الفيضانات شردت 200 إلف طفل بجنوب السودان    استنباط أنواع جديدة من القمح تلائم الأجواء السودانية    "السودانية الإثيوبية" تبحث تأمين الحدود والقوات المشتركة    توافق علي ملء بحيرة سد النهضة خلال 7 سنوات    غندور: لو توفرت أموال قارون للحكومة لن تجاوز التحديات    تحالف المحامين الديمقراطيين: قرار وشيك بحل النقابات    أمجد فريد: المؤسسة العسكرية هي المتهم الأول في فض الاعتصام    اتجاه لرفع دعاوي قضائية ضد المخلوع، غندور وعبدالرحيم حمدي    رفع الدعم عن السلع الاستهلاكية وتحويله لدعم مالي للفقراء .. بقلم: محمد المعتصم حسين    اتحادنقابات العمال يؤكد دعمه لملف الدين الخارجي    وزير النفط: العمل بحقل بليلة لم يتوقف    البدوي: برنامج (الانتقالية) يركز على الانتقال الى التنمية الاقتصادية الشاملة    مشروعات طاقة روسية بنهر النيل    توتر في حقل نفطي بغرب السودان بعد احتجاجات للأهالي    مشروع الجزيرة : الماضي الزاهر والحاضر البائس والمستقبل المجهول (4) الأخيرة .. بقلم: صلاح الباشا    فانوس ديوجين السودانى!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    حكاية .. بقلم: حسن عباس    الخيط الرفيع .. بقلم: مجدي محمود    السودان جمال لم تره من قبل (الخرطوم) .. بقلم: د. طبيب عبد المنعم عبد المحمود العربي/المملكة المتحدة    السودان يستعيد توازنه برباعية في ساو تومي    فريق كرة قدم نسائي من جنوب السودان يشارك في سيكافا لأول مرة    مبادرات: هل نشيد نصباً تذكارياً له خوار ؟ أم نصباً رقمياً ؟ .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    ذَاتُ البُرُوجِ (مَالِيزِيَا) .. شِعْر: د. خالد عثمان يوسف    لسنا معكم .. بقلم: د. عبد الحكم عبد الهادي أحمد    نداء الواجب الإنساني .. بقلم: نورالدين مدني    كلنا أولتراس .. بقلم: كمال الهِدي    السعودية توافق بالمشاركة في كأس الخليج بقطر    انفجار جسم غريب يؤدي لوفاة ثلاثة أطفال بمنطقة تنقاسي    جعفر خضر: الدين والتربية .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    والي كسلا يدعو للتكاتف للقضاء على حمى الضنك بالولاية    زمن الحراك .. مساراته ومستقبله .. بقلم: عبد الله السناوي    الأمم المتحدة تتهم الأردن والإمارات وتركيا والسودان بانتهاك عقوبات ليبيا    أمريكا تدعو العراق إلى إجراء انتخابات مبكرة    لجنة مقاومة الثورة الحارة 12 تضبط معملاً لتصنيع (الكريمات) داخل مخبز    أميركا تدعو العراق إلى إجراء انتخابات مبكرة    اتهامات أممية ل(حميدتي) بمساندة قوات حفتر والجيش السوداني ينفي    شكاوى من دخول أزمة مياه "الأزهري" عامها الثاني    "أوكسفام": 52 مليوناً عدد "الجياع" بأفريقيا    الحكومة السودانية تعلن دعمها لاستقرار اليمن وترحب باتفاق الرياض    87 ملف تغول على ميادين بالخرطوم أمام القضاء    ترحيب دولي وعربي وخليجي واسع ب"اتفاق الرياض"    البرهان : السودان أطلق أول قمر صناعي لأغراض عسكرية واقتصادية    في ذمة الله محمد ورداني حمادة    حملة تطعيم للحمى الصفراء بأمبدة    والي الجزيرة يوجه باعتماد لجان للخدمات بالأحياء    معرض الخرطوم للكتاب يختتم فعالياته    ناشرون مصريون يقترحون إقامة معرض كتاب متجول    أنس فضل المولى.. إنّ الحياة من الممات قريب    وزير أسبق: سنعود للحكم ونرفض الاستهبال    ضبط كميات من المواد الغذائية الفاسدة بالقضارف    الشرطة تلقي القبض على منفذي جريمة مول الإحسان ببحري    فك طلاسم جريمة "مول الإحسان" والقبض على الجناة    مبادرات: استخدام الوسائط الحديثة في الطبابة لإنقاذ المرضي .