محتجون يغلقون جسر المنشية وأسرة الشهيد عبد المجيد تحذّر الحكومة    النقد الدولي: رفع السودان من قائمة الارهاب خطوة لتخفيف أعباء الديون    عبدالله النفيسي: السودان سيصبح قاعدة أمريكية في أفريقيا.. وصحفي: ماذا عن تركيا وقطر؟    "370" مليون دولار منحة من البنك الدولي للسودان    المجموعة السودانية للدفاع عن حقوق الانسان: بيان حول بشريات رفع العقوبات الامريكية و نذر التطبيع مع اسرائيل    رسميًا.. المريخ يضم مهاجم الأولمبي السوداني    الهلال والمريخ يصطدمان في ديربي حسم الدوري    نتنياهو: اتفاق السودان تحول هائل .. في 67 تبنت الخرطوم اللاءات الثلاث واليوم تقول نعم للتطبيع    هل النظام السياسي الأمريكي ديمقراطي ؟ .. بقلم: معتصم أقرع    قبل الطبع: شركات للامن والوطني تعمل بأرباحها .. بقلم: د. كمال الشريف    الاقتصاد التشاركي ودوره في التنمية الاقتصادية .. بقلم: الدكتور: عادل عبد العزيز حامد    الاختصاصي د. عبد الرحمن الزاكي: وكان القرشي صديقنا الأول!.    مجموعة تسطو على مكتب عضو بلجنة إزالة التمكين    توثيق وملامح من أناشيد الأكتوبريات .. بقلم: صلاح الباشا    د. أشراقة مصطفي أبنة كوستي والدانوب يعرفها .. بقلم: عواطف عبداللطيف    التطبيع طريق المذلة وصفقة خاسرة .. بقلم: د. محمد علي طه الكوستاوي    اذا كنت يا عيسى إبراهيم أكثر من خمسين سنة تعبد محمود محمد طه الذى مات فأنا أعبد الله الحى الذى لا يموت!! (2) .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه /باريس    في ذكرى فرسان الاغنية السودانية الثلاثة الذين جمعتهم "دنيا المحبة" عوض احمد خليفة، الفاتح كسلاوى، زيدان ابراهيم .. بقلم: أمير شاهين    فلسفة الأزمان في ثنايا القرآن: العدل (1) .. بقلم: معتصم القاضي    ارتفاع وفيات الحمى بالولاية الشمالية إلى 63 حالة و1497 إصابة    عن العطر و المنديل ... تأملات سيوسيولوجية .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    نيابة الفساد توجه الاتهام لبكري وهاشم في قضية هروب المدان فهد عبدالواحد    المحكمة تطلب شهادة مدير مكتب علي عثمان في قضية مخالفات بمنظمة العون الانساني    الحمي النزفية في الشمالية.. بقلم: د. زهير عامر محمد    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مشروع دراسة تاريخ سكان السودان وجيناتهم ولغاتهم (2) .. بقلم: د. أحمد الياس حسين
نشر في سودانيل يوم 20 - 01 - 2020

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
التحركات السكانية
تناولنا في الموضوع الأول هدف هذا المشروع ثم تعرفنا في مقدمة موجزة عن بداية عصر الهلوسين.، ونتابع هنا الأوضاع المناخية وتحركات السكان.
لعبت منطقة الصحراء الحالية الواقعة بين البحر الأحمر شرقاً وانحناءة نهر النيجر غرباً دوراً بارزاً في التاريخ الإقليمي والعالمي. ففد شهدت هذه المنطقة ظهور الانسان المبكر، أو كما عبر بروفسور منتصر الطيب (ص 7) "شكل سكان السودان القديم والمناطق المجاورة له شرقاً وغرباً أوائل أسلاف البشر الحاليين" كما شهدت هذه المنطقة نشأة اللغات الافريقية الثلاث الكبرى النيلية الصحراوية والنيجر كردفانية والافريقية الآسيوية كما سيتضح ذلك في هذه السلسلة من الموضوعات. وإلى جانب ذلك ساهمت هذه المنطقة مساهمة كبيرة في التاريخ الجيني واللغوي لمنطقة جنوب الصحراء الكبرى المعروفة بالساحل الافريقي.
