السودان والتطبيع مع إسرائيل .. بقلم: د. الشفيع خضر سعيد    عبقرية إبراهيم البدوي: تحويل الدعم من السلع إلى الغلابا!! .. بقلم: عيسى إبراهيم    التطبيع المطروح الآن عنصري وإمبريالي .. بقلم: الامام الصادق المهدي    د . محمد شيخون أنسب رجل لتولي وزارة المالية في المرحلة الراهنة .. بقلم: الطيب الزين    القبض على لص متلبساً بسرقة تاجر بالخرطوم    خيال إنسان .. بقلم: أحمد علام/كاتب مصري    رأى لى ورأيكم لكم!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    نقص في حصة الخرطوم من دقيق الخبز ومطاعم وكافتريات تغلق أبوابها    أسر سودانية تحتج أمام الخارجية للمطالبة بإجلاء أبنائها من الصين    بداية التسجيل والدراسة بجامعة القرآن الكريم وتأصيل العلوم    مقتل شاب بعد تبادل الطعنات مع آخر في صف الخبز    الطاقة والتعدين تلزم محطات الوقود العمل لمدة (24) ساعة    نيكولا وجوزينا: ذكريات طفولتهما في السودان .. بقلم: د. محمد عبد الله الحسين    حَسَن البِصْرِيْ- أبْ لِحَايّة، قصصٌ مِنْ التُّراثْ السُّودانَي- الحَلَقَةُ التَّاسِعَةُ عَشَر .. جَمْعُ وإِعدَادُ/ عَادِل سِيد أَحمَد    الصاغة يهددون بالخروج من صادر الذهب    الشيوعي يدعو لمناهضة ومقاومة سياسة رفع الأسعار    لافروف: الوضع في ليبيا لم يتغير جذريا بعد مؤتمر برلين لكن هناك بوادر إيجابية    الارسنال ينتصر علي نيوكاسل باربعةاهداف دون رد    تهديدات جديدة تطال السفير الروسي في تركيا    قناة إسرائيلية: مصر تبني جدارا على الحدود مع قطاع غزة    تجمع المهنيين : علي كرتي يمتلك 230 قطعة بالحلفايا    صاحب محل افراح يقاضى حزب الامة بسبب خيمة الاعتصام    العدل والمساواة: 90% من العاملين ببنك السودان من أسرة واحدة    غليان في المريخ بسبب تجاهل ابوعنجة وحضوره بالمواصلات    الهلال يتجه للمدرسة الفرنسية مجددا    لجان مقاومة بالقضارف تتهم أيادي خفية بالتلاعب في السكر    كوريا تطلق سراح جميع مواطنيها العائدين من ووهان بعد أسبوعين من الحجر عليهم    البرهان بين مقايضة المنافع ودبلوماسية الابتزاز .. بقلم: السفير/ جمال محمد ابراهيم    المريخ يضرب الهلال الفاشر برباعية    الهلال الخرطوم يكتسح أهلي عطبرة بخماسية ويتربّع على الصدارة بفارق الأهداف عن المريخ    لماذا يَرفُضُ الإمام الصادق المهديّ التَّطبيع مع إسرائيل؟ .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    مواجهة مثيرة للتعويض بين المريخ والهلال الفاشر    "مانيس" هزَّ شجرة المصنَّفات: هل ننتقل من الوصاية إلى المسؤولية؟! .. بقلم: عيسى إبراهيم    التغذية الصحية للطفل - ما بين المجاملة والإهمال والإخفاق .. بقلم: د. حسن حميدة – ألمانيا    شرطة تضبط شبكة لتصنيع المتفجرات بشرق النيل    تحركات سعودية رسمية لإيجاد عقار ضد "كورونا" الجديد    ارتباط الرأسمالية بالصهيونية: فى تلازم الدعوة الى السيادة الوطنية ومقاومة الصهيونية والرأسمالية .. بقلم: د. صبري محمد خليل    دراسة صينية حديثة تكشف أن فترة حضانة "كورونا" قد تستمر 24 يوما    قلبي عليل .. هل من علاج ؟ .. بقلم: جورج ديوب    زيادة نسبة الوفيات بحوادث مرورية 12%    لجان مقاومة الكلاكلة تضبط عربة نفايات تابعة لمحلية جبل أولياء ممتلئة بالمستندات    أمير تاج السر : تغيير العناوين الإبداعية    إعفاء (16) قيادياً في هيئة (التلفزيون والإذاعة) السودانية    الفاتح جبرا:قصة (إستهداف الدين) وإن الدين في خطر والعقيدة في خطر ده كلو (حنك بيش) كما يقول أولادنا    الرشيد: جمعية القرآن الكريم تمتلك مناجم ذهب بولاية نهر النيل    محمد عبد الكريم يدعو السودانيين إلى الخروج "لتصحيح مسار الثورة"    الهلال يستقبل اللاعب العراقي عماد محسن    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    النجم الساحلي يعلن غياب "الشيخاوي" عن مباراة الهلال    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





لماذا تمنع دول الخليج التحول الديمقراطي وسر عشقهم للعسكر -الربيع الخليجي خلال 5 سنوات .. بقلم: يوسف نبيل فوزي
نشر في سودانيل يوم 20 - 01 - 2020

التاريخ جيد للقراءة والتحليل وأخذ العبر وها نحن من جديد مع ظنون الشعوب العربية بأنها المحدث الوحيد لثورات الربيع العربي ، وإليكم التفاصيل..
