أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قراءة في ميلاد ثاني لرؤية السودان الجديد .. بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
نشر في سودانيل يوم 28 - 10 - 2017

في ظل الأزمة الناشئة في الحركة الشعبية " شمال" كتب السيد ياسر عرمان ورقة تتكون من "ست و ثلاثين ورقة A4" بعنوان " نحو ميلاد ثاني لرؤية السودان الجديد، قضايا التحرر الوطني في عالم اليوم" و هي ورقة جديرة بالقراءة و التعليق عليها، لأنها تتحدث عن أسباب الأزمة التي ضربت تنظيم الحركة الشعبية من وجهة نظر السيد عرمان و المجموعة المؤيدة لهم، و محاولة منه لوضع الأصبع علي مكامن الخطأ، و الورقة رؤية تعكس تصور عرمان للحل، و إن كانت الورقة بدأت سفرها النقدي من منصة التأسيس الأولي، إذا كان التأسيس الأول للحركة الشعبية عام 1983م، أو التأسيس الثاني للحركة الشعبية شمال بعد الانفصال عام 2011م، و الرجوع لمنصة التأسيس في البناء النقدي مهم جدا، لأنه يبين ماهية القاعدة التي حكمت عملية التأسيس، إذا كان التأسيس شيد علي قواعد ديمقراطية، أو إن القوة هي التي فرضت سطوتها علي التأسيس، لآن الوسيلة التي تم الاعتماد عليها سوف تفرض شروطها علي البناء التنظيمي في مستقبله. و تبقي هي الوسيلة التي يتم الرجوع إليها كل ما واجهت الحركة تحديات في مسيرتها السياسية، و الحركة استعصمت بالبندقية أكثر من العمل السياسي الذي يحدث وعيا وسط الجماهير.
في هذه القراءة سوف لن اتعرض لكل ما كتب في الورقة، باعتبار إن الورقة تناولت تاريخ تأسيس الحركة مرورا بجميع المراحل حتى انقلاب السيد عبد العزيز الحلو. ثم تقديم رؤية للحل الذي سماه السيد عرمان " نحو ميلاد ثاني لرؤية السودان الجديد" و هي خطوة جدير بالتقدير و الاحترام أن يقدم قيادي سياسي سفرا سياسيا نقديا لتنظيمه السياسي، يفتح من خلاله حوارا حول القضية بأفق سياسي فكري بعيدا عن المساجلات الشخصية، و التي تدفع المشتبكين فيها لتقديم إتهامات لبعضهم البعض، تجر وراءها مناكفات لا تفيد العمل السياسي في شيء. و لكن القضايا التي تأخذ الطابع الفكري تجذب ذوي الرآي و المعرفة. و إن كان الملاحظ منذ إنقلاب الإنقاذ و تكوين التجمع الوطني الديمقراطي، يتجنب المثقفون نقد الحركة الشعبية أو التعقيب علي مقولاتها، و الشخص الذي يقدم علي نقد الحركة الشعبية يعرض نفسه لألسنة حداد و إتهامات من سدنة الحركة، و رغم إن قيادات الحركة لا يعلقون علي ذلك و يكتفون بالصمت، لكنهم كانوا راضين علي ذلك السلوك المخل بحرية الرآي و مفارق للسلوك الديمقراطي، و كانوا يعتقدون إن ذلك يمثل حماية من الجماهير للحركة ضد الذين يتعرضون لها بالنقد. و إن كان تخوف المثقفين من نقد الحركة و سياساتها، هو بمثابة خيانة للمثقفين للمبادئ التي يناودن بها، هؤلاء السدنة هم أكثر خطرا علي الحركة من أعدائها.
