تنبيه لأصحاب المعاشات المصرية    د.فيصل القاسم : شرق أوسط جديد بقيادة روسية ومباركة أمريكية وإسرائيلية    الجبهة الثورية : هيكلة الجيش والاجهزة الامنية حديث سابق لأوانه    محمد الفكي : لدينا معلومات انهم يحشدون الخيالة بغرب كردفان    ولاية الخرطوم: تدوين بلاغ ضد مطاحن مشهورة بتُهمة تهريب الدقيق    الدقير : لن تقوم قائمة لدكتاتورية مرة أخرى في هذه البلاد    منتخبنا الوطني يرفع نسق التحضيرات لمواجهة الاريتري    الهلال يفاوض فيلود بعد اقالته من الشبيبة    الهلال يدخل معسكرا مقفولا تأهبا لبلانتيوم    الغرامة لتاجر يهرب الوقود    مصرع ثلاثة نساء واصابة رجلين في حادث مروري بالباقير    حميتي قائد الأسطول والبرهان خطوات تنظيم مكانك سر .. بقلم .. طه احمد ابو القاسم    يا طالع الشجرة ... بقلم: زيغمار هيلِّيلسون .. ترجمة: د. مبارك مجذوب الشريف    وابتسم الأستاذ محمود محمد طه فى وجه الموت .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان/قاضى سابق    بالواضح ما بالدس جهاز "المغتربين "يسقط بس" .. بقلم: عثمان عابدين    خبز الفنادك .. بقلم: بروفسور مجدي محمود    حاجة فيك تقطع نفس خيل القصايد يا مصطفي .. بقلم: صلاح الباشا/الخرطوم    الدمبلاب يدبر انقلابا علي حکومة الثورة .. بقلم: بولس کوکو کودي/امريکا    ثناءات على أيقاعات كتاب: "صقور وحمائم الصراع المسلح في السودان" .. بقلم: د. سعاد الحاج موسي    قرار لوزير الصناعة بتشكيل لجنة لرقابة وتوزيع الدقيق وحصر المخابز بالعاصمة والولايات    تفاصيل محاكمة (6) متهمين من بينهم طالبتان بترويج المخدرات    الجيش السوري يتقدم في إدلب والسفارة الأمريكية تهدد    ارتفاع في أسعار المشروبات الغازية    شقيق أمير قطر مغردا: الدوحة تقود المنطقة إلى السلام    الفاتح جبرا:قصة (إستهداف الدين) وإن الدين في خطر والعقيدة في خطر ده كلو (حنك بيش) كما يقول أولادنا    السادة ما قال إلا الحق .. بقلم: كمال الهِدي    يدخل الحاكم التاريخ بعمله لا بعمره .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    تورط الغرفة في بيع سجلات تجارية للأجانب بسوق ليبيا    الشُّرْطَةُ وَالاستفزاز (ضَرَبْنِي وبَكَىَٰ وَسَبَقْنِي اشتكى) .. بقلم: فَيْصَلْ بَسَمَةْ    وزير المالية: اختلال كبير في الموازنة بسبب استمرار الدعم    نظرة "تاصيلية" في مآلات الإسلاميين .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    الرشيد: جمعية القرآن الكريم تمتلك مناجم ذهب بولاية نهر النيل    عدت إلى الوطن (السودان) وعاد الحبيب المنتظر (2) .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي    زيارة الدكتور Dr.Anne Sailaxmana إستشاري جراحة العظام والسلسة الفقرية لمدينة المعلم الطبية    محمد عبد الكريم يدعو السودانيين إلى الخروج "لتصحيح مسار الثورة"    "الصحة" تحذّر من الاستحمام بالماء البارد    استأصلوا هذا الورم الخبيث .. بقلم: إسماعيل عبد الله    جريمة قتل البجاوى جريمة غير مسبوقة .. وضحت نواياهم السيئة للسكان الأصليين (1) .. بقلم: عمر طاهر ابوآمنه    إرهاب الدولة الإسلامية وإرهاب أمريكا.. تطابق الوسائل واختلاف الأيديولوجيا!! .. بقلم: إستيفن شانج    طهران.. التريث قبل الانتقام .. بقلم: جمال محمد إبراهيم    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    الهلال يستقبل اللاعب العراقي عماد محسن    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    النجم الساحلي يعلن غياب "الشيخاوي" عن مباراة الهلال    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    زوج نانسي عجرم يقتل لصّاً اقتحم منزلها    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    شقيق الشهيد أحمد الخير: نحن قُوْلَنا واحد "قصاص بس"    إيران تتوعد بالثأر لمقتل سليماني    إيقاف منصة بث "الأندلس" المالكة لقنوات طيبة    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    "المجلس الدولي" يدعو وزارة التربية للتوعية بخطر نقص "اليود"    "المجلس الدولي" يدعو السودان للتوعية بخطر نقص "اليود"    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





جون قرنق: 14 عاماً من الغياب بين الصندوقين! .. بقلم: دينقديت أيوك
نشر في سودانيل يوم 05 - 08 - 2019

"كان موته المأساوي في 30 من شهر يوليو عام 2005م نهايةً لنبياً سياسياً"
الأستاذ إدوارد لينو أبيي في كتابه: "الدكتور جون قرنق دي مبيور أتيم .. إنسانٌ يجب أن يُعْرَّف" الصادر عن دار رفيقي للطباعة والنشر بجوبا 2017م، ص (9).
الرحيل الصادم
في نهاية مثل هذا الشهر عام 2005م، وقع نبأ أليم وصادم على مسامع أهل السودان: رحيل النائب الأول لرئيس الجمهورية، ورئيس حكومة جنوب السودان، ورئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان، والقائد الأعلى لقواتها وكتائبها: الجيش الشعبي لتحرير السودان.
كنتُ وقتها أستمع مثل غيري من السودانيين إلى إذاعة البي بي سي العربية كثيراً. تلقيتُ منها الخبر عند الساعة السابعة مساءً يوم السبت الموافق 30 يوليو 2005م. كنتُ مقيماً حينها في قرية صغيرة اسمها (جادين) بمنطقة صالحة جنوب مدينة أمدرمان، وانتقلتُ منها قبل فترة ليست طويلة إلى منطقة (القيعة) على الضفة الغربية من النيل الأبيض والتي تقابل أحياء الشجرة والعزوزاب والقلعة من الضفة الشرقية للنيل الأبيض تجاه مناطق أبو آدم والكلاكلات.
لم يكن مضمون الخبر الذي أذاعته إذاعة البي بي سي العربية في البدء عن وفاة الزعيم قرنق، بل كان عن اختفاء طائرته بعد إقلاعها بساعةٍ واحدة من مطار عنتيبي التي تزوّدت فيه بالوقود، بعد إقلاعها الأول من بلدة (رواكيتورا) الريفية، وهي بلدة الرئيس الأوغندي يواري كاغوتا موسيفيني، وحَلّقَتْ مخترقةً أجواءً خريفية فوق الغابات الاستوائية الكثيفة نحو منطقة نيو كوش (نيو سايت) في جنوب السودان.
فور سماعي بهذا الخبر، انتابني شعوراً قوياً بداخلي وبشيءٍ من اليقينية أن الزعيم الكاريزمي جون قرنق، لم يكن بخير، وأنه ليس على قيد الحياة. وظلت الإذاعة تُذيع الخبر بشكل متواصل حتى تطور خلال الساعات الأولى من صباح يوم الأحد 31 يوليو 2005م إلى: "مقتل جون قرنق النائب الأول للرئيس السوداني في تحطمٍ لمروحيةٍ رئاسية أوغندية كانت تقله من أوغندا إلى منطقة نيو سايت في جنوب السودان".
كان مصدر البي بي سي وراء الخبر هو الأمم المتحدة. إذ كانت الإذاعة تقول: "قالت الأمم المتحدة أن النائب الأول للرئيس السوداني جون قرنق قُتِلَ في تحطمٍ لمروحيةٍ رئاسية أوغندية على الحدود السودانية الأوغندية"، ثم ينوه المذيع للمستمعين أنهم سيتابعون تطورات الخبر وينقلون إليهم الجديد.
كانت يقينية موته التي ملكتني في تلك اللحظة نابعةً من معرفتي بطبيعة الحياة المليئة بالصراع الدموي والبغضاء التي عاشها الرجل لمدة واحد وعشرين سنة، وهي فترة أطول حرب في إفريقيا، قضاءها في تدريب الجيش والقتال منذ العام 1983 حتى 2005م، محارباً عسكرياً وفكرياً ودبلومسياً كل الحكومات التي تعاقبت على حكم السودان من الخرطوم، ابتداءً من حكومة المشير جعفر محمد نميري في الفترة من 1983 حتى 1985م، الحكومة الانتقالية بقيادة المشير عبد الرحمن سوار الذهب 1985، حكومة رئيس الوزراء الصادق المهدي 1985 – 1989م، حكومة المشير عمر حسن أحمد البشير 1989 – 2005م.