موجات الربيع العربي: كيف أُحدِثت؟
في نظريات العلوم التطبيقية التي تحاكي الواقع السياسي والحياتي تماما ، تعتمد دائما على محدث خارجي من أجل قراءة تأثير العامل الخارجي على سير الأحداث الطبيعية ، ولنأخذ مثالا طبيا على ذلك يُسهّل الشرح ، حينما تقام تجربة دوائية جديدة لتأثير مداها العلاجي على مرض معين ، يختار الأطباء والأحصائيين مجموعتان ضمن تجربة تسمى Randomized Controlled Trial RCT" مجموعة تُعطى لها العلاج الفعال ومجموعة تعطى لها placebo أي "شكل" دواء بلا أي مادة فعالة ومن ثم تتم قراءة المؤشرات الطبية "المحددة" مسبقا من النتيجة اللاحقة التي تفيد بتحسن مجموعة الدواء الفعال على مجموعة الدواء "الشكلي" ومن ثم تستخلص النتائج ذات المدى العلاجي الفعال.
المقاربة السياسية هي نفسها ، حينما أطلقت إدارة بوش إستراتيجية "الحرية في الشرق الأوسط" عام 2001 أي التحول إلى أنظمة الحكم الديمقراطية استخلصت بأن أكثر الدول ممانعة وقوة ضد التغيير هي الهدف الأول، لأن سقوط هذه الدولة القوية سيتيح التغيير الحر (دون تدخل أجنبي عسكري) لاحقا في باقي الدول في الشرق الأوسط وهذا ما حدث في العراق ، تم إحداث التغيير الأول بالقوة في العراق ، على أن تستشعر وتنهض باقي الشعوب في الدول ذات أنظمة الحكم العسكرية ، لذلك يخطئ المحللون في تحديد بداية موجة الربيع العربي ، لأن موجة الربيع بدأت بالعراق عام 2003 قسرا وعنفوانا حتى تمتد رياح التغيير في باقي الدول بصورة مظاهرات واحتجاجات سلمية كما حدث في تونس ومصر عام 2011 ، على أن تستمر زحف رياح الديمقراطية حتى لو فرضت بقوة السلاح كما حدث في كل من اليمن وسوريا وليبيا.
لكن ما فائدة نشر الديمقراطية بالنسبة لأمريكا في المنطقة العربية حصرا ؟
ولماذا تحارب دول الخليج (السعودية والإمارات تحديدا) رياح الديمقراطية في هذه الأوطان (مصر وليبيا والسودان) وغيرها من الدول العربية ؟ الإجابة خلال السرد ..
موجات الربيع العربي
الموجة الأولى: أحدثت في العراق وليس كما زعم المحللين بأنها بدأت بتونس.
الموجة الثانية ضربت تونس ، مصر ، ليبيا ، سوريا واليمن التي أنطلق في 2011 ، أي بعد عشرة سنوات منذ ان أطلقت إدارة بوش إستراتيجية "الحرية في الشرق الأوسط" في عام 2001 وحينها تحركت كل أنظمة الخليج تقريبا لوضع إجراءات لاصلاحات سياسية حتى بدأت تظهر مجالس استشارية "منتخبة" ، ووعدت البحرين بإعادة الدستور الذي كان معلقا منذ 1975 ..
الموجة الثالثة: الجزائر والسودان ، عام 2019 ، والتي امتدت لتضرب العراق ولبنان لوضع ضغط أكبر على إيران ، فإن سقوط الشيعة في لبنان والعراق سيضع ضغط غير مسبوق على النظام الإيراني.
