صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    جاهزية فنية متكاملة تسبق انطلاق "عربية القوى" في تونس    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نداء السودان (أم) خذلانه وضياع أمره: الجزء الثاني (2/2) .. بقلم: دكتور الوليد آدم مادبو
نشر في سودانيل يوم 05 - 08 - 2018

ولعل أكبر تناقضات المثقف العربي ليس في أنه لا يعيش الثورة كمقاتل،
بل في أنه لا يعيشها كمثقف
(هشام شرابى، غربة الكاتب العربي لحليم بركات، ص:48).

سأتطرق في الجزء الثاني من هذا المقال الي ناحيتين: الناحية العملية وتلكم الفكرية. من الناحية العملية، فإن النخب الحداثوية -- في هذه الحالة نخب الهامش -- لم تسع إلي إعادة تشكيل روابطها مع الهامش قدر ما سعت لتكييف مصالحها الخاصة مع النخب المركزية، لا سيما تلكم الطائفية والأيديولوجية. أمّا نخب المركز الأخرى فهي لم تبرح مكانها بعد من "المركزية الثقافية" ولم تنتبه إلي أنها لم تفقد فقط المبادرة السياسية -- وهي إنما تحاول استعادتها بطرق بهلوانية، إنما فقدت أيضا البراعة الفكرية. وهي إذ تفعل ذلك إنما تقنن لمفهوم المثقف المهادن المذعن بديلاً عن ذاك الثائر المعارض الذي يسعي لتبرير الواقع عوض عن العمل لإعادة صياغته وترشيده.
الواقع أننا لا يمكن أن نخلق واقعاً مغايراً إلاَّ إذا انتزعنا ملكيتنا لثرواتنا، خلقنا التقنيات التي تستجيب لحاجيات شعبنا، واعتمدنا "المواطنة"، حتماً ليس "الدين" اساساً للاجتماع البشري وجعلنا المساواة أساس العقد الاجتماعي. بهكذا اسلوب نستطيع ان نتفق مع ذواتنا ومع "مقاصد" القران الكلية والرامية الي تنظيم حركة المجتمع وفق رؤي روحية وأخلاقية وليس سياسية دينية. وبغيره يستحيل الاسلام إلي دين ويستحيل الدين الي إيديولوجيا تمتلك مجموعة معينة حق التحدث باسمه -- ليس العدل أولوياتها ولا التكافل الاجتماعي والاقتصادي.
إن الشخص الذي يتكلم حتي الأمس عن تطبيق "الشريعة" ويقول أنها لم تطبق بعد بطريقة "سوية"، لا يمكن أن يكون جاداً في استعادة الديمقراطية، بينما هو مسكون في العمق، بكل ما هو يكرس التسلط ويقوي الاستبداد. ناهيك أن يسعي إلي تغيير بنية الاقتصادي القومي الذي احتكرته فئة معينة منذ الاستقلال.
اعترض أحد الرأسماليين الخرطوميين في إحدى الندوات علي مقولتي بشأن " تغيير بنية الاقتصادي القومي" بقوله، "كلنا أصبحنا مهمشين"!. لو أن هذا المتحمس كلف نفسه جهد الذهاب إلي الغرفة التجارية اليوم لما وجد تاجراً ممن ينتج أهاليه الصمغ، الكركدي، الفول السوداني، الماشية، الي أخره. ولو وجده لوجده مدجناً ومنهزماً بل عميلاً لا يقوي عن الذود عن نفسه دعك من المرافعة عن أهله المنتجين والتفكير في توفير بنية تحتية توصل محاصيلهم مباشرة الي بورتسودان لا تحوجهم مشقة الذهاب الي الخرطوم وانتظار تحصيل الشيكات التي لربما يكتشفها ضاربة بعد أن يكون قد صرف قيمتها لإقامة وأده شهورا عديدة.
لقد كلفت نفسي مشقة النقد لبنية العقل المركزي – الديني منه خاصة – لأنني اؤمن بأنه لا سبيل لإحداث تنمية مستدامة إلا إذا قطعنا الحبل السري المتوهم لهذه الأفكار الشائهة، التي لا تفقدنا فقط فرصة الاتساق مع الذات، إنما تفقدنا أيضا فرصة الاستثمار في الحزام السودانوي الذي يمثل فرصة حيوية وتاريخية لنا للتمدد في أفاق تنموية رحيبة. إنها فرصة للانتقال من التجريد النظري إلي "التأطير لرؤي واستراتيجيات تستوعب التحديات الماثلة" .
