مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الاسلاميون فى الميزان وضرورة سن قانون العزل والاقصاء .. بقلم: د. يوسف الحسين
نشر في سودانيل يوم 12 - 01 - 2020

مياه كثيرة جرت تحت الجسر منذ اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة، ليس اخرها الانتهاء من تشكيل حكومة الفترة الانتقالية ، لكن ظل احد اهم الاسئلة المصيرية وربما اهمها علي الاطلاق هو الموقف الذى يجب ان يتم اتخاذه تجاه الحركة الاسلامية ، وهو امر تناقضت فيه آراء القوى والكيانات السياسية المعارضة والناشطين والمهتمين بالشان السياسى السودانى ، بين من يرى ضرورة عزل واقصاء هكذا مكون بفكره وشخوصه لخطورة استمراره المجربة طوال الثلاثون عاما الماضية ، ولانه بالتاكيد سيسعى بكل ما يملك من ادوات لتخريب مكتسبات الثورة مستقبلا واطلاق ثورة مضادة ، وبين من يرى ان من المصلحة عدم اقصاء اىٍ من القوى السياسية بما فيهاالحركة الاسلامية ، ويبرر هذا الفريق دعواه ان الجنوح للعزل والاقصاء امر مناقض للمفاهيم التى اندلعت من اجلها الثورة والتى لخصتها شعاراتها المنادية بالحرية والعدالة والسلام، وبالتالى تصبح المناداة بعزل فصيل سياسى امر مناقض لروح الثورة وردة فى مسارها .
كلا الرؤيتين تتفقان على ان نظام الحركة الاسلامية كان نظاما اجراميا بامتياز، وتتفقان على تطبيق مبدأ المحاسبة على كل من ارتكب جريمة من الاسلاميين، خلال تجربة حكمهم المريرة والممتلئة بكافة انواع الاجرام الدخيلة على الواقع الاجتماعى والسياسى السودانى، لكن الرؤيتين تتقاطعان فى كيفية التعامل مع تنظيم الحركة الاسلامية وبقية افرادها وتفرعاتها من احزاب ومنظمات وتنظيمات شبابيةونسوية والذين تشكلت منهم القاعدة الداعمة للنظام سياسيا واجتماعيا وكانوا الجزء الغالب والفاعل فيه عبر كل مراحله .
(1) تمهيد
الوصول لخلاصة وحكم فى هذه القضية الوطنية الاستراتيجية ذات الاهمية القصوى ، فى هذه المرحلة التاريخية الحاسمة فى مصير ومستقبل الامة السودانية ، يتطلب الغوص عميقا لاستكشاف دهاليز تنظيم الحركة الاسلامية ، والقاء ضوء الحقيقة المجرد على بنيته الفكرية والتنظيمية ، ومعرفة كافة الجوانب السرية فى هذا التنظيم الاخطبوطى ذو الوجوه المتعددة ، ورصد التاثير العميق لهذه البنية التنظيمية والفكرية والعقائدية على الدولة والمجتمع بعد وصول الاسلاميين للسلطة وتمكينهم لكوادرهم فى كافة مفاصل الدولة والمجتمع ، فى تجربة حكم استمرت لما يقارب الثلاثين عاما وكانت وفق تقييم الجميع – بما فيهم عدد مقدر من الاسلاميين - كارثية بكل ماتحمله الكلمة من معنى.
(2) التنظيم- الوظيفة
تدعى جماعة الاخوان المسلمون فى تسويق نفسها انها الوريث الشرعى لرسالة الاسلام ، وانها امتداد طبيعى وحصرى لتاريخ طويل للحضارة الاسلامية وبالتالى فانها هى القمينة باقامة الدولة الاسلامية ،الا ان التاريخ يقول ان نشاتها جاء ت مرتبطة بوجود الانتداب البريطانى فى مصر، فوفقا لشواهد واستدلالات عديدة تكونت الجماعة، بمجهود استخباراتي بريطانى لتكون تنظيما وظيفيا و قاعدة متقدمة لخدمة المصالح الرأسمالية الغربية، استنادا على الخطاب الدينى ،فناصبت عبد الناصر العداء فى بدايات حكمه بعد فشلها في احتوائه ، وحين بطش بهم عبد الناصر شكلت قطر التى كانت هي أيضا تحت الاحتلال البريطانى ولحد ما للمملكة العربية السعودية الملاذ الامن للاخوان المسلمين الهاربين من مطاردة عبد الناصر . ومن هناك تم استكمال بنية وتحالفات التنظيم العالمى للاخوان المسلمين فى عالمى السياسة والمال ليشكل التنظيم واحدة من اهم ادوات الراسمالية العالمية فى العالمين العربى والاسلامى.