يقول السيد عرمان في ورقته (تكونت الحركة الشعبية فى السودان من ثلاث مجموعات فى 10 أبريل 2011 وهى، القطاع الشمالي وجنوب كردفان و جبال النوبة والنيل الأزرق. لم تلتق قيادة هذه المكونات إلا بعد إعلان نتيجة الإستفتاء على حق تقرير المصير فى الجنوب وبعد خطاب البشير فى مدينة القضارف "ما عرف بخطاب الدغمسة". تلى ذلك أن عَقدت قيادتها مؤتمرا صحفيا فى الخرطوم، توج بإتفاق وإعلان عن ميلاد الحركة الشعبية فى السودان، وتم تكوين قيادة إنتقالية من المكونات الثلاث ويظل تطوير وإحترام توازن العلاقة بين المجموعات الثلاث لبناء حركة عضوية امراً لاغني عنه، وتم الإعلان عن لجنة لكتابة (المانفستو) الجديد والدستور، وبدأت خطوات فك الإرتباط مع الحركة الشعبية فى الجنوب سياسيا؛ وعسكرياً وإداريا، التى إكتملت لاحقاً) إن واحدة من اخطاء منصة التأسيس للحركة الشعبية " شمال" بعد الانفصال، إنها اعتمدت في التكوين علي المناطقية، و بالتالي الرجوع في الأزمة يبقي علي المناطقية، و هي الوسيلة التي اعتمدها عبد العزيز الحلو في صراعه مع رئيس الحركة الشعبية و أمينها العام، فالرجل أرتكز علي قاعدة التأسيس، عندما دعا مجلس تحرير جبال النوبة، و هو أحد الأضلاع الثلاثة المكونة للحركة الشعبية " شمال" لكي يساعده علي حسم خلافاته مع رئيس و أمين الحركة. و حتى إذا نظرنا للحركة الشعبية في مسيرتها التاريخية حتى اليوم في جنوب السودان، إن منصة التأسيس اعتمدت علي البندقية في حسم الصراع مع قيادات " انيانيا 2" الذين يسميهم ياسر عرمان " القوميين الجنوبيين" حيث إن القيادات العسكرية التي حسمت الصراع عبر البندقية هم " سلفاكير مياردت و كاربينو كوانين و وليم نون" و الغريب أثنين منهم تم التخلص منهم بذات الوسيلة. و الثالث مازال يعتمد علي الوسيلة في حسم الخلافات السياسية. إذا إن منصة التأسيس تظل تفرض ذاتها علي الجميع، حتى عبد العزيز الحلو لم يكتف بقرارات مجلس تحرير جبال النوبة، و لكن ساعدته البندقية التي يقبض علي زنادها من جانب و الجانب الآخر، علو صوت القبلية، الذي أكد غياب الثقافة الديمقراطية داخل الحركة، إذا الرجوع لمنصة التأسيس بالنقد و ماولة البناء علي القواعد الديمقراطية هو الذي يؤسس لحركة تستطيع أن تنداح وسط الجماهير بالوعي و ليس بخوف افعال البندقية .
تناول عرمان في الورقة التغييرات التي حدثت في المنطقة، و أزمة الرسمالية و اخفاقات القوميين التي أدت إلي صعود الحركات الإسلامية و تقلقلها وسط القطاعات الجماهيرية، الذي أفرز حالة من التوحش للخطاب الرأسمالي و الشعبوي. و قال عرمان (فى هذا المناخ قامت الحركة فى السودان بالمحاولة الجريئة والشجاعة لبناء حركة ديمقراطية، فى مجمتع يعيش تحت قهر الإسلام السياسي. فبينما نجحت الحركة فى قضايا عديدة، إلا انها فشلت فى تحقيق هدفها الرئيسي الذى جذب الملايين وهو "بناء سودان موحد علمانى ديمقراطى" على أساس من المواطنة والعدالة الإجتماعية ولمصلحة جميع السودانيين. علينا الأخذ فى الإعتبار أن الحركة في السودان قد نشأت فى ظل وضع إقليمى مربك ومرتبك. شهد تأسيسها إنفصال الجنوب وإرتكاب النظام لجرائم حرب وإبادة جماعية فى دارفور. فالإنفصال والإبادة الجماعية حدثين يستدعيان إعادة النظر فى كامل المشروع الوطني و يشمل ذلك إعادة النظر فى تجربتنا والإستفادة من الدروس التى إستقيناها، وإن أستدعى ذلك الرجوع الى الوراء لكى نتقدم الى الأمام. لذلك لا بد أن نحاكم تجربتنا