ترامب: إيران ترغب بشدة في التفاوض    الترجي يهزم الأهلي في ذهاب ربع نهائي دوري أبطال أفريقيا    هاني شاكر يخضع لبروتوكول علاج مكثف في باريس    تدشين الموقع الإلكتروني للتسجيل والتفويج للجنة الأمل للعودة الطوعية بالسفارة السودانية بالقاهرة    "نظرية مؤامرة مختلة".. هاري وميجان يهاجمان مؤلف كتاب عن العائلة المالكة    تقرير: رقم هاتف ترامب الشخصي يُباع في السوق السوداء بين رجال الأعمال والصحافيين    حكومة الولاية الشمالية تؤكد رعايتها لاسر الشهداء    جيسي باكلي والأوسكار.. إنجاز غير مسبوق للمرأة الأيرلندية    مان سيتي يسقط في فخ التعادل    شاهد بالصور.. منتدى البطانة الثقافي يهدي قائد درع السودان أبو عاقلة كيكل سيارة "لكزس" مصفحة يبلغ سعرها 265 ألف دولار    شاهد بالفيديو.. أركو مناوي يفاجئ المتابعين بإجراء حوار مع أسطورة كرة القدم السودانية "جكسا" ويكشف عن ميوله الرياضي    بالفيديو.. عثمان ذو النون: (عبد الرحيم طاحونة نجا بإعجوبة وقام بأشهر "عريدة" في التاريخ اليوم والمليشيا فقدت تمويلها رسمياً)    شاهد بالفيديو.. مقابلة تلفزيونية تجمع بين رجل سوداني وزوجته العراقية يوضحان فيها الفرق في طقوس رمضان بين البلدين    سفير السودان بالقاهرة يعلن عن تدشين الموقع الإلكتروني الخاص بلجنة الأمل للعودة الطوعية    شاهد بالفيديو.. الإعلامية رفيدة ياسين تحكي قصة مصور صحفي قام بإنقاذها من "همباتة" بدارفور حاولوا اقتيادها معهم (مثلت معه موقف سخيف حينما هربت وتركتهم يضربوه)    انقطاع طويل للكهرباء يضرب مُدناً وقُرى سودانية واسعة في رمضان    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    بُركان روفا    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    يوسف عمر : العمل مع ماجد الكدواني حلم تحقق في "كان يا ما كان"    3 لاعبات يغادرن أستراليا ويعدن إلى إيران    الهلال كان قاب قوسين أو أدنى من تفجير البركان    إلغاء سباقي فورمولا 1 في البحرين والسعودية بسبب الحرب    ترامب يرفض جهود الوساطة.. وإيران "لن نفاوض تحت النار"    بالصورة.. السلطانة هدى عربي ترد على "خبث" أعدائها: (دايرني يعني ادخل في مشاكل؟ مساكين والله والكوبلي دا إهداء لروحي العاجباني)    بعد أن اتهمها بالتقرب إلى لجنة إزالة التمكين وشراء "توسان".. الصحفية عائشة الماجدي ترد على أحد النشطاء: (أنا أرجل منك)    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إيران تهدد بضرب موانئ الإمارات بعد غارات أمريكية على جزيرة خرج النفطية    ختام الدورة الرياضية للمؤسسات بولاية كسلا    أوكرانيا.. من ضحية حرب إلى أداة مرتزقة في خدمة الأجندات الغربية    بينها تعزيز جهاز المناعة.. فوائد صحية لن تتوقعها للابتسامة    الجيش يستهدف رتلاً عسكريًا للميليشيا ومقتل قائد كبير    عبده فايد يكتب: ضربة إيرانية مزدوجة لأمريكا والسعودية    فريد زكريا: إيران فخ إمبراطوري وقعت فيه أمريكا    عطل مفاجئ.. وكهرباء السودان تعلن عن برمجة بولايتين    عاجل.. ترامب: أعتقد أن مجتبى خامنئي لا يزال على قيد الحياة    مباحث بحري تُحبط سرقة بملايين الجنيهات من "دال" للمواد الغذائية    مَن يقل وزنه عن 50 كيلو "ممنوع" من التبرع بالدم    