الوظيفة الابرز لعموم حركات الاسلام السياسى كانت فى فترة الحرب الباردة ،اذ شكلت واحدة من انجع ادوات الغرب الراسمالى فى مناهضة التيارات اليسارية عموما والمد الشيوعى على وجه التحديد فى المنطقة، وذلك باستخدامها لخطاب دينى غاية فى التطرف والتشدد ، وفتحت ديكتاتوريات المنطقة المرتبطة بالغرب منابر وابواب العمل الجماهيرى لجماعات وحركات الاسلام السياسى, لتمارس بكل حرية الاستقطاب والتجنيد والدعوة ، وفى ذات الوقت وفر لها التمويل الخليجى السخى قدرات اكبر على الاستقطاب والتاثير على النشاط الاقتصادى ويمكن القول في هذا السياق ان الحرب الجهادية فى افغانستان ضد الاتحاد السوفيتى، شكلت التجسيد النموذجى الأكثر وضوحا لهذا الدور الوظيفى لتيارات الاسلام السياسى .اذ تكون تحالف بقيادة امريكا و بعض الانظمة الديكتاتورية التى تدعمها وتيارات الاسلام السياسى.
(3) الحركة الاسلامية فى السودان
بالنسبة للسودان سبقت الطائفية السياسية ظهور الاسلاميين الجدد، ورغم ارتباط بيوتاتها بدوائر الغرب الراسمالى إلا انه لم يكن بمقدور نهجها واساليبها و خطابها السياسى مجابهة التمدد اليسارى، فجاءت نشاة تيار الاسلام السياسى "الاخوان المسلمون " فى مطلع خمسينات القرن الماضى كامتداد لنهج ووظيفة الجماعة فى مصر ، ثم جاء الدخول الصاخب لدكتور حسن الترابى على المسرح السياسى السودانى من خلال مشاركته فى ثورة اكتوبر 1964 - وهو ذلك الشاب الذكى المليئ بالحوية و المتفوق اكاديميا القادم من معاقل الحضارة الغربية ، حاملا شهادة الدكتوراة فى القانون الدولى من اعرق جامعاتها - ليشكل تحولا صميميا فى تاريخ الحركة الاسلامية فى السودان ،فقد استغل الترابى بذهنيته الميكيافيلية المخادعة ذلك الزخم المحيط به ، ليتولى قيادة التنظيم (جبهة الميثاق الاسلامى) فى 1969، متخطيا الكثيرين من القادة الاقدم ، ليصبح الزعيم الروحى والمنظر الفكرى والقائد السياسى والتنظيمى الاوحد للحركة الاسلامية.
بعد ان عارض الترابى النميرى فى النصف الاول من حكمه عقد معه صلحا فى 1978 استمر حتى الشهر الاخير من حكم مايو، وهو الامر الذى سمح له ب بناء تنظيمه وفقا لمنهجه واهدافه فى الوصول للسلطة ، ختي انه بإمكاننا ان نطلق على هذه المرحلة اسم "مرحلة التمكين الأصغر" .حيث استطاع التنظيم استقطاب اعداد مقدرة من الطلاب فى كافة المراحل كما استطاع النفاد الى قلب القوات المسلحة بتجنيد عدد مقدر من قيادات وضباط الجيش , كماتمكن من الحاق اعداد من منتسبى حزبه من الطلاب بالكلية الحربية ،كذلك تم انشاء بنك فيصل الاسلامى ليكون ذراع الاسلاميين للسيطرة على الاقتصاد السودانى ، كل تلك التجاوزات الخطيرة التى قام بها التنظيم،تتضاءل وتتراجع خطورتها امام قيام الترابى بانشاء جهاز امن سرى خاص بتنظيمه ،اخترق به كافة مؤسسات الدولة والمجتمع و تضخم حجمه و امكانياته فى الفترة الديمقراطية لدرجة الاعتماد عليه بشكل كامل فى تنفيذ انقلاب يونيو 1989بمشاركة الضباط الاسلاميين فى الجيش االسودانى، ولدرجة الاعتماد عليه بشكل تام بعد الانقلاب فى تشكيل جهاز امن الدولة الرسمى ،
ورغما عن سيطرتها على الدولة ومؤسساتها النظامية، الا ان الحركة الاسلامية ظلت محتفظة بتنظيمها الخاص الذى كانت تديره قيادة سرية تخضع لإشراف المجلس التنفيذى المكون من ابرز اعضاء مجلس شورى الجبهة الاسلامية.
