ما بين السودان وأثيوبيا أعمق وأكبر من امتداد الأرض .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    كم فيك يا بلد من غرائب ،، حكاية واحدة أسمها نجوى .. بقلم: د. زاهد زيد    المال لا يصنع حزباً .. بقلم: أحمد حمزة    معلومة ادهشتني حد الصدمة .. بقلم: صلاح الباشا    الحكومة تتسلم رسميا حسابات منظمة الدعوة ومجموعة دانفوديو    اعتز بعضويتي في سودانايل مؤيل النور والاشراق وقد وصلت للمقال رقم (60) .. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    طائرة (قدح الدم) تثير الغبار بهبوطها ونفيه .. بقلم: د. محمد حسن فرج الله    شعبة المخابز تنفي صدور بيان باسمها يهدد بالاضراب عن العمل    محمد سعيد يوسف: تراقب في المجرة زوال .. بقلم: محمد صالح عبد الله يس    أمريكا ولعنة السود .. بقلم: إسماعيل عبد الله    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    التجمع الإتحادي: فيروس (كورونا) خطر يفوق قدرة نظامنا الصحي    مبادرات غسان التشكيلية .. بقلم: نورالدين مدني    المبدأ لا يتجزأ يا مجلسي السيادي والوزراء؛ الاتساق اولاً وأخيراً .. بقلم: ابوهريرة عبدالرحمن    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين .. أسبابها ومآلاتها .. بقلم: ناجى احمد الصديق الهادى/المحامى/ السودان    الشيخ محمد حسن ملح الأرض .. بقلم: عواطف عبداللطيف    عندما ينام الصمت في أحضان الثرثرة .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    سر المطالبة بتسريع التحقيقات ومحاكمات رموز النظام البائد والمتهمين/الجناة .. بقلم: دكتور يس محمد يس    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    قراءة متأنيَة في أحوال (شرف النّساء) الحاجة دار السّلام .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن/ولاية أريزونا/أمريكا    ترامب يحرِّك الرُخ، فهل يَنْتَصِر مرّة أخْرى؟ .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    رسالة لوزير الصحة الاتحادي .. بقلم: إسماعيل الشريف/تكساس    رمضان لصناعة السكر الأهلي فى قرى السودان .. بقلم: د. أحمد هاشم    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





التقريرات الآنية على نظرية الرسالة الثانية .. بقلم: د. عبدالواحد أيوب محمد حمدالنيل
نشر في سودانيل يوم 29 - 01 - 2020


بسم الله الرحمن الرحيم
الفكرة الجمهورية هي الفكرة التي أتى بها المفكر والمؤلف والداعية السوداني محمود محمد طه رحمه الله (1909-1985). أسس الأستاذ محمود مع آخرين الحزب الجمهوري السوداني عام 1945 كحزب سياسي يدعو لإستقلال السودان والنظام الجمهوري، وبعد اعتكاف طويل خرج منه في أكتوبر 1951 أعلن مجموعة من الأفكار الدينية والسياسية سمى مجموعها بالفكرة الجمهورية لتصبح أيديولوجية كاملة للحزب وثّق لها الكثير من المصنفات التي ألفها محمود وتلاميذه الإخوان الجمهوريون. يرى الأستاذ محمود أن ما يطرحه هو وفكرته من باب: ((مَنْ عَمِلَ بِما عَلِمَ أَوْرَثَهُ الله عِلْمُ ما لَمْ يَعْلَمْ))، وقول الله عز وجل: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ )) وقوله ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ))، ويبشر أتباعه بأن الفكرة الجمهورية ينطبق عليها حديث النبي عليه الصلاة والسلام: ((بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا ، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ!! قالوا: من الغرباء يا رسول الله؟؟ قال: الذين يحيون سنتي بعد اندثارها)) . كان أهم أطروحات الأستاذ محمود وفكرته الجمهورية -في إطار العمل الدؤوب في الحقل الدعوي الديني والإجتماعي والسياسي في السودان لعقود طويلة- رؤية الرسالة الثانية في الإسلام وهي – كما يعرضها الأستاذ محمود- فهم لأصول الدين لتطوير شريعتنا من الصور التي نزلت في القرن السابع وفيها بعض صفة الموقوتية، لتلتصق بأصول الدين، بالإنتقال من نص فرعي من القرآن يتمثل في الآيات الناسخة إلى نص أصل تمثله الآيات المنسوخة. يمكن تلخيص فكرة الرسالة الثانية في النقاط التالية حسب ما ورد من أقوال الأستاذ محمود:
1. عدم صلاحية الشريعة الإسلامية التي قامت في القرن السابع وما تلته من قرون لإنسانية القرن العشرين التي يصلح لها الإسلام في أصوله لا في فروعه، وجاء التعبير عن ذلك بكتيب أصدره الحزب الجمهوري.
2. تنزل النص الفرعي لأرض الناس من النص الأصلي المنسوخ- أي المُرجأ - بفعل الضرورة، ليكون قريباً لأرض الناس، حتى ينقلهم، على مكث، إلى الأصل الذي كان أكبر من استيعاب المجتمع في القرن السابع.
