معتصم اقرع: لو لم يوجد كيزان لاخترعوهم    الصين تفرض حياة تقشف على الموظفين العموميين    (المريخاب تقتلهم الشللية والتنافر والتتطاحن!!؟؟    محمد وداعة: الجنجويدي التشادى .. الأمين الدودو خاطري    وكالة الفضاء الأوروبية تنشر صورا مذهلة ل "عناكب المريخ" – شاهد    شركة توزيع الكهرباء تعتذر عن القطوعات وتناشد بالترشيد    والي ولاية الخرطوم يقف على إنجاز الطوف المشترك لضبطه متعاونين مع المليشيا ومعتادي إجرام    دخول أول مركز لغسيل الكلي للخدمة بمحلية دلقو    والي ولاية الخرطوم يقف على إنجاز الطوف المشترك لضبطه متعاونين مع المليشيا ومعتادي إجرام    "منطقة حرة ورخصة ذهبية" في رأس الحكمة.. في صالح الإمارات أم مصر؟    بايدن يعين"ليز جراندي" مبعوثة للشؤون الإنسانية في الشرق الأوسط    مصادر: البرهان قد يزور مصر قريباً    شركة توزيع الكهرباء في السودان تصدر بيانا    تصريحات جديدة لمسؤول سوداني بشأن النفط    إقصاء الزعيم!    برشلونة: تشافي سيواصل تدريب الفريق بعد تراجعه عن قرار الرحيل    لطرد التابعة والعين.. جزائريون يُعلقون تمائم التفيفرة والحلتيت    إيفرتون يصعق ليفربول بثنائية    الجيش يقصف مواقع الدعم في جبرة واللاجئين تدعو إلى وضع حد فوري لأعمال العنف العبثية    الحلم الذي لم يكتمل مع الزعيم؟!    أحلام تدعو بالشفاء العاجل لخادم الحرمين الشريفين    دخول الجنّة: بالعمل أم برحمة الله؟    حدثت في فيلم كوميدي عام 2004، بايدن كتبوا له "وقفة" ليصمت فقرأها ضمن خطابه – فيديو    السودان..رصد 3″ طائرات درون" في مروي    في أول تقسيمة رئيسية للمريخ..الأصفر يكسب الأحمر برعاية وتألق لافت لنجوم الشباب    كواسي إبياه سيعيد لكرتنا السودانيةهيبتها المفقودة،،    خادم الحرمين الشريفين يدخل المستشفى    جريمة مروّعة تهزّ السودانيين والمصريين    عملية عسكرية ومقتل 30 عنصرًا من"الشباب" في"غلمدغ"    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يترك عمله في عمان ويعود للسودان ليقاتل مع الجيش في معركة الكرامة.. وثق رحلته من مسقط حتى عطبرة ليصل أم درمان ويحمل السلاح ويطمئن المواطنين    شاهد بالصورة والفيديو.. إعلامية مصرية حسناء تشارك في حفل سوداني بالقاهرة وتردد مع الفنانة إيلاف عبد العزيز أغنيتها الترند "مقادير" بصوت عذب وجميل    شاهد بالصورة والفيديو.. "دعامي" يظهر في أحضان حسناء عربية ويطالبها بالدعاء بأن ينصر الله "الجاهزية" على "الجيش" وساخرون: (دي بتكمل قروشك يا مسكين)    العين إلى نهائي دوري أبطال آسيا على حساب الهلال السعودي    تطعيم مليون رأس من الماشية بالنيل الأبيض    إثر انقلاب مركب مهاجرين قبالة جيبوتي .. 21 قتيلاً و23 مفقوداً    عن ظاهرة الترامبية    مدير شرطة ولاية نهرالنيل يشيد بمجهودات العاملين بالهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس    إيقاف حارس مرمى إيراني بسبب واقعة "الحضن"    سعر الريال السعودي مقابل الجنيه السوداني من بنك الخرطوم ليوم الإثنين    نصيب (البنات).!    