بعد سيطرتها على الحكم توسعت مهام التنظيم الخاص - عرف فيما بعد باسم الامن الشعبي - فكان هو الذى يشرف على عمليات الاغتيال واستجواب وتعذيب المعارضين فى بيوت الاشباح ، كما كان يقوم بكل عمليات التصفية السرية للمعارضين ،وهو الذى قام بارتكاب مجزرة سبتمبر وهو من قام ايضا بقتل شهداء ثورة ديسمبر الاخيرة. هذه البنية التنظيمية الاخطبوطية المركبة التى جمعت بين هيكل التنظيم الحزبى والجهاز الامني السري والمؤسسة الاقتصاديةالاحتكارية اقيمت حتى تسطيع الحركة الاسلامية تفكيك سيطرة الدولة على السياسة والاقتصاد والحلول مكانها وهو الامر الذى شرحه الترابى بالتفصيل فى شهادته على العصرعلى قناة الجزيرة .
(4) الايدلوجيا والنهج
قامت الحركة الاسلامية على عقيدة انها تنظيم رسالى يحمل تفويضا الهيا مفتوحا باقامة دولة الاسلام على الارض ،الدولة التى تقدم النموذج الاسلامى الكونى فى الحكم المبنى على منهج وقيم صالحة لكافة العصور، الا انها ولتحقيق ذلك التفويض على الارض ارتكبت كل ماهو قبيح واجرامى من وسائل واساليب كممارسة الاقصاء و الكذب والتقية والنفاق والخديعة، وسمحت لنفسها باستباحة كل الاعراف والدساتير الانسانية، فى سبيل تحقيق ذلك الهدف المقدس ،فقامت باقصاء وازاحة كل ما تعتبره عقبة فى طريقها من كيانات وافراد معارضين لمشروعها، وفى كثير من الاحيان تطلب الامر اراقة كثير من دماء الخصوم وهو امر شجعت عليك بصراحة شعاراتهم المبذولة فى كل وسائل الاعلام . ورغم هذا الطرح الا انها وطوال عمرها الذى قارب السبعة عقود- منها ثلاث فى الحكم، - لم تقدم الحركة شرحا نظريا محددا لماهية الدولة الاسلامية التى تنشدها ، ناهيك عن تقديم نموذج تطبيقى لها ، ولعل افصح ما وصف حيرة الجميع حول مفهوم دولة الحركة الاسلامية هو قول البشير فى القضارف حين وصف الشريعة المطبقة من قبل حكومته بالشريعة "المدغمسة" والدغمسة فى العامية السودانية تحمل معنى مركبا يضم فى احشائه الاحتيال والغموض والضبابية ، ولعل السبب المباشر فى غموض المفهوم وتناقضات نهج الوصول للدولة الاسلامية المرجوة، يرجع لطبيعة تكوين و وظيفة التنظيم وطبيعة قائده ، فالحركة وطوال تاريخها لم تعرف منظرا أو ابا روحيا لها سوى الترابى ، الذى كان تاثيره طاغياً وعظيماً على العضوية وعلى التنظيم وهيكليته وبنيته الفكرية لدرجة انه لايمكن الفصل بين طموحات و فكر ومنهج وشخصية الرجل وبين بنية ومسار ومناهج التنظيم فى كافة مراحله ، وحتى اللحظة الحالية ليس هنالك من نموذج و مرجعية للاسلاميين اوللحركة الاسلامية فى السودان سوى الترابى ، الذى لم تخرج افكاره المطروحة حول مشروع الدولة الاسلامية عن عموميات متوهمة مكتنزة بالشعارات والهتافات المهرجانية والخطاب الشعبوى وتغليب الحركى على الفكرى.
فى ظل هذا المحيط من فوضى المفاهيم والغموض والعمل السرى الاقتصادى والامنى وتطبيق التقية فى نسختها الاخوانية ، تشكلت بيئة مثالية للغاية تلائم وتتواءم بشكل تام مع طبيعة المهام الوظيفية للتنظيم ووفَّرت رداءا مطاطيا لطموحات وانتهازية زعيمه، فشهدنا على مدى عقود عديدة من الزمان تقلبات متناقضة فى المواقف والسياسيات يعجز عن الاتيان بها ابرع البهلوانات، لكنها جميعا كانت تهدف الى تحقيق الهدف الاستراتيجى لحركة الاسلام السياسى فى السودان ، وهو تمكينها من الدولة لتفكيكها وانهاء تحكمها فى الاقتصاد وفي مواردها الإقتصادية الهائلة ، والحلول مكانها وخصصة تلك الموارد لصالح امبراطورية الحركة الاسلامية الاقتصادية الوكيل الحصرى للراسمالية العالمية ، وفى سبيل ذلك لم تتورع عن ارتكاب كل الجرائم الممكنة للقضاء على كافة خصوم مشروعها وعلى وجه خاص خصومها الايدلوجيين من الشيوعيين واهل اليسار .