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    وزير الثقافة يزور جناح محمود محمد طه ويبدي أسفه للحادثة التي تعرض لها    مولاَّنا نعمات.. وتعظيم سلام لنساء بلادي..    الحكم بإعدام نظامي قتل قائد منطقة الدويم العسكرية رمياً بالرصاص    وزير الشؤون الدينية والأوقاف : الطرق الصوفية أرست التسامح وقيم المحبة    عملية تجميل تحرم صينية من إغلاق عينيها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ملاحظاتٌ حول مشروعِ الوثيقةِ الدستوريّة للفترة الانتقالية لسنة 2019 .. بقلم: د. سلمان محمد أحمد سلمان
نشر في سودانيل يوم 28 - 07 - 2019

نوردُ في هذا المقال بعض ملاحظاتنا حول "مشروع الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019" (الوثيقة الدستورية). لا بُدَّ من التوضيح في البداية أن هناك عدّة نسخٍ من مشروع الوثيقة الدستورية متداولة قي الصحف الورقية والالكترونية وعلى الأسافير. كما أن الاجتماعات تواصلت وتتواصل حول هذه الوثيقة الدستورية. وقد ينتج عن هذه اللقاءات تغييرات على الوثيقة الدستورية تكون قد استوعبت بعض مقترحاتنا المضمّنة في هذا المقال، أو تغييرات وإضافات تتطلب رأياً جديداً حولها.
كما أن عدداً من الملاحظات التي أثرناها حول اتفاق قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي بتاريخ 17 يوليو عام 2019، والتي نشرناها في مقالنا بنفس العنوان يوم 18 يوليو، لم يتم تضمينها في مشروع الوثيقة الدستورية. وسوف نورد تلك الملاحظات مرةً ثانية في هذا المقال على أمل أن تتم مناقشتها والنظر فيها.
2
تنصُّ المادة 7، الفقرة (11)، من الوثيقة الدستورية على التزام أجهزة الدولة في الفترة الانتقالية بإنفاذ عدّة مهام منها: "وضع برامج لإصلاح أجهزة الدولة خلال الفترة الانتقالية بصورة تعكس استقلاليتها وقوميتها وعدالة توزيع الفرص فيها دون المساس بشروط الأهلية والكفاءة، على أن تسند مهمة إصلاح القوات المسلحة للقوات المسلحة وفق القانون." وقد ورد نفس هذا النص في اتفاق 17 يوليو.
الكل يعرف ويتفق أن القوات المسلحة قد تم وضعها بالكامل تحت سيطرة الحركة الإسلامية خلال الثلاثين عاماً الماضية. فقد تم فصل كل الضباط والجنود المشكوك في ولائهم، وأصبح القبول في الكلية الحربية، والترقّي داخل الجيش، يخضعان خضوعاً تاماً لإشراف قيادات معينة في الحركة الإسلامية.
كيف يمكن أن تُعهد مهمة إصلاح القوات المسلحة تحت هذه الظروف لنفس القيادات العسكرية التي كانت مهمتها خلال الثلاثين عاماً الماضية حماية نظام الإسلاميين وقياداتهم، بدلاً من حماية الدستور والبلاد بمقتضى القسم الذي أداه هؤلاء القادة العسكريون؟
إن السودان يحتاج إلى جيشٍ وطنيٍ خالص مهمته حماية الدستور والوطن والحدود، وإنهاء لعبة الانقلابات العسكرية التي أصبحت هم ووظيفة الجيش السوداني الأساسية. لهذا السبب، فإن مهمة إصلاح القوات المسلحة ذات أهمية قصوى، ومثلها مثل الحرب، يجب أن لا تُترك للعسكريين وحدهم. كما لا بُدَّ بالضرورة من إشراك العسكريين الذين تم فصلهم تعسفياً، والمتقاعدين الآخرين من العسكريين، في مهام إصلاح القوات المسلحة للاستفادة من خبراتهم في هذا المضمار.