صلاح السعدني ابن الريف العفيف    أفراد الدعم السريع يسرقون السيارات في مطار الخرطوم مع بداية الحرب في السودان    بالصور.. مباحث عطبرة تداهم منزل أحد أخطر معتادي الإجرام وتلقي عليه القبض بعد مقاومة وتضبط بحوزته مسروقات وكمية كبيرة من مخدر الآيس    جبريل إبراهيم: لا توجد مجاعة في السودان    لمستخدمي فأرة الكمبيوتر لساعات طويلة.. انتبهوا لمتلازمة النفق الرسغي    عام الحرب في السودان: تهدمت المباني وتعززت الهوية الوطنية    مضي عام ياوطن الا يوجد صوت عقل!!!    مصدر بالصحة يكشف سبب وفاة شيرين سيف النصر: امتنعت عن الأكل في آخر أيامها    واشنطن: اطلعنا على تقارير دعم إيران للجيش السوداني    إصابة 6 في إنقلاب ملاكي على طريق أسوان الصحراوي الغربي    مفاجآت ترامب لا تنتهي، رحب به نزلاء مطعم فكافأهم بهذه الطريقة – فيديو    راشد عبد الرحيم: دين الأشاوس    مدير شرطة ولاية شمال كردفان يقدم المعايدة لمنسوبي القسم الشمالي بالابيض ويقف علي الانجاز الجنائي الكبير    الطيب عبد الماجد يكتب: عيد سعيد ..    بعد نجاحه.. هل يصبح مسلسل "الحشاشين" فيلمًا سينمائيًّا؟    السلطات في السودان تعلن القبض على متهم الكويت    «أطباء بلا حدود» تعلن نفاد اللقاحات من جنوب دارفور    دراسة: القهوة تقلل من عودة سرطان الأمعاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مشروع الجزيرة ... أمانة في أعناق الأجيال القادمة ( 2 ) .. بقلم: صلاح الباشا
نشر في سودانيل يوم 10 - 05 - 2018

صلة لما نشرناه في الحلقة الماضية عن كيفية إنشاء الشركة الزراعية والتي تحولت إلي مجلس إدارة شروع الجزيرة في العام 1950 م.. لعل العديد من الناس لايعلمون ما كان يقدمه مشروع الجزيرة لمجتمع الجزيرة والمناقل العريض قبل إنهياراته في السنوات الأخيرة ، فضلاً علي أن آثار نجاحاته الجانبية الأخري كانت تتمثل في إنتعاش الأسواق المحلية بمدن وقري المشروع العديدة ، ومارافق ذلك من قيام صناعات وطنية هامة تعتمد علي الخام الزراعي الناتج من محاصيل المشروع كصناعات النسيج ( مجموعة مصانع شرف العالمية ) ثلاث مصانع غزل ونسيج في مارنجان ومعاصر للزيوت والصابون ، ثم مطاحن الغلال بعد التوسع في إدخال زراعة القمح في النصف الثاني من القرن العشرين، وقيام مصانع نسيج الصداقة في الحصاحيصا وغزل الحاج عبدالله وغزل سنار، وقيام صناعات غذائية في مدني و المناقل وسنار ، فضلاً علي إتباع نظام الدورة الزراعية الذي يتيح للمزارع زراعة المحاصيل الغذائية والخضروات والبصل والفول ، وهي محاصيل جانبية ولكنها مهمة للمزارعين ويدخل عائدها كاملاً ومباشرة إلي جيب المزارع وأسرته، فضلاً علي توفر الأعلاف الزراعية للحيوان في كل قري الجزيرة .