الموجة الرابعة: يبدو أن الجوع هو الدافع الأساسي للاحتجاجات الراهنة ، التي ستعود لضرب مصر والنظامين الملكيين (المغربي والأردني) حتى تعد تمهيدا لإسقاط عروش الممالك السلالية او تحويلها إلى أنظمة ملكية دستورية ، وأن رفضت ذلك سيتم التغيير بالقوة.
الموجة الخامسة : سيمتد الربيع العربي إلى دول الخليج عاجلا أم آجلا ، وفقا لاستراتيجية الحرية فقد وضع مدى زمني لنشر الديمقراطية في كل دول الشرق الأوسط ضمن إطار زمني يحده الربع الأول من القرن الحادي والعشرين (اي حتى 2025) يحب ان تشمل الديمقراطية كل الأراضي العربية رغم الإصلاحات.
مؤشرات التحول الديمقراطي استشعرتها تقارير منظمة العفو الدولية التي وثقت أحداث القمع في دول الخليج :
1/ السعودية
أشار التقرير إلى التجاوزات في السجون السعودية ضد الذين يحاولون طرح قضية الإصلاح الديمقراطي في "المملكة" السعودية حيث أفاد التقرير بأن عمليات القمع التي تمارسها "المملكة" ضد المطالبين بالديمقراطية مثيرة للقلق ، ويجدر الإشارة بأن تلك الحملات بدأت في شهر مارس 2011 واستهدفت المحتجين المطالبين بتحقيق الملكية الدستورية وهو طلب مشروع وحق قانوني.
2/ الكويت
لم يشر التقرير بشئ ، لكنها كانت المرشحة الأولى حتى قبل مقدم الربيع العربي الى تونس للتحول الى الملكية الدستورية ومؤخرا طالب جمعان الحريش بإنهاء حظر الأحزاب السياسية حتى تصبح الكويت ديموقراطية.
3/ البحرين كانت لها انتفاضة لا علاقة لها بإيران (كما كانت تدعي السلطات البحرينة) وأوردت تفاصيل كاملة عن التجاوزات ، وثق فيها 46 شهادة و 559 حالة تعذيب وأكثر من 4000 حالة طرد من العمل في كل من القطاعين الخاص والعام كما أنتقد تقرير "العفو" ممارسات أجهزة الأمن.
4/ عمان
برزت فيها سلسلة حركات احتجاجية وانطلقت مظاهرات يوم 25 فبراير 2011 من مدينة صحار الصناعية في الشمال على بعد 230 كيلومتر من مسقط إلى صلالة في الجنوب حتى وصلت العاصمة وأدت إلى مقتل خمسة محتجين وعشرات من الجرحى المطالبين برفع الأجور وتحسين الأوضاع المعيشية لكنها سرعان ما تطورت إلى المطالبة بإصلاحات "ديمقراطية" حتى قام السلطان قابوس رحمه الله حينها بتعديل الحكومة ورفع الأجور وتوفير 50 ألف فرص عمل ، ثم توجه سياسيا بتوسيع نسبي في صلاحيات مجلس الشورى الذي لم تكن له سوى صفة استشارية لتمكين أعضائه ال 84 من الإشتراك في اقتراح القوانين وأيضا بإدخال تغييرات على قواعد عمل الحكومة ، كما قام حينها السلطان بانتخاب ثلاثة من قادة الاحتجاج إلى مجلس الشورى
5/الإمارات
تعد البلد الوحيد بجانب قطر اللذان لم يشهدا موجات احتجاجية ، والحادث الوحيد الذي أثار اهتماما دوليا في الإمارات هو إعتقال خمسة من نشطاء الديمقراطية الذين أطلقوا سراحهم في 4 ديسمبر 2011 ، لكنها قامت بضربات استباقية حين شددت القبضة الامنية بالحد من حرية التعبير وقيدت الحريات الصحفية لمنع تمدد رياح الربيع العربي من مجرد العبور ولو مرورا كريما. ولكن رياح الاحتجاجات لم تصل إليهما ليس لصلابة الأنظمة القطرية والإماراتية ، بل لأن أسهم التغيير الخارجية لم تصوّب عليهما وذلك لأسباب الاستهداف المؤثر يبدأ بالثقل.
