إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    البرهان يفاجئ الجميع بشأن استقالة    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    ماساة قحت جنا النديهة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مصر.. قفزة في الظلام
نشر في سودان سفاري يوم 11 - 06 - 2014

ما كان ينقص المشير ‘عبد الفتاح السيسي' وهو يخاطب شعب المحروسة في حفل تنصيبه ديكتاتورا عسكريا جديدا لمصر، هو "عقال" و "غترة" حمراء، إيذانا بميلاد حلف جديد لشرق أوسط كبير، تتزعمه السعودية في الظاهر، ويحكمه اليهود من الباطن.. حلف صهيو- وهابي – عربي لمواجهة إيران ومحور المقاومة في المنطقة.
إرهاب و إرهاب
لكن قبل الحديث عن اليهود وحلف الصهاينة العرب، علينا التساؤل: – ما الفرق بين من ينبشون القبور لإغتيال الصحابة والأولياء وبين من يستحضرون جثت الزعماء لإغتيال الرموز؟..
لا فرق إلا من حيث التوصيف بين إرهاب الجماعات لصوص التاريخ والأرواح، وإرهاب العسكر لصوص السلطة والثروة، لأن الإرهاب الأول يهدف إلى زرع الفتنة بين المسلمين ليذبحوا بعضهم بعضا حتى تتحول أيامهم كلها إلى كربلاء، فترتاح "إسرائيل".
أما الإرهاب الثاني، فيهدف إلى سرقة ثورة الشعب بالكذب والتزوير والتضليل، وعسكرة الدولة، وكبت الحريات، ومنع الإحتجاجات بنص الدستور في سابقة لم يعرف تاريخ الديمقراطيات في العالم نظيرا لها منذ عصر أفلاطون، وتخويف الشعب حتى يصبح الأمن أهم من الخبز، وتجويعه حتى يصبح حقه في الحصول على الرغيف والشاي وطبق الفول أجمل حلم.
وقد كان العاهل السعودي واضحا في رسالة تهنئته للديكتاتور ‘السيسي' بالقول أن الثورة التي أطاحت بالرئيس ‘حسني مبارك' هي "فوضى الضياع" و "المصير الغامض"، وأنه "حان وقت قطاف رؤوسها دون هوادة.. لأن الفتنة أشد من القتل" وفق قوله، في إشارة إلى الإخوان المسلمين ونشطاء الثورة من الشباب المتعطش للحرية والعدالة والكرامة والمتحمس للتغيير الديمقراطي الحقيقي في مصر، والذين يوجدون اليوم رهم الإعتقال، ومنهم من تمت محاكمته بشكل صوري وصدر في حق أزيد من 700 منهم أحكاما بالإعدام في سابقة لم يعرف العالم العربي نظيرا لها حتى في عصر الإنقلابات العسكرية الدموية التي عرفها القرن الماضي.
ومعلوم أن السعودية لا تحب الديمقراطية ولا البرلمان ولا الإنتخابات، وقد جاء في عقيدة ملوك آل سعود أن التمثيل حرام، وأنه لا يمكن إقامة أحزاب لأنها تتعيش من الخلاف وتتغذى على الصراعات المؤدية للفتنة.. وحيث إن.. إذن لا يكون.. وما هو كائن هو بالضبط ما يجب أن يكون.. فاشرب أيها المصري الشاي الأسود باطمئنان واقرأ الفاتحة للعسكر، واعلم أن حكم الشعب الذي ثرت من أجله حكم مرفوض، لأن "الشعب" نفسها كلمة سامة مستوردة من ثقافة اليهود.
وكما تبين اليوم بوضوح، فإن الهدف من الإنقلاب العسكري في مصر، والمعد إسرائيليا والمدعوم خليجيا، هو إغتيال الحلم بسرقة القرار السيادي من الشعب المصري ورهنه لإسرائيل في السر ولأعراب الزيت في العلن، لأنهم هم من يدفعون المساعدات بالقطارة حتى لا يشبع ولا يجوع شعب مصر العظيم فلا يثور مرة أخرى، وفق ما يتوهمون، لأن رابوع الربيع وإيران والإخوان والديمقراطية، خطوط حمر وأخطار وجودية في عقيدة آل سعود.
