موسيفيني يصدر توجيهًا لجهاز المخابرات بشأن السيارات السودانية    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    الهلال السوداني يخوض مواجهة مصيرية في أبطال إفريقيا    أئمة يدعون إلى النار    في مباراة مثيرة شهدت ضربتي جزاء وحالة طرد الأهلي يخسر أمام مويس بثنائية نظيفة في دوري شندي    إتحاد جبل أولياء يكون اللجان العدلية    شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    الأمل عطبرة يودع الممتاز رسميا رغم التعادل أمام المريخ    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    اكتشاف مركبات "زائفة" تشعل نوبات الربو    دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حول فهمنا ودراستنا لدخول الاسلام في السودان (3) .. بقلم: د. أحمد الياس حسين
نشر في سودانيل يوم 10 - 07 - 2018

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
تناولنا في الحلقتن الماضيتين الأولى والثانية المحوريين الأول والثاني من أهم المحاور أو الأحداث التي تأسس عليها فهمنا ودراستنا لتاريخ الاسلام في السودان وهما: هجرة العرب للسودان قبل الاسلام و معاهدة البقط، ونواصل هنا تتبع المحور الثالث وهو:
اشتغال المسلمين بالتعدين في أراضي البجة
أدت التطورات في سياسة الدولة العباسية تجاه العرب إلى تحول كبير في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لبعض القبائل العربية. فقد ظل العرب يمثلون القوة الأساس في الجيش حتى قيام الدولة العباسية في بداية القرن الثاني الهجري (8 م) حيث بدأ نفوذ العنصر الفارسي ثم قوي نفوذهم حين اعتمد عليهم الخليفة المأمون في الصراع بينه وبين أخيه الأمين الذي كان يؤيده العرب. وعندما تولى المعتصم الخلافة عام 218ه/833 م بعد المأمون كوّن جيشاً من الأتراك بغرض إضعاف نفوذ الجنود الفرس والعرب، و بدأت منذ ذلك الوقت سيطرة الأتراك ثم الجنود المماليك على الحياة السياسية في العالم الاسلامي.
وشهدت مصر في ذلك الوقت حدثان كبيران كان لهما دور كبير على أوضاع القبائل العربية أولهما: أصدار الخليفة المعتصم أمره لوالي مصر باسقاط أسماء العرب من ديوان الجند وقطع أعطياتهم. ويعني ذلك إنهاء خدمات العرب في مصر كجنود للدولة، فلجأوا إلى البحث عن مصادر أخرى لمعاشهم وانتشروا في مختلف أنحاء مصر، الحدث الثاني هو بداية دخول العرب في أعمال التعدين في الصحراء الشرقية. فقد ارتبطت منطقة الصحراء الواقعة شرقي النيل بأعمال التعدين منذ عصر الدولة المصرية القديمة في الألف الثالث قبل الميلاد. واتصل العمل في التنقيب منذ ذلك الوقت تخللته فترات نشاط وانحسار حتى دخول العرب مصر في القرن السابع الميلادي.
وقد تناولت المصادر العربية أخبار مناطق التعدين المُعَدِّنين منذ بداية اشتغال بعض القبائل العربية بالتعدين في أول القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) وحتى قل انتاجه وتوقف العمل فيه في منتصف القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي). قال المسعودي(مروج الذهب، ج 2 ص 23): "ومعدن الزمرد في عمل الصعيد الأعلى من أعمال مدينة قفط، ومنها يُخرج إلى هذا المعدن، والموضع الذي فيه الزمرد يعرف بالخربة." وذكر اليعقوبي (كتاب البلدان ص 16) أن "مناجم الذهب من شرقي أسوان إلى وادي العلاقي وتمتد حتى عيذاب" وقد تناول اليعقوبي نحو 35 منجماً يستخرج منها الزمرد والجوهر والتبر. يبدو من وصفه أن هذه المعادن تمتد خلال الصحراء الشرقية وحتى سواحل البحر الأحمر.
وعن علاقة البجة بالمعدن يقول الطبري (تاريخ الرسل والملوك ص 37 "وفي بلاد البجة معادن ذهب فهم يقاسمون من يعمل فيها، ويؤدون إلى عمال السلطان في مصر عن معادنهم اربعمائة مثقال تبر قبل أن يطبخ ويصفى"وذكر المسعودي (مروج الذهب ص 21) أن البجة تحمي مناطق المعادن "وإليها يؤدي الخفارات من يرد إلى حفر الزمرد " ويقول ابن سليم (أخبار النوبة ص 105 و1072ذ): " أول بلد البجة من قرية تعرف بالخربة من معدن الزمرد في صحراء قوص، وبين هذا الموضع وبين قوص ثلاث مراحل ... وبلدانهم كلها معادن، وكلما تصاعدت كانت أجود الذهب وأكثر. ... والبجة لا تتعرض لعمل شيءٍ من هذا المعدن."
