شاهد بالفيديو.. قالت: (الفي البطون ما بغسله الصابون) الفنانة إيمان الشريف تخرج عن صمتها وتتحدث لأول مرة عن قضية الساعة وتكشف عن التفاصيل كاملة في بث مباشر    النيابة السودانية ترد على اتهامات هيومن رايتس ووتش وتقر بحالة واحدة قيد التحقيق    انطلاق ورشة ايقاف الهدر في جلود الأضاحي بالخرطوم    6 استخدامات ذكية للمناديل المبللة قد تغير روتينك اليومى    ترامب : الخطة الزائفة التي نُشرت هدفها تشويه سمعة المشاركين في عملية السلام    مستشار النمسا: فيينا جاهزة لاستضافة مفاوضات السلام الشامل ونرحب ب "هدنة إيران"    زلزال في ليفربول.. الانتقادات تلاحق سلوت بعد تجاهل محمد صلاح    ميريل ستريب تتصدر بطولة مسلسل الدراما الإنسانية The Corrections    شاهد بالفيديو.. قالت: (الفي البطون ما بغسله الصابون) الفنانة إيمان الشريف تخرج عن صمتها وتتحدث لأول مرة عن قضية الساعة وتكشف عن التفاصيل كاملة في بث مباشر    شاهد بالفيديو.. قناة سودانية تستضيف "فدادية" متخصصة في صناعة "العرقي" وتثير ضجة إسفيرية واسعة    شاهد بالصورة والفيديو.. طفل سوداني إبن تاجر سيارات يفاجئ الفنانة فهيمة عبد الله ويعرض عليها شراء سيارتها "الكروزر" الفارهة بالسعر الذي تطلبه    إيقاف لاعب الإمتداد عمر رابطة    آرسنال يفتح أبواب التأهل عبر سبورتنغ    (اربطوا الأحزمه كأس العالم على الابواب)    الموانئ السودانية تتلقى عرضًا من الهند    قرعة "غدارة".. منتخب مصر يصطدم بإثيوبيا ومنتخبين عربيين    عسكوري وطه حسين يتقاسمان شركة زادنا    البرهان يتفقد الشركة السودانية لتوزيع الكهرباء    عبدالماجد عبدالحميد: تلقيت (تهديداً مبطناً) من شخصية أمنية وتنفيذية رفيعة تشغل موقعاً مهمًّاً بمكتب الدكتور كامل إدريس    إيران تؤكد.. سنسيطر على مضيق هرمز بذكاء وسندعم "محور المقاومة"    قرار بإيقاف فضائية سودانية    لاعب ريال مدريد يهاجم فينيسيوس: "فظيع" ويثير غضبي    شاعر سوداني يفجر المفاجأت: (كنت على علم بخطة اختطاف وضرب اليوتيوبر البرنس بالسعودية قبل يومين من تنفيذها)    مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة يكرم النجمة السورية سلاف فواخرجي    باحثون يطورون مستشعراً لكشف الالتهاب الرئوي عبر النفس    رغم هزيمة ريال مدريد.. مبابي وفينيسيوس يتحديان بايرن ميونيخ    شاهد بالصورة.. ارتفاع جنوني في أسعار "التمباك" بالسودان وساخرون: (السبب إغلاق مضيق هرمز وتأثيره سيكون عالمياً)    تسيّر (6) باصات من القاهرة لطلاب الشهادة السودانية ضمن خطة العودة الطوعية    البرهان يصدر توجيهًا بشأن ملف الكهرباء    9 أطعمة ومشروبات ينصح بتناولها بعد عمر الستين أبرزها القهوة والسمك    معاناة المشاهير مع الصحة النفسية.. حقيقة أم استعراض على السوشيال ميديا؟    السودان.. القبض على 4 ضباط    مؤتمر برلين.. تمويل الأجندة أم صنع السلام؟    