إنهم يغتالون الرموز و يبررون العمالة
وإذا كان اليهود قد غضب عليهم الرب في السماء بسبب تاريخهم الأسود في قتل الرسل والأنبياء، فإن تاريخ الأعراب أيضا حافل بذبح الأئمة في المحراب وتسميم الزعماء في الفراش، ثم التباكي على عدل عمر وسيف صلاح الدين. تاريخ العرب كله غدر وخيانة ومحن ودم وحزن ودموع، وفي كل عصر يولد لنا اليزيد ليخيرنا بين دين الملك أو كربلاء، بين ‘تل أبيب' أو العودة للعيش في العصر الحجري ما قبل التدوين كما حصل للعراق ولبنان وليبيا ويحصل اليوم لسورية.
ومن يبررون العمالة، ويزينون الخيانة، ويسوقون الذل والوضاعة في قالب "التقية" من كتاب الخراب، ليقبل الناس بإرتماء المحروسة في حضن المتعوسة بدعوى أن مصر المنهارة إقتصاديا، والمهددة بانفجار 90 مليون من الأفواه الجائعة في وجه الدولة، و20 مليون من الشباب العاطل في وجه العسكر، ما يجعل مصر على حافة الإفلاس والفوضى، الأمر الذي اضطرها من باب "التقية" وفق ما يزعمون، للقبول بمساعدات قذرة ملوثة بالدم والإهانة، وأن هذا لا يغير من عروبة مصر ودورها القومي شيئا.. لمثل هؤلاء البلهاء العاطلين في سوق الحرف نقول: أن ما تقولونه كلام جميل، لكنه دجل وكذب لا ينطلي حتى على الأغبياء والمتخلفين عقليا من الناس، لأنه يصدر عن عقل أبله موتور، لا يعرف ما يفعل ولا ما يقول، ولا يجيد قراءة الواقع، ولا يتقن فن تسويق البراءة، في عصر بارت فيه تجارة الشعارات الرنانة، ولم يعد المواطن رقما ضمن القطيع، يأكل في المساء تبنا ويفرش لأحلامه قشا وهو يعلك الهواء ويخال نفسه يأكل لحما.
مصر لم تكن مضطرة للإرتماء في الحضن السعودي والصهيوني من باب "التقية" كما يزعمون، بدليل أن السيسي ما كان له أن يقوم بإنقلابه لولا دعم إسرائيل وتمويل السعودية والإمارات.. وإلا، لماذا رفضت مصر مساعدات ب 10 مليار دولار من إيران و وعود من روسيا والصين باستثمارات ضخمة في قطاع الإنتاج والصناعة العسكرية والمدنية مقابل تحالف وتشبيك مع محور إيران في الإقليم؟..
فعن أي عروبة تتحدثون أيها الأقزام، وأنتم من سقيتم سم غدرها للزعيم الراحل جمال عبد الناصر رحمه الله.. وقبل إغتياله، حرقتم كبده في نار عمان (الأردن)، وغدرتم به في حرب أكتوبر 67، وتآمرتم عليه مع أمريكا والسعودية وإسرائيل.. وعلى فراش الموت في بيت شعبي متواضع يسكنه بالإيجار، ترك على منضدته الصغيرة مبلغ زهيدا (37 جنيه) لا يكفي لسد دين بقال الحي، ومعه ورقة بيضاء كتب فيها شاعر دمشق الكبير ‘نزار قباني': "قتلناك يا آخر الأنبياء.. أريناك غدر العروبة حتى كفرت.. لماذا ظهرت بأرض النفاق؟.. فنحن شعوب من الجاهلية، ونحن التقلب.. نحن التذبذب.. والباطنية.. نبايع أربابنا في الصباح ونأكلهم حين تأتي العشية".. هذه كلمات من نار تغني عن كل تعليق.