دراسة تكشف أسبابًا وراثية للصرع لدى الأطفال    الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    الطاقة والنفط في السودان: توجد ناقلتان من البنزين في عرض البحر    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    توضيح من وزارة الطاقة بشأن ترتيبات استيراد الوقود    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    السودان.. مباحث مكافحة سرقة السيارات تطلق تحذيرًا    جديد واقعة بدلة الرقص في مصر.. أقوال الفتاة وإحالة المتهمين للجنايات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



علمانية العتيبة وكمال الجزولي اللاحق للأحداث و مساواة الرجل والمرأة فيما يتعلق بالميراث ... بقلم: طاهر عمر
نشر في سودانيل يوم 27 - 09 - 2017

قبل ما يقارب الشهرين كانت تصريحات السفير الخليجي عن أن بعد عقد من الزمن يود تحالف السعودية و دول الخليج و مصر أن يكون هناك نظام علماني يؤدي الى استقرار سياسي عكس ما كانت تريده قطر من أن يكون هناك نظم سياسية ناصيتها خطاب الاخوان المسلميين.
دول الخليج تريد أن تلحق بركب دول المغرب العربي وفي مقدمتها تونس والمغرب بحكم تجربتها العميقة مع الفلسفة الفرنسية وما نتج عنها من نضج في مستوى انتاج المفكريين في كل من تونس والمغرب و ما نتج عنه من تشنج وتمزق عقلي وجداني بسبب إلتقاء فكرهم التقليدي مع أفكار الفلسفة الفرنسية مما جعل للمفكريين المغاربة والتونسيين أن يكون ذلك التمزق العقلاني والوجداني مهر يربطهم بأفكار الحداثة والتحديث.
تتمسك دول المشرق العربي بخطاب تقليدي يعكس جناحي الهوية القاتلة من عرق ودين قد أوصل الوضع الى ما هو عليه اليوم من فكر داعشي وحالة لا استقرار جعلت كل من سوريا والعراق ولبنان واليمن تحت قبضة ايران وكأنها اعادة الى أيام الانتداب. ولكن سيطرة الخطاب التقليدي ببعده الهووي الصاخب أي في بعده العرقي والديني لم يكن غير كمون الحداثة في ثوب الخطاب التقليدي لكي تفجره من الداخل وتنسفه نسفا نهائيا وهذه هي حيل العقل و مكر الحداثة كما حيل العقل ومكر التاريخ كما يقول هيغل. فهاهي دول الخليج والسعودية تسعى عبر طرح فكرة نظم علمانية تؤدي الى استقرار سياسي تقوده فكرة الاقتصاد والمجتمع المطروحة الى حدود عام 2030.
قبل عقدين من الزمن من يستطيع أن يتنباء بأن دول الخليخ والسعودية قد تكون مستعدة لنقاش فكرة العلمانية من أجل الاستقرار السياسي؟ ولكن في كثير من الأحيان أن الاصرار على خطاب تقليدي كما كان في دول الخليخ والسعودية في مواجهة خطاب أكثر تقليدية ونواح كما يظهر في الثورة الخمينية ونظام ايران وتصدير الثورة الى دول الجوار ففي حقيقة الامر أن الحداثة والتحديث تكمن في قلب الخطاب التقليدي في كل من ايران الخمينية ونظام دول الخليخ وتسرع به باتجاة طريق مسدود كما هو واقع الحال اليوم في المنطقة وترتضم به في قوة الحداثة لكي تنسف قلب الثقافة التقليدية في خطابها الديني المنغلق كما في صورة ايران وتصدير الثورة أو دول الخليخ وخطابهم الهووي الصاخب.
ففي حقيقة الأمر أن نقاش دول الخليج لفكرة العلمانية هي خطوة أولى في سبيل اللحاق بموكب المفكريين في كل من المغرب وتونس بعد أن قطعوا مسيرة المليون خطوة مقارنة بسير أهل الخليج والسعودية.