وقد كانت هذه المنطقة – مثل بقية منطقة الصحراء الكبرى الحالية - تعاني من جفاف حاد قبل بداية عصر الهولوسين منذ نحو عشرة ألف سنة يوصف بأنه أكثر من الجفاف الحالي في الصحراء الكبرى. (Faure, p 364) ومع بداية عصر الهلوسين تغبر مناخ المنطقة إذ توفرت المياه ووسائل الحياة كما وضحنا ذلك في موضوعنا السابق، وصاحب ذلك تحركات سكانية متواصلة مع تقلبات المناخ.
وسأقوم هنا بتسليط بعض الضوء – بما تيسر لي من مراجع – على التقلبات المناخية وما ترتب عليها من تحركات سكانية في المنطقة الواقعة في حدود السودان الحالية إلى الشرق والغرب من نهر النيل. وغني عن البيان أن ما يُقدم هنا عبارة عن مقدمات لمناشدة الاختصاصيين والمهتمين لدراسة تاريخ المناخ والدراسات التاريخية واللغوية والجينية لسكان السودان لكي نتمكن من التعرف على أصولهم وتحركاتهم عبر العصور. ونستهل ذلك بالمنطقة الغربية لنهر النيل.
منطقة غرب نهر النيل
عندما توفرت المياه بتغير المناخ في مناطق شرق وغرب نهر النيل من جفاف إلى رطوبة منذ بداية عصر الهلوسين أصبحت مناطق الصحراء الحالية مأهولة بالسكان وتطورت السلالات البشرية نحو الألف الثامن قبل الميلاد. (Samkange, 37; p 23, Dimmendaal, 46)
ويرى بعض المؤرخين أن السكان الأقدم في المنطقة الواقعة في جنوب دولتي ليبيا والجزائر الحاليتين – حيث توفرت مصادر المياه في بداية عصر الهلوسين - قد تكونوا من التحركات السكانية التي خرجت في بداية عصر الهولوسين من منطقة الخرطوم الحالية، أو خرجوا من المناطق الواقعة إلى الجنوب منه حيث كان سكانها قد تعودوا على الحياة في بيئة السافنا. وازدهرت الحياة على طول المناطق الواقعة غربي النيل، وتطورت أساليب حياتهم باستئناس الحيوان منذ الألف 8 ق م. (Rilly 2009; Hugot, p 596; Faure, p 364)
ولما كان المناخ دائم التقلب بين الرطوبة والجفاف كانت التحركات والصلات بين سكان هذه المناطق وبين النيل متواصلة. ففي نحو الألف السادس قبل الميلاد بدأ تغير المناخ في المناطق الواقعة غرب نهر النيل في مصر، فقلت نسبة المطر. وبدأ الجفاف يسود المنطقة بالتدريج، وأدى ذلك إلى بداية تحركات سكانية من هذه المناطق شرقاً نحو النيل وجنوباً نحو المناطق التي لا زالت تتوفر فيها المياه بقدر كافِ مثل مناطق الواحات في شمال غرب السودان كما في مناطق لقية والنخيلة ومنطقة النيل الأصفر (وادي هور). Rilly 2009))
وظل النيل الأصفر والمناطق المحيطة به شمالاً وجنوباً مجالاً للاستيطان المستمر لآلاف السنين تعاقبت عليه الثقافات وأنماط انتاج الطعام، ففي منتصف عصر الهلوسين تغير نمط غذاء سكانه من الطعام البحري إلى تربية البقر وانتشروا غرباً حتى انحناءة نهر النيجر (Ehert 56) وتوضح الأثار التي تم التعرف عليها على النيل الأصفر الكثافة السكانية وتطورهم الحضاري. وقد تمكن الباحثون من اكتشاف عدد 2400 موقع أثري في منطقة النيل الأصفر ولا تزال مساحات كبيرة فيه لم تنقب بعد. كما عثر على عدد من المواقع الأثرية على وادي الخديرة في جبال تَقِرو جنوب النيل الأصفر، وعثر على 258 موقع أثري في منطقة النخيلة أو بحيرة دارفور الكبرى شمال النيل الأصفر. hi (Keding, p 94–95; Kropelin and Ingeborg, p 110)
وكان التواصل والصلات قوية بين سكان مناطق النيل الأصفر وبين سكان نهر النيل الأوسط في حدود السودان الحالية. فالمواد الأثرية التي ترجع إلى العصر الحجري الحديث المكتشفة في منطقة بحيرة شمال دارفور تشبه بصورة كبيرة آثار النيل الأصفر وآثار الخرطوم. (Arkell, p 16) كما ان الفخار ووضع القبور وبخاصة وضع الجثمان في منطقة النيل الأصفر هي نفس ممارسات سكان ما قبل كرمة وأهل ثقافة المجموعة A. (Keding, p 92) وتبدو تلك الصلات وذلك التواصل واضحاً في انتشار فروع اللغات في المنطقة مثل فروع اللغة النيلية الصحراوية.