3
تنص المادة 7، الفقرة (15)، من الوثيقة الدستورية على "تشكيل لجنة تحقيق وطنية مستقلة لإجراء تحقيق شفاف ودقيق، بدعم أفريقي وفق تقدير اللجنة الوطنية، في الانتهاكات التي جرت قي الثالث من يونيو 2019 وغيرها من الأحداث والوقائع التي تمت فيها انتهاكات لحقوق وكرامة المواطنين مدنيين أو عسكريين كانوا، على أن تشكل اللجنة خلال شهر من تاريخ اعتماد تعيين رئيس الوزراء..."
هذه الفقرة هي تكرارٌ لمضمون نفس الفقرة من اتفاق 17 يوليو عن مجزرة 3 يونيو. عليه فإن الوثيقة الدستورية (مثلها مثل الاتفاق) قد دمجت مجزرة الثالث من يونيو مع "غيرها من الأحداث" التي وقعت في السبعة أشهرٍ الماضية، شاملةً أحداث العنف التي تمّت فيها خروقات للمدنيين والعسكريين على قدم المساواة، ونصّت الوثيقة الدستورية على تكوين لجنةٍ واحدة للتحقيق في كل هذه الأحداث التي وقعت منذ قيام الثورة.
كان يجب أن تُكوِّنَ الوثيقةُ الدستورية لجنةَ تحقيقٍ مختصّةٍ فقط بمجزرة الثالث من يونيو، وأن تشمل هذه اللجنة أطرافاً دولية مختصة مثل مجلس حقوق الإنسان، وليس فقط إعطاء اللجنة الحق في طلب أي دعم أفريقي "وفق تقدير اللجنة." فالاستفادة واستخدام المعايير الدولية مهمٌ وضروري خصوصاً عندما يكون موضوع التحقيق بحجم وفظاعة مجزرة الثالث من يونيو، والتي يشملها القانون الدولي أيضاً كجريمة ضد الإنسانية.
وكان يجب أن تشمل الوثيقة الدستورية تكوين لجنةٍ أو لجان غير هذه اللجنة للتحقيق في حوادث القتل والاختفاء القسري والتعذيب والاغتصاب الأخرى منذ اندلاع الثورة وحتى يوم التوقيع على الوثيقة الدستورية، حتى لا تتشتّت جهود اللجنة الواحدة بين كل حوادث القتل والعنف العديدة الأخرى والتي تمّت في فترات مختلفة منذ اندلاع الثورة في ديسمبر عام 2018.
يعضّد هذا المقترح التقرير الذي صدر عن مجزرة الثالث من يونيو هذا الأسبوع وانتقده ورفضه معظم الثوار، وقوى الحرية والتغيير، وكذلك معظم الأحزاب والقيادات السياسية، وخرج شباب الثورة في مظاهرات هادرة ضده.
كما لا بد من الإشارة هنا إلي أن عدداً من القانونيين السودانيين في غرب أوروبا قد رفعوا مذكرةً إلى محكمة الجنايات الدولية مطالبين المحكمة بممارسة اختصاصاتها بمقتضى قرار مجلس الأمن رقم 1593 (مارس 2005) الذي أحال الوضع في دارفور إلى المحكمة. جادل هؤلاء القانونيون أن الوضع في دارفور، وما حدث في الخرطوم في 3 يونيو، مرتبطان ببعضهما البعض تمام الارتباط. ويتوقّع الكثيرون أن تصدر من مجلس حقوق الإنسان تقارير وقرارات بشأن تلك المجزرة أيضاً. لذا لا بد من استخدام المعايير الدولية في التحقيق في هذه المجزرة.
