مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: الحوت تعرض لظلم فادح من هؤلاء وهذا ما فعلته عندما علمت بتعاطيه "السجائر" وهو طالب في الثانوي    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    اكتمال عقد الجهاز الفني للكمال    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    شاهد بالفيديو.. نجمة السوشيال ميديا السودانية هبة الجندي تعود للظهور بعد غياب طويل بتقرير إخباري عن الأحداث السودانية وتطورها    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



زخرف القول: بين أنبياء الحقِّ والأنبياء الكَذَبة: الحلقة السابعة .. بقلم: د. عبدالمنعم عبدالباقي علي
نشر في سودانيل يوم 21 - 07 - 2017


بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الإيمان بالله والإيمان بالصدفة:
تحدَّثنا في الحلقة السابقة عن فرضيَّة الصدفة، وقلنا إنَّ تعريفها عند العالم الفيزيائي الروسي الملحد ليونارد راستريغين، صاحب الكتاب المشهور: "إنَّه عالم ملئ بالصدفة"، هو "لاتوقُّعيَّة الجهل"، أي أنَّ الصدفة تعبير عن جهلنا بالمعلومات التي تُفسِّر الفعل والنَّتيجة، وأنَّه لو أنَّا تملَّكنا كافَّة المعلومات لما كان هناك مكان للصدفة، إذ أنَّنا كنَّا سنعرف خطوات الفعل من بدايته إلى نهايته.
وهو قد أيضاً أضاف أنَّ جهل الإنسان الخطَّاء، أو رداءة معلوماته، هو الذي يجعله يؤمن بالصدفة، ولكن لو كان ممكناً الإيمان بإلهٍ له كامل العلم وذو قدرة مطلقة فحينها تنتفي فرضيَّة الصدفة.
وأضفنا أنَّ صفات الله سبحانه وتعالي كلَّها تنفي عن الذات الإلهيَّة الجهل، ولا ينتفي الجهل إلا إذا كان العلم مكتملاً ومتكاملاً وشاملاً ومحيطاً. ولذلك فقد نفي الله سبحانه وتعالي بصفاته عن نفسه مبدأ الصدفة، بل وربط حوادث العالم بسببيَّة مباشرة وهي أنَّه خلق هذا العالم من عدم، لأنَّه على كلِّ شيء قدير، وأنَّه بكلِّ شيءٍ عليم ومحيط. وبيَّن لنا أنَّه لا يحتاج لمجهود ليقوم بالخلق إذ أنَّه فقط إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون من عدم. وهذا يعني أنَّ كلَّ شيء يرجع لمشيئة الله سبحانه وتعالي.
وكانت حُجَّتنا ما ذكره الله سبحانه وتعالي عن كيفيَّة انتفاء الصدفة في هذه الآية الكريمة:
‫"وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي‬ السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ". ‬‬‬
وقلنا أيضاً أنَّ كلمة شهوداً تعني المقدرة على رؤية الشيء وبذلك يكون الدَّليل ليس مُجرَّد علم يقين بل عين يقين لأنَّه شُوهد بالعين، وأيضاً حقَّ يقين لأنَّه كُتب وسُجِّل في كتابٍ واضح لا لبس فيه يجري ما فيه إلى يوم القيامة.
وقلنا أنَّ معني "لا يعزب" أي لا يخفي، ولا يغيب، ولا يبعد؛ أي أنَّه سبحانه وتعالي في حالة وعي دائم، وقربٍ دائم، وعلمٍ دائم بكلِّ شيء صغُر أو كبُر. وقلنا أنَّ هذه الآية هي أوَّل قانون فيزيائي في نظرية الجسيمات المعروفة التي تقول بوجود جسيمات أصغر من الذرَّة.

وقد أثار قولنا هذا لغطاً اتُّهمنا بسببه بالجهل بحُجَّة أنَّ الصحابة لم يكونوا على علمٍ بعلم الفيزياء، وأنَّه لو كان القرآن الكريم فيه كلَّ هذه الأسرار العلميَّة لماذا اكتشفها غير المسلمين وتخلَّفنا كمسلمين؟
وهذه حُججٌ مردودة، "وكم من مُريدٍ للخيرِ لن يُصيبَه"، لأنَّ القرآن الكريم نزل بعلم الله وليس بعلم البشر:
‫"لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا"‬‬‬‬
وعلمُ الله أزليٌّ مكتوبٌ من قبل خلق العالم إلى نهايته، والله يعرف أنَّ هناك علماء غير مسلمين في بلاد الإغريق، قبل الإسلام بقرونٍ كثيرة، وتحديداً منذ القرن السابع قبل الميلادي، تكلَّموا في علم الفيزياء وسمُّوا ماهية المادَّة أو الجوهر الفرد الذي يكوِّنها بالذرَّة، ووصفوها بأنَّها لا تفني ولا تُقسم، ومنهم ليوسيبص وتلميذه ديموقريطس.