إنهم يسرقون العروبة من دمشق
التقارير الإسرائيلية والأمريكية تتحدث عن أن قرب إنتصار "الأسد" في سورية، سيتوجه زعيما عربيا بامتياز، ويعيد للقومية العربية زخمها في الشارع العربي، وفهم هذا التوجه من الإجتماعات التي كان يعقدها السفير السوري في الأردن، وقيل أنه كان يحضر مذ فترة طويلة لنواة من السياسيين والمثقفين والإعلاميين العرب، ليعيدوا ل"العروبة" وهجها الجميل، فتتوحد الشعوب خلف المحور الذي يحارب إسرائيل. هذا معطى صحيح وخطير جدا على إسرائيل والسعودية والأردن.. فتم الإتفاق على إستدعاء الزعيم الراحل ‘جمال عبد الناصر من قبره' لتسويق ‘السيسي' باعتباره إمتدادا لفكره ونهجه. وقصة طرد السفير السوري من الأردن أصبحت اليوم وصمة عار في جبين الملك.
نجح المخطط بالفعل، لكنهم بدل إحياء الزعيم إغتالوا الرمز حين استدعوه في بيئة ملطخة بعار ‘كامب ديفيد' وبمال الزيت الحرام الذي حارب الزعيم واغتاله بالسم لينهي أسطورته الجميلة من حياة العرب.
ودليل ما نقول، أن الوقاحة والخسة والدنائة وصلت بديكتاتور مصر الجديد حدا لم يكن ليخطر على بال أحد، حيث قال بوقاحة منقطعة النظير في خطاب التتويج: "مصر ستظل قلب العروبة النابض". ومعلوم أن الزعيم الكبير جمال عبد الناصر كان قد توج دمشق رسميا لتكون وتضل وتبقى "قلب العروبة النابض" إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكأن جمال عبد الناصر رحمه الله بتسليم العهدة لأسد دمشق، كان يتوجس من خيانة من سيأتون من بعده من عسكر مصر.. وهذا ما كان بالفعل ولا يزال..
وإذا كانت هذه ليست سرقة لثابتة أصبحت من ثرات الأمة المشترك، وأكد ‘أسد دمشق' اليوم قولا وفعلا، أن سورية عربية وستبقى عربية ضد "إسرائيل" حتى آخر نفس.. فكيف يمكن أن نصف هذه الجريمة البشعة التي ارتكبها ‘السيسي' في حق سورية والأمة العربية جمعاء، وأساء بذلك لتاريخ الزعيم ‘ناصر' وروحه الخالدة؟..
ماذا فعل السيسي للعروبة ليستحق الحديث بإسمها؟.. ومن يكون هذا الرجل حتى يختزل الجغرافيا العربية في مصر والخليج دون غيرها؟ وكيف يجرؤ على تهديد إيران التي لم تبادره إلا بالمحبة والسلام والإحترام؟.. ولماذا يرفض إعادة العلاقات مع سورية إن لم يكن إذعانا للرياض وتل أبيب؟.. فعن أي مصر قوية وحرة ومستقلة يتحدث ‘السيسي'؟.. هل كان ذلك لعبة لا تكتمل خيوط المؤامرة إلا بها، فتنزع الزعامة العربية الحقيقية من أسد الشام الذي حافظ على العهد وكان في مستوى حمل الأمانة، لتتحول إلى زعامة وهمية مسمومة يتبجح بها ‘السيسي' وهو لا يعلم ماذا يعد له القدر غدا؟.. هذا ما تؤكده على الأقل الأهداف التي وضعت لخطة الإنقلاب وفق التقارير المشار إليها.
يحدث هذا اليوم في مصر
نعم أيها السادة، يحدث هذا اليوم في مصر، حيث "العروبة" لم تعد على طرفي نقيض مع "الصهيونية" بعد أن دخل اليهود إلى فراش ليلى العامرية واغتصبوا الشرف العربي وداسوا الكرامة، وأصبح العار اليوم مفهوما مجازيا لا يعبر عن الواقع الجديد القائم بين العرب وإسرائيل.. لأنه منذ السادات وإلى السيسي مرورا بمبارك، أصبحت الصهيونية عربية أيضا بعد أن أفتى فقهاء الوهابية بحرمة نصرة حزب الله في حربه ضد "إسرائيل"، وأنه "لا يجوز مقاتلة اليهود في دين آل سعود"، لذلك أصبحت عبارات من قبيل "الصهاينة العرب" أو "الصهيونية العربية" من المفاهيم المستحدثة في قاموس الإهانة العربي.. فكيف لا نكفر بالعروبة لنميز أنفسها عن ثقافة هؤلاء الحثالة؟..