الوصول إلى مطار الخرطوم
كان الزعيم جون قرنق قد وصل إلى العاصمة الخرطوم يوم الجمعة 8 يوليو 2005م قادماً من مدينة رومبيك، حيث استقبله رسمياً في مطار الخرطوم الدولي الرئيس عمر البشير وأعضاء حكومته وعدداً من قيادات الحركة الشعبية وشخصيات دولية ورجال الدين المسيحي والإسلامي، كما حظي بالاستقبال الشعبي من الشعب السوداني بكل أطيافه وانتماءاته زعيماً وطنياً قادماً من ساحات المعارك من جنوب وشرق البلاد إلى قلب العاصمة الخرطوم، لخلق وبناء الدولة السودانية الجامعة العادلة بالمساواة والديموقراطية والفرص بالمتكافئة لكل أبنائها وبناتها – أي السودان الجديد – الدولة التي آمن بها الكثيرون وأيدوا قيامها وانتصارها السياسي.
في مقر حزب المؤتمر الوطني
بعد استقباله بمطار الخرطوم الدولي، توجه قرنق إلى نادي الكنيسة الكاثوليكية الذي تم تحويله إلى مقر حزب المؤتمر الوطني للقاء القيادات السياسية من حزب المؤتمر الوطني وإلقاء كلمته الأولى داخل الخرطوم منذ خروجه منها في العام 1983م. في مقر المؤتمر الوطني، اعتلى كل من عمر البشير وقرنق المنصة للحديث، فألقى قرنق كلمة مقتضبة قال فيها:
"السيد الرئيس، عمر حسن أحمد البشير، وأنتم جميعاً عضوية المؤتمر الوطني والحكومة، والحركة الشعبية بقيادتها، وكل الشعب السوداني، بقول مبروك ليكم .. السلام جاء .. دا سلام بتاعكم، دا ما سلام بتاعي، ولا بتاع عمر البشير ولا علي عثمان، ولا بتاع المؤتمر الوطني .. دا سلام بتاعكم إنتو الشعب السوداني .."، فرد عليه الحشد وقيادات من المؤتمر الوطني بهتافاتٍ دينيةٍ مسيحيةٍ وإسلاميةٍ: "هللويا .. هللويا .. الله أكبر .. الله أكبر".
ثم واصل الزعيم خطابه: "أنا وسط أخواني وأخواتي ..". وحول ما أُثِير في إعلام المؤتمر الوطني أنه عاد إلى السودان، قال الزعيم داحضاً ذلك الزعم قائلاً: "أنا ما عدتُ إلى السودان، أنا في السودان، وأنا قادم من رومبيك"... فجاءت أصوات من وسط الحشد تهتف قائلةً: "لا شمال بلا جنوب .. لا جنوب بلا شمال .. "، فرد عليهم الزعيم بقوله: "بس يكون في سودان، مش كدا؟"، فانفجر الجميع ضحكاً.
ومضى الزعيم قُدُماً في خطابه، مؤكداً إحلال السلام في السودان حين رأى الدهشة في وجوه الحاضرين بلغة عربية بسيطة قائلاً: "السلام جاء .. وأنا الآن واقف أمامكم مع الرئيس البشير"، وأضاف مؤكداً إحلال السلام مرةً أُخرى، مداعباً الحضور في نفس الوقت بقوله: "دا ما حلم .. الكلام دا صحيح .. السلام جاء". وتابع خطابه: "أنا جئت للسلام، عشان نمسك يدينا سوياً في المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، وننقل السودان نقلة صحيحة إلى الأمام .."
في الساحة الخضراء
خرج الزعيم من مقر المؤتمر الوطني برفقة رفاقه في الحركة الشعبية وشريكه في السلام الأستاذ علي عثمان محمد طه إلى الساحة الخضراء. وكانت الجماهير قد اصطفت من داخل مطار الخرطوم، وعلى جانبي شارع إفريقيا، حتى الساحة الخضراء ومحيطها، حيث كان الزعيم مزمعاً عن يخاطبها بعد مغادرته لدار حزب المؤتمر الوطني، لكن لانقطاع الكهرباء – نسبة لتزاحم الجماهير في رواية، وانقطاعه بفعل فاعل في رواية أُخرى – اكتفى الزعيم بالتلويح بيده إلى الجماهير وإرسال إيماءاتٍ أكدت رضائه بالاستقبال وحبه للشعب من مقصورة الساحة الخضراء. وكان الأستاذ علي عثمان محمد طه إلى جواره يلوح أيضاً بعصاه وسط حراسة أمنية مشددة.
كان الاستقبال كبيراً إلى درجةٍ قال عنه المراقبون السياسيون إنه الأول من نوعه لزعيم سياسي في تاريخ السودان المعاصر. وقد قُدِرت الجماهير التي خرجت عن بكرة أبيها لاستقباله بستة مليون شخصاً. 1* (راجع الفيلم الوثائقي المعنون: مَرَّ المُحَارِبُ مِنْ هُنَا ... The warrior passed by from here) التي انتجته قناة إبوني التلفزيونية ونشرتها قناة صوت النوبة في الولايات المتحدة على اليوتيوب... راجع أيضاً كتاب: "الدكتور جون قرنق دي مبيور أتيم .. إنسانٌ يَجِب أن يُعْرَّف"ص 9 للأستاذ إدوارد لينو..
كانت أعداد البشر في الساحة الخضراء تمتد على مد البصر، وتنتهي عند الأفق البعيد، وفوقهم لافتات بها علم الحركة الشعبية، وكلمات الترحيب للزعيم الذي كان آتياً وقد أتى الآن. صعد بعضهم إلى أعلى المباني ليتمكنوا من رؤية الزعيم، فيما تسلق الآخرون الأشجار كي يروا القائد الكاريزمي الذي أثار جدلاً سياسياً في السودان لمدة واحد وعشرين سنة.
كان المشهد برمته التقاءً للمشاعر الصادقة بين شعبٍ تاق إلى زعيم حقيقي يغير مجرى تاريخ السودان، ويحقق الطموحات والأحلام، وزعيمٌ تاق قلبه إلى شعب يحكمه في سودان جديد موحد ويخدمه باخلاص ويحقق أحلامه. وكم امتلأ قبله حباً للشعب حين راى بالوناً كبيراً طائراً بارتفاعٍ عالٍ في الهواء فوق سماء الساحة الخضراء، وعلم الحركة الشعبية لتحرير السودان، تتدلى من تحته وترفرف عالياً فوق سماء الخرطوم! يا له من انتصارٍ سياسيٍّ مهيب!
كان واضحاً من نظرات الزعيم للجماهير أن الاستقبال نال إعجابه كثيراً، وأنه أكد له شخصياً حجم تأثيره في الشعب السوداني كمفكر وقائد سياسي ذو كاريزما ورؤية للمستقبل. وقد أرسل ذلك الاستقبال عدة رسائل للأصدقاء والخصوم معاً، أن هذا الشخص هو صاحب التأثير الكبير في الجماهير، وأن ذلك الاستقبال هو استفتاء شعبي وانتخاب سياسي وتتويج مبكر لدكتور جون قرنق رئيساً لجمهورية السودان الجديد دون منافس.
الشوارع تتزين قبيل وصوله
كانت شوارع الخرطوم قبل وصوله قد تزينت بصوره وإعلانات مرئية تتعلق بالاستقباله وأفكاره للسودان الجديد. في تلك الإعلانات، كان ظاهراً في بعض الصور مع البطل التاريخي الذي ينحدر من قرية أويريال في منطقة يرول (توكماج) الشهير ب"علي عبد اللطيف" في التاريخ السوداني. ومرة أُخرى وهو يحمل طفلاً على كتفيه، وعلى فمهِ ابتاسمةٍ ساحرةٍ وصلعته المميزة ظاهرة باينة، وصور أُخرى أظهرته مع علي عثمان محمد طه وهما يلوحان بنسختان من اتفاقية السلام الشامل بأستاد نيايو بنيروبي في كينيا، بعد لحظات قليلة من توقيعهما للاتفاقية. وكتابات قصيرة حملت رؤية السودان الجديد مثل: العدالة الاجتماعية .. فلنحترم التنوع التاريخي والتنوع المعاصر لبلادنا .. ونحو سودان جديد Towards the New Sudan .. وعلم الحركة الشعبية الذي أصبح علم الجمهورية الجديدة الآن تزين جميع الإعلانات في الشوارع.. ولوحة أُخرى كتب فيها: "استقبال الدكتور جون قرنق دي مبيور .. الجمعة 8 يوليو" .. وصورة لإمرأة كبيرة السن تنسج إحدى الأواني التقليدية .. وعلى أسفلها كتبت كلمتان: "شُكْرَاً أُمِّي" وكان ذلك تقريباً تقديراً لكل الأمهات في السودان، وخصوصاً اللائي قدمن من مناطق الحرب.. ولوحات أُخرى حملت فلسفة قرنق التنموية: "فلننقل المدينة إلى الريف، لا الريف إلى المدينة..."