ربما توحي المؤشرات بأن النظم الخليجية عصية على التغيير ، وأنها قادرة بفضل ثرواتها النفطية على شراء أمنها الداخلي ، لكن السؤال إلى متى؟ والسؤال الأهم ماذا عن أمنها الخارجي؟ جماعات الضغط لن تهدأ ، بالإضافة إلى أن التركيز الأمريكي حاليا متوجه نحو القضاء على الإرهاب بدلا من نشر الديمقراطية ، حتى توقفت الإصلاحات الخليجية التجميلية وعاد القمع يتجدد في دول الخليج ، لكن هذا التباطؤ الأمريكي كان مقصودا من أجل جعل دول الخليج تعود مجددا للقمع ، حتى يتسنى كبت الشعوب وإذلالها حتى تستطيع أمريكا إقناع تلك الشعوب بأن حكامهم طغاة ، هذه إحدى أسرار اللغز البشري ، «لا يتعلم إلا بالتجربة» ، فلو حدثت شخصا عن سوء حاكمه لن يصدقك ، إلا بعد ممارسة القمع عليه ، فأمريكا وحلفائها يعملون على ذلك ، إتاحة الفرصة للزعماء لقهر شعوبهم حتى يأتي دورها "المنقذ" .. ولعل أمريكا محقة في هذا المنطق "فقط"
أشكال القمع
الطريف في الأمر هو إتخاذ القمع أشكالا قانونية -كما حدث معنا في السودان عبر آلية النظام العام ، لكن النتيجة كانت نفس النتيجة وهي تغيير النظام في أبريل 2019- أعيد النظر في قوانين الصحافة عبر فرض غرامات ضخمة و صيغت قوانين على وزن "خرق القيم العائلية" و"شتم أولي الأمر" أي الحكام مثلما حدث في السعودية في أبريل 2011 حين عدل مرسوم من الملك قانون الصحافة والمطبوعات لعام 2000 بهدف حظر نشر أي شيء يتناقض مع الشريعة الإسلامية او "تخدم المصالح الأجنبية" او "يعرض الأمن القومي للخطر".
الإصلاحات التي حدثت عام 2001 في الخليج تُشير بكل وضوح إلى أن خطر إزالة العروش السلالية هي مسألة وقت ، ولن تُغيير هذه الإصلاحات حقيقية الأشياء ، لكنها تدل على أن أنظمة الخليج ستبذل كل جهد لمنع امتداد موجات الربيع العربي من الوصول إلى مرحلة الربيع الخليجي ، لكن كيف ستمنع حدوث ذلك؟
أولا بمنعها حدوث أي تحول ديمقراطي في الدول التي أصابتها الثورات ، حتى لا تنتشر العدوى إليها ، وهذا ما يفسر دعم السعودية والإمارات الأنظمة العسكرية في مصر (دعمها للسيسي) وليبيا (دعمها لي خليفة حفتر) والسودان دعمها للبرهان وحميدتي.
بالإضافة إلى ذلك ، فإن دول الخليج تقوم ب إشعال نيران الحروب الطائفية ودعمها للإرهاب! نعم دعمها للإرهاب حتى تظن الشعوب بأن مرادف الديمقراطية هو الإرهاب حتى تتخلى شعوبهم عن فكرة التحول الديمقراطي في دول الخليج ،وهذا ما يفسر تدخل السعودية والإمارات في الشأن الإقليمي للدول والتأثير عليها بمنع تحول الأنظمة الساقطة من أنظمة حكم عسكرية إلى أنظمة ديمقراطية منتخبة ، فكل كبوات السودان بعد الثورة كانت نتيجة عمل خليجي بغرض إضعاف وإنهاك حكومة الشعب المدنية.
مؤشرات الديمقراطية
حينما تأتي ساعة التحول الديمقراطي تشهد البلاد حركات إرهابية لتشويه صورة الديمقراطية ، فالتفجيرات التي طالت الأقباط في مصر لم تكن حوادث عرضية ، بل كانت أجندة سياسية منظمة تسعى لتشويه صور التغيير ، ونفس تلك التفجيرات طالت العراق وسوريا ، وستطال السودان حينما تأتي ساعة استعباد العسكر كليا من السلطة السياسية .. (الحاضر يُخبر الغايب والصاحي يبلغ النايم).
الذكرى تنفع المؤمنين .. الهدف من الثورة ؟ الانتقال إلى الديمقراطية. وليس كما يروج لها بعض الصحفيين والسياسيين وهو الاستسلام إلى حكم العسكر بوجوه جديدة.