والآن ينتظر أهل الخليج والسعودية آلام تمزق الوجدان والتشنج العقلي بسبب دخولهم عتبة الحداثة وقد دفع ثمن عتبها المفكريين التونسيين والمغاربة بسبب علاقتهم بالفكر الفرنسي كنتيجة لتمكنهم من اللغة الفرنسية قبل عقود من خطوة السعودية ودول الخليج.
نقول أن المفكريين المغاربة والتونسيين لهم باع طويل في العلاقة بفكر المفكريين الفرنسيين فمثلا محمد سبيلا الذي كرم في منتدى أصيلة الأخير يعد واحد من أبرز الناشطين في شرح فكرة الحداثة والتحديث وما تحتاجه من طول نفس وقدرة على المراقبة وهو صاحب فكرة أن الحداثة تكمن في صميم الخطاب التقليدي ليس لدعمه بل لكي تنسفه من داخله كما وضح الآن في حالة طرح فكرة العلمانية من العتيبة في تصريحه الذي يوضح مكر الحداثة وحيلها.
أما فتحي المسكيني وفكرة رفض الخطاب الهووي الصاخب من أجل الحرية وليست الهوية فأنه يستصحب معه أفكار بودلير وفكرة الحداثة عنده والدعوة الى عدم تأخر الميلاد الثاني الذي يتخلص من الهوية ويتلفح بالحرية وينفتح على روح الفكر الليبرالي في مثلث الفرد والعقل والحرية الذي ينفتح على مثلثات الفلسفة بدلا من الثنائية المقيتة.
فالفرد في صراعه مع المجتمع بسببه تكون العدالة فضيلة اجتماعية وليست فردية و أن الحرية قيمة القيم كنتاج للنشؤ والإرتقاء متجاوز العرقي والاثني لكي يتجلى الفرد ناخب رشيد ومستهلك رشيد متحرر من وصاية سلطة الأب وميراث التسلط و يعيش في حاضره غير هارب الى ماضي ولا لاجئ الى الغيب هروبا من ألام الراهن ولا تقيده قيود الأيدولوجيات المتحجرة كما يذكر هشام شرابي في كتابه النقد الحضاري للمجتمع العربي. في لقاء مع محمد سبيلا يقول أن مدرسة المغرب وتونس الفلسفية مازالت متقدمة على المدرسة الفلسفية المصرية التي قد ابطأت المسير والمدرسة الفلسفية الشامية التي قد تراخت. ولكن تظل المدرسة التونسية والمغربية الأقرب الى اللحاق بركب الانسانية في سيره نحو التقدم الناتج من مجد العقلانية وابداع العقل البشري.
فأين السودان في مجال الفكر من ذلك؟ هاهي دول الخليج والسعودية تطرح فكرة الاقتصاد والمجتمع روح فلسفة التاريخ اليوم في تمرحلها منذ عشرينيات القرن المنصرم في فكر ماكس فيبر لكى تحط في فكر فوكوياما في عبارته الوصول الى الدنمارك ولن يذكر فيها فكرة البداوة كما جعلها النور حمد بساط ريح يتخطى بها واقع الليبرالية في فكرة الفرد كمستهلك رشيد و ناخب رشيد يجسد قمة الفردانية كثمرة فكرة النشؤ والارتقاء في تجاوزها للأبعاد العرقية والاثنية لكي تفيض في فكرة العقد الاجتماعي.