غير أن الادريسي (صفة المغرب ص 132) ذكر ما يفيد أن البجة كانوا يحتكرون بعض مناطق التعدين ربما لأن العمل فيها لا يحتاج إلى حفر ويتطلب فقط المعرفة التامة بالمنطقة. فقد ذكر أنهم كانوا يقومون بالبحث عن الذهب في بعض المناطق الرملية في صحراء وادي العلاقي في أول ليالي الشهر العربي وآخره. "فكانوا يذهبون إلى تلك الرمال ليلاً فإذا أبصر أحدهم التبر يضيء علّم على موضعه علامة يعرفها وبات هنالك فإذا أصبح عمد كل واحد منهم إلى علامته في كوم الرمل الذي علم عليه ثم يأخذه ويحمله معه على نجيبه فيمضي به إلى آبار هنالك ثم يقبل على غسله بالماء في جفنة عود فيخرج التبر منه ثم يؤلفه بالزئبق ويسبكه بعد ذلك فما اجتمع لهم منه تبايعوه بينهم واشتراه بعضهم من بعض ثم يحمله التجار إلى سائر الأقطار وهذا شغلهم دأباً لا يفترون عنه ومن ذلك معايشهم ومبادئ مكاسبهم وعليه يعولون."
بدأت القبائل العربية في استغلال تلك المناجم في أول القرن الثالث الهجري (9 م) وذكر ابن حوقل (صورة الأرض ص 57) أن ذلك "صادف دخول محمد بن يوسف الحسني الأخيضر من اليمامة لأرض المعدن في آلاف كثيرة من ربيعة لخلافات وحروب نشبت هناك. وتمكنوا من التغلب على من دخلها قبلهم من قبائل الحجاز. وتكامل بالعلاقي قبائل ربيعة ومضر في عام 238 ه / 852 م.
ويبدو أن دخول القبائل العربية بأعدادِ كبيرة قد أثار مخاوف البجة في مملكتهم الشمالية "نقيس" التي قال عنها اليعثوبي (تاريخ اليعقوبي ص 22) "ومدينة المملكة يقال لها هجر ، ولهم قبائل وبطون كما تكون للعرب ... وفي بلادهم معادن التبر والجوهر والزمرد، وهم مسالمن للمسلمين، والمسلمون يعملون في بلادهم في المعادن" ووضح اليعقوبي (كتاب البلدان ص 19) أن "مدينة ملك البجة الحداربة يقال لها هجر" فالحداربة كانوا ملوك مملكة نقيس التي تجاور المسلمين في أرض المعدن. وقد ذكر الطبري (تاريخ السل والملوك ص 28) أن عامل البريد في مصر - وهو المسؤول عن مراقبة الأوضاع بصورة شاملة في مصر – كتب إلى الخليفة المتوكل:
"أن البجة نقضت العهد الذي كان بينها وبين المسلمين، وخرجت إلى معادن الذهب والجوهر ... وقتلوا عدة من المسلمين ... وسبوا عدة من ذراريهم ونسائهم ... فانصرفوا عنه خوفاً على أنفسهم ... فانقطع بذلك ما كان يؤخذ للسلطان بحق الخمس من الذهب والفضة والجوهر" أدى ذلك إلى إرسال حملة عسكرية إلى مملكة نقيس بقيادة القمي عام 238 ه / 852 م. وذكرت المصادر العربية أن الحملة هزمت البجة ، وذهب ملكهم على بابا (أولباب) لمقابلة الخلبفة العباسي. وذكر أبو المحاسن (النجوم الزاهرة ص 381) أن الخليفة "عفا عنه وأفاض عليه الخلع" غير أن الأوضاع لم تستقر طويلاً في مناطق التعدين، إذ سرعان ما نشب الصراع بين قبائل مضر بقيادة العمري الذي ينتسب إلى عمر بن الخطاب وبين قبيلة ربيعة.
دخل العمري أرض المعدن نحو 241 ه / 855 م وتزعم المضريين الذين هزمتهم قبيلة ربيعة واضطر إلى التوغل جنوباً في منطقة وادب العلاقي حتى وصلوا بالقرب من منطقة أبو حمد الحالية. ولم ترحب بهم مملكة مقرة وحرموهم من الوصول إلى النيل للحصول على مياه الشرب. فدارت بينهما حروب كثيرة كانت جيوش المقُريين تحت قيادة نيوني بن قشما، وتمكن العمري وأعوانه من الاستقرار والقيام بعمليات التعدين وجلب المياه من النيل.