4
لا بُدّ من ملاحظة أن الوثيقة الدستورية أبقت على صلاحيات اللجنة الواردة في الاتفاق، والتي تشمل "انتهاكات لحقوق وكرامة المواطنين مدنيين أو عسكريين كانوا." عليه، وكما جادلنا في مقالنا السابق، فسوف يذكّرنا القانونيون الإسلاميون أن مرجعية اللجنة تشمل – حسب نص الوثيقة الدستورية – التحقيق في انتهاكات حقوق كل العسكريين على قدم المساواة مع الثوار الذين قدّموا أكثر من 240 شهيد منذ بداية الثورة وحتى تاريخ صدور الوثيقة الدستورية. ويجب علينا ألّا نندهش إن جادل هؤلاء القانونيون الإسلاميون أن مرجعية اللجنة تشمل (كما ذكرنا من قبل) محاسبة الفتيات الثائرات اللاتي قمن بإرجاع القنابل المسيلة للدموع، والتي لم تنفجر، إلى الجنود والضباط الذين أطلقوها عليهن. وأن المرجعية تشمل كذلك القتلى من الجيش في حوادث تصادم سيارات الجيش، بعضها ببعض، أثناء مطاردتها للمتظاهرين، ومحاسبة المتظاهرين الذين تسببوا في تلك الحوادث.
5
تقضي المادة 10 من الوثيقة الدستورية بتشكيل مجلس السيادة من أحد عشر عضواً، خمسة عسكريين يختارهم المجلس العسكري الانتقالي، وخمسة مدنيين تختارهم قوى إعلان الحرية والتغيير. ويُضاف إلى العشرة أعضاء شخصية مدنية يتم اختيارها بالتوافق بين الطرفين. وتقضي هذه المادة أيضاً برئاسة مجلس السيادة بواسطة أحد العسكريين لمدة واحد وعشرين شهراً ابتداءً من تاريخ الوثيقة الدستورية، على أن تؤول الرئاسة لأحد المدنيين في فترة الثمانية عشر شهر المتبقّية للمجلس.
ويعني هذا أن العسكريين سوف يواصلون رئاسة المجلس العسكري منذ الانقلاب الذي أتى بهم إلى السلطة في 11 أبريل 2019 حتى يوم تشكيل مجلس السيادة. ثم سوف يتولون رئاسة مجلس السيادة لمدة واحدٍ وعشرين شهراً بعد ذلك.
بالطبع سوف يستغل العسكريون الرئاسة لتوجيه مجلس السيادة، بقدر المستطاع، في تطبيق رؤيتهم وبرنامجهم الذي بدأوا في تنفيذه منذ انقلاب 11 أبريل، عند وصول هذا المجلس العسكري للسلطة. لا بُدَّ من إضافة أن الوثيقة الدستورية لا تمنع أعضاء المجلس العسكري الانتقالي الحالي من البقاء كأعضاء في مجلس السيادة القادم، أو من رئاسته.
لقد كان من الضروري أن يتم تطبيق مطلب "المدنية" على رئاسة مجلس السيادة، وفي حالة صعوبة الاتفاق على ذلك أن تكون الرئاسة في الفترة الأولى للمدنيين لضمان تطبيق مبادئ ومطالب الثورة.
وفي حالة عدم التوافق على الرئاسة في الفترة الأولى للمدنيين، تكون الرئاسة شهرية (أو كل شهرين أو ثلاثة أشهر) أسوةً بمجلس السيادة المدني في خمسينيات وبداية ستينيات القرن الماضي (كما أوضحنا في مقالٍ سابق بعنوان: "تجربة مجلس السيادة في السودان ورئاسته التناوبية والدائمة: دروسٌ لثورة ديسمبر 2018").
ثم لماذا يرأسُ المجلسَ العسكريون لمدة واحد وعشرين شهراً (بالإضافة إلى رئاستهم وعضويتهم للمجلس العسكري لأكثر من ثلاثة أشهر قبل ذلك، ليظلوا في الرئاسة لمدةٍ تزيد عن أربعة وعشرين شهراً)، بينما يرأس المدنيون المجلسَ لمدة ثمانية عشر شهراً فقط؟ إنها في المحصلة النهائية مدة أكثر من عامين كاملين للعسكريين، مقابل عامٍ ونصف فقط لقوى إعلان الحرية والتغيير.
كما أن الوثيقة الدستورية لم توضّح ماذا سوف يحدث إذا فشل الطرفان في الاتفاق على الشخصية المدنية الحادية عشر لمجلس السيادة.
نرجو تصحيح الخطأ "أحد عشرة عضواً" في المادة العاشرة. الصحيح هو "أحد عشر عضواً" (وليس عشرة.)