فشلت ثورتي مصر في التحول إلى الديمقراطية ! لماذا؟ هل هذا يُنبئ بأن الموجة الثالثة من الربيع العربي ستضرب مصر مجددا؟ نعم هناك جولة قادمة ستضرب مصر والسودان مرة أخرى.
التحول الديمقراطي في المنطقة أمر لا مفر منه ، ليس من أجل رغبات الشعوب المستضعفة بل تسهيلا لإقامة نظام إقليمي/اقتصادي-أمني "جديد" في الشرق الأوسط وهذا ما أطلق عليه الأمريكيون منذ 2001 "مشروع الشرق الأوسط الكبير" وأطلق الاوربيون إسم "المبادرة المتوسطية" وما يعرف تحديدا ب "مبادرة شراكة الشرق الأوسط" وهذا ما وجد في كتاب شيمون بيريز الذي نشر عام 1993 ، ما يعرف بخطة الشرق الأوسط الجديد ، ففي الفصل الرابع من الكتاب ، يتحدث بيريز عن نظام إقليمي لإعادة تنظيم مؤسسات (دول) الشرق الأوسط بصورة أساسية لتغيير وجه المنطقة (التحول للديمقراطيات بدلا من الأنظمة العسكرية والملكية) ومناخها الأيديولوجي (انفتاح الدول على إسرائيل ، وهذا ما يحدث الآن) عن طريق إنشاء منظمة "فوق" إقليمية منظمة "تعاون" .. ربما سيكون إسمها "منظمة تعاون سلام الشرق الأوسط للنماء والأزهار".
رؤية شيمون بيريز للشرق الأوسط ألزمت جميع التوجهات السياسية في المنطقة بالتوجه نحو الديمقراطية حتى يتسنى له بناء تلك المنظومة عن طريق التمهيد لها من خلال أربعه عوامل جوهرية:
1/الاستقرار السياسي وتدمير الأصولية
2/الرخاء الإقتصادي .. وأرسل بيريز رسالة هامة جدا حيث قال "ما من إقتصاد مكافح اليوم يستطيع أن ينمو من دون أن يتلقى معونة خارجية أو يصبح جزءا من نظام إقليمي أوسع" هذه الجملة تفيد بكل شيء تريد فهمه عزيزي المواطن عن سبب سوء وتردي أوضاع الدول العربية ، بأننا لن نعيش في سلام اقتصادي أن لم نتعايش مع وجود إسرائيل في المنطقة ، وهذا ما أقره بيريز في العامل الثالث:
3/ الأمن القومي عبر إقامة نظام إقليمي للرقابة والرصد متبادل النفع (التطبيع الأمني)
4/وأخيرا ، إشاعة الديمقراطية ووصفها بيريز بحاجة جماعية وقال "يحتاج الشرق الأوسط إلى الديمقراطية حاجة الكائن البشري إلى الأوكسجين" وهي هيئة رقابة تحرس السلام وتدمير الأصولية ، وربط بين إشاعة الديمقراطية إقليميا بتطوير المواصلات.
أعداء الديمقراطية اصداق للإرهاب
ما يمد ويدعم الإرهاب في المنطقة هو ذلك الشخص الذي لا يرغب في الديموقراطية ، لذلك يقوم بمد الجماعات المتطرفة لإظهار الديموقراطية على أنها وبال وشر حتى يقنع الشعوب بالأنظمة العسكرية القائمة ، فإذا لم يوجد إرهاب في السودان حتى الان ذلك لأن سطوة العسكر مازالت في مكانها لكن لو تغير الواقع سنشهد تحولا .
السعودية أولا كما كانت العراق أولا .. لماذا؟
رغم أن التحولات في دول الخليج الصغيرة (مساحة وسكان) هامة ، لكنها لن تكون حاسمة بالدرجة الفاعلة للتغيير لمصلحة الانتقال إلى الديمقراطية وهذا ما قد تم إثباته في التجربة البحرينية ، و من أجل توافر ظروف قوية للانفتاح الديمقراطي في الدول الصغيرة يجب أن يكون حجم الاجتياح كبير (كما حدث في العراق مسبقا) بحيث لا يستطيع أن يحده شيء ، وتمثل ضرورة اجتياح كبير في السعودية (ليس لثقلها السكاني 29 مليون نسمة بالمقارنة مليون نسمة في كل من الكويت والإمارات) ولا لثقلها العربي والإسلامي فقط ، بل لأن السعودية هي دولة الضغط الأولى خارجيا اي لثقلها في السياسة العالمية بجانب قدرتها على منع أي انفتاح ديمقراطي إقليمي في أي من دول الخليج الأخرى ولو لزم الأمر القوة (كما حدث في تجربة التدخل السريع العسكرية الناجحة حتى الآن والتي تمثلت في قوات درع الجزيرة في البحرين) وتمثل ذلك في دعوة السعودية الغريبة كل من المغرب والأردن للإنضمام لمنظمة التعاون الخليجي ، بالإضافة لقوة حشدها كما حدث في دعوة الإمارات ومصر والسودان في محاربة اليمن.