(5) راهن الحركة الاسلامية والاسلاميين وثورة ديسمبر
من الطبيعى جدا والمتوقع ان تحدث فى نظام يحمل طبيعة وعقيدة ونهج وبنية الحركة الاسلامية مجموعة من الصراعات والانشطارات الاميبية، فمسار ومراحل النظام والتغيرات المحلية والاقليمية والدولية، وطبيعة دوره فى كل ذلك كانت تتطلب بالضرورة قدرا معتبرا من الاحلال والابدال فى الرؤى والافراد والسياسات ، ورغم ان بعض هذه" المفاصلات" جاء مصاحبا بقدر من العنف كالمفاصلة الاولى بين الترابى وتلامذته و التى نتج عنها حزبى المؤتمر الوطنى والشعبى ،الا ان تلك الانشطارات فى المحصلة النهائية مكنت الحركة الاسلامية من انشاء جيوب لها فى الجانب المعارض مثلت قواعد احتياطية بامكانها استغلالها للجوء اليها فى حالة ارادت التملص من جرائم وموبقات تجربتها فى الحكم ، او فى حالة سقوط النظام ،لتنطلق منها لبناء التنظيم بشكل جديد وباوجه وواجهات مقبولة، وذلك بعد رمى النظام والحزب الحاكم وكل الوجوه المحترقة بعد الباسهم كل الاوزار والجرائم التى تم ارتكابها طوال تجربة الحركة فى الحكم، و هذا ما كانت تنوى الحركة الحركة الاسلامية فعله ضمن مخطط الهبوط الناعم .
يتلخص مخطط الهبوط الناعم فى عقد اتفاقيات سلام ثنائية بين النظام والحركات المسلحة فى دارفور والمنطقتين على نمط مشابه لاتفاقية نيفاشا، وعقد حوار مع الاحزاب السياسية المعارضة ينتهى بسماح النظام لهذه الاحزاب المعارضة بالمشاركة فى كتابة الدستور والانتخابات والمشاركة في السلطة ، فى مقابل عدم محاسبة الحركة الاسلامية على الجرائم التى ارتكبتها و عدم المساس بالنفوذ والمكاسب التى حققتها من خلال اغتصابها للسلطة ،مع احتفاظها بمكان لها فى التسوية السياسية كحركة إسلامية مباشرة او من خلال تنظيماتها الحربائية المتعددة التى انشاتها كفكرة استباقية لهذه المرحلة. تنفيذ مخطط الهبوط الناعم كان يتطلب عمليا ازاحة البشير والمحيطين به من وجوه انتهى دورها ،بعد تحميلهم وزر التجربةالاسلامية فى الحكم بكاملها ،وقد كانت هنالك محاولة داخل اروقة المؤتمر الوطنى فى 2014 لمنع ترشح البشير للانتخابات التى جرت فى ابريل 2015 ، لكن البشير وبعض المستهدفين بالازاحة تمكنوا من افشال تلك المحاولة.
ومنعا لتكرار سيناريو اعادة البشير لترشيح نفسه فى 2020 قام الاسلاميون بخنقه اقتصاديا هذه المرة وذلك بتجفيف السوق من السيولة النقدية ورفع سعر العملة الصعبة لاضعاف مضاعفة ، الامر الذى قاد الى خلق ازمة اقتصادية فادحة ادت بدورها الى اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة بشكل مفاجئ للجميع ومخالف لكل السيناريوهات التى كانت تعمل عليها كل اطراف الهبوط الناعم.
تفجرت الثورة التى عجز النظام والحركةالاسلامية عن قمعها رغم الكم الهائل من العنف والارهاب الذى مورس ،اثناء الثورة حاولت الحركة الاسلامية تجييرها لصالح تحقيق الهبوط الامن للحركة الاسلامية، حيث اجبرت البشير بالاعلان عن عدم ترشحه لانتخابات 2020 مع بقائه رئيسا حتى نهاية فترته ، وذلك كان يعنى عمليا ازالة عقبة البشير من طريق الهبوط الناعم، موافقة البشير على التنحى وبقائه لمدة عام كانت فى وفتها صفقة مثاليةتمكن الحركة الاسلامية من ترتيب تسوياتها (الهبوط الناعم )مع القوى السياسية السودانية والمجتمع الدولى مستعينة بمراكز قوتها السياسية والعسكرية والاقتصادية الهائلة لتكون جزءا من سودان ما بعد الثورة .