نعم أيها السادة، يحدث هذا اليوم لشعب له حضارة تمتد جذورها عميقا في التاريخ (7 ألف سنة مما تعدون)، وهو من بدأ عصر التجارة بعد أن أتقن فنون الزراعة، حين اخترع السفينة النهرية، وعنها صنع العرب نسختهم من السفينة البحرية الأولى في العالم، التي جابت عباب المحيطات وصولا إلى آسيا وإفريقيا وما وراء بحر الظلمات قبل ‘كريستوفر كلومبوس' النصاب الذي ادعى إكتشاف العالم الجديد زورا وبهتانا.
المساعدات السعودية والإماراتية لمصر تسمى في الإقتصاد "دعما"، أما في السياسة فتسمى "تقييدا" و"تكبيلا" لإرادة مصر وإخضاعا لها لتكون أداة في خدمة المانح. والمانح الذي يسميه السيسي ب"ملك العرب" وتسميه مشيخات الخليج ب"الأخ الأكبر"، أصبح اليوم أشهر من إسم على علم، كلما ذكر إسمه إلا وقفزت للمخيلة العربية النقية كل معاني العمالة والخيانة والإجرام والخسة والنذالة، والجميع اليوم، بمن فيهم محامو الشيطان الذين تطفلوا على حقل الكتابة والإعلام ليسوقوا لبضاعة أسيادهم الفاسدة، يعلمون علم اليقين أن ما يحضر في الكواليس ويعد في الدهاليز، هو نسخة جديدة من مشروع "الشرق الأوسط الجديد" يقوده محور السعودية، الإمارات، مصر، الأردن، و"إسرائيل"..
هذا الكلام قلناه على هذا الموقع قبل أسابيع حين تحدثنا عن فساد المؤسسة العسكرية في مصر، وإرتباطاتها المشبوهة مع السعودية وإسرائيل من خلال الملياردير الصهيوني ‘نجيب ساوريس' الذي مول حركة "تمرد" وسلمها خارطة الطريق الإسرائيلية – السعودية للتنفيذ.. فكانت مسرحية 30 يونيو أو ما يمكن تسميتها ب"الخديعة" على وزن النكبة والنكسة والهزيمة التي حولها إعلام العسكر في مصر إلى نصر سنة 73.
وأن هدف هذا المشروع الكبير هو: أولا، أن يقوم على أنقاض إيران وحلفائها في المنطقة، لأن السعودية لا تقبل بتقاسم النفوذ مع أحد، وتعتقد أن ‘يهوه' مكن لها في الأرض لتكون زعيمة العرب والمسلمين معا، فتحمي شعب الله المختار من الوعد الآتي الذي بشر به القرآن.
ثانيا، مواجهة الإسلام السياسي الذي تدعمه أمريكا وتشكل تركيا وقطر بيئته الحاضنة، والذي يراد له أن يظل "العصا الغليظة" و "الأداة الفاعلة" لزرع الفوضى الخلاقة في العالم العربي، بما في ذلك السعودية. وهذا مصدر قلق كبير اليوم لدى أمراء المهلكة، ومن يعتقد أن الإخوان سقطوا، عليه أن يراجع التقارير والمخططات الأمريكية والأطلسية في هذا الصدد.
والهدفين المذكورين أعلاه، دفعا ب'السيسي' لأن يعيد تحديد خارطة "العروبة" في المنطقة وفق مجازه وما يتناسب مع حجم أوهامه، لتشمل حصريا مصر ومشيخات الخليج في هذه المرحلة، وليبيا والسودان في المرحلة المقبلة، ليبيا لتنصيب نظام عسكري ديكتاتوري تابع للسعودية ومصر، مقابل إستفادة مصر من الطاقة وفرص عمل لشريحة مهمة من شبابها العاطل.
أما السودان، فلإقتلاع نفوذ إيران من هناك، وقطع طريق السلاح إلى غزة عبر سيناء التي تريد إسرائيل تطهيرها من المهربين من مدخل الحرب على الإرهاب، وهذا ما يجري بالتوازي مع حملة مسعورة لتخوين حماس وإتهامها بالتآمر، دون أن نشاهد محاكمة واحدة تثبت ما تدعيه حكومة العسكر. ونحن لا نغسل هنا ذنوب حماس، على الأقل فيما هو ثابت لدينا من تصرفات القيادة وبعض العناصر في سورية. لكن حزب الله يصر على عدم تخوينها وإيران تعتبرها، برغم كل ما حصل، حركة مقاومة وإمتداد لمحور الممانعة والمقاومة في المنطقة، وبذلك قضي الأمر الذي فيه تستفتيان.