في عملية نوعية لمكافحة التهريب بالبحر الأحمر ضبط متهمين أجانب بحوزتهما أسلحة وذخائر    فينيسيوس يهدد لاعبًا أرجنتينيًا بالقتل    ترامب عن إيران: ستموت حضارة بأكملها الليلة ولن تعود أبداً    تعليق الدراسة بمدارس ولاية الخرطوم    السودان..ترتيبات لتوفير مبالغ مالية لشراء محصول القمح    قضية أثارت جدلاً.. براءة عصام صاصا من تهمة المشاجرة بملهى ليلي    ضبط شبكة إجرامية خطيرة في الخرطوم    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سقيا الشعر بذخات المطر، وعثمان بشري في مدني .. بقلم: جابر حسين
نشر في سودانيل يوم 18 - 08 - 2018

في ودمدني، منذ حوالي السادسة صباح هذا اليوم الأحد 12/8/2018م، وحتي لحظة كتابة هذا المحتوي، لم يتوقف المطر لحظة، المدينة كلها والناس في البلل والطقس الخريفي المواتي. الآن، الشاعر عثمان بشري في طريقه إلي مدني، ليقدم عصر اليوم قراءات متنوعة لأشعاره، بدعوة، ذات إشارة ودلالة، من
( نادي ود مدني الثقافي ) بمنتزه ( سواحل كافيه ). ولأجل هذه المناسبة، ولعيون شابات وشباب النادي نعيد نشر هذه الكتابة، ترحيبا بالشاعر ولمن لم يطالعوها، لربما تكون ضوءا صغيرا علي مسار شعره ورؤاه.
الشيوعيون أيضا ، يحبون عثمان بشري !
" الشعر هو فعل قائم علي تحريك مفاصل اللغة ، من أجل أن تكون في العميق ، وصولا إلي الثمار الصعبة . دون تلك الحركة ، ودون ذلك النشاط ، لا قيمة للنص ! " ...
- الشاعر العراقي أسعد الجبوري -
الشعر ، كما أراه ، هو تحريك ، وهرولة ، وتسلق عال و ... سقوط ، من دون كل ذلك ، وبغير غرائبيته ودهشته التي يلبسها أردية وصورا ومعان ، لا يكاد ينجو ، وقد لا يكون شعرا مؤثرا ! فالشاعر ، الجدير بأن نقول عليه شاعر ، هو الذي يراوغها اللغة ، ويشاكسها ، وينشي ، من تلقاء تلك القدرة عنده معاركه مع اللغة ، وفي دواخله الآخرين ، بكل ما لديهم من تعقيدات وتناقضات وصراعات وخيبات حياتهم ، وهو – أيضا – قادرا علي " العيد " في أشد الأمكنة وعورة وعتمة ورعبا وحساسية . و دخول الشعر حقل التجريب مهم جدا هنا ، فالشاعر يبدو ، تلك البرهة ، كائن " فصامي " قادرا علي خلخلة وتفجير الأنظمة الشعرية السائدة ، تلك التي تحد من إنطلاقته الحرة وتطوره ، يفعل ذلك بقدرة اللغة والمعاني ، بالصور والدلالات ، ثم يعيد تركيب " معماره " المبتكر ضمن " فوضي " ذات إنسجام وإتساق هو منشئها وسيدها ، وقد يعيق بها – حين تطلع في الملأ –" المزاج " الشعري السائد ، وقد يحاكمها بأقسي ما لديه من نصال ، لكن ، ذاك الشعر بالذات ، هو ، أصلا ، عمق تخيلي / واقعي ، لا توقفه ، ولا تحد من مسيرته لا الحواجز ولا الجدران ولا العسس ولا الجمهور وقد تعودت ذائقته ذلك السائد القديم ! الشاعر ، إذن ، سيد " محرقة " شعرية غريبة ، يجمع فيها بؤرة ناره التي تتمدد بالمعاني وتنتشر جراء الحرائق فتنثر صورا ومجازات وبنيات لغوية بتناغم يعتمد علي طقوسه " الجوانية " فتلك، هي، من وجوه الشاعر نفسه والشعر معا وقد أصابهما الحريق ، تلك محارقه ، ميلودراما داخلية مكتملة للغة وللمعاني .