ولذلك ، فإن الشركة الزراعية في الجزيرة كانت تقوم بأدوار هامة في الإقتصاد الوطني بالسودان عبر مسيرتها منذ عهد الإدارة البريطانية إلي أن تم تأميمها وتحويلها إلي مؤسسة وطنية مائة في المائة في عام 1950م فسميت بمجلس إدارة مشروع الجزيرة بالسودان ، حيث كان أول من ترأس مجلس إدارة الجزيرة المرحوم عبدالحافظ عبدالمنعم محمد ، كما كان يحتل منصب المحافظ بعد رحيل الإنجليز الراحل السيد مكي عباس خلفاً لآخر محافظ إنجليزي وهو المستر جيتسكل المشهور جداً لأنه كان قد تدرج في خدمة الجزيرة منذ أن كان خريجاً شاباً عمره 22 عاماً في عام 1930 حين أتي من لندن حتي مشارف الإستقلال في عام 1956م ، حيث عمل جيتسكل عند تعاقده من لندن مع الشركة الزراعية للعمل بالجزيرة مبتدئاً من وظيفة صراف صغير بالغيط وظل متدرجاً في الوظائف المختلفة عبر السنوات الطوال حتي وصل لدرجة محافظ لمشروع الجزيرة.
ولقد ذكرنا كل هذه المقدمة الطويلة عن هذا المشروع حتي تدرك الأجيال الجديدة بما كانت تقوم به الزراعة في هذا الوطن العزيز من أدوار في مسيرة الإقتصاد السوداني حتي وصل عائد البلاد من الناتج الزراعي وحده في بعض المواسم الزراعية إلي قرابة المليار دولار في السنة ، ولقد كانت أقل سنوات المردود الزراعي في عام 1989م ( قبل الإنقاذ) حيث وصل الناتج الزراعي لوحده إلي ستمائة مليون دولار تقريباً ( أي تعادل نصيب السودان من إنتاج البترول في بادياته الأولي ) . لذلك كان مشروع الجزيرة فيما بعد هو الغدوة لقيام مشاريع حكومية صغيرة مثيلة له كمشروع الرهد ومؤسسة حلفا والسوكي كي يزيد الناتج الزراعي للتصدير ولتستقر الحياة الإقتصادية لسكان تلك المناطق .
وعند إتباع سياسة التحرير الأخيرة في منتصف عهد الإنقاذ الحالي ، كانت من أكبر أخطائها تجاهل هذا المشروع بتقليل مساحات القطن فيه إلي أقل قدر وبنسبة إنخفاض وصلت إلي سبعين بالمائة في المساحة ، وإستبدلت تلك المساحات بتوسيع زراعة القمح الذي له مخاطره الأخري ، فهو محصول مكلف ويحتاج إلي مناخات شتوية محددة التوقيت وغير متقلبة ( كمناخات وسط
السودان) حسب رأي الخبراء في هذا المجال، والقمح أصلاً عالمياً يعتبر متوفراً ومن أرخص المنتجات المطروحة في السوق العالمي وليس بالسلعة النادرة مثل القطن، ولا ندري حتي اللحظة من هو هذا الفيلسوف صاحب المشورة المدمرة الذي أدار عجلة الزمان بالجزيرة سبعين عاماً إلي الوراء بسبب الخوف من قيام حصار إقتصادي دولي علي السودان كإنعكاس لتداعيات أزمة الخليج الثانية في عام 1990م ومابعدها ، حيث اشار بتقليص مساحة زراعة القطن من مليون فدان إلي مائة ألف فدان فقط في معظم السنوات الأولي للإنقاذ ، مع إتساع مساحات القمح الذي كان وبالاً علي الدولة والمزارع علي السواء ، فإذا بكل دول العالم تسارع في إرسال إنتاجها من سلعة القمح والدقيق الفاخر إلي السودان بأرخص الأسعار ، مما أدي إلي كساد القمح السوداني الرديء والمكلف