ما يحدث الآن في الحرب على النظام الإيراني ستكون حربا موازية على النظام السعودي ،لأن سقوط إيران مرتبط بسقوط السعودية وبنفس الصورة ، لكن السعودية تجهل ذلك بل تثابر في إسقاط إيران كما حدث سابقا بدعوتها لإسقاط العراق.
السودان
إن انتشال السودان من رقعة أزماته الاقتصادية ونموه وتطوره لن تتم إلا بعد تكوين حكومة ديمقراطية منتخبة "حقيقية" دون وجود شراكة للعسكر فيها. فكل من يروّجون بإعادة تجميل صورة العسكر وإعادة انتخابهم في السلطة فهم يروجون لهلاك السودان بازدياد معاناته وعزلته الإقليمية والدولية ، خلاص السودان يكمن في استبعاد العسكر تماما من السلطة السياسية في السودان ، بينما رفع إسم السودان من قائمة الإرهاب مرتبط بشيء واحد فقط ، استبعاد العسكر وتكوين حكومة ديمقراطية تمثيلية جامعة تتبنى كل أشكال التعددية الثقافية بجانب توحيد الجيوش غير النظامية ، فهي خطوة تسبق خطوة ، فإن أتم السودانيون فرض تشكيل دولتهم (وليس حكومتهم فقط) المدنية الديمقراطية "المنتخبة" سيقوم المجتمع الدولي بإتمام الفرضين الآخرين وهما الضغط على الحركات المسلحة وسحب الدعم المقدم لهم من أجل دمجهم ضمن الجيش النظامي ، بجانب تسهيل الوصول الى الفرض الأخير وهو دعم الإقتصاد السوداني.
سؤال قانوني إجابته سياسية: لماذا لم تمنع أمريكا الإمارات والسعودية من التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية التي أصابتها رياح التغيير والثورات؟
الجواب هو لإسقاط تلك العروش عن طريق إنهاك ميزانيتها وتركها لتسقط سقوط حر ، لأن الإمارات والسعودية تدفعان أموالا طائلة من الدولارات لتقويض حركة التغيير الديمقراطية في تلك الدول ، والسبب الآخر لتشويه صورة تلك الأنظمة وجعلها أنظمة استبدادية في أعين الجميع.
ملاحظة أخيرة وهامة: كل الداعين والداعمين لتمكين العسكر من جديد من صحفيين وأحزاب وسياسيين وغيرهم هم داعمين لسوء وبؤس المصير السوداني ..
رؤيتي لاتتوافق مع رؤى شيمون بيريز او مبادرات أمريكا وأوروبا ، لإقامة نظام إقليمي ، بل رؤيتي للديمقراطية هي رؤيا حق شعبي يريد أن ينعم بالسلام حتى تكف عجلة الحروب عن الدوران وتقطع أزرع التدخل الخليجي في بلدي والبلدان الأخرى ، ويعاد المهجرين والنازحين ويملك الملك رجل حقيقي ، إنسان شريف ، لا حزبي ولا عميل ولا عسكري ولا قاضي للظلم والجور ولا سلطة لرؤوس الأموال الذين يمتصون دماء شعوبهم ، مازالت الدولة المدنية بعيدة كل البعد واقعنا ، فعندما يكون أقل من 3% من رؤوس الأموال المفسدين يسيطرون على 95% من أموال شعبهم متحامين بالسلطة السياسية (عسكرية أم مدنية) في وجود حكومة مدنية (هنا وقعت الكارثة) فلا بد أن نشهد واقعا كالذي يحدث الآن في السودان ، فلا رقابة على أسعار المنتجات الغذائية ولا على أي شيء آخر فأعود وأكرر مجبرا بأن سلطات حكومتنا المدنية حبر على ورق.
يوسف نبيل فوزي
20 يناير 2020
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.