على نحو نقدى لا يهدم إلا بالقدر الذى يبنى فى إطار من الإلتزام القاطع برؤية السودان الجديد، وهذا ما نحن بصدده تحديدا) أعتمد عرمان في التحليل الذي ساقه على مرجعيته الفكرية، و في نفس الوقت يعبر عن عقلية سياسية متابعة للأحداث الجارية في المنطقة و في العالم، و انعكاسات ذلك علي القضية السودانية. لكن المحاولة الجريئة للحركة لبناء تنظيم ديمقراطي هذه فيها رآي. إن إشكالية الحركة منذ التأسيس و خروج المنفستو الأول عام 1983م، كانت الديمقراطية، التي شكلت كعب أخيل للحركة، التي أعتمدت علي الكارزما دون المؤسسية. و الدكتور جون قرن لم يفكر في الصراع السياسي الدائر في السودان من خلال منظور ديمقراطي، دلالة علي ذلك موقفه من الانتفاضة التي كان قد سماها " مايو2" التي اعطت فرصة كبيرة لاعداء الديمقراطية أن يستغلوا موقف الحركة لهدم النظام الديمقراطي. إضافة إلي عدد من تصريحات الدكتور قرن و بعض القيادات الآخرى. في لقاء صحفي أجرته مجلة المجلة" العدد 67 يوم 10 مايو 1993م قال فيه الدكتور جون قرن عن الديمقراطية ( الديمقراطية لا تبقي في طليعة خياراتي، إنما هي رفاهية أخبئها لأيام السلم حين نخلع ثياب النضال المسلح، حتى الآن أنا قائد حرب عصايات، و لا اسمح لنفسي برفاهية يمارسها السياسيون في حلقة نقاش سياسي تنظيري) و يسمي الدكتور قرن الديمقراطية رفاهية، و غير مشغول بها، مما يؤكد إنها ليست في سلم أولويات الحركة. و غابت في منصة التأسيس، و اعتمد بديلا عنها البندقية لحسم الخلافات الناشبة، أو حتى الآراء المعارضة، هي الوسيلة السائدة حتى اليوم في حل خلافات الحركة " البندقية" و البندقية و الديمقراطية تياران متوازيان لا يلتقيان مطلقا، و إذا كان عرمان يرى غير ذلك عليه أن يشير إلي حركة واحدة في التجارب العالمية اعتمدت الكفاح المسلح و عندما وصلت للسلطة تنازلت و أقامت نظاما ديمقراطيا، فالكل الحركات التي تبنت الكفاح المسلح بعد نجاحها أسست حكما ديكتاتوريا عضودا، إن كان في كوبا أو في نيكاراجوا و في أثيوبيا و اريتريا و يوغندا و أخيرا جنوب السودان.
إن الديمقراطية كمصطلح لم يردد كثيرا في خطاب الحركة الشعبية، و خاصة في خطابات الدكتور جون قرنق، و هذا المصطلح عندما يتم تريده من قوي لها علاقة بالديمقراطية، يتأكد إنها تبحث عن مساومة سياسية و لا يتردد لأنه يشكل قاعدة مبدئية، عندما تقول القيادات في الحركة إن العلمانية و الديمقراطية هما الطريق الذي يؤدي للوحدة، فهي تدخل الديمقراطية بغرض المساومة. و إذا كانت الحركة اعتمدت الديمقراطية قضية مبدئية، و عملت علي تطبيقها في التنظيم، كانت غيرت كثيرا من مجرى العمل السياسي في البلاد، و في غترة تاريخية في عقد التسعينات كانت الحركة تفرض شروط العمل السياسي علي القوي السياسية، و كانت لديها فرصة أن ترسخ قواعد الديمقراطية في تلك البناءات التي تحتاج لكثير من الترميم، و كانت قد ساعدت علي إنتاج الثقافة الديمقراطية في المجتمع، و هي واحد من ركائز الوعي الجماهيري الذي يقود لعملية التغيير، لكنها أهملت الديمقراطية كمبدأ و ثقافة. إلي جانب إن الكادر الشمالي داخل الحركة أيضا كان مغيب، لأنه لم يكن جزءا من صانعي القرار في الحركة. إنما جميعهم تم استيعابهم في مكتب الدكتور جون قرنق كمستشارين إذا كان في الجانب السياسي، أو في الجانب الإعلامي، لذلك لم يستطيعوا أن يطرحوا رؤاهم بقوة داخل الحركة، فهي الفترة التي حاول ياسر أن يغض الطرف عنها.