والآية تُخالف هذه النظريَّة بأنَّ هذه الذرَّة ليست أصغر مُكوِّنات المادَّة، بل إنَّ هناك أصغر منها وهو شيء انتظر حتى القرن العشرين ليعرفه العلماء والقرن الواحد وعشرين ليتأكَّدوا منه.
فإذا كان الصحابة لا يعلمون شيئاً عن علم الفيزياء فإنَّ خلقاً آخر لله يعرفونه وهبهم الله العلم والحكمة، ولذلك فالله سبحانه وتعالي أنزل هذا القرآن للنَّاس كافَّة وليس للعرب فقط، وذلك يعني أنَّ الرسالة موجَّهة إليهم أجمعين، فمن يفهمون في تربية الأبل تُضرب لهم أمثالهم بما يعرفون، ومن يفهمون في الفيزياء يحدِّثهم الله بمنطق الذرَّة.
والله سبحانه وتعالي عندما يقول:
"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ".‬
فهو يشمل النَّاس كافَّة ولم يقصد بهم العرب فقط، ولذلك يُخاطب كلَّ أمَّة بمنطقها وعلمها وليس بمنطق وعلم العرب فقط، وهو الأمر الذي يغفل عنه النَّاس خاصَّة إذا كانوا عرباً فيظنُّون أنَّهم أهل الرسالة فقط وقد نزلت لهم، وهذا هو الجهل الذي هو عدم العلم الذي ينشأ من العصبيَّة.
والتَّحدِّي للعرب في أن يأتوا بسورة واحدة كان تحدِّياً في بلاغة اللغة، وهو شكلها كما اعتادوا على صياغة الشعر مثلاً، ولكنَّ الله سبحانه وتعالي لا يمكن أن يتحدَّى أمماً أخري لا تتحدَّث اللغة العربيَّة أن يأتوا بشكل بليغٍ مماثل باللغة العربيَّة، ولكنَّه يتحدَّاهم بالمحتوي والمضمون للآيات، وهي المفاهيم مثل مفهوم الذرَّة، فهي تثبت أنَّ علمهم قاصر وعلمه كامل فيذعنوا للحُجَّة إذا وصلتهم وعلموا من تجاربهم أنَّها الحقيقة.
إنَّ القرآن الكريم يُقدِّم منهجاً راقياً لحياة البشريَّة فيه آيات منطقيَّة وأخري علميَّة وأخري لغويَّة ونفسيَّة واجتماعيَّة حتى يثبت لهم أنَّ المصدر هو الله سبحانه وتعالي وإذا ما اقتنعوا وآمنوا فسيطبِّقون المنهج كما هو لأنَّهم اقتنعوا أنَّه قمَّة العلم ولا يأتي من تطبيقه إلا كمال العافية.
ولذلك فقد قال المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم:
"بلغوا عنِّي ولوْ آيةً"، ولم يكن يعني بهذا الأمر التَّبليغ للعرب فقط، ولكن في سياق رسالته للبشريَّة قاطبة لأنَّ أفهام النَّاس ودرجات علمهم وأنواعه تختلف من أمَّةٍ لأخري، وهذا هو توضيح قوله:
"نضَّرَ اللهُ عبدًا سمِعَ مقالَتِي، فوَعَاها وحَفِظَها، ثُمَّ بلَّغَها عنِّي، فرُبَّ حاملِ فقهٍ غيرِ فقيهٍ، وربَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقَهُ منْهُ".
فعالم الفيزياء فقيه في مجال تخصُّصه وكذلك عالم الأحياء، وعالم الاجتماع، وعالم النَّفس مثلاً.
والله سبحانه وتعالي يعرف مُسبقاً أنَّ البشر في مستقبل الأيَّام سيفصلون علم الفيزياء من علوم الطبيعة والفلسفة، وسيقومون باكتشاف قوانين الفيزياء، والتي هي علمٌ إلهي يُيسِّر الله لبعض النَّاس اكتشافه، ليثبتوا صحَّة هذه الآية.
والمولي عزَّ جلَّ يقول لنا ذلك:
" ‫سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ". ‬‬‬‬
يقول الإمام الشعراوي رضي الله عنه عن هذه الآية:
"إنَّ السين في {سَنُرِيهِمْ} تفيد الاستقبال، يعني: في المستقبل، لذلك ستظل هذه الكلمة لها موضع إلى يوم القيامة ستظل صادقة في كل زمان {آيَاتِنَا} أي: الآيات الكونية الدالة على قدرة الله وبديع صُنْعه {فِي اْلآفَاقِ} جمع أفق وهو متسع امتداد نظرك إلى أن تنطبق السماء على الأرض.