و فوكوياما في عبارته الوصول الى الدنمارك لا يقصد دولة الدنمارك ولكن يقصد نظام حكمها الديمقراطي و فكرها الليبرالي حيث لا تميز بين مواطنيها على أساس العرق أو الدين. وسؤاله كيف تسرع بمجتمع هش في تركيبات هياكله الاجتماعية كمجتمع الصومال والعراق والسودان بسبب الطائفية وخطابات الهوية التي تطير بجناحي الدين والعرق والصراعات الجهوية؟ و اذا دققنا النظر في كتابات عالم الاجتماع العراق علي الوردي نجده قد سبق فوكوياما بعقود في طرح فكرة الليبرالية كمخرج لحالة المجتمعات ذات التركيبات الاجتماعية و ذات الهشاشة في هياكلها بسبب الطائفية والنزعات العرقية والجهوية وقد جرت عليه لعنات الشيوعيين والقوميين والاسلاميين.
ففكر علي الوردي نجده حتى اليوم متقدم على فكر النور حمد في فكرة المؤالفة بين العلمانية والدين وعلى فكر عزمي بشارة الذي يستدل النور حمد بفكره كثيرا في الأونة الأخيرة و عزمي بشارة بعد أحداث الربيع العربي كان يحلم بديمقراطية يقودها خطاب الأخوان المسلميين شأنه كشان أوباما لذلك نجد أن عزمي بشارة أقرب الى معسكر دولة قطر. و لكن بعد تصريحات العتيبة نلاحظ أن رضوان السيد قد غير طريقة تفكيره لكي يكون أقرب الى معسكر السعودية ودول الخليج و لكن تحس أن رضوان السيد قدغير أفكاره على مضض.
السعودية ودول الخليج لم تقدم فكرة الاقتصاد والمجتمع إلا بعد أن وصلت فكرة اطلاق يد ايران من قبل الغرب لكي تخرب وقد وضعت تحت سيطرتها اربعة عواصم عربية أي بغداد و دمشق و بيروت و صنعاء ففكرة الاقتصاد والمجتمع التي طرحتها دول الخليخ كأنها ترياق يعالج مرض آخر وهنا نجد فكرتين متعارضتين في فكر ماكس فيبر الأولي أن الغرب أطلق يد ايران كأقلية شيعية خلاقة في وسط أغلبية سنية خاملة بسبب خطابها الهووي الصاخب الذي يطير بجانحي العرق و الدين ولكي تخرج السعودية ودول الخليخ من خطابها الهووي الصاخب طرحت فكرة الاقتصاد والمجتمع لكي تخرج ايران من الملعب بعد أن كانت في نظر الغرب أقلية شيعية خلاقة في وسط أغلبية سنية خاملة بفعل خطاب الهوية سواء تجسد في خطابها السلفي المنغلق أو في طرحها القومي.
و نجد أن اطلاق يد ايران قد وصل قمته مع حقبة أوباما واتفاق النووي مع ايران وابتعاده عن السعودية. وفكرة أن ايران كأقلية شيعية خلاقة يمكنها أن تغير واقع أغلبية سنية خاملة بفعل طرحها العرقي والديني تقابل في فكر ماكس فيبر دور الأقلية البروتستانتية وتغيرها لواقع الأغلبية الكاثوليكية حيث كانت صفة العقلانية التي اتصفت بها الرأسمالية قد أخذت من روح الفكر البروتستانتي.
لذلك نجد أن فكرة الاقتصاد والمجتمع المعلنة في السعودية ودول الخليخ لابد من يصحبها على المدى المتوسط والطويل اصلاح سياسي لذلك أن تصريح السفير وفكرة العلمانية في السعودية ودول الخليخ لم تك غير جناح سياسي يوازي جناح فكرة الاقتصاد والمجتمع المطروحة حتى عام 2030 كجناح اقتصادي.
وفي نفس الوقت اسراع السعودية و دول الخليخ كجناح شرقي يطمح بموازاة الجناح الغربي للفكر كما تجسده المدرسة المغربية والتونسية وهي تعتبر متقدمة جدا على دول الخليج والسعودية بسبب قربها من منبع الفكر الفرنسي. أما مصر فهي اليوم تقف بجانب السعودية و دول الخليج ضد قطر في دعمها لخطاب الأخوان المسلميين ولمصر تجربتها في مقارباتها الحداثية في فكر مفكريها في مقدمتهم احمد لطفي السيد و تلاميذه.
