شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    رويترز: صور أقمار صناعية تكشف عن معسكرٍ خطير تبنيه إثيوبيا لتدريب ميليشيا الدعم السريع    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    تعادل الهلال والإتحاد يؤكد تأهل الرابطة لدورى النخبة ويشعل المنافسة على البطاقتين الأولى والثانية    الأهلي شندي يُسمّي جهازه الفني الجديد بقيادة علم الدين موسى وإسلام الفاضل    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    سفير السودان بالنمسا يدعو الاتحاد الأوروبي لممارسة الضغط على مليشيا الدعم السريع المتمردة وداعميها    مدير السكة الحديد: استئناف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم خطوة في مسار التعافي الاقتصادي    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    وزير الشباب والرياضة يلتقي وكيل جامعة الدلنج ويبحث أوضاع كلية التربية الرياضية    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"قيدومة" لكتاب: حسن الترابي آخر الاسلامويين (3) .. بقلم: د. عبدالله جلاب /جامعة ولاية اريزونا
نشر في سودانيل يوم 01 - 07 - 2018

Hasan al-Turbi, The Last of the Islamist: The and his Time 1932–2016
Author: Abdullahi A. Gallab
Publisher: Lexington Books: Rowman and Littlefield.
This title will be released on July the 15th 2018

(حسن/ د.حسن/ شيخ حسن /المرحوم حسن الترابي) 1964--2016
د. عبدالله جلاب
جامعة ولاية اريزونا
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(3)
وصف البعض من جماعة الفصيل الإسلاموي الذي خرج آو آخرج من السلطة في ديسمبر 1999 فيما سمي بعد ذلك بالمفاصلة، علي عثمان، بالسامري الذي أضل قوم موسى النبي في سيناء إبان غياب موسى في جبل الطور. لقد قدم السامري الأول لقوم موسى عجلا ذهبيا له خوار ليعبدوه. ولقد تبع نفر كبير منهم ذلك. لاشك إن الإشارات لمن يكون موسى الثاني وسامري العصر والعجل--الذي هو بإي حال ليس ذهبيا وإن كان وظل له خوار--واضحة لكل ذي عيان. هذا وإن استعاد موسى النبي قومه عند عودته لعبادة التوحيد بعد عودته من جبل الطور حاملا الواحه، رغم انه قد رمي بها وحط الا ان موسى الاسلامويين الذي يعتقد بانه قادهم نحو الانقلاب ومن ثم الى السلطة لم يستطع استعادة موقعه القيادي للمجموعة الاسلاموية او وحدتها من جديد. رغما عن ذلك فهو لم يحطم الواحه. هذا وإن فرح السامري الثاني والفريق الذي اعتقد بأن وجود عجلهم الذي ظل قائما والذي ما فتئ يخور كلما هبت عليه ريح، بانه الفريق الغالب إلا أن الأمر ظل له ما بعده. وكما اعتقد ذلك الفريق "الفائز" لبعض الوقت بأنهم بما أوتوا وما اعتبروا بأنه النصر المبين على شيخ حسن لم يجد محبو الشيخ وقتها من وصف أفضل للشيخ وأثره على اولئك اكثر من قولهم انه علم هؤلاء وأولئك من جماعات الحركة الإسلاموية "لبس الشال واستعمال الجوال". [هنالك صورة فتوغرافية لدكتورحسن يعلم احدهم قبل أن ينقلب عليه يعلمه فيها لَبْس ربطة العنق وهو في غاية البهجة بما خصه به الدكتور] بذلك القدر لم يجد الفريق الغاضب ما يمكن ان ينسبه للشيخ في مجالي الحداثة والقيادة الا مظاهر لا قيمة لها. وحتى بعد وفاته لم يجدوا ما يقولون عنه من اثر سوى بكائيات [اشبه ببكائات الكوريين الشماليين في وفاة كيم ال سونق ونجله] لا نعرف ان كانت هي أصلا في رثاء الشيخ ام في رثاء المشروع ام في رثاء النفس وما آل اليه الحال.