في القصر الجمهوري
في ليلة يوم وصوله، نزل على ثرى الخرطوم مطراً أشد غزارةً لا مثيل له. فقال بعضاً من أهل السودان إنطلاقاً من مرجعيتهم الدينية الإفريقية، أن ذلك كانت علامة دلت على أن الخالق قد رضي به زعيماً للسودان، إذ استقبله السودانيون بشكل غير مسبوق في الساحة الخضراء، واستقبله الخالق بمطر أشد غزارة لا مثيل له.
في صباح يوم السبت الموافق 9 يوليو 2005م، أدى الزعيم قرنق يميناً دستورياً نائباً أول للرئيس الجمهورية بعد اصدار الرئيس عمر البشير قرارين، الأول: تعيينه نائباً أول للرئيس الجمهورية، والثاني تعيين الأستاذ علي عثمان محمد طه نائباً للرئيس الجمهورية في حفلِ تنصيبٍ حضره كبار الشخصيات الدولية ورؤساء الدول والحكومات من بينهم الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة الراحل كوفي عنان.
جالساً في مكتبه بالقصر الجمهوري ويظهر على شاشات التلفاز مرتدياً أقمصته الإفريقية المزركشة الفريدة، استقبل الزعيم جون قرنق وفود سياسية تمثل قوى سياسية وطنية ومبعوثين دوليين – بينهم كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة – مباركين ومهنئين إياه بحلول السلام في السودان، وتعيينه نائباً أول للرئيس الجمهورية انفاذاً لاتفاقية السلام الشامل.
كان الكل يراه على الشاشات التلفزة لمدة أسبوعين بنشوةٍ لا توصف وإعجابٍ عظيم وتصريحاته بمجانية التعليم والعلاج، وفتح أبواب القصر الجمهوري للمواطنين لإلقاء شكاوى مكتوبة في الصندوق المخصص للشكاوى بالقصر عالقة في أذهانهم. كان بالنسبة لهم الأمل وحجر الزاوية في بناء السودان الجديد، وقوة لإحداث التغيير وتحويل مسار السودان السياسي إلى الأبد، وإطلاقه في فضاء رحب من الحرية والعدالة والتحول الديموقراطي وإنشائه دولةً علمانية موحدة لشعبه وتحقيق الرخاء والازدهار والرفاهية للجميع.
مغادرة الخرطوم إلى جنوب السودان وأوغندا
بعد قضائه أكثر من أسبوعين في الخرطوم، غادر الزعيم قرنق إلى جنوب السودان في بداية الأسبوع الرابع من شهر يوليو، ومن هناك سافر ووصل إلى عنتيبي ظهر يوم الجمعة الموافق 29 يوليو 2005م، حيث استقبله نائب الرئيس الأوغندي آنذاك غلبرت بوكينيا ووزير الدولة للتعاون الإقليمي في ذلك الوقت أوغسطينو ناشيمي. وفور استقباله تم استضافته في صالة كبار الشخصيات في مطار عنتيبي ريثما يتم التحضيرات اللازمة لنقله إلى بلدة الرئيس موسيفيني... 2* (راجع مقال: "جون قرنق: رحلة اللا عودة" John Garang: The flight of no Return للصحافي الأوغندي الذي يعمل بصحيفة (دايلي مونيتر) ريسديل كاساسيرا) ..
ومضى كاساسيرا في مقاله يقول: "بعد انتظار دام لمدة ساعة، ظلت المروحية الرئاسية قابعة إلى جوار صالة كبار الشخصيات ثم صعد قرنق إلى متنها، وَشَهِدَ اللحظات الأخيرة لصعوده السيد بوكينيا والسيد ناشيمي. وفي تلك الأثناء، ظلت طائرته المستأجرة مركونة في المطار؛ وكان من المتوقع أن يقلع به عند الساعة السادسة (6) مساءً إلى جنوب السودان..." لكن قرنق لم يَعُدْ إلى جنوب السودان، في نفس مساء يوم وصوله إلى أوغندا، بل تغير جدوله بعد أن ترك طائرته المستاجرة في مطار عنتيبي؛ بعد سفره ظهر يوم الجمعة 29 يوليو 2005م، على متن المروحية الرئاسية الأوغندية إلى بلدة رواكيتورا، حيث يوجد المنزل الريفي لصديقه الرئيس الأوغندي يواري موسيفيني.
وهناك عقدا اجتماعاً مهماً لمدة يومين، وفقاً لمقال الصحافي الأوغندي ريسديل كاساسيرا، ثم غادر البلدة بعد انفضاضه من الاجتماع مع موسيفيني يوم السبت 30 يوليو 2005م إلى مطار عنتيبي حيث تزوّدت طائرته بالوقود، ثم أقلعت عند الساعة الخامسة والنصف (5:30) مساءً، أي قبل ساعة ونصف من غروب الشمس، متجهة إلى منطقة نيو كوش (نيو سايت) في جنوب السودان، ثُمَّ اختفاء طائرته عن الرادار بعد ذلك بساعة واحدة، وتحطمها فوراً في جبال قيلت بأنها جبال (زوليا) مرة، وقيلت إنها جبال (الإماتونق) مرةً أُخرى داخل جنوب السودان.
ويجدر بنا هنا أن نذكر أن طيار الطائرة المستاجرة التي وصل بها قرنق إلى عنتيبي قد تلقى أوامراً بالعودة إلى السودان في نفس اليوم بعد سفر قرنق إلى عنتيبي على متن الهيلكوبتر الرئاسي الأوغندي، لتقع بذلك مسؤولية عودة الزعيم إلى السودان على عاتق الحكومة الأوغندية بشكل كامل، هذا وفقاً لمقال الصحافي الأوغندي المشار إليه أعلاه.
من هو جون قرنق .. ما هي خصائصه القيادية؟
وُلِدَ جون قرنق دي مبيور في 23 يونيو عام 1945م في منطقة تويج الشرقية بقرية وانقلي في محافظة كونقور بولاية جونقلي، للأب مبيور أتيم أرواي (من عشيرة أوليان) والأُم قاك ملوال كوال (من عشيرة كونقور)، واسمه بالكامل قبل أن يكتسب اسمه الكنسي (جون)، هو قرنق دي مبيور أتيم أرواي أكور أيان .. 3* راجع كتاب: "الزعيم الراحل قرنق في صور" .. للصحافي والمصور فيليب ضيل فليك.
وُلِدَ قرنق مع ستة من إخوته: خمسة بنين (وهو أحدهم) وبنتان. وحدثت وفاة أبيه وأمه وهو لا يزال صغيراً في العمر، وكبقية أنداده من أبناء الدينكا، عمل قرنق في رعي الأبقار في عمره المبكر في قريته، إلا أن أحد أقربائه أخذه إلى المدرسة في منطقة تونج. وبعد دراسته في تونج، انتقل إلى مدرسة بسري في واو، ثُمَّ التحق بعد ذلك بمدرسة رومبيك الثانوية في الفترة من 1951 – 1960م.
انضم إلى حركة الأنيانيا الأولى في العام 1962م، ثم سافر إلى تنزانيا في العام 1964م حيث أنهى دراسته الثانوية والتحق بجامعة دار السلام، ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في العام 1965م ودرس الاقتصاد في كلية غرنيل بولاية أيوا. تلقى منحة كان عليه بموجبها أن يعود إلى الولايات المتحدة للتحضير لدرجة الدكتوراة في جامعة بيركلي، بولاية كاليفورنيا في العام 1970م، لكنه لم يذهب، بل فضل البقاء في صفوف حركة الأنيانيا للمساهمة في الكفاح.
أبدى تحفظات كثيرة إبان مفاوضات السلام بأديس أبابا بين الحكومة السودانية وحركة استقلال جنوب السودان بقيادة جوزيف لاقو يانقا، وكانت أبرز تلك التحفظات حول استعياب جيش الأنيانيا في القوات المسلحة السودانية. انضم إلى الجيش السوداني في العام 1972 بعد توقيع اتفاقية أديس أبابا للسلام برتبة نقيب. ثم حصل على منحة دراسية مرةً أُخرى وسافر إلى الولايات المتحدة حيث التحق بجامعة فورت جنينغ في ولاية جورجيا وتخرج بدرجة الماجستير في العلوم العسكرية في العام 1974م.