كيف هو عثمان بشري ؟
هو نفسه ، باطنه هو ظاهره ، وهما – معا – سمت واحد : الشعر. فبشري يعيش حياته تماما كما شعره ، يعيش شعره في حياته ، فهو في كينونة وجوده نفسه ، تري ملامح شعره في تفاصيل حياته ، ومن يصدق للشعر يكون رداء له و ... يكسوه ، لا قناعا ، بل حياة تراها وتعايشها تلك الحياة، فتزداد معرفتك لشعره كلما أمعنت النظر إليه وهو يعيش تلك الحياة . نعم ، تشوب حياته بعضا غير قليل من الغرابة ومغايرة للسائد ، فلم يلق بالا لما يقول به المجتمع أو يكترث لإشتراطاته وسياجه وسقوفاته وخطوطه " الحمراء " . قالوا عنه بالجنون ثم روجوا لذلك ، بخاصة بعد حادثة سقوطه الشهير بالقاهرة من الطابق السابع ، فيوضح الأمر بقوله " كنت مرهقا ، أردت أن أسقط في السرير ، فسقطت في الهاوية " ، هكذا! . قالوا – أيضا – أنه " منفلت " في حياته ولا مبالي ، ووصفوه بإدمان الخمر ، مقل في تناول الطعام فيكتفي بالقليل منه وغير ميال لحياة الترف فأكثر ما يحب هو أن يكون بين الفقراء من شعبه ، فيعيش مثلما يعيشون الحياة . هو البسيط في مظهره ، يرتدي ملابس متواضعة مثل عامة الناس ، فلم نراه يوما يرتدي " البدلة وربطة العنق " مثلما جل المثقفين والشعراء حين يواتيهم الحظ فيكونوا مثلما الأثرياء في لباسهم ونمط حياتهم الناعمة ، لهذا فهو عصيا علي " التدجين " ولو " منحوه الذهب " علي قول أمل ، قانعا بتجليات حياته الفقيرة وهو الغني بالشعر الذي يعيشه كل لحظاته ، أبدا لا يفارقه حد صار له الصاحب والخل الوفي ، فأغدق الشعر عليه الهبات وعطاياه حتي صار هو نفسه وجها واضحا لشعره أينما حل وأرتحل ! وهو في بلبال هذه الحياة ، يعييش قسوتها فيخلق منها " نعيما " رحيما يظلل شعره اليومي من حياته ، وهو ، بهذي الصفة ليس أبدا ذلك " الكائن الخلوي " كما أصبح أسم علم عليه ، والتسمية ، هي أصلا ، جعلها هو عنوانا لمجموعته الشعرية الأولي ، هو ، إذن ، مطلقها في الناس وسرعان ما تناولوها وجعلوها أحد أهم العناوين عليه ، وذلك ظلما فادحا بحقه كما أري ، لأن جوهرة شعره في سيرورة متغيرة بأستمرار ، فقصيدته أبدا لا تكرر نفسها ، لا في اللغة ولا في الصور ولا في المعاني أيضا ، قصيدته صاعدة إلي ذري شعرية كل أوقاتها . بشري ، إذن ، كائن شعري مديني بإمتياز حين يكون في المدينة ، ريفيا قحا حين يكون في الريف وضواحي المدن وهوامشها ، تلك هي حياته التي هي من صلب حياة الناس الذين يعيش بينهم بإصرار حاذق وإنتباهات بصيرة ، وتلك هي " الحدوس " في قصيدته . يقول عن شعره : " ... فهو ليس رهينا للحظة ، بإعتبار أن النص أصلا قابل لكل أزمنته القادمة ، ولأنه يري أكثر ، فالنص شايف إلي أبعاد عميقة ." * ، هكذا ، يري بشري أن النص الشعري في حالة تغير دائم كل برهة ، فلا يستقر علي حال ، لا الشعر ولا هو ، لأنه هو نفسه " قصيدة متحركة " علي حد قوله * . شعره ، أيضا ، ذو ملامح واقعية ، إشارات ورموز وصور ومشاهد ومعان ودلالات ، ليست تشبه الواقع لكنها تلامسه ، تمسك بلحظته في توهجها ، فتصوغ منها " مزيجا " مبتكرا فيما بين الخيالي والواقعي ، ف " الخيالي هو الواقعي الأكيد " علي قول درويش .