اللغة النيلية الصحراوية
وتعتبر منطقة النيل الأصفر ومناطق الأنهار والبحيرات الواقعة إلى الشمال منه الموطن الشمالي المبكر للغة النيلية الصحراوية. فقد ارتبطت نشأت اللغة النيلية الصحراوية في بداية عصر الهلوسين بنمط الغذاء المائي Aquatic في مناطق البحيرات والأنهار بين بحيرة رودلف وكينيا شرقا ودولة مالي غرباً. (http://www.britanica.com
انتشرت اللغة النيلية الصحراوية انتشاراً واسعاً في المنطقة الواقعة بين دولة مالي وغرباً ودولة كينيا شرقاً، وتنقسم إلى عدد كبير من الأقسام ذكر منها كلود رايلي (Rilly, 2010, p 68) 13 قسم رئيس منها تسعة منها منتشرة في السودان وهي الصحراوية والمابا والفور والسودانية الشرقية والبرتا والكناما والكومان والقمز والكادو. وتتفرع هذه الأقسام إلى عدد كبير من الفروع تمثل نحو 70% من عدد اللغات الحالية في السودان (كمال محمد جاه الله) وينتمي أغلبها إلى اللغة السودانية الشمالية الشرقية المتفرعة من اللغة السودانية الشرقة.
ومن تلك اللغات في غرب السودان: الفور والمساليت والكانوري (البرنو) والزغاوة والداجو والميدوب والبرقد والقرعان والميمي البرتي (منقرضة) وفي جبال جنوب كردفان: مجموعة التّمين والكاتشا-كادقلي- ميري والتلوشي والكانجا ولغات الأما والأفيتي والدلنج والكدرو والكاركو والتسي. وفي أعالي النيل الأزرق: البرتا والانقسنا والبرون والقمز والكومو والوطاويط والمابان وفي شمال السودان: الأنداندي (الدنقلاوية) والكنزية والنوبين (المحس، السكوت وحلفا) وفي شرق السودان: النارا
وتعتبر اللغة السودانية الشرقية من أكبر فروع الأسرة النيلية الصحراوية. يرى كلود رايلي (2009Rilly, ) أن اللغة السودانية الشرقية Proto-East Sudanic ربما نشأت في المنطقة الصحراوية الحالية غرب النيل على الحدود السودانية المصرية الحالية حيث تم تدجين البقر في منطقة نبتا بلايا في الألف الثامن قبل الميلاد قبل أن يحدث ذلك في منطقة النيل الأصغر. ويرى ديمندال أن تدجين البقر تم في منطقة النيل الأصفر بعد الألف السابع قبل الميلاد.
ولما بدأ الجفاف يضرب المنطقة في الألف السادس قبل الميلاد بدأ اول انتشار لمتحدثي اللغة السودانية الشرقية حيث اتجهت مجموعة جنوباً نحو منطقة النيل الأصفر. ويتفق هذا مع رأي إهرت (Ehert 56) الذي يرى أن البقارة انتشروا بين القرنين السادس والخامس قبل الميلاد حتى انحناءة نهر النيجر. ويرى ديمندال في أبحاثه الأخيرة كما نقل رايلي (رايي 2009 ودي فوجت) أن النيل الأصفر هو موطن متحدثي اللغة السودانية الشرقية proto-Eastern Sudanic. وبناءً على رأيه هذا فإن انقسام اللغة السودانية الشرقية تم في منطقة النيل الأصفر وليس شماليه كما يرى كلود رايلي. ويرى ديمندال أن انتشار اللغات يمكن أن يتم دون تحركات متكلميها أو إحلال لغة محل لغة أخرى.