أما السودان الآن فهو في مفترق طرق لم يملك مدرسة فكرية كحال تونس والمغرب و مصر والشام ولم يملك أموال السعودية ودول الخليخ لكي يطرح فكرة الاقتصاد والمجتمع 2030. ففكر يوسف فضل وتلاميذه وفكر الدكتور عبدالله الطيب وتلاميذه قد صادف أن يكون عين اعصار الكيزان و صادف هوى تلاميذ يوسف فضل وتلاميذ عبد الله الطيب أن يتطابق مع خطاب الاسلاميين في بحثهم عن الهوية في بعدها المقدس وكان تمكين الانقاذ لخطابها نتيجة لكساد الفكر في حقول فكر عبدالله الطيب و تلاميذه و يوسف فضل وتلاميذه اذا ما قارناهم بفكر المدرسة التونسية والمغربية.
ففكر عبدالله الطيب وتلاميذه ويوسف فضل وتلاميذه لم يخرج من اطار الخطاب الهووي الصاخب و لم يخدم الحرية في السودان بسبب تغول فكرة الهوية على الفكر السوداني في زمن قد أصبح ضمير العالم منشغل بالحرية وليست الهوية. والشيوعيون السودانيون فهم أيضا حملة الشعلة المقدسة كما يزعم هيغل وجناح اللاهوت في غائيته اللاهوتية في فكرة انتهاء الصراع الطبقي نفس غائية الفكر الديني الكيزاني في السودان.
إلتقاء الفكر الكيزاني اللاهوتي الغائي وفكر الشيوعيين الديني اللاهوتي الغائي وفيضه في سهول الفكر الطائفي في الأحزاب التقليدية في السودان أدي الى الكساد الفكري المعشش في الساحة السودانية اليوم اذا ما قارناه بتطور الفكر في كل من مدرسة تونس والمغرب ومقاربات المصريين الحداثية.
ويظهر الكساد الفكري في كتابات المفكريين السودانيين في الأونة الأخيرة وضعف الفكر وميوعته كما ظهرت أفكار الكرة في ملعب الرئيس للواثق كمير وفكرة كتابات النور حمد وكمال الجزولي في مؤتمر نيروبي وفكرة المؤالفة بين العلمانية والدين واستهبال حيدر ابراهيم علي و زعمه أنه جلابي جالب للنور و قد أصبح ابوجلابية نور في كتابات من أرادوا تطويبه ورفعه درجة في سلم القديسيين كما فعل صديق أمبده وفضيلي جماع ومحمد المكي ابراهيم بطريقة توضح تسكع النخب الفاشلة وقراءتهم الناعسة التي تؤكد على كساد الفكر في السودان.
نقول تسكع النخب الفاشلة في كتابات صديق امبدة وتعليقات محمد المكي ابراهيم وتطويب فضيلي جماع لحيدر ابراهيم علي تدل على غياب قوة النقد كهدف للحداثة في محاولتها للقضاء على أي مقاومة يبديها الماضي كما يقال. وغياب قوة النقد الدالة على الحداثة في ساحة الفكر السوداني تتجلى في انفتاح شهية الاسلاميين في محاولتهم السيطرة من جديد على المشهد الفكري والسياسي في محاولات على الحاج تجميع الاسلاميين من جديد أي جناحي الحركة الاسلامية من مؤتمر وطني وشعبي واعلان حسن مكي فوز البشير في انتخابات 2020 بشكل يوضح أن الساحة الفكرية خاوية على عروشها.
ونجد في محاولة توحيد صفوف الاسلاميين من جديد في طرح علي الحاج روح المقاومة التي يبديها الماضي في غياب قوة النقد الدال على الحداثة والتحديث وغيابها في فكر النخب السودانية. محاولات الاسلامين المتكررة من أجل السيطرة من جديد على المشهد السياسي نتيجة غياب فكر لمدرسة سودانية في مقارباتها الفلسفية كما كانت المدرسة التونسية والمغربية ومقارباتها الفلسفية ومن نتائجها اجبار راشد الغنوشي على فك ارتباط حركة النهضة بجماعة الاخوان المسلميين.