نسي الفريق الآخر في غمرة فرحهم بما اوتوا أنهم استبدلوا صنما بآخر دون كبير اعتبار او اهتمام لصفات آي من الصنمين. لذلك لم يجد البشير ما يفخر به بعد ربع قرن من الحكم اكثر من كونه علم السودانيين اكل البتزا والهوت دوق. ولكن ان الأمور غير ذلك فقد تواتر الكثير من الامور بعد موت الزعيم الشيخ. ولكن اكثر الامور إثارة حتى الان ما يمكن ان يعتبر ضربة البداية هو ما جاء به اسحق فضل الله في الانتباهة عدد الأربعاء الموافق التاسع من مارس 2016 بان امر المفاصلة لا يعدوا ان يكون اشبه بما تم ليلة الإنقلاب من خديعة لله والنَّاس والعالم كله وذلك لان "الترابي كان يقاتل دفاعا عن الاسلام والغطاء كان صناعة الدوار. الرجل يتقن ما يصنع لدرجة انه /حتى اليوم/لا يجزم الناس بالانشقاق...حقيقة هو آم خدعة." ياسلام! هل ياترى حقيقة أن الترابي دشن الانقاذ بخدعة وودعها بخدعة آكثر إحكاما إذ أنها اصابت العالم كله بالدوار؟ وهل موته خدعة اخرى؟ غير الذي نعرفه من حكاية ما جرى بين الإنقاذ والترابي هو ما ظل يردده الشيخ بكرة وعشية حتى أتاه اليقين في خطاب الوثبة فسكت عن قوله بان ما جرى يمثل نكثا للعهود وخرقا الوعود. ومهما كان الآمر فان السؤال المهم والذي طال علية الآمد هو هل الانقاذ حقيقة مشروع الترابي؟ نعم هناك من يقول بذلك وقد تكون أو لا تكون لذلك أدلة تدقيقية أو أدلة قطعية ولعل اكثر من يتحدثون عن هذا المشروع بما فيه الانقلاب الذي لا تزال بعض جوانبه في طَي الكتمان. ولعل الشخص الذي يمكن ان يعطي شهادة هامة وليس بالتأكيد صادقة هو علي عثمان. فهو الذي كان يصطحب بادي محمد الطيب معه للمناطق العسكرية ليعيد ويكرر: "سودانا جبهة نبقالو خوده" لتذهب تلك الإشارة المفخخة لمن يراد بها لا ما اراد لها شاعرها يوسف التني .
ولعل دور علي عثمان لا يقف او يبتدئ بحال كونه كان السامري ولكن عندما وحتى يفتح "الصندوق الاسود" للسامري لن يكون من المكن ان نحصل علي الصندوق الأسود للانقاذ وونتعرف على تطور التخطيط لمشروع الانقاذ ومن هو صاحب ذلك المشروع. هناك ايضا من يعرف الكثير عن علي عثمان ودوره ولعل معظم أولئك لن يتحدث الآن او بعد حين خاصة ان هنالك من تساوره الشكوك بأن علي عثمان ودولته العميقة لا تزال حاكمة وأن الرجل يبدو انه قد ترجل الا انه لم يترجل بعد. وان البعض يعتقد بأن ما يقوم به علي عثمان حقيقة ليس الا واحدة من مكائد الاسلامويين المتعددة مثل التي نسبت لشيخ حسن في المبتدأ كما جاد على لسانه وفي المنتهى كما جاد بذلك "قلم" يحى فصل الله. ثانيا قد لا