وكيف هو شعره ، و ... سرده الشعري ؟
أشتهرت قصيدته " توما أمرأة الغيم " وقت نشرها حوالي الثمانينات، وكانت تجربة شعرية معايشة لليومي من حياة الناس والوطن ، حملها في دواخله يسعي برؤياها فيما بين الشوارع والمعتقلات ، فقك كتب جزءها الثالث بمعتقل كوستي ، فهو ممن يصرخون ، بالشعر ، في وجه القبح السائد ومساخر الأنظمة ، لم يحذق يوما " الصمت " والإنكفاء المراوغ علي شعره ، بل يجعل منه متفجرة ملتهبة وسط ركام الواقع ، تحرق وتشفي و ... تضئ !
" فرقة ساورا " المجيدة تلقفتها بفرح وجعلتها أغنية فرح وأمل وأشواق لوجدان شعبنا ، وتدافع صوبه ، من بعد ، المغنون الشباب ، أحاطوه بالألحان وبالإيقاع الذان هما حلية في خاصرة شعره كله ، العامي منه والفصيح ، يقول في بعض " توما " :
" قتلوك
وجايين مأتمك
عُرسك اظن ما .. مأتمك
لم أفهم الحاصل على وجه الخصوص
فقط إعترفت بإنى ممكن
أفقدك وبكُلِّ ذوق
فاقد خطوط الذاكرة
مضيت على العقد المُوشَّح
بالهتافات الكضب
وبَصَمتَ إنى معاك زول
وافر بصحة وخير وحال
بقدر أقول..
وأقول بصمت :
إنك حبيبتى وست شقاى
بالحيل بتشبعى رغبتك
بالحيل بتسندى جوعتك
بالحيل ديمقراطية إت
أو حتى بتمدِّى البيفضل
من فُتات ، للجارة قبال
تشحدِك.. " ...
" ذاكرة الماء والإشتعالات والطبول " ، عنوان دال ومؤشر لحال الضجيج والحراك والرغبة العارمة للتغيير ، للحياة العفية وللنضال رغم الجراح والقيح ومثبطات الفعل المضئ ، الماء ، ليس المحايد كما يشاع ، بل هو في سيرورة الموج والهدير ، ربيب الرياح ورفيق العواصف والدوامات في تفجراتها المفاجئة ، الشعر هنا ، في حياة الناس وفي صخب تلك الحياة ، بإشتعالات ورزيم الطبول لتكون وتمضي إلي حيث أشواقها وأحلامها ، يقول في بعضها :
" ...غًنيلى ، يا صابر : حباب..
طينة وبحبك يا نصوص..
طينة وبحبك يا لصوص..
على مين أيقّن مفردات الريح؟
إذا كسَرَ القزاز؟
على وين أقبّح إفتراءآت الظروف
ساعة يموت فينا الحراز؟
ما خَرَّ نهرك فينى.
لكنى إشتكيت من كُتر سُقَّات النَّزاز.
خَمجانه إيد كُلَ السَّعوك قِرِقير
وسَمُّوك إنتقاذ.
ماهُو كنا لابسِّنك حرير
وأكلَّنا من ريقك عُزاز
ومرقنا حامدِّنك دليل
ورقدنا طارينك ملاذ..
فبأى آلاء الرغيف
وبأى آلاء الطمى..
كذبت مواويل الهمى
وشكينا من شُحَ الرذاذ.. ! " ...