في العام 1977م، حصل على منحة دراسية أُخرى بواسطة كبار الضباط في القوات المسلحة السودانية: وهم الفريق عبد الماجد حامد خليل، قائد العمليات، والفريق عز الدين علي مالك، رئيس هيئة أركان الجيش السوداني، للدراسة في جامعة أيوا حيث نال درجة الدكتوراة في الاقتصاد الزراعي عام 1982م، وكان موضوع أطروحته لنيل درجة الدكتوراة: "اقتصاد مشروع قناة جونقلي"، ثم عاد إلى السودان في نفس العام.
بعد عودته من الولايات المتحدة، تم ترقيته إلى رتبة "عقيد" في الجيش السوداني، وتم تعيينه في القيادة العامة في الخرطوم، وأصبح نائب مدير البحوث العسكرية. وحصل في الوقت نفسه على مقعد الأستاذية بجامعة الخرطوم، كلية الزراعة.
عمل في القوات المسلحة السودانية، وسكن في منطقة الحاج يوسف حتى عام 1983م، حين غادر الخرطوم في عطلة صيفية إلى جوبا ومنها إلى بور، حيث انفجرت الثورة في 16 مايو 1983م، عندما أطلق كل من المقدم كيروبينو كوانين بول في حامية بور والمقدم وليم نيوان بانج مشار في حامية أيود الشرارة الأولى للثورة السودانية المسلحة الثانية. 4* محطات السيرة الذاتية الواردة هنا من كتاب: "الزعيم الراحل قرنق في صور" .. الصادر عن شركة ينابيع الماء للتسويق والخدمات المحدودة للصحافي والمصور فيليب ضيل فليك.
يجدر بنا أن نضيف شيئاً أيضاً أن جون قرنق كان نموذج لمثقفاً رفيع الدرجة، وأكاديمياً فذاً، وعَالِماً مقتدراً من علماء السودان وإفريقيا، وعسكرياً بارعاً ودبلومسياً مسؤولاً، وسياسياً كاريرمياً مؤثراً، ورجل الدولة وبطل السلام، السلام الذي وقعه وأخبر الجميع في السودان أنه ليس سلامه، بل سلام شعب السودان، وسلام الشباب، الذين قال إن المستقبل لهم في خطابه التاريخي في استاد نيايو بنيروبي.
السمات والخصائص القيادية
بعد واقعة انفجار الثورة في بور في 16 مايو 1983م، خرج كل من كيروبينو وقرنق برفقة جيشهم وانضم إليهم المقدم وليم نيوان بانج القادم من أيود والنقيب سلفاكير ميارديت القادم من ملكال، واتجهوا إلى إثيوبيا، حيث أسسوا الحركة الشعبية لتحرير السودان / الجيش الشعبي لتحرير السودان، وأعلنوا البيان السياسي التأسيسي في يوليو 1983م، وَعُيِّنَ قرنق باجماع أن يكون رئيساً للحركة الشعبية لتحرير السودان، وقائداً عاماً للجيش الشعبي لتحرير السودان. ومنذ ذلك الحين، قاد جون قرنق حركته ودرب جيشه، ودخل في سلسلة من المواجهات العسكرية مع قادة حركة الأنيانيا الثانية في السنوات الأولى لقيام الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان، إلى جانب مواصلة المعارك ضد الجيش السوداني في كل مواقعه، وتقلبات داخلية صعبة في الحركة وجيشها. وأستطاع أن يصمد بعد انشقاق الحركة الشعبية وجيشها الشعبي لتحرير السودان في العام 1991م. وقد تميز خلال قيادته بطرحه العلمي لأفكاره في رؤيته المعروفة "السودان الجديد" الذي يرتكز على التنوع التاريخي والتنوع المعاصر. ويمكن إيجاز بعض سمات وخصائصه القيادية فيما يلي:
1/ مهتم بالتاريخ
يقول الأستاذ ياسر عرمان: "هو مفكر من الطراز الأول وهو الذي أتى برؤية "السودان الجديد"، وهو مهتم بالتاريخ وقاريء جيد للتاريخ. ويقرأ أيضاً تاريخ الأديان ولديه استشهادات كثيرة، ويؤمن أيضاً بأن السودان بلد قديم من حضارات وادي النيل القديمة وأن وحدة السودان يمتد من حضارات وادي النيل القديمة إلى يومنا هذا..." 5* راجع مقال: "قرنق من وجهة نظر مختلفة في كتاب: : "الزعيم الراحل قرنق في صور" للصحافي والمصور فيليب ضيل فليك
2/ منظر استراتيجي دقيق
يتحدث الأستاذ ياسر عرمان عن سمات وخصائص أُخرى للزعيم قرنق فيقول: "الدكتور جون قرنق أيضاً شخص استراتيجي من الدرجة الأولى، وهو لا يخطيء في الاستراتيجيات مطلقاً، ولكنه يمكن أن يخطيء في التكتيكات؛ لكن ليس في الاستراتيجيات. وأنا لديًّ شواهد عديدة. وهو عسكري أيضاً وهذه نقطة أُخرى في شخصية درس في فورت جنينغ كلية المشاة جورجيا، وهو مخطط عسكري رفيع وهناك شواهد عديدة على ذلك..." ... 6* راجع مقال: "قرنق من وجهة نظر مختلفة..
3/ الفكاهة والقدرة على تجاوز المطبات
يتابع عرمان قوله عن قرنق قائلاً: "الدكتور جون قرنق شخص يتمتع بمواهب أُخرى، فهو فكاهي، ولديه القدرة في المواقف الصعبة والمعقدة والمحزنة على تحويل الأمر برمته إلى نكتة ليدخل إلى قلوب الآخرين بسهولة. ولديه الكاريزما أيضاً. وهو من القيادات التي لديها الكاريزما، أي شخصية باهرة وجاذبة؛ تجعل منه زعيماً في أي مجلس. وإذا دخل هذه الغرفة، فإنه يلفت النظر بالكاريزما التي يمتلكها.." "قرنق من وجهة نظر مختلفة..
4/ صاحب عقل نافذ
يواصل عرمان حديثه عن الزعيم قرنق بقوله: "دكتور جون لديه عقل نافذ، وليس من النوع الذي يتوقف عند التحيزات العرقية والإثنية. نحن عملنا معه، ونحن من شمال السودان. كنا مقربين أيما قرب إليه، وقد ساعدنا، وفتح لنا دروب كثيرة؛ فأحببناه وأحبنا أيضاً، على الرغم من أننا لا تربطنا روابط من قريب، لم نأتِ من منطقة جغرافية واحدة ولم نأتِ من دينٍ واحدٍ أو حتى من مجموعةٍ إثنيةٍ واحدة.."
5/ مفكراً أحدث انقلاباً فكرياً في حركة الأنيانيا
يضيف عرمان: "النقطة الجوهرية هو أنه أحدث انقلاباً فكرياً ومعرفياً في حركة الأنيانيا الأولى التي كان رجالها قاطعين. وكان تفكيرهم يقوم على نظرية بسيطة مثلثة الأبعاد، أسميتها "المثلث الكولونيالي"، والذي يقول أن هناك شمال وهناك جنوب، هناك عرب وهناك أفارقة، هناك مسلمين وهناك مسيحيين. لكن قرنق جاء بنظرية "السودان الجديد" وأحدث انقلاباً فكرياً ومعرفياً في تفكير الأنيانيا، وقاد الحركة السياسية في الجنوب إلى تحالفات واسعة مع الحركة السياسية في الشمال عبر نظريته، وقد كانت اضافاته كثيرة .." عرمان "قرنق من وجهة نظر مختلفة..
ومن نفس المنظور يقول الأستاذ دينق ألور كوال: "كانت أهداف الحركة الجديدة المعلنة بقيادة قرنق ترمي إلى إنشاء سودان جديد موحد علماني وديموقراطي. ظاهرياً، تعارض هذا الإعلان مع العبارات الانفصالية لتلك المجموعات الصغيرة التي كانت تفهم الصراع على أنه هيمنة الشماليين على الجنوبيين. فاستمرت الحركة في تقديم المنظور القائل بأن النضال من أجل التحرير هو كفاح في كل أنحاء السودان.." 7* راجع مقال دينق ألور .. إرث الدكتور جون قرنق دي مبيور...".
6/ رجل التنمية
يتحدث الأستاذ عرمان عن الزعيم قرنق كرجل تنمية، فيقول: "النقطة الأُخرى في شخصية الدكتور جون قرنق هو أنه اقتصادياً درس الاقتصاد الزراعي، وهو الاقتصادي الوحيد الذي وصل إلى مؤسسة الرئاسة في السودان. الآخرون بمن فيهم محامي وعسكري ومهن أُخرى، ولكنه كان أقتصادياً وكانت لديه مشاريع تنموية كثيرة. فمثلاً عندما سأله روبرت زوليك عن أولوياته، قال أنها الطرق. وقد صمم 13 طريقاً بنفسه داخل جنوب السودان وبين الجنوب والشمال".. عرمان "قرنق من وجهة نظر مختلفة..