في الورقة التي كان قد قدمها السيد استيف وند ممثل الحركة في أمريكا لمؤتمر واشنطن و نشرتها " مجلة مسارات" التي أصدرتها الحركة في عددها الأول يقول فيها ( لقد ظهرت الحركة الشعبية في الجنوب، يقودها جنوبيون. و قد عملت الحركة من أجل بناء كادر شمالي لتأكيد أهدافها و شخصيتها الوطنية، و هذا أيضا تم تجاهله ليس لآن الشماليين لا يوافقون علي هذه الدعوة، لكن لأنهم لا يمكن أن يحرروا أنفسهم من العقلية النعصرية. و قد قاد هذا الأمر لزيادة " جنوبة" شخصية و شكل الحركة، و قد أمسك الجنوبيون بالفرصة، و عملوا علي إضفاء طابعهم علي الحركة، و جنوبة أجندتها بقدر ما أمكنهم ذلك، و هذه طبيعة اللعبة السياسية الديمقراطية) إذا كانت الأجندة المطروحة من قبل الحركة هي أجندة النخب الجنوبية و ليست أجندة شاركت فيها كل القوي المؤمنة بخط الحركة، الأمر الذي يؤكد غياب الممارسة الديمقراطية كفكر و كتنظيم داخل الحركة، و هذا الغياب قدر ظهر في الصراع المسلح في دولة جنوب السودان، و كان متوقعا أن يحدث في الجانب الأخر للمشهد.
في منصة التأسيس الثانية التي اعتمدت المناطقية كأساس للتأسيس، أيضا لم تؤسس الحركة علي المبادئ الديمقراطية، صحيح إن ياسر عرمان أصبح يردد المصطلح كثيرا في تصريحاته، لكن لم يوجد علي الأرض كممارسة، و حتى رفض مالك عقار تسليم الرئاسة في الجبهة الثورية لدكتور جبريل إبراهيم يؤكد إن الديمقراطية كثقافة في الحركة تكاد تكون غير موجودة. يقول عرمان في ورقته (الجماهير التى إستقبلت قرنق فى الساحة الخضراء كانت تتطلع لحلول لقضاياها المتمثلة فى السلام والطعام والمواطنة المتساوية والحريات وحقوق الإنسان والصحة والتعليم والمياه والسكن،وإنصاف النساء وتوفير فرص العمل للعطالة، اى تحسين شروط الحياة. تقع كل هذه القضايا فى صلب برنامج السودان الجديد. يمكن القول بكل ثقة إن قرنق كان على أعتاب تجاوزالمطالبة بحق تقرير المصير بعد ان توفر له جمهور لتغيير كل السودان فى الساحة الخضراء) خلاف البعض مع الحركة الشعبية و أنا منهم، إنهم يقدمون الحرية و الديمقراطية علي المطالب الأخرى خلافا لقناعات قيادات الحركة، باعتبار إن الديمقراطية تؤسس للعقل الحر و توفر البيئة الصالحة للإبداع بكل جوانبه. لكن قيادات الحركة في كل تياراتها المتصارعة تقدم مطالب أخرى علي قضية الديمقراطية، و ها هو عبد العزيز الحلو يطرح قضية " تقرير المصير" في صمت كبير من قوي المعارضة و من المثقفين السودانيين الذين يترددون كثيرا في نقد الحركة. نرجع لحديث السيد عرمان و ما حدث للدكتور جون قرن من استقبال في الساحة الخضراء، و يقول عرمان إن هؤلاء كانوا يطالبون و يتطلعون إلي الحرية و احترام حقوق الإنسان. فهل الحركة حاولت أن تحقق لهم ذلك؟ لكن الحصل العكس....! عندما ساومت الحركة المؤتمر الوطني بقبول الاستفتاء و إجراه في موعده، علي أن توافق الحركة علي إجازة القوانين المقيدة للحريات. و كنت أتوقع أن يتطرق إليها عرمان، فهي القوانيين التي يتم بها مصادرة الصحف حتى الآن، فهي الغائبة تماما من ورقة السيد عرمان. المسألة الثانية إن الحركة الشعبية " شمال لم تنقد التحول الذي حدث عند النخب الجنوبية و استبدال السودان الجديد الموحد بالانفصال. أليس النقد يعد ركيزة الأساسية للديمقراطية، و لكن سماها عرمان أهداف القوميين الجنوبيين.