يفصح علي عثمان كثيرا. للأسف فان علي عثمان لم يعرف عنه إنه من أهل الكتابة في يوم من الايام لذا فمن المشكوك فيه وان كان من الممكن ان يخرج علينا بكتاب يستكتبه شخصا ما-- يحتوي على بعض ما لم نتعرف عليه بعد والذي لايزال في طي الكتمان. اي كشف بعضا من ما كان يعتمل في ظلام المسرح الخلفي للحركة الإسلاموية طوال الفترة الماضية قبل الانقلاب وفي مراحل الإعداد له وفيما إعترى ما بين على وبين حسن الترابي في تلك الفترة من تاريخ دولة الاسلامويين الاولى تحديدا وما قبل ذلك بشكل عام. إذ يبدو ان هناك ما يمكن مقارنته بما كان يحدث ما بين ستالين ولينين في الفترة الاخيرة قبل موت الأخير. فالشموليات تنتج متشابهاتها. لقد حذّر لينين من ستالين ولكنه لم يقتلعه وقد أعلن حسن البنّا بالصوت العالي أن جماعة النظام الخاص "ليسوا إخونا وليسوا مسلمين" ولم يتمكن من كبح جماحهم. وقد لا نعرف حتى حين ماذا كان وراء صمت حسن الترابي حينما تواتر السؤال عن دواخل تلك العلاقة بينه وبين علي عثمان وهو الذي ظل يشير اليه بعبارات غامضة كلما ورد السؤال او الحديث صوب تلك الناحية. والمعروف عن الترابي إنه--في فترة بعينها-- قد انعكس غضبه مما حل به في العلن من قبل من يعتقد بانهم من اخلص تلاميذه وظهر لحين عدم توانيه في فضح بعض ما كان يدور في المسرح الخلفي والقليل من كبائر الانقاذ منذ يومها الاول. وعلى راس ذلك اعترافه بإرساله البشير للقصر رئيساً وشخصه للسجن حبيسا. ومن ثم فقد صمت الترابي عن الحديث المباح حتى في هذا وذاك لأسباب لا نعرفها. إلا أن ما يهم هو ان الطريق نحو الحديث المباح لا يقف عند الاعتراف بالأخطاء وانما يتجاوز ذلك الى الارتقاء بالأمر الى مراقي المسؤولية الوطنية والأخلاقية للإفصاح الامين للشعب السوداني بحقيقة ما جرى وتفاصيل ما ظل في طي الكتمان بشان ما تم من جرائم ارتكبت بحق الوطن وحقوق مواطنيه. إذ آن من واقع حق السودانيين أن يعرفوا حقيقة ما تم اذ ان من جراء ذلك قد لحق بهم الاذى البالغ وقد مسهم الضر طوال تلك الفترة الطويلة. وقد يحمد لبعض الاسلامويين موقفهم الواضح من الانقاذ وإنقلابها إلا أن كل أولئك والغاضبين على الانقاذ لأسباب اخرى يقفون في حدود شبه متفق عليها لا يتجاوزونها في إطار دواخل ومخارج تجربة الاسلامويين في الحكم. وليس المقصود هنا البحث عن فضائح تلك التجربة ما ظهر منها وما بطن على كثرتها وإنما يجب الولوج الى كل جوانب تلك التجربة عن طريق التحليل والبحث القائم على تقديم الحقائق والتي لا يزال الكثير منها في طي الكتمان.