لهذا قال ‘السيسي': إن "أمن الخليج من أمن مصر"، في رسالة مباشرة موجهة لإيران للمرة الثانية، تأكيدا لنفس العقيدة العسكرية الجديدة التي عبرت عنها مصر رسميا خلال مشاركتها في مناورات السعودية الأخيرة، حيث أكد جنرال مصري حينها أن المقصودة بالرسالة هي إيران بلحمها وشحمها لا "إسرائيل" الصديقة والحليفة.
لكن إيران ردت اليوم على لسان مساعد وزير الخارجية للشؤون الإفريقية ‘أمير عبد اللهيان' بالقول: "إن أمن مصر من أمن إيران"، ما يعني أن إيران ليست العدو، وأن هناك خطأ في العنوان، لأن إيران تعتبر العدو الذي يهدد مصر والأمة العربيبة والإسلامية هو "الكيان الصهيوني" المجرم، وبهذا المعنى، يصبح أمن مصر من أمن إيران. هذا تذكير بطبيعة الصراع وتنبيه لإعادة تحديد بوصلة التوجه حتى لا تخطأ المحروسة موعدها مع التاريخ في ظل التحولات الكبرى التي تعرفها المنطقة، والدور المحوري الذي تضطلع به اليوم إيران في المنطقة. فلماذا يراد إبعاد مصر عن موقعها الحقيقي وتغييب شعبها المجاهد العظيم عن أهم محطة تنتظر الأمة؟
وبهذا المعنى، فنحن اليوم أمام نظام مصري صوري، لا يعبر عن روح الثورة وطموحات الشعب في العزة والكرامة والقرار السيادي المستقل المنحاز لثوابت الأمة وحقوقها المشروعة.. نظام قبل بعار ‘كامب ديفيد' المهين، ويصر على تلبيسه للشعب المصري الرافض له، متجاهلا عن عمد وإصرار، أن قمة الذل أن يعود الشعب المصري ليعيش بلا كرامة تحت أحذية العسكر بعد أزيد من 6 عقود من التجربة التي لم تنتج إلا فقرا ومرضا وتخلفا وفسادا وإستبدادا..
ثم يدخل على الخط محامو الشيطان وكتاب الخراب لينتقدوك ويناقشوك على شاكلة "حاوريني يا طيطة"، فيبرروا لك الخيانة ويقنعوك أن ‘كامب ديفيد' لا يتناقض مع العروبية بعد أن تحول الحكام إلى صهاينة، وأن الخطر المحدق بالأمة هو القادم من وراء مياه الخليج.. فمن يصدق؟
خصوصا وأن إسرائيل تتحضر اليوم من بوابة الإعتراف بالمبادرة "العربية" للسلام ولو شكليا، ليبدأ ماراطونا جديدا من المفاوضات، لكن حينها سيتم الإعتراف الرسمي بإسرائيل والقبول بها كمكون أصيل من مكونات المنطقة، وضمها للجامعة العربية، والتطبيع معها في كل المجالات، ليصلوا إلى الهدف من كل هذه المسرحية، وهو إقامة حلف سياسي، أمني، عسكري وإقتصادي رسمي وعلني، ليكون طبيعيا ومقبولا من وجهة نظر شرعة الأمم ومن مدخل الدفاع عن النفس من الخطر الذي تمثله إيران على الإسلام السني والعروبية معا.
السيسي بعقله الأمني، وباعتباره كان مديرا للبصاصين في عهد مبارك، وبعقيدته العسكرية الأمريكية، وإنفتاحه السري على إسرائيل، والسياسي على محور المؤامرة الرجعي، لا يستطيع أن يكون ديمقراطيا في بلد لا وجود فيه لرأس مال ولا عمال ولا إنتاج ولا ثقافة ديموقراطية ناتجة عن عقود من الممارسة النزيهة والشفافة، وبالتالي لا وجود للأحزاب التي يفترض أن تكون وليدة بيئتها السياسية والإقتصادية والإجتماعية بالممارسة، لا بالتأسيس والولاء لنيل المباركة.