سقط هذا السيناريو و سقط البشير فى ثورة الوعى التى اجتاحت كل السودان بالتفاصيل التى يدركها الجميع وتم تشكيل مجلس السيادة و الحكومة المدنية للمرحلة الانتقالية. الا ان الحركة الاسلامية لا تزال محتفظة بكل مكوناتها من شيوخ سلفيين وكتائب ظل وجهاز امنها الخاص و وحداتها الجهادية ومؤسساتها الاقتصادية وجميعا بالتاكيد تم تجنيدها واعدادها لتنفيذ مخططات الثورة المضادة.
(6) جرائم الحركة الاسلامية فى السودان
يمكن القول ان الحركة الاسلامية ومنذ ظهور الترابى فى ستينات القرن الماضى ،كانت اما شريكة اومسئولة بشكل مباشر عن كل الكوارث السياسية فى السودان ، فبمجرد استقوائها بعد ثورة اكتوبر شاركت ممثلة فى الترابى بدور فاعل فى مؤامرة طرد الحزب الشيوعى من البرلمان، وهى الحادثة الكارثية التى مهدت الاجواء بشدة لانقلاب مايو.
فى مايو وبعد فترة من العداء والصراع تصالح الترابى مع النميرى ، وكان هو وتنظيمه وقضاته من عضوية الحركة الاسلامية صناع اقبح فترات مايو الظلامية التى تمثلت فى انشاء محاكم الطوارئ والعدالة الناجزة فى ظل قوانين سبتمبر ، حيث تم استخدام تلك المحاكم، التى كانت اسماء ضحاياها تذاع فى نشرات الاخبار لفضح وارهاب الناس، وتم فيها تنفيذ ابشع احكام الصلب وتقطيع الايدى والارجل ، وكانت اقذر جرائمها جريمة اغتيال الاستاذ الشهيد محمود محمد طه زعيم الحزب الجمهورى ، فى يناير 1985 وهو شيخ فى الرابعة والسبعين من عمره ،فيما بدا انه تصفية لعداء فكرى طويل الامد بينه وبين الاسلاميين ، كما شهدت هذه المرحلةمن مايو بداية شروع الاسلاميين فى التمكين الاقتصادى بانشاء بنك فيصل الاسلامى واطلاق خطة طويلة الامد للسيطرة على الحكم فى السودان بتكوين الجهاز الامنى الخاص بالتنظيم حتى اكتشفهم نميري فى اواخر ايامه فاعتقل معظم قياداتهم لتخرجهم انتفاضة مارس – ابريل 1985.
فى سنة الحكومة الانتقالية وفى سنين النظام الديمقراطى الثلاث( ابريل 1985- يونيو 1989 ) واصلت الحركة الاسلامية تحت مسماها الجديد "الجبهة الاسلامية القومية" ، تآمرها وتخطيطها الاجرامى للسيطرة على الدولة ، فقد قامت باستغلال الحملات الانتخابية وحريات النشر والتعبير وحرية ممارسة كافة انواع النشاط السياسي ،فى تجييش الرأى العام ضد النظام الديمقراطى ومؤسساته وقياداته من خلال صحفها وندواتها السياسية ،كما قام قطاعها الاقتصادى ممثلا فى بنوكها الاسلامية باختلاق العديد من الازمات فى السلع التموينة بشرائها ورفع اسعارها واحتكارها او حتى رميها فى النيل كما فعل بنك فيصل الاسلامي ، وايضا قامت الجبهة القومية الاسلامية خلال تلك الفترة ببناء شبكة من العلاقات الخارجية مع عدد من الدول كالصين تمهيدا للانقلاب، الا ان اخطر انشطتها للاعداد للانقلاب على النظام الديمقراطى كان نشاطها الامنى وتمثل فى تهريب الاسلحة واجهزة الاتصال اللازمة وانشاء اذاعة سرية خاصة وتدريب افرادا مليشياتها العسكرية علي تنفيذ الانقلاب والذي تم في اليوم المشؤوم 30 يونيو 1989.