6
تتناول المادة 11 من الوثيقة الدستورية اختصاصات مجلس السيادة وسلطاته. وتنص الفقرة (4) من هذه المادة بعد ذلك على الآتي: "تصدر قرارات مجلس السيادة بالتوافق أو بأغلبية ثلثي الأعضاء في حالة عدم التوافق."
لا بد من التذكير أن مجلس السيادة يتشكّل من أحد عشر عضواً، خمسة عسكريين يختارهم المجلس العسكري الانتقالي، وخمسة مدنيين تختارهم قوى إعلان الحرية والتغيير. ويُضاف إلى العشرة أعضاء شخصية مدنية يتم اختيارها بالتوافق بين الطرفين.
من الواضح أن هذا أكبر وأخطر تنازل تقدّمه قوى الحرية والتغيير للمجلس العسكري الانتقالي والحركة الإسلامية الحاكمة. فقد أعطي هذا النص من الوثيقة الدستورية العسكريين الخمسة حق النقض التام داخل المجلس لأي قرارٍ لا يتفقون معه. كما ألغى هذا النص ما اعتبره الكثيرون انتصاراً لقوى الحرية والتغيير عندما وافق المجلس العسكري على المناصفة في عضوية مجلس السيادة، والاتفاق بين الطرفين على الشخصية الحادية عشر للمجلس، والرئاسة التناوبية. بهذا النص لا يحتاج المجلس العسكري للأغلبية داخل المجلس ولا للرئاسة الدائمة. بل إن هذا التنازل ينسف مطلب الدولة المدنية بإعطائه حق النقض لعسكريي مجلس السيادة الخمسة.
يلاحظ أيضاً غياب نصوص في الوثيقة الدستورية عن الأغلبية المطلوبة لانعقاد جلسات مجلس السيادة.
7
لم تشتمل الوثيقة الدستورية، مثلها مثل اتفاق 17 يوليو، على أيِّ نصٍ يمنع الذين عملوا في مناصب دستورية في نظام الإنقاذ من التعيين في مناصب دستورية في هياكل ومؤسسات الحكم في الفترة الانتقالية. وقد كانت التوقّعات أن يتم المنع لكل هؤلاء القياديين الإسلاميين حتى تتم إجراءات محاكمتهم على خرق الدستور بالقيام بالانقلاب، وجرائم القتل والتعذيب والفساد خلال الثلاثين عاماً الماضية،، وإبعاد من تتم إدانتهم.
غير أن الذي حدث بموجب الاتفاق، والآن الوثيقة الدستورية، هو العكس تماماً. فقد قضت المادة 19 من الوثيقة الدستورية أنه "لا يحق لرئيس وأعضاء مجلسي السيادة والوزراء وولاة الولايات أو حكام الأقاليم الترشح في الانتخابات العامة التي تلي الفترة الانتقالية."
لماذ ياترى تقوم الوثيقة الدستورية بحرمان من وافق على العمل في الفترة الانتقالية، بكل همومها ومشاكلها وتعقيداتها، من المشاركة في الانتخابات القادمة، بينما لا تمنع الوثيقة الدستورية الذين عملوا في المناصب ذاتها في حكومة الإنقاذ من العمل في مؤسسات الفترة الانتقالية؟ في حقيقة الأمر فإن المنطق السياسي والوطني يتطلبان عكس هذا الوضع الغريب.
وإذا أخذنا هذا الفقرة من الوثيقة الدستورية خطوةً أخرى، فلماذا لا يقود هذا المنطق لحرمان أعضاء المجلس العسكري الحالي من عضوية مجلس السيادة القادم؟
8
تناولت المادة 21 من الوثيقة الدستورية الحصانة الإجرائية لأعضاء مجلس السيادة ومجلس الوزراء والمجلس التشريعي. وقضت هذه المادة بإمكانية رفع الحصانة الإجرائية لأيٍ من هؤلاء الأعضاء بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس التشريعي الحاضرين للجلسة.