كيف نقرأ عثمان بشري ؟
بشري يقرأ في سياقين : في قصيدته بعامية أهل الوسط ، التي هي غنائية في الأساس ومشحونة بالإيقاع الموسيقي ، واللحن موسيقي تلازمها وتلح أن تكون في الأغاني ، لكنها تبدو بلغة رشيقة راقصة وذات جرس ناعم ، ليس فيها صراخات الشعار ولا الهتاف ، بل تتوسل مسارها بنعومة سلسة فتتسلل برفق حنون إلي الوجدان العام ، تماما كما في " توما " وفي " ذاكرة الماء والإشتعالات والطبول " . والسياق الثاني لشعره هو الشعر الفصيح في أدغال اللغة ، حيث الكثافة والبريق وأمتدادات الوصول إلي الذري العاليات للوجه الشعري في تألقه ووميضه غير المألوف ، صورا منسوجة بالعشب والأغصان والماء والطين ، تجد فيها حلم الحرية والرغيف ، والفقراء في سمت " الملائكة " ، وأما العشاق فهم ينعمون بالبهجة في الملكوت ، كل شئ حسن هنا وجميل ، إلا صراخ الجوعي و حسرات الخيبات وجراح الهزائم ، فلو لم يكن " الوعي " بالراهن والحلم العفي بالغد المشرق حاضرين هنا لإنكفأت ، خائبة ، دورات شعره هنا ، فلديه بعضا من " عتمات " تكاد تنال من شروق القصيدة هنا أو هناك ! يقول عن غنائياته بالعامية أنه يجد نفسه فيها خاصة أنه يمتلك " قاموس ضخم جدا من الدراجة السودانية بشقيها الهامشي والمركزي إذا جاز التعبير " علي حد قوله ، وفي ظني ، أنه من هنا بالضبط، تكمن مسببات إنتشار غنائياته أينما حلت في بلادنا ، وذلك هو دواعي نيلها ذلك القبول العالي عند الناس كافة. إمتلكها ، إذن ، لغتهم في مواضعها الحميمة منهم ، في لسانهم وفي وجدانهم فكانوا من عشاقها . وهو يصف شعره " الفصيح " ، مثلما في " توما " وأخواتها ، بأنه يندرج تحت مسمي " المسرحة الشعرية " ، هذا علي خلاف المسرح الشعري كما زاع وساد في الخمسينات والستينات من القرن الماضي ، أكيد أن جل قصائده قابلة للمسرحة ، أن تضئ نفسها أكثر في مشاهد مسرحية ، وهذا مما كان الشاعر والمسرحي الراحل محمد محي الدين في السعي المثابر علي نهوضه وإشاعته. ولقد حدثني بشري نفسه أن محي الدين قد أبدي رغبته أن يقوم بمسرحة بعضا من نصوصه وأنتظرها تأتيه منه ، فجاء موته المفاجئ ليعطل هذه التجربة التي كانت لاشك ستكون أضافة غنية لتجربة بشري الشعرية . يوجد ، بالطبع ، في بعض الشعر ، قدرة ما ، نابعة منه تجعله قابلا ليكون " ممسرحا " ، وهذا ممكن فقط ، في حالته من القابلية تلك ، لكنني أتحفظ شيئا علي قدرة " مصطلح بشري للتداول والبقاء ! أما فيما يخص تجربته الجديدة في الشعر ، فتلك خطوة مدهشة للأمام ، ولنا أن نراهن علي نجاحها قليلا هنا أو كثيرا هناك ، بحسب المنتج منها فيما يخص العلاقة الملتبسة / الشائكة وشديدة الوخز فيما بين الشعر والسرد ، في مدي " تلاقحهما" حتي يكون المنتج مولودا معافي ، بهيا ومشرقا . أن أجمل ما في الشعر علي الإطلاق هو أنه لا يحدد ولا يؤطر ، ومتي حددته أو أطرته قتلته ، فهو لديه مطلق القدرة علي أن يتجدد ، يتجدد من تلقاء نفسه وأن يتخذ من الأشكال ما يناسبه لأن هنالك لهيبا ما ، حريقا في داخله ، مصهرا يعمد إليه لغته وصوره ومعانيه . بشري ، في ظني ، يسير في شعره ، الذي هو حياته في ذات الوقت، هذا المسار المعذب العذب . تراه ، مشغولا وفرحا بتجاريبه الجديدة تلك ، إبتكارات تجعله مهرولا فيها ، فرحا بها ، ميلادا جديدا ربما يأخذ شكل التؤامة بين الشعر والسرد . يقول في خاتمة نصه " الهنااااك " ، الذي يعبرعن أحد وجوه هذه التجربة عنده :
" ... عين تراني بغيابها الحاضر في الحدس،بمآلات الواقع..وبيننا يقف جدار دهنه النسيان الافتراضي بوحشة أكيدة..وإذ كنت أقول: لا يمكن للجسور التي أبنيها في أقاصي أنهار الروح إلا أن تصلني بك لابد..وكوة في البعيد الذي أسسته،شكرا لعين ترقبنينني بها،بمزيد من الخوف ..