جداً للخزينة العامة ، وبدأ بذلك إنسحاب السودان من معظم أسواق القطن والغزول العالمية ، وقد إتجه وقتها الغزالون العالميون في غرب العالم وشرقه إلي مناطق أخري من الكرة الأرضية للبحث عن دول بديلة تغطي حاجاتهم من الأقطان طويلة التيلة وقصرتها ، فبدأ العد التنازلي لهذا المشروع العملاق وتعطلت حركة الأبحاث الزراعية وتم إبعاد كل الكفاءات المتميزة بالمشروع بالكامل وتم إتباع سياسة القفز بالعمود في إدارة المشروع ،وإستشري التخبط وسط الإدارة التي ظل يتبدل مديروها كل سنة أو سنتين من عديمي الخبرة العريقة بعد أن إستغني المشروع من كل الجيل الخبير في شتي أقسامه منذ سنوات الإنقاذ الأولي ، فالكل كان يريد تكبير كومه من السلطات وحدث التضارب الإداري في القرارات ، وتقلص دخل صادر القطن من مئات الملايين من الدولارات إلي سبعين مليوناً فقط في عام 1999م إلي أن إنهار المشروع بالكامل بعد أن ظلت وظيفة المدير العام يتم التعيين لها من أصحاب الولاء - عديمي الخبرة - من خارج إطار المشروع ، وكلهم قد فشلوا فشلاً بائناً في إنقاذه مما دعا أصحاب الخصخصة والتحرير في المركز لتكوين اللجان لدراسة إمكانية خصخصة وبيع هذا المشروع العملاق ( بأثمان
بخسه) كما تعطلت إثر ذلك كل المصانع المحلية التي كانت تشتري موادها الخام من أقطان مشروع الجزيرة وتحولت تلك المصانع إلي ماكينات هامدة وتشردت العمالة واصبح سكان ولايات الجزيرة وحيواناتهم يتسولون لقمة العيش من خشاش الأرض ومن دواوين الزكاة ومن تحويلات المغتربين الذين هربوا من البلاد زرافات ووحدانا بعد أن سدت كل سبل الكسب أمامهم وهم يرون أهليهم تسوء أحوالهم المعيشية ، ورغم ذلك فإن البنوك الإسلامية بمرابحاتها العالية الفائدة التي تقارب الخمسين في المائة من أصل القرض في ذلك الزمان قبل ظهور النفط بالبلاد قد ساعدت في عملية إعسار ثم إفلاس قطاعات هامة من المزارعين الذين باع معظمهم أصوله الإنتاجية القديمة كاللواري والجرارات ، وبعضهم باع منازله المرهونة للمصارف ، فأصبحت سياسة التحرير هذه قد أضرت بقطاعات هامة من جماهير الشعب السوداني بعد ان كانت كل حياتهم تسير في تناغم وتؤدة ونجاحات معقولة وسترة حال عبر عشرات السنين، ولم نشهد في تاريخ السودان كله أن قام الناس ذات يوم ببيع كل أشيائهم الجميلة والعريقة ومعها ذكرياتهم الحلوة خلال سنوات محدودة إلا في عهد تحرير الإقتصاد هذا الذي رافقته حملات دعائية كانت تشعرك بأن السودان سيكون جنة الله في الأرض بعد خمس أو ست سنوات ، فإذا بالسنوات العجاف تتزايد سنة بعد أخري ، وإذا بفلاسفة تلك السياسة التحريرية يصمتون صمت القبور ويشغلون أنفسهم بإختراع مؤسسات أخري لعلها تقنع الشعب في الداخل والعالم الحر بالخارج بأن بلادنا أيضاً تستطيع دخول عالم التجارة التقنية الحديثة من بيع أسهم وسندات وأسواق مالية ومضاربات ، ناسين أن السودان وإقتصاده المنهار لايمكن أن ترتفع فيه أسعار اسهم أو سندات