7/ الاستقلالية والبرغماتية في العلاقات الخارجية
يؤجز عرمان سمات وخصائص قرنق القيادية فيما يتعلق بالدبلوماسية وعلاقاته مع العالم الخارجي قائلاً:
"تعامل الدكتور جون قرنق مع العالم الخارجي بانفتاح، وتعامل معه برؤية برغماتية، وكان له ميزة ميزته، وهي أنه شخص ذو استقلالية كاملة. وكان يتعامل مع العالم الخارجي دون أن يفقد استقلاليته، ودخل في مصاعب كثيرة مع جهات عديدة نتيجة لاستقلاليته..".
وقال غازي صلاح الدين المستشار السابق للرئيس السوداني عن قرنق نفس مع قاله عرمان. قال إن "قرنق لم يكن شخصاً تحركه كما تريده أنت، بل كان له خارطته ويعلم ما يريد هو"، وهو ما أشار إليه عرمان بالاستقلالية، أي أنه كان سيداً على نفسه، ولم يدعو أحد سيداً عليه.
وفي عالمٍ مليء بما تسمى قوى كبرى super powers دخل في مصاعب كثيرة مع جهات عديدة كانت تريد استخدامه دمية أو حصان طروادة، فخابت أملها فيه حين وجدته سيداً على نفسه. 8* راجع أقوال غازي صلاح الدين في الفيلم الوثائقي: "جون قرنق .. نهايات غامضة" الذي أنتجته قناة الجزيرة وبثته في مارس 2019م.
ويختم عرمان مقاله عن اهتمامات الزعيم قرنق قائلاً: "من اهتماماته القراءة والرياضة والفن. كان قارئاً من الدرجة الأولى وقد ظل يهتم بقضايا الاقتصاد، ولديه دراية بتاريخ السودان وإفريقيا وعمومها؛ وبالذات السودان وحقبة حضارات وادي النيل القديمة، وكان معجباً بهذه الفترة. وكانت فترة آثرة بالنسبة له. وقد أهتم بالرياضة في السنوات الأخيرة. كان يركز على المشي وعلى مختلف الرياضات الجسمانية المختلفة، وكان يمارسها في المناطق التي يتواجد بها، ويستمع إلى الفن السوداني. ولديه صداقات مثل صداقته مع الأستاذ محمد وردي. وهو شخص واسع ومتعدد ومتنوع القراءات..." عرمان "قرنق من وجهة نظر مختلفة..
كل هذه، وأُخرى لم نذكرها هنا، هي السمات والخصائص التي ميزت القائد جون قرنق دي مبيور، وحين رحل بها في تلك الفاجعة الأليمة؛ افتقده شعبه في شطري السودان وافتقدته إفريقيا برمتها.
لغز الوفاة
بعد وفاته بتلك الطريقة التراجيدية السريعة في 30 يوليو 2005م، بعد ستة أشهر فقط من توقيعه على اتفاقية السلام الشامل، وتنصيبه نائباً أول للرئيس الجمهورية، بقيت وفاته حالة صادمةً للشعب السوداني الذي أحبه، وبادله هو الحب نفسه.
أثارت وفاته بعد حدوثها وظلت تثير الكثير من اللغط بين النظر إليها كعملية اغتيال سياسي مدبر، وبين النظر إليها من جهةٍ أُخرى كعملية قضاء وقدر، وبين هذا وذاك؛ تاهت عقول المواطنين، وتحولت الوفاة في خضم الجدل إلى لغزٍ يحتاج إلى من يفك شفراته حتى يعرف الآلاف من الناس الذين تعلق قلوبهم به في الجنوب والشمال، مصير قائدهم الذي أحبوه كثيراً بالتفاصيل الدقيقة، بل وأثارت حفيظة وغضب الكثيرين من أبناء جنوب السودان وجميع المناطق المهمشة ودفعتهم إلى حرق الخرطوم في أحداث يوم الإثنين في الأول من أغسطس 2005م.
بعد مناشدات من السياسيين ورجال الدين للغاضبين الذين أحدثوا شغباً وحريقاً في شوارع العاصمة الخرطوم بالكف عن الشغب والتحلي بالهدوء، وبعد هدوء الأوضاع، شكلت الحكومة السودانية لجنة لإجراء التحقيق في ملابسات وفاة قرنق برئاسة المولانا أبيل ألير كواي. وقد شاركت في اللجنة عناصر من الحكومة السودانية والحركة الشعبية، والحكومة الأوغندية والروس والأمريكيين.
وبعد طول الانتظار، أعلنت اللجنة ما توصلت إليه من نتائج. وعزت ظروف تحطم المروحية إلى الأحوال الجوية السيئة، وتحليق المروحية في منطقة جبلية وعدم قدرة الطيار على التحكم في مسار المروحية، ما أدى في نهاية المطاف إلى اصطدامها بالجبل، الأمر الذي تسبب في تحطمها؛ ومقتل جون قرنق ورفاقه، وأفراد طاقمها دون ناجين.
وقد قال الخبراء الدوليون أن الأجواء السيئة التي حلقت فيها المروحية أدت إلى تعطل في أجهزتها، وأن ذلك كان سبباً في تحطم الطائرة ومقتل قرنق وجميع من كانوا على متنها. وبذلك أسدلت لجنة أبيل ألير والخبراء الدوليين الستار على ظروف وفاة الزعيم بأنها تعطل في أجهزة الطائرة وَحُسِبَ الأمر بأنه قضاءً وقدراً، وسط شكوك بين الجنوبيين والشماليين.
وكان الظن الغالب عند الجنوبيين وبقية أبناء السودان المهمشين، هو أن الشماليين هم من دبروا خطة لمقتل القائد جون قرنق، بينما كان الشماليون يرون أن هناك جهات خارجية دبرت مقتل قرنق، لأنه كان يمثل عائقاً بنسبة لمصالحهم الاقتصادية في السودان.
قرنق لم يمت، بل تم اختطافه
بعد وفاته بأقل من سنة ونصف، انتشرت معلومات غريبة في الخرطوم في أوساط الجنوبيين في عام 2006 و2007م تقول أن جون قرنق لم يمت، بل تم اخطافه وحبسه في مكان سري من قبل قوى دولية، وأن حادثة تحطم المروحية ليست سوى مسرحية لأخفاء حقيقة اختطافه وإخفائه.
وكُتِبَ كثير من المقالات والتقارير منذ رحيل الزعيم وأطلق السياسيون تصريحات كثيرة أيضاً في محاولة لفك شفرات لغز رحيله، إلا أن إحدى تلك المحاولات لم تنجح بشكل كامل في فك حل شفرات اللغز. وثار جدل واسع حول ما إذا كانت وفاة الزعيم قضاءً وقدراً أم خطة إغتيال تم تدبيرها بطريقة محكمة، وحول عدد الذين كانوا على متن المروحية والجثث التي تم العثور عليها في موقع التحطم. وظل الجدل مستمراً منذ ذلك الوقت حتى الآن.
الوزير أليو أيينج وربيكا قرنق يخرجان عن الصمت
حدث كل ذلك الجدل حول ظروف وفاة قرنق وسط صمت مطبق لدى رفاقه الذين كانوا مقربين إليه من قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان/ الجيش الشعبي لتحرير السودان، لكن قائداً من قيادات الحركة الشعبية، ووزير الدولة بوزارة الداخلية، خلال الفترة الانتقالية لتنفيذ اتفاقية السلام الشامل (2005 – 2011م) السيد أليو أيينج أليو، خرج عن الصمت أخيراً، وأطلق تصريحات شككت فيما توصلت إليه لجنة التحقيق والخبراء الدوليين، متهماً دولة جارة بالضلوع في مقتل الزعيم.
وبعد مضي ما يربو على ثلاثة أعوام، صرحت ربيكا نياندينق، أرملة الزعيم قرنق، بأن زوجها مات مقتولاً خلافاً لتقرير اللجنة، متفقة ضمنياً بذلك، مع الوزير أليو أيينج دون أن تكشف عن الذين قاموا بقتله ودوافعهم وراء مقتله، ربما لحساسية الموقف أو توصيل رسالة قصيرة أن موت قرنق لم يكن مجرد حادث تحطم طائرة كما قِيْلَ، وثار الجدل وقتها ثم سكن.
الزمن يفك شفرات اللغز تدريجياً
لكن بعد مضي كل هذا الوقت الطويل، يبدو أن شفرات اللغز حول وفاة الزعيم قد حُلَّت أخيراً بفضل تقدم الزمن، وبحث المهتمين بوفاته بتلك الطريقة الغامضة في خيوط تشابك اللغز، وأصبح الأمر الآن واضحاً جلياً من هم الذين قتلوا الزعيم.