وقد يكون أو لا يكون من المدهش أن ياخذ غازي صلاح الدين ربع قرن من الزمان لياتي بافادة منه تشير بانه "لم يكن مؤئدا للانقلاب وأن حسن عبدالله الترابي نفسه لم يكن مقتنعا بالإنقلاب على الديمقراطية. وإنه (اي غازي) لا يؤمن بالدولة الدينية او الحكم الاسلامي0" جاد بذلك في منزل احد السودانيين بقطر امام العديد من السودانيين الذين تحاوروا معه وكان ذلك في ديسمبر 2013. تناولت تلك الافادة العديد من المواقع الالكترونية السودانية ولم يرد حتى الان من الرجل شخصيا كتابة او تصريحا ما يفيد بأنه لم يقل ذلك. وهو من أكثر الاسلامويين كتابة ونفيا لما ينسب إليه من أقوال في الصحف. إذ لا يحتار الانسان اذ يرى المشاهد كيف تحل عقد لسان بعض هؤلاء القوم حال فقدان الموقع او الكسب. وقد لا يستغرب الانسان كثيرا وهو يشاهد ويقرأ أمثال تلك الافادات وهي تتواتر هذه الايام والبكاء بالدمع السخين من بعض من ظلوا يسلقونه بالسنة حداد حتى قبل موته بقليل. بل قد يتساءل الأبرياء منا هل يا ترى أن مثل ذلك السلوك يأتي من باب الخروج من جحيم الانقاذ دون المرور عبر المطهر والكفارة للشعب السوداني ام أن ذلك ياتي من باب "التحلل" و التحسب لما قد ياتي بعد سقوط الانقاذ. ام ان ذلك من باب ما يعتقده الاسلامويون بان الحرب خدعة وأن ما تم وما سيتم بينهم وبين الشعب السوداني يقع في هذا الإطار لذلك فانهم المالك الحقيقي والوحيد لتلك التجربة بكل ما فيها. لذلك فان الذي بينهم وبيننا كشعب، يقع في مجال: منهم البطش والعنف والنهب والاستعمار ومنا الاستجابة.
ولعل اصدق تعبير على ذلك ما جاء في الجملة المفيدة التي تيسرت لأمين حسن عمر، بعد ربع قران من الوجود داخل دولاب السلطة نصيحته ان تحزو الحركة الاسلامية حزو الصقر عندما يتقدم به العمر ويشيخ وكيف يمكن له ان يجدد أدواته الفتاكة التي تقوم عليها أمور حياته. وأتمنى أن لا يكون صقر الانقاذ يسعى الان لاستعادة أدواته الفتاكة من أجل مواصلة الفتك بالشعب السوداني من جديد بطريقة تستعيد بها الانقاذ سيرتها الأولى ومسلكها القديم في الفتك.
لذلك فان ما يهم حقيقة هو أن الحل لهذا المعضل لن يكن بالسهل ما دام 'الصندوق الأسود' للحركة الاسلاموية لم يتم العثور عليه بعد. وبذا والأمر والحال كذلك سنظل نسمع او نقرأ من وقت لآخر إفادات اقتضتها ظروف خاصة وهي في أحسن أحوالها لا تمثل إلا الجزء اليسير من حقيقة رويت حتى تروى غليل غضب البعض او من البعض الاخر اعتقادا منه في التقرب للسلطة زلفى. وفي الحالتين يتم الإفصاح وفق حالة الراوي المعنوية والنفسية او مدى الفقد الذي تعرض له هذا او ذاك. لذلك ظل معظم الناس يتعاملون مع ياتي به الاسلامويون من إفادات او نقد علني او وراء الكواليس في الحال والحين بقدر كبير من الريبة والحذر وما يقال عن او ضد هؤلاء واؤلئك من الاسلامويين باهتمام اكبر. ولذلك أصبحت قولة الطيب صالح: "من اين أتى هؤلاء الرجال" فيما يود ان يفهمه منها المواطن السوداني وهو يرى واقع حاله او في معناها السلبي جداً واجباً يوميا ظل يردده ويقول به الغاشي والماشي اكثر من خمس مرات في اليوم. لا ما يعتقد بانه التطور التاريخي للاسلاموية السودانية والذي لا شك ان الطيب رحمه الله هو من اعرف الناس بهم وبها بحكم انه كان احد رواد تلك الحركة المؤسسين. وليس في ذلك بالطبع ما يعيب الا بمقدار محاولات البعض تحرير صك اشبه بصك توبة ابو نواس الذي اسبله عليه البعض.