لمؤسساته المصرفية المفلسة حيث ظلت تختفي مصارفه ومؤسساته المالية من الوجود الواحدة تلو الأخري شأنها في ذلك شأن البقالات التي تغلق أبوابها بسبب عدم وفاء الزبائن بسداد مديونياتهم ، ولنا أن نراجع الأداء المالي لأي مصرف سوداني خاص وهي كثيرة العدد لنري كم هي الأرباح التي تحققت للمساهمين في العشرة سنوات الأخيرة ، لا شيء ، فتات فقط .. نعم فتات فقط ... أي والله.. ورغم ذلك لايزال البعض يتشدق بعبارات ( أسلمة البنوك) ذات الفائدة التي تصل إلي خمسين بالمائة من أصل القرض0 ( نذكر هنا أن فائدة البنوك قديماً كانت عشرة في المائة فقط) ، وكل الذي تغير أننا أبدلنا كلمة قرض إلي مرابحة فأصبح الأمر ( أسلمة البنوك) وهو مجرد شعار فضفاض فقط ، ثم رفعوا نسبة الفائدة إحتراماً لكلمة أسلمة هذه فقط ، وهذا رعب فكري أصولي بائن، والنتيجة كانت كلها إعساراً في سداد المرابحات ، وحصل ما حصل لعملاء المصارف.
لذلك نقول أن تحرير الإقتصاد إذا لم يرافقه تحرير لإرادة الناس وفتح المجالات الفكرية لإسهاماتهم فإن الموقف سيكون ( مكانك سر) ، وهذه طبعاً أفضل من ( إلي الخلف دور) التي حدثت للإقتصاد السوداني عبر سنوات تحرير الإقتصاد ، إذ لا زلنا نأمل في أن يعاد النظر في مسألة إعادة الحياة لمشروع الجزيرة ، وذلك لسبب بسيط لايخفي علي الإدارة الإقتصادية التنفيذية بالبلاد ، وهي أن هذا المشروع به من الأصول الثابتة ما لايحتاج بعده إلي إي إضافات أصول أخري لمدة خمسين سنة قادمة علي الأقل ، فهنالك قيمة أصل خزان سنار ولا نحتاج بالطبع إلي قيام خزان آخر لري أراضي المشروع تحديداً ، وهنالك وجود الأراضي نفسها كأصل قوي وثابت بذات تقسيماتها وتفاتيشها ، مع توفرمؤسسة أعمال الري بكل آلياتها الضخمة وخبراتها المعطلة ، ووجود قنوات الري والترع والتي تحتاج إلي تنظيفها فقط من الحشائش ، فلا نحتاج إلي إنشاء تفاتيش جديدة او شق قنوات جديدة في نظام الري ، وهنالك المكاتب والمساكن والمخازن والورش التي تغطي كل أقسام الجزيرة والمناقل ، وهنالك هناقر المحالج الضخمة في مارنجان والحصاحيصا والباقير ، وهنالك أصول رئاسة المشروع في تلك المنطقة الإستراتيجية الهادئة الجميلة ( بركات) ، وهناك أسطول قاطرات ومقطورات سكك حديد الجزيرة التي تنقل الإنتاج من الغيط إلي المحالج والتي للأسف قد إستعجلوا في بيعا كخردة ، أي نعم ( خردة ) ، وهناك إدارة ومعامل وأراضي البحوث الزراعية بودمدني بكل علمائها وإدارييها المتفانين ، وفوق ذلك هناك الإنسان المزارع والإنسان الإداري والإنسان الزراعي والإنسان الفني ، وهناك العامل المتخصص في كل أمور وخبايا ومعدات هذا المشروع ، وفوق ذلك هنالك القدرة الإلهية التي أبعدت شبح فكرة بيع المشروع في سنوات عتمة سابقة وحفظته للأجيال القادمة، فماذا يتبقي إذن كي نعمل لإعادة الحياة لتوظيف تلك النعم والموارد المعطلة التي تبلغ قيمتها السوقية الآن مئات المليارات من ( الدولارات).