كان من الضروري للماة 21 إعادة تأكيد خضوع جميع الأشخاص والمسئولين والهيئات لحكم القانون، وأنه لا حصانة موضوعية لأي مسئولٍ في الدولة، حتى لا تُتركَ هذه المسألة الهامة (الحصانة الموضوعية) للجدل والخلاف مستقبلاً. كما أن أغلبية ثلثي أعضاء المجلس التشريعي لرفع الحصانة الإجرائية عالية، وكان يجب الاكتفاء بالأغلبية العادية للأعضاء الحاضرين للجلسة.
9
تنصُّ المادة 23 من الوثيقة الدستورية على ألا تتجاوز عضوية المجلس التشريعي الانتقالي الثلاثمائة عضوا (300 عضو). هذا بلا شك رقم كبير جداً، وسوف يتطلّب ميزانية ضخمة لبلدٍ يعاني من مشاكل اقتصادية حادة، وستصل ديونه الخارجية بنهاية هذا العام إلى ستين مليار دولار.
لقد طلبنا من العالم الخارجي، ورجوناه، مساعدتنا في إعفاء وإعادة جدولة الديون. غير أن مثل هذا الطلب لن يتم التظر إليه بجدّية وتعاطف عندما يشاهد الدائنون ثلاثمائة نائب برلماني بمرتبات وبدلات وسيارات وسائقين، وتذاكر سفر للخارج، وعلاج مجاني، ويشاهدون رؤساء لجان بالمجلس التشريعي، سوف يتكاثر عددهم بمرور الأيام وبسبب المحاصصة، كل واحدٍ منهم براتب ومخصصات وزرير.
لهذه الأسباب لا بد من الرجوع إلى رقم المائة عضو للمجلس التشريعي التي وردت في العديد من وثائق قوى الحرية والتغيير السابقة، مع الإبقاء على نسبة ال 40% لتمثل النساء.
10
تنص المادة 64، الفقرة (5) من الوثيقة الدستورية على أنه "يقوم مجلسا السيادة والوزراء بتمثيل الدولة خارجياً وفق صلاحيات كل مجلس."
هذه فقرة في غاية الخطورة في أنها تعهد لمجلس السيادة والوزراء معاً بتمثيل الدولة خارجياً. فالسياسة الخارجية في النظام البرلماني الذي أكدته الوثيقة الدستورية هي مسئولية مجلس الوزراء، يقوم بها وزير الخارجية تحت إشراف رئيس الوزراء. وتقسيم القيام بمهام السياسة الخارجية بين المجلسين خطأ كبير، سوف ينتج عنه التنافس بين المجلسين، وبين رئيسي المجلسين، خصوصاً وأنه لا توجد طريقة لتحديد مهام كل مجلس في السياسة الخارجية كما ادعت الوثيقة الدستورية.
لقد ناقشنا بالتفصيل الحرج الإقليمي والدولي الذي وقع فيه السودان عندما تنازع السيد إسماعيل الأزهري رئيس مجلس السيادة، والسيد محمد أحمد محجوب رئيس مجلس الوزراء خلال فترة الحكم المدني الثانية (1965 – 1969)، حول من يحق له إدارة السياسة الخارجية وتمثيل السودان في المؤتمرات الإقليمية والدولية. فقد ادعى كلٌ منهما أت هذا حقه كاملاً بمقتضى الدستور، وسافرا معاً إلى مؤتمرين عرّضا خلالها سمعة السودان للكثير من الحرج (راجع مقالنا: "تجربة مجلس السيادة في السودان ورئاسته التناوبية والدائمة: دروسٌ لثورة ديسمبر 2018، المنشور على الربط:
https://sudaneseonline.com/board/7/msg/1558774278.html
عليه فمن الضروري تعديل هذه الفقرة من الوثيقة الدستورية لتقضي بوضوح بأن سياسة السودان الخارجية هي مسئولية مجلس الوزراء.
11
هذه بعض الملاحظات حول الوثيقة الدستورية والتي نأمل من خلالها تحقيق أكبر حدٍّ ممكنٍ من مطالب ثورة ديسمبر الخاصة بمدنية السلطة، ومبادئها المتعلّقة بالحرية، والسلام والعدالة، ولإدارة دفة البلاد بطريقةٍ مرشدة وأمينة ونزيهة خلال الفترة الانتقالية، وحتى الانتخابات القادمة.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////////


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.