سُئل الدكتور منصور خالد حول وفاة قرنق: "هل تُوفي قرنق في حادث طائرة أم قُتِل؟" فأجاب يقول للمذيع: "إذا أردتَ أن أذهب إلى التخمين، سأقول قُتِل. لكن في واقع الأمر كان هنالك بحث وتحقيق، وشارك فيه عناصر من حكومة السودان وحكومة جنوب السودان وحكومة أوغندا، ووصلوا إلى قرار أن الحادث كان قضاء وقدر"..
وأضاف: "لكن عادةً الموت المفاجيء بنسبة لرجل كقرنق يُثِير كثير من التساؤلات..." فعاد المذيع يسأله: "من يكون المتهم؟" فأجاب الدكتور منصور: "لا أستطيع أن أتهم أحداً، لكن قد يكون وراء موته دولة كبرى..." مضيفاً أن قرنق كان صديقاً صعباً بالنسبة لأي جهة، بمعنى أنه كان يصعب السيطرة عليه ... 9* راجع الدكتور منصور خالد .. سلسلة حلقات برنامج الذاكرة السياسية .. قناة العربية 2012م ..
قبل وفاته، صرح الأستاذ غازي سليمان المحامي عام 2012م، في حلقة تلفزيونية استضافه فيها الإعلامي خالد ساتي على قناة أمدرمان بأن "الدكتور جون قرنق دي مبيور أُغْتِيلَ .." ، وأضاف: "وهذا جزء من المؤامرة ضد السودان الشمالي لأن الدكتور جون قرنق دي مبيور كان بحق وحقيقة يؤمن بوحدة السودان وسلامة أراضيه..." فعلق الإعلامي يقول: "هذا اتهام خطير يا أستاذ غازي ... ما دليلك؟"
فقال غازي: "ذهبتُ إلى القصر الجمهوري وقابلتُ الدكتور جون قرنق في مكتبه. قال لي أنا مسافر إلى أوغندا لأمراً شخصياً ضرورياً، وعليك أنت أن تسافر لتمثيلي في مؤتمر في كامبردج. وعندما خرجتُ من مكتبه، كان هناك شخص ما يناديني وهو الفريق بكري حسن صالح. قال لي، يا غازي لو تركتم مسؤولية هذا الشخص لهؤلاء الناس، فسيكون ذلك ناهيته. فقلتُ له من تقصد؟ فقال لي الدكتور جون قرنق لديه سفرية خاصة، وهو ذاهب إلى أوغندا، ونحن لا نعرف أمراً خاصاً، نحن مسؤولين عنه الآن؛ لأنه أصبح النائب الأول لرئيس الجمهورية. ونحن من يفترض أن نحميه ونقوم نحن بتوصيله إلى أي جهة يريد الذهاب إليه. وإذا بدأ هذا الشخص يقوم بالأمور بطريقته الخاصة، فستكون ذلك نهايته. سافرتُ أنا إلى كامبردج وسافر هو (قرنق) إلى أوغندا، وقد كان كما قال لي الفريق بكري حسن صالح..." 10* راجع حلقة تلفزيونية على قناة أمدرمان عام 2012م منشور على اليوتيوب بعنوان غازي سليمان .. جون قرنق أُغْتِيلً ..
تصريحات منفصلة ومتفقة في جوهرها وفك شفرات اللغز
تصريحات السياسي السوداني الراحل غازي سليمان المحامي، من ناحية يوضح للرأي العام أن مقتل قرنق عملية تشعبت فيها الأيادي، وما تصريحاته إلا إشارة وتلميح إلى أن الخرطوم قد تكون واحدة من الأيدي التي شاركت في اغتيال قرنق. والنقطة المشتركة هنا هو أن تصريحات كل من الوزير أليو أيينج، وربيكا قرنق، والدكتور منصور خالد والبروفيسور ديفيد ديشان لاحقاً، وغازي سليمان المحامي، ترسل إشارات إلى أن موت قرنق لم يكن قضاءً وقدراً كما قِيْلَ في تقرير لجنة التحقيق.
وإذا أخذنا حديث الدكتور منصور خالد وغازي سليمان بشيء من التمحيص، سنجدها مكملة لتصريحات أليو وربيكا، لأنهما يقولان شيئاً يقوي ويعضد ما قاله كا من ربيكا وأليو في وقت سابق .. إنها تتمة وتكملة لما قيل في وقت سابق دون أن يكون كاملاً.
وفي العام 2005م نفسه حمل صحافياً أوغندياً معروفاً أندرو مويندا، حكومة بلاده مسؤولية وفاة جون قرنق في برنامجه الإذاعي "أندرو مويندا لايف"، فأوقفت السلطات الأوغندية في كمبالا بث برنامجه فوراً وأعتُقِلَ وأُخْضِعَ للاحتجاز والتحقيق. راجع مقال: "جون قرنق: رحلة اللاعودة"
في العام 2018م، نشرت موقع (العربية نت) على الإنترنت تقريراً تحدث فيه خبير أمني غربي أن جهاز استخبارات دولة كبرى دبرت مقتل جون قرنق ورئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، ومسؤول جهاز الأمن في القوات اللبنانية ايلي حبيقة، ضمن برنامج استخباراتي لتلك الدولة الكبرى اسمه Worldwide Attack Matrix والذي تم ترجمته في التقرير ذاته ب"مصفوفة الهجوم العالمي الشامل"، قصد منها تصفية شخصيات في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا كما جاء في التقرير.
وعلى الرغم من أن التقرير أظهر معلومات قد يتشكك البعض فيها بأنها لا تستند على دلائل، إلى أنها ستظل فرضيات أقرب إلى الحقيقة بالكثير، إذا تابعنا كل التقارير التي صدرت وقارناها، وهي مقارنة التي من شأنها أن توصلنا إلى استنتاج لن يخطيء الهدف في معرفة قتلة الزعيم.
من ناحيةٍ أخرى، أشارت التقرير إلى أن المعلومات التي كشفت عنها الخبير الاستخباراتي تعضدها المقدم هاشم بدر الدين، قائد القوات الخاصة التي كانت بعض مهامها حراسة قرنق. ويمكن للقارئ مقارنة ما تزعم به التقارير مع تصريحات لشخصيات سياسية معروفة في الساحة السياسية السودانية ويصل بالاستنتاج إلى حقائق واقعية.
ولخص بدر الدين في سياق حديثه في تقرير موقع "العربية.نت" الأسباب التي تدعم اتهامه للدولة الكبرى باغتيال النائب الأول للرئيس السوداني، في المصالح النفطية التي قال إنها غربية صرفة في السودان حالياً، بعكس المعلن بأن الشركات العاملة في السودان، كندية وصينية وماليزية، مؤكداً أن الأمريكيين وراء كل هذه الشركات، كاشفاً النقاب عن معلومات جديدة بهذا الخصوص. 11* راجع تقرير: "تقرير العربية نت حول وفاة جون قرنق ورفيق الحرير وايلي حبيقة 2018م .."
وقد أوردت مصادر كثيرة، أن هدف من زيارة قرنق إلى أوغندا كان لقاء سفراء دول كبرى لها مصالحة تتمثل في النفط السوداني، وقد أكد الدكتور منصور خالد صحة ذلك في اللقاءات المشارة إليها آنفا لكن دون أن يذكر سبب اللقاء. وذكرت ذات المصادر أن قرنق في ذلك الاجتماع رفض أمام السفراء تخصيص حصص من النفط السوداني لدولهم.
وكان قرنق قد تعرض لتهديدات من دول تلك السفراء أثناء مفاوضات السلام في نيفاشا حين أبدى تحفظات في محاصصات عائدات النفط بين حكومة المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، بينما سمحت الحكومة السودانية لتلك للشركات أن تعمل لخدمة مصالح غربية في حقول النفط تحت غطاءات مختلفة، في وقتٍ كانت تلك الشركة تخدم مصالح نفطية غربية "صرفة". *12 راجع تقرير العربية حول وفاة جون قرنق ورفيق الحريري وايلي حبيقة 2018م .."
في شهر مارس من هذا العام، انتجت قناة الجزيرة التلفزيونية فيلماً وثائقياً تحت عنوان: "جون قرنق .. نهايات غامضة" وبثته. ورغم أن الفيلم قُصِدَ منه إرسال رسائل عديدة بطريقة غير مباشرة، تمحورت حول تبرير الخرطوم من الاتهام بالمشاركة في تصفية قرنق، وإثارة الشكوك في قيادة الحركة الشعبية من جهة حول تدبير مؤامرة داخل الحركة الشعبية لتصفية قرنق، وتوجيه الأنظار إلى الغرب كفاعل رئيسي وراء موت قرنق من جهة أُخرى، إلا أن الفيلم نجح إلى حدٍ كبير في الكشف عن ملابسات موت جون قرنق.