صدقني سنكون أعظم إسلاماً وأفخم وجداناً وأرسي مكاناً إذا اعتززنا بأفريقيتنا، نوبيتنا، بل زنجيتنا، وتعاملنا مع الكل من منطلق المصالح المادية المشتركة، ويمّنا وجوهنا صوب إفريقيا. لا يستطيع الإنسان النهوض بمسؤوليته تجاه الله والوطن إلا اذا تحققت له الشروط المادية اللازمة واستبانت له سبل الاختيار عن وعى وبصيرة. لا يمكن مطالبة إنسان بالإسهام في "مشروع حضاري" فيما الدولة تعول علي جهله وفقره ومرضه، بل عريه وضياع أمنه.
دعني أقولها دون مواربة من واقع خبرتي في التنمية العالمية، إن رٍجلا من أرجل النيل الأزرق أقيم من كل الخليج الذي يهرولون وراءه اليوم. ولو أنهم أخلصوا التعامل مع الخليج لوجدوا في بعض دوله شركاء استراتيجيين وحيويين، لكن هؤلاء الحاكمين هم عبارة عن لصوص محترفين. أعطيك مثال بسيط، شركة أمطار الإمارتية التي أعطيت 100 مليون فدان في الشمالية لم تستثمر منها حتي الأن غير الخمس. هؤلاء اللصوص يأخذون من الإماراتيين نصيب السودان مقدما ويوردونه كل عام في حساب واحد منهم. هل تظن أن هذا السلوك سيحفز أخرين للاستثمار مستقبلا في السودان؟ من أين لهم إذن الصرف علي الخدمات الصحية والتعليمية؟
إن الكل يعلم أن المرويات التي يروج لها اليوم علي أنها "شريعة"، هي عبارة عن نصوص أنتجت في سياق صراع أيديولوجي، انتصرت فيه مجموعة معينة – مجموعة الحديث – علي حساب مجموعات كثيرة أخري ودفعت بها صدفة تاريخية معينة الي موقع السيادة والسيطرة . تماماً كما حدث في السودان إذا كان الإمام الشافعي قد أسس لعروبة الكتاب من منظور أيديولوجي ضمني ، فإن عبدالله الطيب لم يكتف بأن يكون حاملاً سلبياً لوعي اللغة وأيديولوجيتها، بل روج للقراءة الفينومنيولوجية التي لا تعرف الاَّ مجرد الإحالة أو رد التراث الي السياق الشعوري للقارئ. وها هم "عجايز الجلابة" الأخرين (اليساريين منهم خاصة)، يؤسسون لعروبة السودان أيضاً من منظور أيديولوجي ضمني في سياق الصراع الشعوبي الفكري الثقافي. أرجوكم، أعرفوا عدوكم!
رغم براعة الالفاظ، فإن الخطاب السائد اليوم يمتح من ذات الصيغة الأيدولوجية التي أنتجت مايو (2)، واستقرت جزءاً من التجربة السياسية الفاشلة. إن بنية الخطاب الطائفي بيانية طرقية غيبية في جوهرها (رغم تلبسها بالحداثة)، بمعني أنها تخلو من أي حضور للعقلاني والنقدي، وميكافلية نرجسية وذاتية (egocentric)، تجافي كل ما هو أخلاقي وإنساني. ولذا فمطالبتها الاخرين الاحتكام إلي الموضوعية في إطار صراع سياسي اجتماعي تؤطر هي لعدم مشروعيته (من خلال الدعوة لخوض الانتخابات أو عقد محاكمات تحقق في الانتهاكات هي بمثابة تسويات)، هو بمثابة الحنث أو التدليس. هي تستعطف فردا خائرا عاجزا – في هذه الحالة، القاتل الخائف – قد "افترش وجهه للسنابك"، لكنها من خورها تظن أنه قد يبعث بعد ممات.