(7) جرائم الحركة الاسلامية خلال الثلاثين عاما من حكم الانقاذ
منذ سطوها على للسلطة فى يونيو 1989 ارتكبت الحركة الاسلامية ونظامها المأفون ما لا يمكن احصائه اوحصره من الجرائم فى حق الوطن والدولة والشعب السوداني ، فبمجرد وصولها للسلطة شرعت فى عملية تصفية قاسية للخدمة المدنية شملت فصل عشرات الآلاف من موظفى الدولة وضباط القوات النظامية ممن لا ينتمون لها، وتركتهم واسرهم بلا مصدر رزق عرضة لكل شرور الدنيا دون رحمة، تزامنا مع حملات الفصل التعسفى تلك ، دشن نظام الحركة الاسلامية حملات اعتقالات واسعة طالت قادة القوى السياسية وكوادرها التنظيمية، حيث تم اخضاعهم لواحدة من اقبح تجارب الاعتقال والانتهاكات فى معتقلات سرية عرفت بيوت الاشباح، والتي جرى فيها ممارسة القتل والتعذيب الوحشى بكل انواعه البهيمية والاغتصابات التى طالت حتى الرجال ناهيك عن النساء ،وكان أبرز ضحاياها واسبقهم الشهيد د. على فضل الذى تم اغتياله تحت التعذيب فى ابريل 1990، كما قام النظام ايضا بتصفية 28 ضابطا من ضباط الجيش دون محاكمة ودون ان يعلن حتى اليوم عن مكان دفنهم ، كما لم يتوقف النظام طوال تاريخه عن اغتيال وتصفية المعارضين له بكافة الوسائل والطرق فاغتال العشرات من شهداء الحركة الطلابية فى مختلف الجامعات ، كما ارتكب العديد من المجازر كمجزرة كجبار وبورتسودان ومجزرة سبتمبر 2013 كما اغتال اكثر من100 شهيدا فى ثورة ديسمبر ابريل الحالية ، اضافة للعشرات من حوادث التصفية والاغتيالات التى جرت سرا وحواداث الاختطاف والاختفاء القسرى ولعل اشهرها جريمة اختطاف واخفاء الشاعر ابو ذر الغفارى فى بداية التسعينات.
فى سجل الانتهاكات تتربع دائما جرائم الابادة الجماعية والتطهير العرقى فى دارفور على قمة الهرم ، حيث قتل نظام الحركة الاسلامية فى حروبه هناك ما يقارب من ال 300 الف مواطن/ حسب تقديرات الامم المتحدة، (أعترف البشير فى خطاب علنى له بقتل عشرة الاف شخص فى دارفور) ، وهناك ايضا قامت قواته من الجنجاويد و القوات النظامية باحراق الاف القرى الحية و باغتصاب الاف النسوة والفتيات من حرائر دارفور ، وتشريد وتهجير الملايين من السكان فى واحدة من ابشع جرائم الحرب التى شهدها هذا العصر و التى تم فيها استخدام كل اشكال وانواع الاسلحة بما فيها السلاح الكيماوى ، كذلك ارتكب النظام نفس هذه الفظائع و الانتهاكات والجرائم فى جبال النوبة والنيل الازرق حيث احرق واباد واغتصب واستخدم سلاح التجويع وشرد وهجر عشرات الالاف من المواطنيين ولعل الصور المنتشرة لاطفال ونساء جبال النوبة المختبئين فى كهوف الجبال هربا من جحيم الغارات الجوية تلخص حجم الماساة والجريمة التى طالتهم
ثم ياتى الفساد الممنهج كاخطر ادوات التمكين الاقتصادي فالحركة الاسلامية وقبل الاستيلاء على الحكم كان لديها قطاعها الاقتصادى والذى تلخصت مهتمه فى ادارة مجموعة الشركات والبنوك الاسلامية التابعة لها والتى استعملتها كاسلحة تدمير وتخريب للاقتصاد تمهيدا للانقلاب على النظام الديمقراطى ، وبعد اغتصابها للسلطة اوكلت لهذا القطاع مهمة ادارة وتوظيف كل موارد واموال الدولة السودانية المنهوبة عن طريق الفساد النظامى المنهجى الشامل والذى تمت ممارسته علي كافة مستويات الحكم وتمكنت الحركة الاسلامية من خلاله من الاستيلاء على كل عائدات الذهب والنفط وكل مداخيل الدولة من بقية الصادرات ،كما احتكر اعضاء التنظيم كافة العطاءات والمقاولات والتوريدات للدولة ، وفى ذات السياق – الفساد والتمكين - عملت الحركة الاسلامية على تدمير القطاع العام تمهيدا للسيطرة عليه اما ببيعه او القضاء على انشطته ، فقامت بتدمير مشروع الجزيرة و السكة حديد والخطوط الجوية والخطوط البحرية والنقل النهرى وذلك ببيع اصول وممتلكات تلك المؤسسات وتخفيض ميزاتها للحد الادنى ، وفي مقابل ذلك قامت بانشاء شركات النقل الجوى والبحرى والبرى التابعة لها ،كما خصصت قطاع الاتصالات واحتكرته لشركاتها ، كانت النتيجة سيطرة الحركة على كافة القطاعات الحيوية فى الدولة كالاتصالات والتعدين وصناعة وتجارة البترول والنقل والتجارة العامة والاستيراد والتصدير وقطاع الاعمال الهندسية والمقاولات ،كما استولت على وباعت مساحات هائلة من الاراضى السكنية والزراعية واعداد ضخمة من العقارات الحكومة العالية القيمة . وكانت النتيجة تكوين امبراطوريتها الاقتصادية الهائلة الحجم التى تتحكم فى الاقتصاد السودانى حتى الى يومنا هذا.