ولمحت الفيلم بأن وفاته كان اغتيالاً سياسياً ورائه دولة كبرى بحسب تصريحات البروفيسور ديفيد ديشان، وغيره من الشخصيات التي تحدثت في الفيلم، وبذلك فُكت بعض شفرات اللغز حول وفاة قرنق إن لم يكن كلها، وأصبح جلياً بأن قرنق قُتِلَ بمؤمراة من دولة كبرى وبمساعدة أيدي في إفريقيا تعتبر عميلة لتلك الدولة الكبرى.
ونورد مختطفات مهمة في تقرير موقع "العربية نت" لدعم ما نقوله هنا:
كان قرنق كان قلقا ومتعجلاً للوصول إلى نيوسايت
".. كان قلقاً ومتعجلاً لوصول مقره في الجنوب نيوسايت. وكان سراج الدين حامد، مقرر اللجنة الوطنية للتحقيق في حادث تحطم طائرة قرنق، كشف للصحافة المحلية في 27-10-2005 عن اختفاء بعض أجهزة الطائرة المهمة من موقع تحطمها..."
".... وقال حامد إن من بين الأجهزة المختفية جهاز يوضح إن كانت الطائرة مزودة بجهاز للخرائط أم لا ويوضح مدى ارتفاعها عند وقوع الحادثة. وأضاف بأن اللجنة المعنية التي زارت موقع الحادثة لأول مرة صورت كل أجزاء الطائرة بما فيها الأجهزة التي اختفت. وألمح مقرر اللجنة الوطنية إلى أن "الجانب اليوغندي يسعى إلى إرباك عمل لجان التحقيق لأسباب غير معروفة...."
"... ليس هذا فحسب، فخبير أمني سوداني بارز، هو العميد حسن بيومي، كان قد أكد لصحيفة "رأي الشعب" السودانية، بأنه يرى أن قرنق قتل بواسطة "سيناريو" استخباراتي عالمي خطير. وقلل بيومي وقتذاك من احتمال توصل لجنة التحقيق المكلفة البحث في حادثة تحطم طائرة قرنق لأية نتائج، لأن، بحسبه، ليس من السهل التوصل لنتائج أو أي خيط اتهام لأية جهة، ملمحاً إلى دقة العمل الاستخباراتي في مثل هذه الظروف..."
".... ويبدو، أن ربيكا قرنق، ليست وحدها التي تشعر بشكوك عميقة حيال الحادثة، فكبير خبراء التحقيق، بدوف تبرمورازوف مدير الأمن التقني للجنة انترستيت للطيران في موسكو، لم يتوان عن التأكيد بأنه "لم تكن هناك مشكلة فنية في المروحية نفسها، المروحية كانت سليمة، والمحادثات الصوتية بقمرة القيادة كانت عادية حتى لحظة تحطم الطائرة..."
".... ويؤكد المقدم هاشم بدرالدين قائد القوات الخاصة في الجيش الشعبي لتحرير السودان، الذي قاده جون قرنق طيلة 20 عاماً، بأن اغتيال جون قرنق بواسطة (دولة كبرى "ليس سرا" في أوساط الحركة الشعبية. ومضى للقول إن قيادات الحركة تمتنع عن الإدلاء بأية أحاديث حول الأمر، إما "خوفا" أو "لرغبتهم في الحفاظ على مصالحهم الخاصة..."
"... وبخصوص المصالح النفطية التي يرجح أن تكون من أقوى أسباب قتله، أكد بدر الدين، أن الشركات الكندية (تاليسمان)، والماليزية (بتروناس)، والصينية (الشركة الصينية للبترول)، التي تديرها بالأساس حسب قوله، رؤوس أموال غربيية، كانت قد عرضت على قرنق منتصف التسعينات، عقودا تحصل بمقتضاها على نسبة 95%، فيما تحصل الحركة الشعبية على 5%، الأمر الذي رفضه قرنق.." وتفاجأ قرنق – يقول بدر الدين – بأن الخرطوم وافقت على توقيع هذه العقود مع الشركات ذاتها، ما يعني غالباً أن النسب بقيت على حالها، وفي هذا "إجحاف على الشعب السوداني" بحسبما كان يرى قرنق..."
"... ويشير بدر الدين إلى أن بروتوكولات مشاكوس حول قسمة السلطة والثروة، أكدت على إبقاء عقود النفط سرية، بضغط غربي. بروتوكولات مشاكوس – يقول بدر الدين – تلزم الحركة الشعبية بتعيين 4 أشخاص فقط من ناحيتها ليس من ضمنهم جون قرنق للاطلاع على عقود النفط، شرط أن يوقعوا على وثيقة تجبرهم على إبقاء المعلومات سرية..."
توقيت وطريقة "تصفية" قرنق
"... وقطع بدر الدين، بأن الطائرة احترقت تماماً، ما يعني أن أسباب التحطم لا تعود لخلل فني، فهي إما أن تكون قد ضربت بصاروخ أو بسلاح في داخلها على حد تعبيره..."
قرنق يتحدث عن مؤامرة قتله ويكشف القتلة !
الأدب عموماً (شعر، قصص قصيرة، روايات) وسيلة يمكن استخدامه لتوصيل الحقائق إلى الناس، وعلى الرغم من أن الأدب المكتوب في جنوب السودان لا يزال في طور التشكل؛ يعود جون قرنق إلى الحياة بالبعث في خيال كاتب روائي، فيتحدث ويروي لأجانق، أول شاهد على قيامته تفاصيل موته قائلاً:
"... كانت الشمس قد زاغت سريعاً صوب الغروب كأنّها تودّع الدنيا وتعتزل الحياة في ذلك اليوم الكارثيّ. لم أكن قد تناولتُ طعام العشاء، فاجتماعي بصديقي موسوليني لم ينتهِ بعد. لم يَكُنْ لديَّ ما أقوله، كان عقلي مزدحماً بمواعيد وواجبات عليَّ أن أودِّيها كنائب لرئيس الجمهورية في الخرطوم. وكانت الحديقة التي نجلس فيها جميلة، أنيقة، ومُشَذَّبة كأنّها صبية إفريقية متأنقة بألوان الأزاهير الزاهية والأضواء الخافتة..."
مبلغ مالي ضائع لحكومة جنوب السودان
"... كان القصر الرئاسي هادئاً، ولم نكن نسمع سوى موسيقى العصافير الغنَّاء، ونسائم ناعمة تداعب وجوهنا ونفوسنا المضطربة. تحدَّثتُ إلى الرفيق موسوليني عن أكثر من 200 مليون دولار، المبلغ الذي وضعته في عهدته إلى حين تطبيق اتفاقية السلام كي نُدَبِّرُ به أمور حكومتنا في الجنوب في الأيام الأولى.
إن الحكومات في السودان تعوّدت، كما تعلم، على أن تمشي وكأنَّ أرجلها مُكَبَّلة بقيود تمنعها من المضي قُدُماً وتجعلها تنقض العهود، لذا كان لا بدّ لي أن أضع بعض النُّقُود جانباً، كي لا نتسول عند بوّابات شركائنا في السلطة. أسمع ذلك جيداً، يا أجانق، هناك مبلغ يمكنكم الاستفادة منه في الدولة. لا أعرف هل سلّمه الرفيق موسوليني إلى حكومتنا عندما انفجرت بنا الطائرة في تلك الأمسية التي كنتُ أشعر فيها كأنِّي وُلِدْتُ في الوقت الخطأ.
يدهمه قلق الموت قبل أن يموت
وكما ذكرتُ في مستهلِّ حديثي يا أجانق، كنتُ في عجلةٍ من أمري في 30 يوليو 2005م، عندما نظرتُ، خُلْسةً، إلى ساعة يدي فرأيتها تشير إلى الرابعة والنصف مساءً. بدأ القلق، كالحمّى، يدب في أوصالي، وصرتُ أشعر بدقّات عقارب الساعة متناغمة مع ضربات قلبي. كانت السماء مصبوغة بوشاح الليل الأسود حين أقلعنا من كمبالا إلى عنتيبي. وكان شعوري بالقلق ينبع من يقيني بأنّ قوانين هيئة الطيران المدني لا تسمح لأيّ مروحيّة بالتّحليق بعد الخامسة مساءً ولمسافة أكثر من ساعة.
كنتُ قد ذكرتُ ذلك للرفيق موسوليني الذي أشاح بنظره عنّي، وقال بنبرة لا تخلو مِنْ سخرية مَنْ يشعر بأنّه يملك السلطة، ويحسب أنفاس الناس، ويرى أن كل العالم ليس أكثر من خفٍّ يتجول به في الحمّام: أخائف أنت، يا رفيق، بعد أن أصبحت نائباً للرئيس، وماذا كنت ستفعل إن صرت رئيساً؟ كدتُ أتقيّأ عصير البرتقال الذي شربته لتوّي وكلماته تخز كرامتي كأنه يقول لي: عندما تكون في حضرتي فأنت لا تغادر إلا بأمري. فتحتُ فمي لأقول له إن قوانين الملاحة الجويّة لدولته لا تسمح لأيّ مروحيّة بالإقلاع والتحليق في أجواء البلاد بعد الخامسة مساءً، فتذكّرتُ أنّه قال لي إنّ تلك المروحيّة من أحدث المروحيّات السوفيتيّة القادرة على التحليق في أسوأ الأحوال الجويّة..." 13* راجع سوبرانو القيامة .. لآثر غابرييل ياك ص 19 – 20 ..