لذلك، ما يحدث في مصر اليوم هو إنقلاب على الشعب وثورته وتجربته الديمقراطية الفتية، وعودة الدولة العميقة لتتجذر هذه المرة في شكل ديكتاتورية أمنية وعسكرية لا ترحم، لكنها تستعمل القضاء كسيف ‘ديموقليدس' لتصفية معارضيها ومنافسيها حالا ومستقبلا.. وبالتالي، فلا حرية ولا ديمقراطية ولا عدالة ولا كرامة ولا من يحزنون، وكل ثورة وأنتم بخير أيها الحالمون.
في معنى الشرق الأوسط الجديد
في الوقت الذي كان محور المقاومة يتحدث فيه عن سقوط مشروع الشرق الأوسط الجديد، خرج رئيس الكيان الصهيوني ‘شيمون بيريز' ليعلن بمناسبة ما تعتبره "إسرائيل" عيد إستقلالها: "إننا نعيش اليوم في قلب الشرق الأوسط الجديد، بسبب الربيع العربي الذي أحدث تغييرات كبيرة في المنطقة".
هذا الثعلب الصهيوني الماكر لا يحلم، ولا يتحدث عن مخطط أمني أو عسكري لفرض المشروع بمنطق القوة والقهر مستقبلا، بل يتحدث عن شرق أوسط جديد قائم بالفعل بعيدا عن إدراكنا و وعينا، يقول عنه أننا نعيش في قلبه اليوم.
والحقيقة أيها السادة الكرام، لم أجد لهذا الكلام من معنى سوى من مدخل حلف "السعودية – مصر – إسرائيل" وتوابعه من مشيخات الخليج بالإضافة للأردن. وبتفحص العلاقة بين حكام هذه الدول والمشيخات، يتبين أن العامل المشترك بينها هو العرق الدي قال عنه الرسول الأعظم (صلعم) أنه دساس.
وإذا عرفنا أن آل سعود يهود، كما أن أمير قطر وملك البحرين يهود أيضا من جهة الأم، بل حتى ‘أردوغان' تبين أنه يهودي العرق، لأنه في عقيدة اليهود لا يكون يهوديا إلا من كانت أمه يهودية، وهذا هو الحال مع هؤلاء الحكام العرب. ثم إذا أضفنا لهذا الخليط الهجين ديكتاتور مصر ‘السيسي' الذي تبين اليوم أنه ينحدر من أم يهودية مغربية، سافرت إلى فلسطين المحتلة وحصلت على الجنسية الإسرائيلية، وفق ما أكده تقرير نشرته بالأمس جريدة "فيتيرانز توداي" الأمريكية من مصادر وصفتها بالموثوقة.
ولعل أخطر فضيحة يتداولها الإعلام في الولايات المتحدة اليوم، هي التقارير التي تتحدث أن توجهه المشير ‘عبد الفتاح السيسي' نحو الرئاسة في مصر، يندرج في إطار مشروع "إسرائيل الكبرى" الذي يمثل حلم المشروع الصهيوني منذ سنوات طويلة، وانتهت الجريدة المذكورة إلى القول: "إن مصر أصبحت الآن تحت الاحتلال الإسرائيلي"، ونحن نضيف لما قالته الجريدة الأمريكية: "بتمويل سعودي وخليجي ومباركة أمريكية من الباطن".
وهذا هو معنى الشرق الأوسط الجديد الذي نعيش في قلبه اليوم كما أكد رئيس الكيان الصهيوني ‘شيمون بيريز'، لأن إحتلال مصر بعد السعودية والخليج، يجعل من المشروع حقيقة قائمة شئنا أم أبينا، ويتوج "إسرائيل" إمبراطورية عظمى قائمة على نفط العرب ومقدسات المسلمين ومستقبل أوطانهم ومصير عيالهم، فتفعل فيهم وبهم ما تريد..
- فهل نمضي الوقت في الجدال الذي لا فائدة فيه وإنتظار أن يسقط المسرح على الممثلين فتضيع الأوطان والشعوب، أم نفكر في كيفية التعامل مع هذا الواقع الرديىء الجديد والتصرف حياله؟..
المصدر: موقع بانوراما الشرق الاوسط 11/6/2014م


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.