لا يختلف الكثير من السودانيين في أن علي عثمان هو الاسلاموي الأول الذي تبوأ منصب النائب الاول لرئيس الجمهورية وقد يكون الأخير. والأول هنا يعني أو يقوم بالخصم من حساب العسكريين الذين أتى بهم ويظل حظهم في المناصب العليا يتم عن طريق وأسلوب آخر لم تك الاسلاموية أو الإنتماء إليها او ايهما المؤهل أو الأساس في ذلك. وقد نجح علي فيما فشل فيه مسعى ومطمح شيخه حسن الترابي. ومن مدهشات أحايد الاسلامويين ان يقوم من يعتبر بانه عراب النظام (حسن الترابي) استجداء تابعه (عمر البشير) بآن يعينه في المنصب الثاني في الدولة في الوقت الذي كان يعتقد فيه أن الشيخ او في واقع الآمر كان يضع هو نفسه في المنصب الأعلى من النظام والدولة والحزب والرئيس. ومن عجائب الدهور ان يقبل الشيخ بتلك النتيجة المهينة دون استنكار او غضب. ومن ثم فقد ذهب البعض الى إصباغ المشيخة من بعد على علي دون مؤهل يذكر في مجال الفكر او الإجتهاد. رغما عن ذلك فان هناك من ذهب الى وصف علي عثمان بالتآمر والمكر والدهاء وحتى الجبن. وقد يجئ اليوم الذي نرى فيه البعض خاصة أولئك الذين ظلوا يطلقون لقب الشيخ على علي عثمان زلفى او بقدر من الخجل ويتبارون في كشف مسالبه ان لم تكن جرائمه. فقد يأخذ البعض من هؤلاء ايضا وقته هو الاخر حتى يطمئن الى أن ما تم من أمر رحيل علي عثمان حقيقة وليست خدعة. خاصة وأن الإشارات والأحاديث ظلت تترى بشكلها المادح والقادح كما ظلت تتواتر وتذهب الى أن شيخ علي هو صانع جمهورية الاسلامويين الثانية باعتبار أن شيخ حسن هو صانع جمهوريتهم الأولى. الا ان الامر الاول في تقدري وعند الدرس المتاني للأمور يمكن ان يكون مجال نظر على الأقل. لم بكن حسن الترابي هو صانع الجمهورية الاولى ولم بكن عراب النظام. لقد كان موجودا بشكل ما ولكنه في حقيقة الامر "مافيش."
لقد كان علي عثمان هو المحور والحرك الحقيقي طوال فترة غياب الزعيم الغائب. ولما كان الامر وقتها يستدعي قدرا من الحيطة والإخفاء او التخفي باعتبار أن الامر كان يتم تحت الارض. فقد اخذ ذلك محورالقائم بأمر الجماعة والجمعية المغلقة الجديدة والشابة الجديد وقد كل من هذا وذاك ينمو في داخل الجمعية المغلقة الكبيرة كما جاء شرحه في الحلقة السابقة. وسرعان بدأت تظهر المفاجأت تترى بتغيير الحال بعد المصالحة مع نظام جعفر نميري من حركة تحت الارض الى حركة فوق الارض تحاول ان تستعيد مسرحها و"خشبته" الخلفية والأمامية القديمين وفق معايير زمان مضي. لذلك بدأت تظهر المفآجآت كلما برز أمر من الأمور من المسرح الخلفي المظلم إلى خشبة المسرح السوداني الأمامي المفتوح. فقد بدأت المفاجآت بتعيين علي عثمان رائدا لمجلس الشعب في العام 1977 في وجود أخرين ممن كان يعتقد بانهم أعلى منه مقاما في التنظيم واكبر عمرا مثل يس عمر الامام واحمد عبدالرحمن وعثمان خالد مضوي. ومن ثم تأتي المفاجأة الثانية في إختياره نائبا للامين العام حسن الترابي في العام 1985 في ظل وجود كل أولئك الرواد. وتأتي المفاجأة الثالثة عند اختياره لزعامة المعارضة إبان الفترة الديمقراطية في