غياب الفكر في السودان يجعل الاسلاميين دوما في علاقة بأمل أن يستعيدوا سيطرتهم على المشهد الفكري من جديد وكما يقال يرضى القتيل ولا يرضى القاتل الذي تجسده الحركة الاسلامية السودانية و يا للحسرة بسبب غياب فكر في ساحة الفكر السودانية. وسبب أن يرضى القتيل ولا يرضى القاتل وهو الحركة الاسلامية هو ضعف الفكر وميوعته في طرح فكرة الكرة في ملعب الرئيس و مقاربات النور حمد المتكررة والتلميح بأن لا مخرج من الورطة التي وضعت فيها الحركة الاسلامية السودان بغير التفاوض معها وجعلها جزء من رأس المال الاجتماعي السوداني و هنا لا يختلف فكر النور حمد مع فكر الصادق المهدي الذي يريد أن يظل المجتمع السوداني رازح تحت صفات المجتمع التقليدي ولا يستطيع أن يصل الى عتبة المجتمع الحديث الذي لا يمكن أن يقبل طرح النور حمد وفكرة المؤالفة بين العلمانية والدين و طائفية الامام الصادق المهدي التي لا تؤمن بمقولة جده المهدي بأن لكل زمان رجاله وهذا زمان الحداثة وأفكارها في قوة النقد التي تدعم التحديث كسيرورة في وجهها الدينامي في علاقته بمفهوم الحداثة في صورتها النموذجية الافتراضية كما يوضح هشام شرابي معنى الحداثة في كتابه النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين. ونجده أي هشام شرابي يركز على فكرة الانعتاق الثقافي من سلطة الأب و ميراث التسلط و يؤكد أن الانعتاق الثقافي هو الذي يقود الى الانعتاق السياسي و بالتالى يمكن أن ينتهي الاستبداد الاجتماعي والاستبداد السياسي.
هشام شرابي كعالم اجتماع جدير بالاحترام قد تحدث عن أن الركون الى الايدولوجيات المتحجرة و الهروب الى الماضي و التضحية بالحاضر و اللجؤ الى الغيب من آلام الراهن كلها تؤخر من المسير باتجاة الانعتاق الثقافي و بالتالي الانعتاق السياسي.
و نجد أن الركون الى الايدولوجيات المتحجرة والهروب الى الماضي واللجؤ الى الغيب كلها تمسك بناصية الفكر والمفكرين في السودان. لذلك في ظل ركون الشيوعيين السودانيين الى الايدولوجية الشيوعية ولجؤ الخطاب الاسلامي السوداني الى الغيب كلها تؤدي الى سلطة الأب و ميراث التسلط. و في مثل هذه الاجواء لا يزدهر إلا أمل الاسلاميين في توحيد صفوفهم من جديد و تمرير خدعة الحوار الوطني وغيره من الحيل التي لا يمكن أن تمر الا في مجتمع يعاني من كساد الفكر كحالة المجتمع السوداني اليوم.
و في حالة توحيد الاسلاميين لصفوفهم من جديد لا تتوقعوا مدينة فاضلة كوهم من أوهام الفكر الاسلامي بل توقعوا حالة مجتمع على حافة الهاوية في زمن أصبح فيه العالم لا يؤمن بمعنى او قصد للحياة و لم يعد للدين أي سلطة لتفسير سحر العالم و لا سلطة على المجتمع بل يكاد الدين ينحصر في بؤرة صغيرة في الفرد لتفسير فكرة القدر و فكرة الحياة والموت في حدود حياة الفرد أي أن يصبح الدين مقبول فقط في حدود العقل.
على حال أن محاولة دول الخليج و السعودية اللحاق بركب الانسانية وفكرة مناقشة العلمانية هي خطوة في الاتجاه الصحيح و سوف تستطيع أن تلحق بمحاولات مصر في مقارباتها الحداثية و كذلك اللحاق بالمدرسة الفلسفية التونسية والمغربية التي تعتبر متقدمة اليوم حتى على الفكر المصري اليوم.