فى سرد جرائم الحركة الاسلامية لايمكن اغفال تدميرها للبنية الاجتماعية وزرع الفتن ورعايتها للحروب القبيلة والتوترات العرقية وتعمدها تمزيق النسيج الوطنى اعتقادا منها بان ذلك سيوسع سلطانها ويسمح لها بالسيطرة على المجتمع .كذلك قامت بتدمير متعمد وخبيث للتعليم وتلاعبت بمناهجه ومراحله وخفضت ميزانته لاقصى قدر ممكن بل سجلت بعض حالات بيع المدارس العامة وكان الهدف من ذلك هو تخصيص القطاع ونشر الجهل وخلق اجيال ضعيفة المعرفة و الانتماءالوطنى والانسانى ، كما قامت ايضا بتدمير قطاع الصحة وتخريب المستشفيات الحكومية مقابل قيامها باستثمارات ضخمة فى القطاع الصحى الخاص ، باختصار لايوجد فى الوطن مجال اوقطاع لم تمتد اليه يد الحركة الاسلامية لتدميره والتكسب من ذلك التدمير.
(8) لماذا يجب اقصاء الحركة الاسلامية وعزل الاسلاميين
من كل ذلك السرد التاريخى المطول الذى تناول الحركة الاسلامية فى كل مراحلها،منذ تكوينهايمكننا الخلوص بكل راحة ضمير ،الى ان اقصاء الحركة الاسلامية وعزل الاسلاميين هو ضرورة وطنية ومسئولية تاريخية كبرى ،يتحمل وزر النكوص عنها امام الاجيال الجديدة، جميع السودانين والسوادنيات ان هم/ن تقاعسوا/ن عن المناداة والعمل عل ذلك طالما كانوا قادرين على التعبير والفعل.
وهذا ملخص لتلك الاسباب :
اولا :على مستوى الفكر والايدلوجيا والمصالح والارتباطات، ثبت ان الحركة الاسلامية لايمكن باى حال من الاحوال اعتبار ها تنظيما سودانيا وطنيا فليس فى فكرها او ايدلوجيتها مفهوم للمواطنة ولا للدولة الوطنية . كما ان مصالحها وارتباطها ورهاناتها الخارجية التى تحكمت فى ادارة الدولة السودانية طوال فترة حكمها لم تكن لها علاقة بالمصالح القومية للشعب اوالدولة السودانية.
ثانيا : على مستوى التنظيم ، ظلت الحركة الاسلامية طوال تاريخها تنظيما اخطبوطيا منافيا فى الشكل والتركيب، للقوانين التى تنظم نشاط الاحزاب و التنظيمات السياسية فهى تضم اجنحة عسكرية وامنية وقطاعا اقتصاديا سريأ اضافة لكونها حزبا سياسيا وهو امر لايقره الدستور ولا القانون. جميع هذه الاجنحة المذكور تديرها قيادة سرية للتنظيم بتناسق تام وترتيب معقد لتحقيق اهداف ومخططات الحركة الاسلامية الرامية للسيطرة على الدولة السودانية وتفكيكها والحلول محلها ، من الجدير ذكره هنا انه حتى يومنا هذا لاتملك الحركة الاسلامية تسجيلا او تصنيفا قانونيا لها.
ثالثا: غموض بنية وتركيب التنظيم الامنى للجبهة الاسلامية
فلا احد يعرف حتى الان معلومات كافية عن طبيعة انشطته او عن قياداته او عدد افراده، او عن اشكال تخفيه او ارتباطاته الخارجية بالاستخبارات الاجنبية والمنظمات الإرهابية، أو طبيعة المهام التى كان يقوم بها معها ، كما اننا ايضا لا نعرف كم ونوع الاسلحة التى يمتلكها أو مواقع تخزينها ولا نعرف مصادر تمويله ، كذلك لا يوجد تقييم رسمي لحجم وخطورة المعلومات التى يمتلكها التنظيم الامنى عن الدولة وعن السودانيين/ات ،و مدى الخطر الذى يمثله هذا الجهاز على الدولة والمواطنين، كل الذى نعرفه عن هذا الجهاز انه جهاز امن سرى عمل مختبئا خلف واجهات التنظيم الشرعية وخلف واجهات مدنية أخرى من المؤسسات ذات الصلة بالحركة، وانه كان مسئولا عن تنفيذ انقلاب يونيو 1989 ،وانه كان الرافد الرئيسى لجهاز امن الدولة بالكوادر الامنية وانه كانت لديه صلاحيات ومهام اكثر واكبر من صلاحيات ومهام جهاز الدولة الرسمى ، وانه ويمتلك معلومات اكثر منه .كما نعرف انه كان المسئول الاول فى كل الانتهاكات والجرائم التى حدثت فى عهد الانقاذ من اغتيالات وتصفيات وتعذيب واغتصابات .وبلا شك فان السماح لتنظيم الحركة الاسلامية بالاستمرار فى الوجود بشكل رسمى سيعنى السماح باستمرار جهاز الامن السرى للحركة بالوجود فى قلب السياسة السودانية مع كل ما يشكله ذلك من تهديد حقيقى لكل المرحلة السياسيةالراهنة.