تشويه وتزييف للحقائق
كان كلُّ شيء يبدو طبيعياً داخل المروحيّة المعبقة برائحة المصنع، وكانت مقاعدها جديدة ومريحة ولامعة. لم تكن هناك مشكلة فنيّة كما جاء في التقارير بعد أن متنا. عندما يموت الإنسان يا أجانق، فإنّ تاريخه – إن لم يجد من يُقَدِّسُون قول الحقيقة – سيكون عرضةً للتشويه والتزييف من قبل أعدائه، وحتّى طريقة موته ستُكتب كما لو أنّها سيناريو لفيلمٌ هوليووديٌّ يعج بمشاهد غير واقعية ! راجع سوبرانو القيامة .. لآثر غابرييل ياك ص 22..
محادثات قُمرة القيادة
أجل، كانت المحادثات في قُمْرَةِ القيادة عاديّة حين انفجرت الطائرة. لم نصطدم بأي شيء. كان الطقس سيّئاً، لكنّه ليس بالقدر الذي يُؤدِّي إلى اصطدام الطائرة بالجبل. هكذا قال لي الطيّار الأوغندي عندما التقيته يوم أمس. وهكذا، أيضاً قال بدوف تبرامورازوف، مدير الأمن التقنيّ للجنة أنترستيت للطيران في المؤتمر الصّحفي الذي عقد في موسكو حين تحطمت بنا الطائرة: إنّ المحادثات التي رُصِدَتْ في قُمرة القيادة بين الطائرة وبرج المراقبة لم تحتوِ على أيّ إشارة لمشكلة تقنية حتى لحظة تحطم الطائرة... 14* راجع سوبرانو القيامة لآثر غابرييل ياك ص 22 – 23...
قرنق يتحدث عن خيانة الصديق في خيال الروائي
كنتُ أثق برفيقي موسوليني ! لكنّي، إن بُعِثْتُ إلى الحياة من جديد، لن أثق حتّى بظلي ! نعم إذا بُعِثْتُ مرّةً أُخرى، فأنا الآن حيٌّ وَمِيَّتٌ. كيف لا أعرف؟ هذا العالم مليء بالأسرار لا يعلمها إلا الخالق وحده ! تخيّل، يا أجانق، عندما انفجرت بنا الطائرة وتناثرت أجزاؤها وتناثرنا نحن، جاء أسياد موسوليني وفكّوا جاهزين من الطائرة: جهاز يوضح ما إذا كانت الطائرة مزوّدة بجهاز للخرائط أم لا، ويوضّح مدى ارتفاعها عند وقوع الحادثة. كان الليل ثقيلاَ عليك كبطانية سوداء تُدثرنا من كلُّ مكان، لكنّي رأيتهم، بعيون الميّت، يضعون في عيونهم مناظير ليلية.
يفكون أجهزة الطائرة في ظلامٍ دامس لإخفاء جريمتهم
كانوا خمسة أشخاص يهمسون فيما بينهم، وكانت كائنات الليل الصغيرة كالحشرات والجداجد تُصدرُ أصواتاً خافتة حزينة. أدرك أنّك لا تعرف، يا أجانق، من هم أسياد موسوليني. هؤلاء هم استخبارات تلك الدولة الإمبريالية التي تساعد على بقائه في السلطة، لتستغله، ثُمَّ ترميه في مزبلة التاريخ، مُهاناً، بعد أن يكون خرقة بالية، مهترئة، لا تصلح لتنظيف حذاء ! أتعلم يا أجانق، لقد هددتني تلك المخابرات من قبل ..." 15* أنظر سوبرانو القيامة لآثر غابرييل ياك ص 24..."
خاتمة
بهذا القدر من المتابعة والرصد، لم يعد موت الزعيم جون قرنق التراجيدي أمراً غامضاً طال انتظاره دون معرفة تفاصيله، أو لغزاً لم يتم حل تشابك خيوطه وتعقيداته أو فك شفراته، ولم يعد غياباً مكتوماً بين الصندوقين بعد: الصندوق الأسود للطائرة المروحية التي حملته من بلدة رواكيتورا الريفية غربي أوغندا إلى مطار عنتيبي، حيث تزودت بالوقود، ثم أقلعت متجهة إلى نيو كوش، وتحطمها بعد ساعة من تحليقها، وصندوق التابوت الذي حمل جثمانه، وأُنْزِلَ إلى القبر في ظهيرة يوم السبت 6 أغسطس 2005م بالقرب من مبنى البرلمان في مدينة جوبا.
إنني أجد نفسي متفقاً مع الضابط السابق في الجيش الشعبي لتحرير السودان هاشم بدر الدين في تكهنه ووصفه للطريقة التي قُتِلَ بها قرنق بإعتباره خبيراً عسكرياً، وحين أراجع ما دار في بلدة رواكيتورا أجده لا تخطيء كثيرة مع تكهاته. وعلى نحو التالي، نلخص الأحداث الأخيرة قبل رحيل قرنق:
1- وصوله إلى عنتيبي واجتماعه مع سفراء الدول الأجنبية الكبرى بحضور وكيلهم المستضيف ورئيس هيئة أركان جيشه.
2- اختلاف قرنق مع سفراء الدول الكبرى حول النفط.
3- قلق قرنق وتعجله في قرار العودة إلى السودان رغم تأخر الوقت.
4- حديث المستضيف عن الطائرة وتأكيده لقرنق سلامتها وأحتواءها على أحدث أجهزة الملاحة الجوية.
5- إقلاع وهبوط المروحية في عنتيبي وشحنها بمزيد من الوقود رغم عدم رغبة الطيار في ذلك.
6- إقلاع الطائرة بعد وقت متأخر رغم أن قوانين الملاحة الجوية لا تسمح بتحليق المروحيات بعد الخامسة مساءً.
7- اختفاء الطائرة عن الرادار بعد ساعة من إقلاعها.
8- انفجارها ومقتل جون قرنق وجميع من كانوا على متنها في منطقة جبلية داخل أراضي جنوب السودان.
8- وصول فريق أجنبي غربي إلى موقع التحطم في نفس المساء الذي تحطم فيه المروحية أولاً، قبل وصول أي شخص سوداني، وأخذه لأجهزة حيوية في الطائرة: الصندوق الأسود وجهاز يوضح مدى ارتفارع الطائرة، وما إذا كانت الطائرة بها جهاز الخرائط، في محاولة لإخفاء خيوط الجريمة، وإبلاغهم العالم بتحطم طائرة قرنق عبر الجسم الدولي الذي يسيطرون عليه سيطرة تامة. كل هذا يقول بطريقة أو بأُخرى أن أحداً داخل الطائرة أطلق النار على خزينة الوقود لتنفجر الطائرة، أو أن صاروخاً تم إطلاقها من منطقة قريبة ومحددةً مسبقاً لتضع نهائة لقرنق ومن كانوا على متن المروحية.
لقد كشف الزمن عن وفاة جون قرنق ما لم يكن معروفاً، وسيكشف الزمن الكثير عنها مع التغييرات السياسية الجارية في المنطقة المحيطة والعالم. وقد بدأت التغييرات السياسية تحدث الآن، ومنها رحيل عمر البشير عن السلطة في السودان، وقد كان جون قرنق حاضراً في كل احتجاجات جماهير الشعب السوداني التي أدت إلى إسقاط حكومة الخرطوم برئاسة عمر البشير.
وقد دخل السودان الآن مرحلة الانشغال بالترتيبات السياسية المتعلقة بتقسيم السلطة بين العسكريين والمدنيين والمرحلة الانتقالية والانتخابات القادمة، في ظل تنامي سقف المطالب بمدنية الدولة. وحين تستقر الحكم هناك، سيتم معرفة أشياء لم تعرف في كل الزمن الذي مضى منذ 2005م حتى إبريل 2019م، وتحديداً الجوانب المتعلقة برحيل جون قرنق دي مبيور. وحين تتغير الأوضاع في الإقليم الذي عاد منه جون قرنق في تلك المروحية المشوؤمة، ولم يصل إلى البلاد بسلامة، سيتضح الكثير الذي حاول السلطات إخفائه فيما يتعلق بظروف موته المأساوي. سيتم كل هذا خلال خمس أو عشر السنوات القادمة أو أكثر.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.