يقول عرمان في ورقته ( يجب تقيّيم اى مشروع سياسى ونجاح وفشل قادته بالأهداف التى طرحوها، والنتائج التى حصلوا عليها، طرحت الحركة الشعبية لتحرير السودان مشروع السودان الجديد لتحقيق "دولة علمانية ديمقراطية موحدة جديدة". لم يتحقق هذا الهدف الرئيسي لأسباب عديدة سنتناول أهمها. لذلك يتوجب على كل الذين ناضلوا تحت رايات المشروع وعملوا لعقود طويلة لتحقيقه، ومن واقع إلتزامهم والوفاء للشهداء وللجرحى، ولكل تضحيات شعبنا، الإعترف بداية أننا لم ننجح فى تحقيق الهدف الرئيسى للمشروع. كما يتوجب علينا أن نبحث عن الاسباب التى قادت لذلك، وأن نصل الى تقييم شامل نقدي ودقيق لما جرى على مستوى الرؤية والممارسة، وأن تكون أعيننا مبصرة للمتغيّرات العديدة التى حفل بها عالمنا الوطنى والإقليمى وعلى أمتداد الكرة الأرضية، وأن نجرى مراجعة دقيقة وأمينة تضعنا على أعتاب بداية جديدة) هذا قول يخالف السائد في الثقافة السياسية السودانية، لآن السياسيون السودانيون تعودوا أن يهربوا إلي الأمام، أو أن يبحثون عن شماعات يعلقون عليها أخطائهم، لقد أدمنوا التبرير. الأمر الذي جعل التجارب السياسية تخفق، و كل الريات التي رفعتها النخب السياسية سقطت و فشل تحقيقها. و إشكالية الحركة منذ منصة التأسيس الأولي كانت قد فارقت طريق النجاح لشعاراتها، لأنها أسقطت الديمقراطية من حساباتها، و حتى في منصة التأسيس للحركة الشعبية " شمال" أيضا اسقطت راية الديمقراطية، و هي السبب الرئيس الذي أدي لتفككها. و المحير في الأمر إن القيادات تعرف إن الديمقراطية هي النظام الذي يسمح بالمساومة في معالجة القضايا الخلافية بين القوي السياسية، دون اللجوء للعنف أو الانقسامات، و إشكالية السياسي السوداني لا يتعظ إلا بعد فوات الأوان. إن كل القوي السياسية السودانية يسارها و يمينها قد مرت بتجارب الانقسامات، و يعود ذلك بسبب غياب الممارسة الديمقراطية، رغم شعاراتها المرفوعة. و تمر كأن شيئا لم يحدث، لآن الكل يستبطن الثقافة الديكتاتورية بصورها المختلفة، و الحركة الشعبية ليست استثناء.