رغم العلمنة التي حدثت للعقل البشري، فنحن مازلنا مرتهنين بأفاق تلك المرحلة التي بدأت فيها مسيرة الأدلجة الهادرة للعروبة والاسلام في السودان، والتي تسببت في كل النكبات في السودان. كيف يمكننا عقلنة العمل السياسي معتمدين علي قيادة دينية، ما زالت تؤمن بأنها وريثة العناية الإلهية وأن ميلادها وافق ميلاد المسيح عيسي بن مريم (علما بأن المسيح لو يولد في الشتاء إنما ولد في يوليو وإلا فمن أين لأمه برطب جنيا) ؟ بل كيف يمكن أن تؤتمن قيادة منتمية شعورياً وأيديولوجياً الي فرعون (الطاغوت الذي ما برح يغازله بين الفينة والأخرى)، ومنتمية تنظيمياً وحركياً الي بني إسرائيل (في هذه الحالة المستضعفين الذين يمنيهم بالخلاص)؟ ثم لا يلبث أن يسعي لرد الفضيحة بسوءته – فضيحة الإهانة والطرد من ساحة "المحروسة" التي يقال أنها لم تطرد أحداً من قبل – فينشر مقالا يتملق فيه السعودية ويمجد المؤسس والأبناء والأحفاد وقد ضبط متخابراً حسب الروايات التي تناولها الثقات مع التنظيم العالمي للإخوان المسلمين. (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) .
لم يعد الشعب يطيق المهادنة ويقبل بالازدواجية وأنصاف الحلول. بل لم يعد يقبل أن يُقْطَر كالترلة ويقاد نحو وجهة مجهولة أو أن تُجير أشواقه وتوظف لاستعادة أمجاد بابوية لو كانت مجلبة سعداً لجلبته لأصحابها. وها هي رابطة الإعلاميين السودانيين بلندن تحشد عضويتها لحضور ندوة يخاطبها الأستاذ/أحمد حسين بتاريخ 28 يوليو 2018 يضيق عنها المكان علي وسعه، فيما تفشل الطائفية والأحزاب الرجعية عن مجرد حشد عضويتها. هذا هو المؤشر الحقيقي، إن كان أعضاء التحالف في "نداء السودان" يأبهون بالإصنات الي نبض الأرض.
فلا شك أنهم يدركون أن الشعب قد انعتق من الخرافة: إمّا إنهم يتهيبون المستقبل لظنهم أنهم لم يعدوا له العدة أو إنهم يخشون مواجهة شعوبهم وقبائلهم التي تنتظر لحظة رجوعهم – الذي حتما لن يكون مثل رجوع قرنق – كي تقيم جرداً للحساب يكون فيه توثيق للحادثات وتحقيق للوقائع. لقد بَيّن الأستاذ/أحمد حسين في مقالته التي نشرها بصحيفة القدس العربي بتاريخ 24 يوليو 2018 علامات وحدد محددات لم تستطع حتي صحف النظام الساقطة تجاوزها ولم يقدر أفّاكيها علي الالتفاف حولها. فما بال ذوينا وأهلينا، بل ومنضالينا؟
ما لم تتجه النخب الوطنية إلي خلخلة وزحزحة تلك المفاهيم القروسطية، متجاوزة الأفق المعرفي الخاص بها الي افق مغاير، فإنها ستفقد الشروط اللازمة للإدماج المفاهيمي لقيم الثورة، وستنتج تبعيتها الراهنة بنفس الطريقة التي أنتجت بها الأحزاب التقليدية، وحتي الحداثوية. (مش انتو وحدكم، محمد إبراهيم نقد نفسه عليه رحمة الله كان حواراً في ساحة الأمام أخر الايام!). فالفكر السوداني ما هو "الا تعبيراً متميزاً من التاريخ الاجتماعي بمعناه العميق" ، الذي يقنن للأسس الغيبية، التبعية، الاتكالية، اللا مبدئية، والتسيب عكس ما هو سائد في المخيلة الشعبية التي تروج للبطولة الزائفة والكرم التفاخري والرجولة المتخيلة.