وبناءً على رأي رايلي فإن رعاة البقر متحدثي اللغة السودانية الشرقية proto-Eastern Sudanic انفصلوا قبل دخولهم النيل الأصفر إلى قسمين: استقرت مجموعة منهم في الجزء الشرقي والأوسط من النيل الأصفر المجاور لنهر النيل، وهي المجموعة التي عرفت باسم متحدثي اللغة السودانية الشمالية الشرقية. واستقرت المجموعة الأخرى في المناطق العليا الجنوبية الغربية من النيل الأصفر والمناطق المجاورة لها، وهي المجموعة التي عرفت باسم متحدثي اللغة السودانية الجنوبية الشرقية. ويتفق دي مندال ويتفق مع رايلي على التقسيم وأماكنه.
في بداية الألف الرابع قبل الميلاد بدأ تحول في مناخ منطقة النيل الأصفر بفترة جفاف تدريجية بدأت في الجزء الشرقي من النيل الأصفر المجاورة لنهر النيل، ثم زحف الجفاف تدريجياً نحو المناطق الوسطى من النيل الأصغر. ونتج عن زحف الجفاف تحركات سكانية كبيرة ومتواصلة من منطقة النيل الأصفر استمرت لوقت طويل حتى جفافه في الألف الثاني قبل الميلاد. وسنلقي فيما يلي بعض الضوء على تحركات متحدثي اللغة السودانية الشرقية الذين انتشاراً واسعاً ولعبوا دوراً كبيراً في التكوين السكاني في مناطق واسعة ممتدة بين القرن الافريقي شرقاً وانحناءة نهر النيجر غرباً. وتنقسم اللغة السودانية الشرقية إلى قسمين: اللغة السودانية الشمالية الشرقية واللغة السودانية الجنوبية الشرقية.
متحدثو اللغة السودانية الشمالية الشرقية:
بدأ تحرك متحدثي اللغة الشمالية الشرقية من النيل الأصفر في بداية الألف الثالث قبل الميلاد وانقسموا وفقاً لتقسيم كلود ريلي Rilly and Alex de Voogt, 2012 p 179 – 180 وRilly, 2009 p الذي لا يختلف كثيراً عن تقسيم دي مندال إلى ثلاثة مجموعات:
1/ مجموعة متحدثي لغة التامة Proto-Tamanوكانوا مستقرين في الجزء الأعلى من النيل الأصفر ومع ازدياد الفاف انتشروا في المناطق المحيطة به، وتكون منهم أسلاف متحدثي لغات التاما والمراريت والمسِّيري أو المِلِري في غرب السودان
2/ مجموعة متحدثي لغة النِّما Proto-Nyima وكان هؤلاء مستقرين شرق منطقة التامة، ومع ازدياد الجفاف اتجهوا جنوب شرق نحو منطقة كردفان الحالية وانقسموا إلى فرعين: أسلاف متحدثي لغة النمنج Nyimangوأسلاف متحدثي لغة الأفيتي في جبال جنوب كردفان. 3/ المجموعة متحدثي الفرع الشرقي، وسنتناول خذا الفرع بشيء من التفصيل.
متحدثي الفرع الشرقي: كان متحدثي هذا الفرع مستقرين غي الجزء الشرقي من النيل الأصفر، وبازدياد الجفاف في المنطقة انقسموا إلى ثلاثة فروع:
الفرع الأول: متحدثو اللغة الكوشية Proto-Kushite وتحركوا في النصف الأول من الألف الثالث قبل الميلاد شرقاً نحو النيل حيث نشأت حضارة ما قبل كرمة ومملكة كوش الأولى في منطقة كرمة الحالية.
الفرع الثاني: متحدثو النارا Proto-Nara وربما تحركوا في نفس الوقت الذي تحرك فيه القسم الأول، وانقسموا إلى قسمين: قسم أتجه شرقاً نحو نهر النيل وواصلوا تحركهم على النيل حتى نهر عطبرة، ثم واصلوا تحركهم عليه، وهم أسلاف النارا الحاليين، وقد استقروا في مناطقهم الحالية خلال الألف الثاني قبل الميلاد. والقسم الثاني اتجه أيضا شرقاً نحو النيل واستقر في منطقة شمال الشلال الثاني وهم الذين أُطلق عليهم المجموعة ج C-Group .