والآفاق هنا تعني السماء والأرض، ومنه قولنا فلان أُفقه واسع إذا كان بعيد النظر في المسائل المعنوية، وبقدر ما تتسع البصائر تتسع الرؤية.
وسوف تظل هذه السين الاستقبالية {سَنُرِيهِمْ} باقية تمدنا بعطاء لا ينتهي حتى قيام الساعة التي ستكون هي الآية الكبرى، سنريهم آيات في كل زمان، آيات في صالح هذا الدين ونُصْرة أهله في كل الآفاق.
وقوله تعالى: {وَفي أَنفُسِهِمْ}، يعني: آيات في الأنفس، في الأشخاص، في لحمك ودمك وروحك، في أعضائك وأجزائك، في كل شيء فيك آية لو تدبرت.
الحق سبحانه وتعالى خلق الإنسان من طين، وأخبرنا بكيفية الخلق ومراحله، ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يكُنْ عالماً من علماء التشريح ولا يعرف علم الأجنة إنما علَّمه ربه الأعلى، وجاء العلم الحديث ليثبت صدق ما أخبر به في مسألة خلق الإنسان من طين، وأن نسله من سلالة من ماء مهين، وأنه كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً، ثم كسى العظام لحماً.
وها هو العلم يكشف لنا كل يوم عن جديد في أنفسنا وعن عجائب لم نكُنْ نعرفها في أنفسنا من قبل، إنك حين تقرأ آخر ما توصلتْ إليه العلوم في جسم الإنسان تعلم أنك في ذاتك عالمٌ عجيب وبناء محكم دقيق، وصدق القائل:
"وَتحسَبُ أنَّكَ جِرمٌ صغير وَفيكَ انطوي العالم الأكبرُ". انتهي.
والقائل هو الإمام عليّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه. ونعرف أنَّه لم يدرس الفيزياء ولكنَّه سبقها ببصيرته واستنتج من الآية أنَّ هناك صلة وُحدة بين الإنسان والعالم الأكبر لأنَّ الأصل واحد وهو العدم وسنثبت ذلك بعون الله تعالي.
وبما أنَّ الآية تخاطب المستقبل فذلك يعني أنَّ هذا الإشهاد لن يحدث في حاضر الصحابة، والذين تُخاطبهم الآية الكريمة ليسوا مسلمين، لأنَّ المسلمين آمنوا وأيقنوا أنَّ الله خالق كلَّ شيء وأنَّ أحكامه هي الحقّ المبين، ولذلك فاكتشاف هذه الآيات؛ أي العلم المُعجز لن يكون بأيدي المسلمين ومن ذلك جاءت كلمة سنُريهم.
وكما قلنا من قبل فالإنسان لا يخترع جديداً ولكنَّه يستطيع أن يري شيئاً موجوداً بالعقل والتجربة، وأنَّ هذه القدرة على رؤية الأشياء الخفيَّة هي هبة من الله لا ترجع لعلم العالم وإنَّما لاختيار الله سبحانه وتعالي لهذا الإنسان وترتيب حياته وظروفها بحيث يتسنَّى له هذا الاكتشاف في الوقت المناسب.
فنحن نعرف مثلاً أنَّ الإغريق قامت على أيديهم الفلسفة التي اشتملت على علوم الطبيعة وما وراء الطبيعة ومنها علم الفيزياء، وأنَّ أرسطوطاليس أوَّل من وضع منهجاً نظريَّاً متكاملاً ظلَّ سائداً حتى عصر علماء المسلمين الذين أدخلوا التَّجربة في العلوم، فانتقل العلم من مرحلة النظريَّة إلى مرحلة التَّحقيق والدَّليل.
وأيضا كانوا الجسر الذي نقل علوم الإغريق وغيرهم لأوروبا في عصورها المظلمة فقامت نهضتهم على هذا الأساس.
ولكن في وقت انتكاس حضارة المسلمين، وسيادة الأيديولوجيَّة، وانعدام الحريَّة، وانتشار الظلام بعد سنوات التنوير، كانت أوروبا تنهض من غفوتها وتتحرَّر من قبضة الكنيسة وأيديولوجيتها ومن قهر السلطان فاستثمرت ما جاء إليها من علمٍ حضارة المسلمين وأضاءت ظلمتها ثمَّ أضافت إليه ابتداء بجاليليو وإسحاق نيوتن وألبرت آينشتاين.