لم يكتف رئيس "نداء السودان" بالمراوغة، إنما قال مهدداً يوماً: "سنقاتل من يسعي لإزالة النظام بالقوة." علماً بأن المقاتلين اليوم، منهم المتربصين بالحكومة ومنهم المتمركزين معها، أي المتخندقين في ساحتها، فأنّى له بأخرين. هذا في نظري تهديد أجوف، لكنه أحرج زملائه حينها، وإذا شئت حيرانه. هذا حال المقاتلين، فما بال المقتولين؟ لماذا يحاول أن يجد مخارجة للمعتدي ولا يأبه لحال المعتدي عليه؟ إذا كانت الجرارات قد دفنت الأحياء في الجزيرة أبا ولم يتتبع احد أثرها، بل لم تستنكفوا بعدها لعب البولو أنتم وأبنائكم مع الشِلة إياها، فإن أبناء الفلاحين – وإذا شئت "العبيد" – قد أزدهر وعيهم وتسلحوا هذه المرة بالعلم، كما إن الأقمار الصناعية قد رصدت تحركات حلفائكم ولم تترك صاحب ضمير في الكون إلا وقد البته عليكم. فماذا أنتم فاعلون وإلي أي ساحة تلجئون؟ لله در الفيتوري وهو ينشد:
الملايين أفاقت من كراها0000000 ما تراها ملأ الأفق صداها؟
خرجت تبحث عن تاريخها 000000 بعد أن تاهت على الأرض وتاها
يا أخي في كل أرض عربت 000000 من ضياها.. وتغطت بدجاها
يا أخي في كل أرض وجمت 00000 شفتاها.. وأكفهرت مقلتاها
انطلق فوق ضحاها ومساها 000000000 يا أخي.. قد أصبح الشعب إلها
جبهة العبد.. ونعل السيد 000000000 وأنين الأسود المضطهد.!
تلك مأساة قرون غبرت 000000000 لم أعد أقبلها.. لم أعد
كيف يستعبد أرضى أبيض 000000000 كيف يستعبد أمسى وغدى
أنا زنجي وأفريقيتي 0000000000 لي.. لا للأجنبي المعتدى
أنا فلاح ولى أرضى التي 000000000 شربت تربتها من جسدي

إن أي محاولة جادة لانتشال السودان من إرتكاسته تستدعي عميق النظر في الآلية التي تم بها بناء العقل الثقافي السوداني، ومراجعة الظروف التي تم بها تأطيره. بدأ لي أن نظرية "العقل الرعوي" لم تعمد إلي تمحيص الواقع الاقتصادي والاجتماعي، أي تفادت الخوض في نظريات التنمية، واكتفت بمفاهيم الاجتماع السياسي لتحليل الواقع السوداني. كيف يمكن للبشر أن يستعيدوا حريتهم التي ارتهنها البعض في سياق اقتصادي واجتماعي تعود جذوره إلي سنار التي يراها محمد عبد الحي إشراقة ونقطة مضيئة في تاريخ الشعب السوداني، وأراها أنا نقطة مظلمة ومرحلة مدلهمة هيئت لتفريغ الخرافة، حضنها، وبثها في فضاء السوداني. من حينها ونحن عاجزون عن إخضاع "العلوم الدينية" لنفس الاليات والإجراءات المنهجية التي تخضع لها منظومة المعرفة الانسانية. الامر الذي تسبب في اعتمادنا قراءة "غير إنسانية للدين " ومؤدلجة لا تتجانس مع المبادئ العلمية والفلسفية للعصر الحديث، بل وتتسبب في تبني الحكومات ومعارضيها لأفكار عفا عليها الزمن، مما يفضي الي العنف ويعين علي إعادة إنتاج الأزمنة.
ختاماً، لي رفيق هو بمثابة العم والصديق مكث نصف قرن من الزمان يقاتل لأجل تحقيق العدالة لشعوب الهامش المقهورة، لعله من القلائل المخلصين في هذا الكيان المركوم، وأنتهي به المقام حواراً في ساحة الكاهن الكبير الذي كرس كل عمره متواطئاً مع النخب المركزية لهزيمة شعبنا مادياً وأدبياً بل وعازما علي استبقائه بكافة الحيل في خانة العبودية. راسلني هذا الوطني الباهر والذي أفضل ألا أفصح عن اسمه، بيد أن الأيام ستكشف ذلك لأنني مهرت كتابي (دارفور المستوطنة الأخيرة) مسطرا إهداءً باسمه كي لا تنسي نضاله الأجيال. قال لي: ما هو بديلكم وأنتم ترفلون في نعمائكم وتكتبون من بروجكم العاجية. لم أشأ أن أعير عبارة "بروج عاجية" اهتمام حينها، لكنني تذكرت اليوم صبحا أنهم في باريس لا يجتمعون في كوزي أو قطية، إنما أحيانا في قصور كنسية علها تثبت صبغتهم الكهنوتية.