هل أنت هناك أصلا .؟
أيكون السؤال هكذا لائقا بتفاحة مثلك في حجمها الاشتهائي الفادح .؟
لربما كان علي أن أستدرج صياغات شاعرية أخري إلي فخاخك المخاتلة تلك التي لسعت مسامات يقيني بعسلك الاستوائي الرجيم،وابقتني في خدر الإنتظار العظيم ..صياغات تليق بخرير الأحلام المؤجلة في جدول الأمس واليوم وغدا..صياغات جسورة لا تكتفي بجلدك في وضح القلب وأنت بين ظهراني شوفي حين كانت الإبانة تقتضي الإفصاح بما أنت عليه من جسامة حضور والق..ولا تنتهي بك إلي مجاز بل أن تعلقك من أعلي جهة في أنثاك الفعلية وتنادي الجهات الأربع:أن فاشهدي علي مزاداتي الإنسانية فيك .!! هذا قدر التخوم للأنهار لا تكتشف عذوبتها إلا في دلتاها عند البحار البعيدة ..
اليوم وأنا أصلي علي أسفي صلاة الحاضر الأبدي،تذكرت سفرا كنت قد خباته لك حين ميسرة ....
يا ندمي في النظام
يا حيازتي للتهلكة..
النجاة مسألة حظوظ
والقيامة من رحم التجربة
عندما كل شيء معلق فى الحلم
والأماني بنات الكظيم..
أوقفي الباب علي عقبيه
فالخارج أنا والداخل الانتظار ! " ...
و ... هكذا ، سننتظر لنري وجهها وجسدها في ضوء هادي حين تختال ، بدلالها الشبقي في لغتها وصورها ، فقد خرجت للتو من مصهرها ، ننتظر قليلا لنراها أكثر و ... نتأملها !
لماذا نحب عثمان بشري ؟
تمهل .
تمهل ،
وكن في التأمل إن أردت .
لكن ،
أبدا ... أبدا
لا تستكين !
بشري أبدا لا يعيش الدعة والركون إليها ، هو القلق وفي السعي إلي محارق اللغة ، إلي الصراع الذي يتناوش اليومي والعادي ويشاكسه ، هو ، دائما ، في النزوغ الملح / المعذب في طلب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ، في الرؤي البهيجة التي يتصورها لشعبه ووطنه ، يطلبها ويعيشها بفرح " طفولي " طاغ ، يعايش ، يوميا وفي كل لحظات حياته ، فرح الغد وسط الفقراء والكادحين من أبناء وبنات شعبه ، يغني لهم ويراقصهم ويشيع فيهم الأغاني والأناشيد و ... يدق طبول المسرات إليهم . ولأجل هذه الروح البهيجة التي تسكنه ويسكنها فقد ذاق حرمانا وقسوة جوبه بها وإرتاد سجون النظام وناله ما ناله من جروحات أصابت جسده بأدوات القمع لدي العسس وأجهزة الإمن ، فظل ثابتا علي رؤياه وعلي عرشه الشعري ، ينال منهم بالشعر ما لا يستطيعون له ردا ، فيتجاوزهم ويمطرهم شعرا وهو بين أحضان شعبه ،هكذا يحوز المحبات كلها من شعبه ، وهكذا ، أيضا ، يحبه الشيوعيون ، و ... ياله من حب !
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.