ويبقي مجتمع السودان يرقص على حافة الهاوية ويسير باتجاه المجتمعات التي لا تنتمي الى العصر لأن الحداثة كما يقال تخلق الاطراب في الرؤى المطمئنة الى استقرارها كحالة رؤى المجتمع السوداني التي تمر عبرها حيل الاسلاميين ومكرهم و لكن الناتج من مكر الاسلاميين سيكون بقاء الشعب السوداني خارج التاريخ الى حين يستعيد الفكر السوداني قوته في روح جديدة مفارقة لروح المفكريين الحاليين وقرآءتهم الناعسة مما جعلهم في مصاف اللاحق للأحداث واللاحق للأحداث يكتب الى ما لا نهاية في ما لا ينفع الناس كحالة كمال الجزولي وتعليقه على تصريح العتيبة.
في مقدمة المقال قلنا أن السعودية تسرع الخطى من أجل اللحاق بالجناح الغربي الذي تقودة المدرسة الفلسفية في المغرب و تونس و اليوم يصدر في السعودية قرار يسمح للمرأة السعودية بقيادة السيارة و أظن تريد السعودية اللحاق بتونس التي قد نادت بالماساواة بين المرأة والرجل فيما يتعلق بالميراث و الزواج بغير المسلم قبل أيام وكما يقول نيتشة أسأل من جاء اخيرا يخبرك من أين أتى السابقيين أسأل السعودية عن قرارها في السماح للمرأة بالقيادة و تونس بحق المساوة في الميراث و الزواج بغير المسلم يتضح لك أن الأسرة الجذعية هي أساس سلطة الأب و ميراث التسلط وأن الأسرة النووية هي نواة وقلب الفكر الليبرالي في فكر ايمانويل تود في فكرة البناء الاسري وظلاله على النظم السياسية وهذا ما نجد صداه في فكر هشام شرابي في كتابه النقد الحضاري للمجتمع العربي وأرجع فيه كل العلل التي قد أنجبت الاستبداد الثقافي والسياسي والاجتماعي تكمن في سلطة الأب وميراث التسلط.
على أي حال أدرك الشعب السوداني عيوب الحركة الاسلامية في حكمها للسودان فيما يقارب الثلاثة عقود ولكن لن تدرك النخب السودانية دورها الذي ينبغي أن تلعبه من أجل الاطاحة بفكر الخطاب الديني الذي قد جعل فكرة الوطن مسألة دينية كما يقول توفيق السيف. و يوم تدرك النخب ذلك الخلل سوف تختفي كتابات كثير من المفكرين السودانيين و في مقدمتهم النور حمد في مؤالفته بين العلمانية والدين و فكرة أن الانقاذ قد أصبحت بفعلها التجريفي في المجتمع السوداني جزء من رأسماله الاجتماعي. وستختفي كتابات كمال الجزولي وركونه الى الايدولوجيات المتحجرة وتختفي رحلة عبدالله علي ابراهيم الذي يقضي صيفه عروبي اسلامي وخريفه وشتاءه شيوعي وهي رحلة الشتاء و الصيف التي اعتادها عبدالله على ابراهيم في كتاباته. ستختفي الكتابات التي قد أصبحت مسبوقة بعهد وتظهر كتابات ليست مسبوقة بعهد كما يقول رينيه شارل فتجربة الانسان و ضمير الوجود ترفع مجد العقلانية و ابداع العقل البشري و قد خرج من الثنائيات المقيتة الى مثلثات الفلسفة و دونك الفرد والعقل والحرية و قد انتهى زمان النواح كما يقول داريوش شايغان فالحضارة اليوم واحدة و هي الحضارة الغربية وقد قضت على الحضارات التقليدية و الحضارة العربية الاسلامية منها أي الحضارات التقليدية.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.