إن الانتقال من عبارة "من هو البديل؟" الي عبارة "ما هو البديل؟" (يكون في علمك كلها عبارات يطلقها الموغاي – وكيل إعلام السلطان في الفاشر قديما – ولسان حاله يقول "الخشم خشمي والكلام كلام سيدي"). بمعني أخر إن الانتقال من الشخصنة (من القادر علي تحمل هذه التركة المثقلة بالجرائم والآثام المترعة بالفشل والدمار والتخبط؟)، الي الإجراء (كيف يتم إسقاط النظام في ظل الفراغ الداخلي والمناخ الإقليمي المحفوف بالمخاطر؟) لا يمثل انتقالا نوعيا، إنما يتمثل نهجا دائريا، ينقلنا أفقيا من نقطة إلي أخري دون أن يكون هنالك مدلول مفاهيمي أو عملي. السؤال الصواب: وفق اَي جهة يجب ان نسير وما هي المبادئ الملزمة؟
أولا، في إطار تقاسم الأدوار وظيفيا وتكاملها رؤيويا فليس من مهمتي إسقاط النظام، إنما ينحصر دوري ودور الحادبين من أبناء جيلي في إطار العمل علي تفكيك المنظومة وكشف التواطؤ التاريخي الذي هيئ لاستنساخ مايو حتي بلغنا مايو (3)، وقد نبلغ مايو (4) ومايو (5) ما لم يسعفنا صميم الإرادة ويرتقي بنا عظيم الهمة. سأل الصحفي الامريكي بارنباي مارثن المناضل الصيني الجسور غبريال اوروزكو، قائلاً: هل تعتمد الفن وسيلة لتغيير وعي الناس، ورغبة في ترقيتهم؟ رد أوروزكو قائلاً: ألجا الي الفن عندما تنفعل همتي وترتفع هامتي!
(لقد ارتفعت هامتنا عاليا بالتكريم الذي حاذه عبدالرحمن قاسم فهنئا له الوسام ولأسرته التحية والإجلال ولمعيته شرف الانتساب. منحت رابطة المحامين الأمريكيين المحامي السوداني عبدالرحمن القاسم الجائزة الدولية لحقوق الإنسان لعام 2018، وتأتي الجائزة التي منحت للقاسم تقديراً لسجله الطويل في تمثيل ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في بلاده والدفاع عنهم. ومن قبل منح البرلمان الأوروبي المحامي السوداني صالح محمود عثمان جائزة" ساخاروف" لحرية الصحافة والفكر لعام 2007.)
ثانيا، يجب ان لا ينبني مشروعنا ضديا (كأن يحشد شخص طاقته كلها للعمل ضد جهة)، إنما تجاوزيا (كأن يعمل المجموع لصالح انجاز فكرة وتحقيق ورؤية). وهذا هو الفرق بين الناشط والمفكر. لن تجدي المشاريع والبرامج في غياب الرؤية والرؤية النافذة يمكن ان تغير العالم، أو كما يقول جويل باركر.
ثالثاً، هل يعمل هؤلاء حقا لإسقاط النظام الذي بسقوطه قد يجرف كثيرين معه الي مذبلة التاريخ (او الي الكوشة بتعبير اكثر وقاحة ودقة)، أم انهم بانتدابهم مفاوضا حاذقا ولبقا – لا يحوجهم الي المفاسلة ويحفظ لهم ما وجههم – إنما يتخيرون موضعا في طاولة المفاوضات القادمة، موضعا يغنيهم عن التدافع الحيوي والديمقراطي مع الشعب. أخشي أن يكون "نداء السودان" بقيادته الحالية عبارة عن سحابة كاذبة ذات بروق لامعة لن تمطر علي المعارضة ماء تتطهر به ولن تذهب الرجس عن أهل الإنقاذ. بيد ان ضررها يتمثل في مثل هذه البلبلة وما قد تحدثه من اماني وظنون. اما بخصوص سؤال "النظام البديل"، فأقول لصديقي المُؤْثَر، البديل يخرج من رحم الحراك و الزخم و النقاش الذي قد تحدثه مثل هذه المقالات وتلك المناقشات، حتما ليس المماحكات، الفهلولة والفذلكة او المؤامرات التي يتقنها صاحبكم. يقول القائد المسلم العظيم علي عزت بيجوفيتش، "كل قوة في هذا الكون تبدأ بثبات أخلاقي، وكل هزيمة تبدأ بانهيار أخلاقي." فاختر لنفسك يا صحبي ما يليق وأربا بها عمّا لا تطيق!
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.