الفرع الثالث: متحدثو اللغة النوبية Proto-Nubian استقروا في المناطق التي كانت لا تزال تتمتع بقدر من مصادر المياه في أطراف النيل الأصفر الجنوبية. وانتشرت مجموعات منهم في مناطق وسط دارفور الكبرى الحالية ووادي الملك وشمال كردفان الحالية حتى الألف الأخير قبل الميلاد. وانقسمت هذه المجموعة إلى فروع كما يرى رايلي (Rilly, 2009) إلى قسمين:
القسم الأول متكلمي اللغة النوبية في الغرب Proto-Western Nubian انتشروا في مناطق وسط دارفور وشمال كردفان وتفرعوا إلى الأسلاف الحاليين للبرقد والميدوب وبعض نوبة كردفان.
القسم الثاني: متكلمي اللغة النوبية النيلية Proto-Nile Nubian وقد تناولت المصادر اليونانية والرومانية (اراتوثين وبليني وسترابو، في سامية بشر دفع الله ص 70 و78) تجوالهم وأعدادهم الكبيرة في المنطقة الواقعة بين شمال كردفان والنيل منذ القرن الثالث قبل الميلاد. وتحركوا مع ازدياد الجفاف في مناطقهم نحو النيل وعبروه شرقاً وانتشروا داخل مملكة مروي في القرن الرابع الميلادي حيث توغلوا حتى منطقة غرب البطانة كما اتضح من نقش عيزانا. (Kerwan, p47)
ويقسم كلود رايلي (2009 و p 702012Rilly, ) اللغة النيلية الصحراوية قسمين: 1/ اللغة الدنقلاوية القديمة التي تفرعت إلى اللهجة الدنقلاوية الحالية (الاندادي) واللهجة الكنزية. 2/ اللغة النوبية القديمة والتي تولدت منها النوبين Nobiin. وقد راجع كلود رايلي رأيه (Rilly, 2012 p 75)حيث ذكر أنه لم يعد ممكنا بعد اكتشاف المزيد من النصوص باللغة النوبية القديمة اعتبار النوبين فقط منحدرة من النوبية القديمة.
وأرى أن اللغة النوبية النيلية Proto-Nile Nubian كانت لغة مملكة مقرة بشقيها الجنوبي (منطقة دنقلة) والشمالي (منطقة نوباديا) وكانت لهجتا المنطقتان مختلفتين كما وضح ذلك ابن سليم الأسواني الذي زار مملكة مقرة في القرن العاشر الميلاد حيث ذكر أن النوبة بلسانين مختلفين، وأن لسان النوبة (المريس) شمال الشلال الثالث يختلف عن لسان أهل دنقلة. فذكر:
"اعلم أنّ النوبة والمقرة جنسان بلسانين، كلاهما على النيل، فالنوبة هم: المريس المجاورون لأرض الإسلام، وبين أوّل بلدهم، وبين أسوان خمسة أميال ... أصطنون، وهي أوّل الجنادل الثلاثة، وهي أشدّ الجنادل صعوبة لأنّ فيها جبلاً معترضاً من الشرق إلى الغرب في النيل، والماء ينصب من ثلاثة أبواب، وربما رجع إلى ما بين عند انحساره شديد الخرير عجيب المنظر يتحدّر الماء عليه من علو الجبل وقبليه فُرش حجارة في النيل نحو ثلاثة بُرد إلى قرية تعرف: بيستو، وهي آخر قرى مريس، وأوّل بلد مقرة، ومن هذا الموضع إلى حدّ المسلمين لسانهم مريسي" (في مصطفي محمد مسعد ص 89)
وقد أطلقت المصادر العربية على سكان منطقة نوباديا التي أصبحت الإقليم الشمالي لمملكة مقرة اسم مريس. فقد ذكر المسعودي (في مصطفي محمد مسعد ص 90) أن عبد الله بن سعد حارب ملك مريس عام 33 ه. (أنظر تفاصيل ذلك في أحمد الياس صفحات 169-180) فكلا اللغتان الدنقلاوية والنوبين انحدرتا من اللغة النوبية القديمة.
ولم يتعرض كلود رايلي للغة مملكة علوة التي يعتبر مؤسسيها من متكلمي Proto-Nubian. ويقول ترقر (Trigger, p 22) "إننا لا نعلم هل كان أهل علوة يتحدثون نفس اللهجة النوبية المنتشرة شمالا أم كانت لهجة مختلفة"
اللغة السودانية الجنوبية الشرقية: استقر متحدثو هذا الفرع من اللغة السودانية الشرقية المناطق العليا الجنوبية الغربية من النيل الأصفر والمناطق المجاورة لها، وتضم فروعها: 1/ الداجو في دارفور وجنوب كردغان 2/ Temein في جبال النوبة 3/ الانقسنا في أعالي النيل الأزرق 4/ Surmicعلى الحدود بين اثيوبيا ودولة جنوب السودانية 5/ لغات القبائل النيلية في دولة جنوب السودان.