وحدث في تلك الفترة خلافات بين نيوني وبين قيرقي (جورج) بن زكريا ملك مقرة أدت إلى نشوب الحرب بينهما. وتمكن نيوني من هزيمة جيش الملك وأضطر الأمير قائد الجيش للجوء إلى مملكة علوة. وأعد الملك جيشاً آخر بقيادة ابنه الأمير زكريا، لكنه أنهزم أيضاً أمام نيوني واضطر الأمير زكريا إلى اللجوء إلى العمري. وتمكن من اقناع العمري بمساعدته للقضاء على نيوني وتمكنوا من استدراجه وقتله. ثم انقلب الأمير زكريا على العمري ووقتل كثيراً من أعوانه ونشبت بينهم حروب كثيرة أدت في النهاية - إلى جانب الخلافات بين العرب – إلى ارتحال العمري شمالاً بلى مناطق تعدين بالقرب من اسوان. ولم تستقر أوضاع العمري إذ واجه جيشاً من الطولونيين حكام مصر. ورغم انتصاره على الطولونيين إلا أنه رجع إلى وادي العلاقي للبحث عن الذهب حيث قتل. تفاصيل هذه الأحدلث في كتاب المقريزي (المقفى صقحات 355 – 371) (أحداث مغامرات العمري في البحث عن الذهب تمثل مادة ممتازة لمخرجي المسلسلات والأفلام)
وبموت العمري انتهى الحروب في المنطقة وعاد الهدوء لمناطق التعدين حيث أصبحت السيادة لقبيلة ربيعة تحت زعامة أبي يزيد بن اسحاق بن ابراهيم بن مسروق "وإلى مسروق هذا ينسب كنزالدولة الذي نزل حامي أسوان، فنزل أسوان وأنشأ مكانه المعروف بساقية شعبان. (أبو الحاسن، النجو الزاهرة ص 321-322)
وصاهرت قبيلة ربيعة قبيلة الحداربة، ذكر ابن حوقل (في مسعد ص 73) أن "عبدك خال ولد أبي بكر اسحاق بن بشر، وكوك خال أبي القاسم حسين بن علي بن بشر، وعبدك وكوك رئيسا الحدارب أجمع" ويقول المسعودي الذي كتب عن المنطقة بعد ستة عقود من تلك الأحداث عن ربيعة: "اشتدت شوكتهم، وتزوجوا في البجة، فقويت البجه بمن صاهرها من ربيعه، وقويت ربيعه بالبجة على من ناوأها وجاورها من قحطان وغيرهم من مضر بن نزار ممن سكن تلك الديار. وصاحب المعدن في وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثماثة - أبو مروان بشر بن إسحاق، وهو من ربيعه، يركب في ثلاثة آلاف من ربيعه وأحلافها من مضر واليمن وثلاثين ألف حراب على النُّجُب من البجة بالحجف البجاوية، وهم الحداربة، وهم المسلمون من بين سائر البجة، وباقي البجة كفار يعبدون صنما لهم."
فالحداربة القبيلة البجاوية الكبيرة – حكام مملكة نقيس - الذين وصفهم اليعقوبي (تاريخ اليعقوبي ص 22) قائلاً: "ولهم قبائل وبطون كما تكون للعرب" هم الذين كانوا على صلة مباشرة مع العرب في مناطق التعدين، وكانت صلاتهم قوية بقبيلة ربيعة وتصاهروا معها. ويتضح مما ورد في المصادر العربية أن ملوك مملكة نقيس الحداربة حافظوا على مكانتهم وقوتهم حتى نهاية العمل في التعدين.
فقد وضح ابن بطوطة (تحفة النظار ص 254) أن الحداربة سكنوا عيذاب، وكانت قبضتهم قوية على المنطقة برّاً وبحراً، وحارب سلطان الحداربة الأتراك الذين هاجمت سفنهم عيذاب، وتمكن من هزيمتهم وفروا أمامه في البحر، وذكر ابن بطوطة أن ثلث المدينة للملك الناصر وثلثاها لملك البجاة.
ووضح القلقشندي ( ج 1 ص 146) أن الحداربة يسكنون مدينة سواكن. وكان المماليك قد احتلوا ميناء سواكن عام 664 ه / 1265 م ولكن ظل الحداربة يقاسمونهم السلطة عليها، وقد ذكر القلقشندي "وصاحبها الآن [القرن 15 م] من الحداربة - بالحاء والدال المهملتين المفتوحتين وألف ثم راء مهملة وباء موحدة مفتوحة وهاء في الآخر، "وله مكاتبةٌ عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية، ويقال في تعريفه الحدربي بضم الحاء وسكون الدال وضم الراء."
