المره بلهجةٍ أبوية ، وكمن أشفق علي بسبب الإرهاق والتعب وبعد أن قدر الموقف تقديراً سليما ، وفي التوقيت المناسب تماماً :
- أنا عندي الإجازة حقت نصف العام 15 يوما يمكنني أن أمنحها للطلاب الآن على أن يعودوا بعدها وتُلغى نهائياً إجازة نصف العام نهائياً.
- يا مربي الأجيال وصانع الرجال.. يا لك من إنسانٍ عظيم . وقد كنتُ صادقاً في ردي هذا ، وأضفت :
- كدا تكون حقنت دماء وعصمت أرواح الطلاب وأفراد الشرطة أيضا..كدا تكون قد حافظت على ممتلكات هذه المدرسة العريقة العتيقة.
أمسك حضرة الناظر بمايكرفون الإذاعة المدرسية وخلفه الوكيل ومن خلفهما أساتذة المدرسة ، وأعلن لجموع الطلاب ، وبصوته الجهوري :
- قررت إدارة مدرسة خور طقت الثانونية العليا للبنين أن تبدأ عطلة نصف العام إبتداءً من هذا اليوم ولمدة 15 يوما على أن يعود جميع الطلاب للدراسة بعدها .. الخ...الخ...على الطلاب التجمع في مجموعات صغيرة لكل منطقة ولكل مدينة ألخ..
وبدأت في تفويج باصات الطلاب ، وكل ٌ حسب منطقته ومدينته ، وذلك بعد أن إكتشفت أن الباصات كانت جاهزة وتقف حيثُ تقف سيارات وكوامر الشرطة عند خط التبلدية الأحمر الذي وضعته مسبقاً ، ولم أعلم بوجودها إلا بعد أن أخطرني القمندان بوجودها مخفيةٌ تحت جنح ظلام تلك الليلة حالكة السواد. ألم أقل لكم ، ومنذ البداية ، بأنني كنتُ أشم رائحة مؤامرة ما.. في مكان ما. و عدتُ عقب صلاة الفجر لمنزلي خائر القوى ونمت ملء جفوني عن شواردها ، وغير شواردها ، ومرتاح الضمير كما لم أنم من قبل.
صحوتُ عند العاشرة صباحا بكل حيوية ونشاط ، وبذهنٍ صافٍ ، وبحثتُ عن راتبي الذي صرفته بالأمس صباحاً ولم أجده ، وكدتُ أنْ أصاب بالجنون ..أين ذهب راتبي.؟ إستغفر ألله ! ولكن أين راتبي ؟. وتذكرت أنه عند قيامي بجمع الطلاب بغرض ركوب الباصات المحددة لهم لترحيلهم لمدنه أن البعض منهم طلب مني مصاريفاً ليستقل باصاً آخراً من المدينة المحددة إلى قريته ، وهو لا يملك مالاً ، مثلاً ؛ بعض الطلاب أدعى أن البص سينزله في موقف مدينة النهود ولكن قريته وأهله في صقع الجمل ، أو آخر كان يقول هذا البص محطته الأخيرة مدينة بارا وقريته وأهله في سودري ، أو ثالث أدعى أن قريته جنوب الدلنج نواحي دلامي ...وهكذا وكنت أمنحُ جنيهاتي حسب الطلب ، خمسة جنيهات غالباً أو عشرة جنيهات أحياناً ليستقل عربة أخرى إلى قريته ؛ ومن ثم قمت بتوزيع كل راتبي على حوالي أكثر من مائتي طالب ، ألفان من الجنيهات راتبي ، وقد أعتقد هؤلاء الطلاب الأبالسه أن هذه الأموال قد خصصتها لهم حكومة السودان بينما كانت كل راتبي !
والآن ؛ إلى جميع طلاب مدرسة خور طقت الثانونية العليا للبنين ، دفعات الأعوام 87/88/89 ؛ أنتم مدينون لي بألفين من الجنيهات السودانية القديمة ، مجتمعين ومنفردين ، وأرجو سداد هذا المبلغ لي فوراً، وبسعر صرف هذه الأيام !
لم تنته فصول المأساة بعد ؛ فقد علمت لاحقاً أن المربي الجليل الأستاذ الفاضل السني عبدالله معروف قد تمت إحالته للتقاعد بالمعاش عقب الإنقلاب العسكري للجبهة القومية الإسلامية في 30 يونيو 1989 ، ولاحقاً ، تم تجفيف المدرسة تدريجياً وإغلاقها نهائياً في العام الدراسي 91/92.
نعم.. عندما علمت بذلك فهمت كل شيء ، وأن تفهم متأخراً خيراً من ألا تفهم بتاتاً !!
و قد جاءت الذكريات والتداعيات والخواطر أعلاه هكذا وبمناسبة الذكرى السنوية ،28 عاماَ ، لإنقلاب 30 يونيو 89 ، المشؤوم ، وحتى لا ننسى.
مجدي إبراهيم محجوب
قاضٍ سابق.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته..
مجدي إبراهيم محجوب
قاضٍ سابق.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.