إذن المسألة لا تستدعي الهروب والإلتفاف حول هذا الأمر ، ولا أدري كيف كانت لجنة الخصخصة التي تم تكوينها في السنوات الماضية تستطيع أن تجد مستثمراً لديه مايقارب الخمسمائة مليار دولار وهي القيمة التقديرية لأصول هذا المشروع المذكورة سابقاً ، كيف كانت خطة الخصخصة ستسير وماهي الجهات المحلية أو حتي الدولية التي تتوفر لديها مثل هذه القدرات المالية العالية لكي تشتري هذا المشروع ، أم أن المسألة سوف تسير علي نهج بيع المؤسسات المالية الرابحة مثل بيع البنك التجاري المتميز إلي بنك المزارع الخاص بأبخس الأثمان ، وبأغرب عملية بيع ، وقد كانت كالتالي: لم يقم بنك المزارع بدفع قيمة الشراء في وقتها فوراً ونقداً في عام 1991م ، بل كلنا يعلم بأن عملية السداد قد تمت من واقع عمليات ونشاط البنك التجاري القديم بعد عدة سنوات لاحقة ( في عام 1997م) مع ملاحظة إنخفاض أسعار الصرف خلال تلك المدة لأن البيع لم يتم بعملة الدولار ( تصور؟) ، أي تم بيع البنك وتم تركه يعمل كي يسدد ثمن أصوله للحكومة ، أي بعد أن حقق البنك أرباحاً عالية بموقفه المالي القوي وبأرباح معاملاته المصرفية لمدة سبع سنوات لاحقة ، ثم قام بعدها بسداد قيمة الشراء إلي بنك السودان دون تعديل في قيمة سعر البيع المقررة في عام 1991م رغم إنهيارات الجنيه المتلاحقة ، أي أن مساهمي بنك المزارع لم يوردوا قيمة الشراء إلي خزانة الدولة نقداً ومقدماً عند إستلامهم للبنك التجاري في عام 1991م ، وهذه لعمري أغرب طريقة للبيع وهي أن تبيع نفسك للغير وأن تعمل سبع سنوات إضافية لتحقق أرباحاً لكي تتمكن من سداد قيمة بيع نفسك للغير من أرباحك المحققة ، وهي تذكرنا بزمن تجارة الرق حيث يظل الرقيق يعمل عند مالكه حتي يتمكن من سداد المبلغ المتفق عليه لكي يتم عتقه بعد ذلك فهي أشبه بهذه المسألة تقريباً وهذا شيء مقلوب تماماً في عالم التجارة مائة في المائة، ولكنه الفساد المصاحب لحبروت السلطة وقتذاك ، وهي نتاجا لفلسفة التحرير الهوجاء والخصخصة وفوضي المتابعة والإنشغال بالفعل السياسي الهتافي الخطابي فقط، فضلاً عن قرار بيع مؤسسة حكومية مصرفية ناجحة كالبنك التجاري الذي يعتبر من أميز البنوك في تاريخ السودان الحديث وله تقاليد تجارية راسخة وعملاء متميزون راسخون في الحركة التجارية السودانية ، فقد إختفي البنك التجاري العملاق إلي غير رجعة ودخل بكل نجاحاته إلي بطن بنك جديد خاص يحمل إسم المزارع ( بالعافية) والذي لم يسهم مطلقاً في حركة الإقتصاد الزراعي والوطني بعشرة في المائة مما كان يقوم به البنك التجاري الذي ( ذهب مع الريح).