و حول رؤيته لحل الأزمة في الحركة الشعبية، يقول عرمان ( يجب أن نبنى حركة تحرر وطنى فى ثوب جديد، آخذين التجارب البشرية، والتطور التكنولوجى الهائل الذى يختصر كثير من مهام البناء الصعبة فى الماضي. فالتيارات والأحزاب الحديثة يمكن أن تبنى على قوى إجتماعية جديدة، إذا إستوعبت وفق برنامج جاذب التحولات الإقتصادية والإجتماعية والثقافية العميقة فى المجتمع مثل تجربة "جيرمى كوربن" فى بريطانيا و"بيرنى ساندرز" فى الولايات المتحدة الأمريكية و"ماكرون" فى فرنسا،الذين صعدوا فوق موجة تيارات إجتماعية جديدة ناهضة على رأسها الشباب) إن عرمان مايزال متخندقا في مرجعيته الفكرية، فالثورية و التقدمية مصطلحات تجاوزتها المجتمعات، و إن التجارب التي ذكرها عرمان، هي تجارب قد تمت في مجتمعات ديمقراطية، درجة الوعي الجماهيري تفوق 90% من الشعب، و هذه الشعوب تدرك مصالحها تماما، و لا تتعامل مع السياسة من خلال الفروض القبلية و العشائرية و الطائفية، إنما يتحدد موقف أية شخص وفقل للمصلحة الخاصة و العامة، التي تحفظ الأمن الاستقرار الاجتماعي، و نحن أمة ماتزال تبحث عن هويتها، و تتحكم في الناس العواطف الأولية، إذا كانت راجعة إلي القبيلة أو الزعيم أو الحزب. لكن أولويات القوي السياسية السودانية يجب أن تعرف كيف تصنع الوعي لمجتمعها، و أن تستبدل عقل البندقية بالعقل السياسي القادر علي الإبداع في صنع أدواته الصالحة لعملية التغيير.
يلامس عرمان العصب الحي للمشكل، عندما يقول (فى غياب الديمقراطية الداخلية، والمحاسبة الصارمة على الأخطاء، التى أرتكبت فى حق الجماهي،ر وحق التنظيم فى تجربة الحركة، ولد آثاراً سلبيةً تحتاج الى إجتراح طرق جديدة فى معالجتها. إن كل ما ذكرناه آنفاً لا ينف أهمية الدور الحاسم الذى لعبه الكفاح المسلح، لاسيما فى مواجهة نظام فاشى مثل النظام الحاكم فى الخرطوم، الذى يقوم على العنف وإحتكاره. إن الحركة تحتاج أن تدرس بعمق الأثر السلبى للقبلية كأيدلوجيا والفساد وتأثيرهما على التجربة. سأتناول هذ القضية الهامة بشكل تفصيلى فى وقت آخر) إن الإشكالية المهمة في العمل السياسي السوداني هي غياب الديمقراطية، و إذا كان السيد عرمان في ورقته يطالب عضوية الحركة أن يتناولوا الأزمة بمنهج نقدي، لمعرفة الأسباب التي أدت الحركة أن تفشل في تحقيق مقاصدها، و الدراسة النقدية و التقييم لا يصبح مفيدا في غياب حرية الرآي و الممارسة الديمقراطية، و هذا الذي كانت تفتقده الحركة منذ التأسيس الأول، إن القيادات السياسية التى لا ترغب في الديمقراطية دائما تلجأ إلي وسائل أخرى غيرها تساعدها علي حسم خلافاتها بالقوة، و غياب الديمقراطية هو السبب الذي عطل العقول المنتجة.
غياب الديمقراطية في كل القوي السياسية، و خاصة في أوقات الأزمات تفتح المجال لصعود قيادات متواضعة في قدراتها، و هؤلاء يساعدون الحاكم و الزعيم علي السير في اتجاهات مغايرة، و هي التي أضعفت المعارضة، و هي التي أثرت في فاعلية القوي السياسية. و الموضوع يحتاج إلي قراءات أخرى، ربما يكون وجهات نظرها أفضل، لكن إشكالية النخب المثقفة تحجم عن تناول موضوع الحركة بالنقد، و إلا كانت الورقة وجدت التناول من العديد من المثقفين، باعتبارها أول دراسة نقدية تخرج من الحركة، و تتطلع لرؤية الآخرين. و في الختام أن الورقة تعد دراسة جادة لتقييم تجربة الحركة، و كما قال عرمان يجب الرجوع لمنصة التأسيس. و نسأل الله حسن البصيرة.
سوف نعود للورقة في القريب العاجل، باعتبار هناك قضايا تحتاج للقراءة.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.