وجود مجموعة من الزعامات أمثال احمد عبدالرحمن وعثمان خالد مضوي وإبراهيم السنوسي في المجلس. وقليلا قليلا بدأت تظهر وجوه بعض أعضاء الجمعية المغلقة الجديدة أمثال عوض الجاز وعلي كرتي وغازي صلاح الدين ومجذوب الخليفة (الوالي الذي يعمل بماكينة رئيس جمهورية) وقطبي المهدي ومهدي ابراهيم وأمين حسن عمر ونافع علي نافع والمجموعة الأمنية (ما ظهر منها وما بطن) والمجموعة التي يطلق عليها السودانيون تهكما 'أطباء بلا حدود' وآخرين هم ذات المجموعة التي شكلت المخلب الداخلي لرأس الغول وهي راس جبل الجليد للجماعة التي ظلت هي الجماعة الحاكمة حتى ديسمبر 2013. في ذات الوقت أخذت بوادر انحسار المجموعة القديمة او المكون الرئيسي المساعد لتكوين اسلاموية الترابي في بدايات تاسيسها قبل انقلاب 1989واخذ يتكامل بشكل مطرد بعد الانقلاب الذي يمثل قمة تطور الثورة المضادة وبذا صارت له دولة وهي دولة الانقاذ في مرحلتها الاولى والثانية والتي هي التنفيذ المحكم لمشروع وبرنامج الثورة المضادة القائم على الاستبداد والعنف وتسخير الدولة من اجل توزيع المغانم على البعض والمظالم على الجميع وفق تطوير أدوات دولة الاستبداد تلك وسعار الجماعة الملتفة حولها--اي الجمعية المغلقة الداخلية--عن طريق ما أسمته بالتمكين والكسب من اجل الثراء وتعدد الزوجات. او الاسماء الرسمية للفساد. ومن واقع كل ذلك تحولت البلاد الى مواقع للحرب الحارة والباردة ومشهد لا مثيل له في اغتيال المنافسين او المتنافسين السياسيين. هذا ومن واقع ربع قرن او اكثر من تجربة الاسلامويين وفي إطار هذا البرنامج قد يري البعض بان الحرك كانت تنحو نحو الإكتفاء من السودان بمثلث حمدي ومن بعد ما استبشر وبشر البشير من الإنجاز بان تفضل على السودانيين بان علمهم اكل البتزا والهوت دوق.
نعم هناك الكثير من خفايا انقلاب 1989 التي لم يكشف عنها بعد. وان كان البعض ظل يصرف النظر عن ذلك بنظرية الموزة مقارنة بالانقلاب والتي تروى عن نصيحة احمد سليمان للانقلابين والتي تقول ان الانقلاب مثل الموزة لا تطيب قبل او بعد نضجها او ما يروى عن ابراهيم شمس الدين الذي دفع بمسدسه الانقلابيين نحو اتخاذ الموقف النهائي تجاه الانقلاب. في تقديري ان الانقلاب كان من جهة اخرى يمثل انقلابا على حسن الترابي ومجموعته ايضا. فان كان امر ذهابه للسجن قد وجد هوى عنده تحسبا لما قد يا يحيق به ان فشل الانقلاب كما كان يقول محمد طه محمد احمد. الا ان ذلك قد أعطى الجمعية الداخلية فرصة لتحويل السجن الخديعة الى سجن حقيقي وذلك بوضعه في السجن لفترة أطول من فترة الشهر المتفق عليها لتمتد لستة أشهر ثم ابقائه من بعد ذلك رهن الاعتقال المنزلي كما حدث لمحمد نجيب في مصر وتمنى ان يتم ذلك للشيخ من قبل مكر الماكرين. ومن بعد اتخاذ التدابير الهادفة الى تحويل شيخ حسن الى مصحة في أوربا بعد حادث كندا ليبقى هناك مدي عمره. والحيلولة دون اي لقاء منفرد يبنه وبين عمر البشير على مدي الفترة الأولى للإنقاذ حتى وقوع محاولة اغتيال حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995.