لذلك فإننا نتحدث بإصرار شديد في أن مسألة تحرير الإقتصاد وخصخصة مشاريع وبنوك الدولة رغم صحة نظرياتها من الناحية الفنية البحتة ، إلا أن تطبيقاتها كانت كلها تنم عن إنعدام خبرة في العمل الوطني السوداني ، وعن قلة تجربة في العمل الديواني ، حيث لاحظنا أن هنالك أسماء معينة ظلت ولمدة عشره سنوات تتنقل في نفس وظائف مديري البنوك التجارية والزراعية ، فيتم تحريكهم من بنك إلي آخر كل فترة ، مثل تغيير مدرب الكرة لخانات اللاعبين داخل الملعب مع الحفاظ علي نفس التشكيلة ، وبالتالي لا يحدث إستقرار إداري في البنك المحدد ولاتجديد في سياساته كي يتطور ويصمد ، وذلك بسبب تقلب السياسات وتبدل المهارات ،مما أدخل إقتصاد البلاد بذلك في حقل تجارب ظللنا ندفع ثمن إخفاقاتها المتواصلة فقراً ومرضاً وجوعاً ومهددات للهوية تطل برأسها من وقت لآخر ، وغادرتنا إلي غير رجعة كل قيم وتراث التسامح السياسي والتكافل الحياتي في المعاش والحاجات ، وإفتقدنا معظم مكونات إستمرارية مشروعاتنا الزراعية الضخمة ، وإنهارت الخدمة المدنية التي إشتهر بها السودان بين الشعوب ، وهاجرت العقول المتميزة المبعدة من الخدمة تلعق جراحاتها الغائرة وتتذوق مرارة العلقم إلي مهاجر بعيدة تستصعب العودة بعدها . ومنهم من بحث عن إكتساب جنسيات أخري فوجدوها علي طبق من ذهب في العالم المتقدم الذي يعرف قيمة الإنسان ...فتأمل!!!
ولكن رغم ذلك يبقي الأمل متقداً في نفوسنا وسنظل نتفاءل بالخير حتي نناله ، ولا نملك إلا أن ندعو الله أن يحفظ سوداننا الحبيب من كل شر وفتنة وأن يهدي كل قادتنا إلي سواء السبيل ، وأن يعم السلام الذي غاب طويلاً كل أرجاء البلاد ، وأن تعود لمجتمعنا مرة أخري كل قيم التسامح والأدب الرفيع والتعامل الراقي بين كل فئاته ، وأن تنتصر قيم الحق والجمال وأن تندحر وتغادرإلي غير عودة كل مشاريع الظلام وأجندة الحرب ، وحينذاك سنجد كل أسراب الطيور التي إرتحلت بعيداً جداً ولسنوات طويلة قد حزمت حقائبها لتعود إلي مراتع صباها لتجدد ذكرياتها رغم مرحلة كهولتها فتعود وفي معيتها كل تجاربها الثرة وكل أجيالها الجديدة التي ترعرعت بالخارج بكل ما إكتسبته تلك الأجيال من علم حديث ومن تقنية متقدمة ومن أفق متسع ومتقدم كإتساع بلادنا الشاسعة كي يحدث تواصل وتوارث للخبرات والتجارب في شتي الميادين مرة أخري بعد هذا الإنقطاع الطاريء رغم طول مدته ، وعند ذلك... ستتفتح ملايين الزهور في أرض بلادنا بعد أن أصابها الذبول زمناً ليس بالقصير .
وختاماً... نأمل بأن يكون هذا الجهد المتواضع قد فتح المجال واسعاً كي يسهم أهل السودان بإبداء ملاحظاتهم حول الأداء الإقتصادي في بلادنا طالما كان أمر الإقتصاد يهمهم كلهم وليس الجهاز الحاكم فقط ، حتي لا تتكرر تلك الأخطاء القاتلة مرة أخري ، وحتي نستطيع إبعاد شبح المعاناة التي واجهتها جماهير شعبنا ، وأن نتمكن من إغلاق ذلك الفك المفترس والمتمثل في حزام الفقر والجوع الذي أصبح سمة لازمة يُدمغ بها شعب السودان في كل الميديا العالمية كما نراها من وقت لآخر ....
والله المستعان ، وإلي اللقاء.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.