ولذلك قلنا بأنَّ الآية الكريمة كانت أوَّل قانون فيزيائي يثبت حقيقة تكوُّن الجسيمات من جُسيمات أصغر قبل أن يدرك ذلك أحد. والذرَّة في اللغة هي: قدرٌ ضئيل جدًّا، بالغ الصِّغر.
وإذا كان ذلك قد غاب عن علماء المسلمين الأوائل ففسَّروا الذرَّة بالهباء لأنَّ الذرَّ هو الهباء الذي يراه الإنسان عالقاً في الهواء عندما تسقط عليه أشعة الشمس، فقد كان ذلك علمهم وسياقهم المُتاح لهم، فكلمة الذرّ هي أقرب الكلمات لكلمة الذرَّة وأقربها معني، إذ أنَّها تعني أصغر ما يمكن وجوده بحيث يخفي ولا يمكن رؤيته بالعين المجرَّدة، ولكنَّهم لم يعلموا بوجود مفهوم علميٍّ آخر يُسمَّي بالذرَّة.
ولكن لمَّا أتي علماء مسلمين ودرسوا علوم الإغريق وترجموها عرفوا معني الذرَّة، وهي كما عرَّفها الإغريق: الجوهر الفرد الذي لا يفني ولا ينقسم أي أنَّه ماهيَّته وأصغر ما في العنصر وأوَّل لبنة في بنائه.
وهذا التَّعريف مجرَّد تنظير لا غير، إذ لم ير عالمٌ هذا الجوهر الفرد أبداً، ولن يتمكَّن عالم من رؤيته أبداً، فصار الإيمان بها مبنيَّاً على النَّظريَّة، وهو الاستدلال العقلي، وليس على النَّظر. بل واستمرَّ الأمر كذلك حتى أثبت العلماء في القرن العشرين وجود الذرَّة بعد أن تطوَّرت آليَّات البحث، وتمَّ ذلك بالتعرُّف على آثارها وليس برؤيتها، ومن هذه المعرفة الجديدة نتجت القنابل الذريَّة.
ولذلك فالعلماء حتى القرن العشرين لم يكتشفوا وجود الذرَّة علميَّاً في المعامل أو ويثبتوا وجودها، فقد كانت مُجرَّد إيمان بغيب طيلة قرون، وبعد التَّجربة صارت النظريَّة حقيقة علميَّة، ثمَّ اكتشفوا أن لها أجزاء وهي الإليكترونيات والبروتونات والنيوترونات، وهي أصغر من الذرَّة، واعتبروا أنَّ ذلك غاية العلم.
ومع مرور السنين اكتشفوا حقائق أخري أنَّ هناك جسيمات أصغر من الإليكترونات والبروتونات والنيوترونات وهي أجزاء تُكوِّن هذه الجزيئات مثل "الكُوارك". ثمَّ أكتشفوا أنَّ الكُوارك تكوِّنها "اللبتون" والتي أيضاً تكوِّنها "البوسون" وهي أصغر الجسيمات المثبت وجودها حتى عام 2012.
وقد تنبَّأ العالم الفيزيائي "بيتر هيقز "عام 1964 أنَّ هناك جُسيماً أصغر من "البوسون" وسُمِّي ببوسون هيقز، وآمن به العلماء من غير أن يروه أو يثبوا وجوده، وسعوا لإثبات وجوده في عام 2012 عندما قاموا بتجربة في نفقٍ في سويسرا كلَّفت خمسة بلايين يورو، واستطاعوا أن يروا أثره ولم يروه عيناً، وظنَّ البعض أنَّه الجسيم الأصغر الذي خلق منه الله سبحانه وتعالي الكون.
ذلك يعني أنَّ علماء الفيزياء "آمنوا" بوجود شيء لم يستطيعوا رؤيته أو إثبات وجوده، وعندما أثبتوا وجوده كان ذلك برؤية آثاره ولم يتمكَّنوا من رؤيته حتى هذه اللحظة. ولكن الآن علماء الفيزياء، منذ ذلك الاكتشاف، يقولون بأنَّ هناك جسيمات أصغر من هذا الجُسيم، بل وربما لا يمكن رؤيتها أبداً، وهي التي تكوِّن العالم.
وهم "يؤمنون" بوجودها حتى وإن لم يروها، أو يروا آثارها، وإذا ما أثبتوا وجودها في المستقبل برؤية آثارها، فسيأتي عالم آخر يُنظِّر بوجود جسيمات أصغر حتى تتناهي في الصغر إلى درجة العدم الذي قال الله سبحانه وتعالي أنَّه خلق منه كلَّ شيء.
فمن كان سيعلم بوجود الذرَّة كحقيقة علميَّة وأنَّها ليست أصغر ما خلق الله غير الذي خلقها أوَّل مرَّة؟
وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.