فالعرب الذين اشتغلوا بالتعدين اقتصرت علاقاتهم في بلاد البجة بالحداربة، كما اقتصر وجودهم ونشاطهم في وادي العلاقي والمناطق الواقعة شماليه. وكانت صلاتهم ومؤونتهم وانشطتهم التجارية وحياتهم الاجتماعية مرتبطة بمدينة أسوان، ولم يؤسسوا علاقات مع البجة وممالكهم ما عدا ما تم من مصاهرة بين الحداربة وقبيلة ربيعة.
فالحداربة لم يتأثروا بالعرب لا في مناطق التعدين ولا داخل مملكة نقيس ولا بعد نهاية العمل في التعدين في العقد السابع من القرن الثامن الهجري (14 م)، بل بالعكس أثر البحة في العرب الذين عايشوهم في سواكن وبعض مناطق البادية. فقد مرّ ابن بطوطة بميناء سواكن بعد نحو 40 سنة من توقف نشاط التعدين فوجد عرباً من بني كاهل يتحدثون لغة البجة، فقال ابن بطوطة "وصلنا إلى حي من العرب يعرفون بأولاد كاهل مختلطين بالبجة، عارفين بلسانهم" ويدل ذلك على أن عدد الكواهلة في بلاد البجة في القرن 14م كان قليلاً بحيث لم يؤثروا في البجة بل تأثروا هم بالجة وتعلموا لغة البجة.
وعن أمير سواكن ابن أمير مكة قال ابن بطوطة (ص 256) "ومعه عساكر من البجة وأولاد كاهل وعرب جهينة" وعن عرب جهينة وبني كاهل في صحراء عيذاب فال في نفس المكان: " فيها عرب جهينة وبني كاهل وطاعتهم للبجة" كما ذكر ابن بطوطة أنه رأى " في هذه الفلاة صبياً من العرب، كلمني باللسان العربي وذكر له أن البجة أسروه، وزعم إنه منذ عام لم يأكل طعاماً إنما يقتات بلبن الإبل" فالفتى العربية هو الحيد الذي وجده ابن بطوطة وسط البجة، والعرب الأخرون في صحارى كانوا يتحدثون لسان البجة وتحت طاعتهم.
وهنالك دليل آخر على عدم وجود قبائل عربية في داخل بلاد البجة وهو ما ورد في المصادر العربية عن حملة المماليك التي أرسلوها عام 716 ه / 1317 م للبحث عن بعض الأعراب الذين قطعوا الطريق لقافلة كانت متوجه من عيذاب إلى الفاهرة. وصلت الحملة لعيذاب فسواكن ثم اتجهت جنوباً الصحراء. وبعد سبعة عشرة يوما وجدوا طوائف من السودان (يقصد بهم البجة) فحاربوهم وغنموا كثيراً من مواشيهم. ثم واصلوا السير حتي جبل كسلا حيث حاربوا الحلنقة، ثم سارت الحملة غرباً على نهر عطبرة ختى وسلت النيل، ثم اتجهت شمالاً نحو مصر.(النويري، نهاية الأرب ص 230 – 235)
لم تجد الحملة العرب الذين كانت تبحث عنهم، ولم يرد أن الحملة وجدت عرباً في طريقه بين سواكن وكسلا وعلى نهر عطبرة حتى النيل.
ونواصل عن: قبيلة جهينة ونص ابن خلدون
المراجع
- الادريسي، صفة المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس، في مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية العربية، الخرطوم: دار المصورات للنشر 2014.
- ابن بطوطة، تحفة النظار في غرائب الآمصار وعجائب الأسفار، في مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية العربية.
- ابن حوقل، كتاب صورة الأرض. بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة 1979.
- ابن سُليم الأسواني، كتاب أخبار النوبة والمقرة وعلوة والبجة والنيل، في مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية العربية.
- الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ، في مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية العربية
- القلقشندي، نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، موقع الوراقق warraq.com
- أيو المحاسن، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، في مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية العربية.
- المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر. القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، 1958.
- المقريزي، كتاب المقفى، في مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية العربية..
- النويري، نهاية الأري في فنون الأدب، في مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية العربية.
- اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، في مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية العربية.
- اليعقوبي، كتاب البلدان، في مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية العربية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.