لعل اهم ما يميز مسيرة علي عثمان السياسية هو مقدرته العالية والهادئة التي تجعل من حضوره وحالة غياب الآخرين واحدة من اكثر وسائل الصعود الى أعلى. معظم الذين يتحدثون عن مميزات علي عثمان ويجمعون على مقدرته على إدارة الأمور في الخفاء او في غرفة شديدة الإظلام كما يقول صديق محمد عثمان. غير ان الأمر قد يكون اكثر تعقيدا من ذلك. فاضافة الى نجاح علي عثمان في استثمار حضوره وغياب او تغييب الاخرين هو ايضا من اكثر المعجبين بصدام حسين وأسلوبه في ادارة الامور كما يقول بذلك عبدالوهاب الافندي. ولما كان صدام شخصية كثيرة التعقيد فلابد من ان يكون علي ايضا على مثل ذلك المستوى من التعقيد ولكن بطريقته الخاصة. ويقال ان من نصائح صدام لعلي ان يحكم عن طريق عشيرته الاقربين. ويبدو أن علي قد طور ذلك الاسلوب ايضا بأن جعل حوله جماعة بوزن وصفة قبيلة ظلت متماسكة وممسكة بمفاصل ومصادر السطوة والسلطة والمال والبطش. وقد ذهب البعض بان تلك الجماعة تمثل الشايقية وهو مفهوم ملغوم وقع فيه حتى البشير ذاته عندما روي بانه قال لصلاح قوش بان قبيلتك قبيلة متامرة وقد استفدت انا من ذلك. وذلك بان كوّن هو الاخر قبائل متداخلة ضمت الاخوان والأهل والزوجة وهلم جرا. وتداخلت مع تلك التكوينات تلك تكوينات أمنية بأشكالها الجديدة وأحجارها الكريمة. ومن الخطا ان يذهب الانسان الى ان ذلك الفخ القاتل الذي انقاد اليه البعض بان الشايقية او الجعليين او غيرهم يمثلون قوى سياسية تقف خلف هذا او ذاك. فليست هنالك قبيلة أستشيرت في امر أو انتخاب هذا الشخص او ذلك ليمثلها في السلطة او الدولة او الكسب. لكن وعلى الرغم من ان المراقب لا يمكن ان تفوت عليه المحاولات التي بذلها النظام في تسييس القبليات لا القبيلة على مستوى المنصب الا ان ما أنتج ذلك النهج والمنهج القائم على مثل ذلك التسييس جدير بالاعتبار. اذ ان ذلك الامر قد جعل من المتنافسين والطامعين والطامحين في المنصب الأعلى طبقة ابناء وبنات الهامش الوسطى ينظرون الى ما هو اقل من المؤهل او الخبرة او الحزب ليصبح ذاك الذي يدعيه هذا او ذاك عن موقعه القبلي هو الأساس للوصول للمنصب في الدولة والكسب والتمكين. ومن ثم اصبح في مثل تلك الأمور من موازنات سطحية في هذه المجالات ما يمكن ان يعلو او يهبط بالبعض محاصصة ومناكفة وضربا تحت الحزام وفوق الحزام بين الأفراد والجماعات الطامعة والمتنافسة وتتحول الاسلاموية القبلية الى سياسة مرئية ومرعية على مستوى الدولة وان لم تكن معلنة الا أنها في نهاية الامر تقوم على ما يعتقد بانه يمثل تسييس هذه القبيلة او تلك وتحويل الجنجويد الى قبيل حام للبشير ووجوده وفي الفرز القائم على نعرات لا يمكن إلا أن تسمى عنصرية.
هذا وعندما نقول بان حسن الترابي هو اخر الاسلامويين نعني النهاية الكبرى لتجربة سودانية في تكاملها وفي ما جاء رجالها وبداية اكبر لتجربة جديدة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.