رابعا: للتنظيم شبكة اقتصادية هائلةمن الشركات والبنوك والمشاريع والعقارات والاسهم والاستثمارات فى كافة القطاعات تتم ادارتها من داخل هيئة الشورى القيادية والمجلس السرى للحركة الاسلامية،وهى شبكة اوكل اليها ادارة كل الاموال التى حازتها الحركة الاسلامية من خلال الفساد ونهب موارد الدولة السودانية وكانت تتحكم وبشكل مطلق وبمساندة سياسية كاملة من النظام فى الاقتصاد السودانى ، السماح باستمرار وبقاء التنظيم سيعنى السماح ببقاء تلك الشبكة فاعلة وجاهزة للقيام بكل ما يطلب منها فى تخريب وتدميرالاقتصاد وشن حروب الثورة المضادة وافشال كل الاصلاحات الاقتصادية المزمع القيام بها فى الفترة الانتقالية.
خامسا : حجم ما ارتكب من اجرام وانتهاكات طوال الثلاثون عاما لحكم الحركة الاسلامية الذى يفوق كل التصورات الجحيمية بدءاً من مئات الالاف من قتلى حروب الابادة والاغتيالات السياسية، والالاف من حالات الاغتصاب والتعذيب ، وعشرات الالاف من حالات الفصل من العمل ،وكل السجل المهول لانتهاكات حقوق الانسان والفسادالهائل والمظالم ، وزرع الفتن والحروب والاعتداءات ونشر الفقر والمخدرات والرذيلة، يجعل من التنظيم وكل عضويته دون استثناء شركاء اصليين فى تلك الجرائم الكبرى ، والسماح ببقاء التنظيم وعودته هو وعضويته للعمل السياسى يعنى ببساطة تصريح مفتوح لكل هؤلاء القتلة المشوهين والفاسدين ومروجى المخدرات والفتن للقيام بما تم اعدادهم للقيام به طوال تاريخهم وبحماية وتغطية القانون .
سادسا : رغم حجم وبشاعة الجرائم التى ارتكبها الاسلاميون، لم نسمع يوماً واحداً أن هنالك اسلامياً واحد قد أعتزر أو اعترف بإجرامه او كشف عن جرائم تنظيمه بشكل تفصيلى اوتبرع بان يكون شاهدا قانونيا في اي محاكمة مستقبلية ، او حتى أجرى نوعا من المراجعة الفكرية، وجُل من انشق من الاسلاميين عن النظام لايكف عن التباكى المستمر على قيادة الترابى للنظام فى عشريته الاولي وعلى مشروعه الحضارى ، رغم ان َفترة سيطرة الترابى كانت الابشع فى تاريخ النظام ورغم ان الترابي نفسه اوضح ان مشروعه للدولة كان مشروعا لتفكيك وتفتيت الدولة
واستبدالها بالحركة الإسلامية لكل هذه الاسباب التى اسهب المقال فى شرحها و تفسير ها وكون انها جزء صميمى واصيل فى فكر وتكوين وتركيب هذا الكيان المسمى بالحركة الاسلامية، يجب ان يخضع هذا التنظيم وجميع من تولي مسؤولية قيادية فيه او فى الاحزاب المنبثقة عنه او فى النظام فى اى مرحلة من مراحله،بغض النظر عن طبيعة هذه الدور القيادى ،سواء اكان سياسيا أوعسكريا أوأمنيا، أو اداريا ،او إعلاميا، أو اهليا ،او اكاديميا للتجريم والعزل والحظر والاقصاء عن ممارسة العمل السياسى مدى الحياة . تماما مثلما جرمت وعزلت البشرية من قبل النازية وغيرها من حركات سياسية مدمرة للوجود الانسانى القويم .مع التاكيد والعمل على محاسبة ومحاكمة كل من ارتكب جريمة من هذا التنظيم فى حق هذا الوطن والانسان وفقا للقانون وهذا أقل ما يجب تقديمه و اكثر الخطوات أولوية لاسترداد كرامة الوطن.
2919-09-24
د. يوسف الحسين


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.