ويلاحظ على متكلمي اللغات النيلية الصحراوية أن بعضهم لم يتحرك بعيداً عن منطقة انتشار اللغة مثل متحدثي لغة الغور ومتحدثي فروع اللغة الصحراوية ولغة التامان ومتحدثي الفرع الغربي من المجموعة النوبية (الميدوب والبرقد). بينما تحركت مجموعات كبيرة بعيداً عن منطقة انتشار اللغة مثل متحدثي مجموعة اللغات النوبية النيلية الذين انتشروا في شمال السودان. وانتشر متحدثي لغة الكناما والنارا في شرق السودان. وانتشرت مجموعات كبيرة في منطقة النيل الأزرق وعلى الحدود السودانية الاثيوبية مثل متحدثي لغات البرتا والقمز والانقسنا والبرون. وانتشرت مجموعات أخرى كبية في جنوب كردفان مثل متحدثي مجموعات الكادو والنيما Nyima والتِميِن Temein. ولعل دارسو علم اللغة التاريخي وعلم تاريخ المناخ يسلطون الضوء على هذه التحركات وطرقها ومحطاتها.
ونواصل ....
المراجع
- سامية بشير دفع الله، السودان في كتب اليونان والرومان، الخرطوم: جامعة السودان المفتوحة 2008.
- كمال محمد جاه الله، "أسرة اللغات النيلية الصحراوية باعتبارها معززاً للوحدة الوطنية في السودان" الندوة الافريقية حول محفزات الوحدة والانفصال، الخرطوم: جامعة افريقيا العالمية 19-20 أكتوبر 2010.
- مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية العربية: مجموعة النصوص والوثائق الخاصة بتاريخ السودان في العصور الوسطى، الخرطوم: جامعة القاهرة فر الخرطوم (جامعة النيلين حاليا) 1972.
- منتصر الطيب، التاريخ الوراثي للسودان والساحل وما جاورهما، الخروم: مركز بناء الأمة للبحوث والدراسات 2018.
- Trigger, Bruce G. (1937) "the Languages of Northern Sudan" p 22; L. P. Kerwan: A Survey on Nubian Origin", S.N.R. XX.
- Dimmendaal, G. (2007) "Eastern Sudanic and the Wadi Howar and Wadi el Milk Diaspora" Sparch und Geschechte in Afrika,18.
- Ehret, Christopher, (2006) "The Nilo-Saharan Background of Chadic-Studies in African Languages" Studies in African Linguistics, Vol 35: Supp. 11. . Sol.resesrch.edu
- Faure,H, (1981) "Chronological Framework: African Pluvial and Glacial Epochs part I" in J. Ki-Zerbo, Grneral History of Africa Vol. 1: Methodology and African Prehistory. Paris: UNESSCO.
- Keding, Birgit,(2000) "New Data on Holocene Occupartio of the Wadi Howar region, eastern Sahara/Sudan" Recent Research into the Stone Age of Northeastern AfricaStudies in African Archaeology" Poznan Archaeological Museum.
- Kropelin, Stefan and Soulie-Marsche Ingeborg, (1991) "Charophyte Remains from Wadi Howar as Evidence for deep Mid-Holocene Freshwater Lakes in the Eastern Sahara of Northern Sudan" Quaternary Research 36, 210 – 223.
- Rilly, Claude and de Voogt, (201), the Meroitic Language and Writing System, Cambridge University Press.
- Rilly, Claude, (2009) "From the Yellow Nile to the Blue Nile. The Quest for Water and the Diffusion of the Northern Eadt Sudanese Languages from the 4th to the 1st Millenia BCE" A Paper Presented to the 3rd European Conference On African Studies, Panel 142, Leipzig 4-7 June.
- Samkange, Stanlake (1971) African Saga: A brief Introduction to the African History, New York: Abingdon Press.
- https://www.academia.edu/35910322/Dimmendaal_Jakobi_Eastern_Sudanic_Handbook_of_African_Languages


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.