3. إنسانية القرن العشرين في مرحلتنا الحاضرة أرقي بكثير جداً من إنسانية القرن السابع التي عبدت فيها الأصنام ووئدت البنات، إلخ.
4. الشريعة الإسلامية ليست هي الإسلام، وإنما هي المدخل عليه وهي من ثمّ قابلة للتطور وبتطورها يتم الانتقال من فروع القرآن إلى أصوله، مثلاً من آية الزكاة الصغرى الفرعية (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) إلى آية الزكاة الكبرى الأصلية:) وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ).
5. أما في السياسة، فشريعة الإسلام الحاضرة رأسمالية، أُريد بها أن تكون مرحلة تسيِّر الأمة السالفة إلى منازل الاشتراكية وهي تقوم – أي الشريعة الإسلامية- على آية الشورى، وهي آية حكم الفرد الرشيد، الذي جعل وصيّاً على قوم قُصّر، وقد طلب إليه أن يُحسن تربيتهم، ورعايتهم، وترشيدهم ليكونوا أهلاً للديمقراطية بتطور شريعتهم من فروع القرآن إلى أصوله - من آية الشورى: " وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ " إلى آيتي: " فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ - لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِر "، أي من آيات الإكراه، إلى آيات الإسماح. وهو هديٌ وفهمٌ لا يعقله دعاة الإسلام عندنا الآن .
ومنذ أن تلقفت بالقراءة آراء الأستاذ محمود هذه، أدركت أهمية أن يتصدى علماء الأمة لمناقشتها والرد عليها بلغة الحوار من واقع ما استقر من علوم الشريعة وأدواتها وأنا أجد نفسي مدفوعاً لتدوين موقفي من آرائه وفكرته سعياً إلى تكوين موقف علميٍّ يستند على نصوص ومفاهيم مقتبسة من وحي الشرع وعلومه مستهدياً بأقوال العلماء في المسائل التي تضمنتها الرسالة والله الموفق.
يرى الأستاذ محمود أنه ثمة فرق بين الشريعة والسنة لقوله عليه الصلاة والسلام: ((قولي شريعة، وعملي طريقة، وحالي حقيقة))؛ فيعتبر أن عمل النبي هو السنة وهو أرفع من عمل الأمة، وخاصياته مبذولة للأمة لتشارك فيها بلطف الاستعداد المُودع فيها والتسامي وفي ذلك قول الله تعالى: ((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ))، وفي قوله عز وجل: ((قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ))، وقول النبي عليه الصلاة والسلام الذي يحكي حالته في عمله هو سنة، وما يعلم بيه أمته شريعة، واقراره علي الاطلاق شريعة، والنبوة اعداد من الله للبشر، ليتأهل، ويستحق، ويقوي علي وظيفة الرسالة. فاذا أرسل، يبلغ شريعة، هي دون نبوته، قولاً واحداً كالمعلم الذي يتم تأهيله لتدريس الصغار. كان يلزم الأستاذ محمود الإتيان بشاهد من أقوال أو أفعال أو أحوال النبي عليه الصلاة والسلام يعزز به الحديث الذي نسبه إليه بقوله: ((قولي شريعة، وعملي طريقة، وحالي حقيقة))، لأنه – كما يظهر لي- مجرد استنساخٌ غير دقيق لما استقر عند السادة الصوفية من التفريق بين الشريعة والطريقة والحقيقة؛ حيث يقررون أنها تشير إلى مراتب الدين الثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان؛ أو أن الشريعة هي أن تعبده والطريقة أن تقصده والحقيقة أن تشهده. يقرر علماء الأصول أن الشريعة هي الوعاء الشامل لكل أحكام الدين في حين أن السنة هي أقوال وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم وتقريراته، وبحسب الاستخدام القرآني يمكننا أن نفهم أن السنة أو "سنة الله" هي القانون الطبيعي النافذ الذي لا يتغير ولا يتبدل، في حين أن الشريعة هي القيم المشتركة بين الأنبياء والأمم جميعاً، وتتمثل في التوحيد والقيم الإنسانية وهي قابلة للتبدل والتطور كما تعرضه الآيات التالية:
- سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا .
وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا . - فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا،
أما الإشارة إلى الشريعة فقد وردت كالتالي:
- لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا .
أو الفطرة فرقاً بين السنة والشريعة وبنفس القدر، فإن أحسن ما يمكن فهمه من تفريق الأستاذ محمود بين السنة والشريعة عند النبي عليه الصلاة والسلام أنه يشير إلى الحكمة المقررة في مخاطبة الناس على قدر عقولها وطاقتها، لكن الأستاذ يهدم ذلك بقوله: "فاذا أرسل، يبلغ شريعة، هي دون نبوته، قولاً واحداً" لأنه يُوهم بكتمان او إخفاء النبي لشئ من رسالته وهو ما يتناقض مع المفهوم التوحيدي للأمانة عند الرسل لقوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ" . وعندما يقرر الأستاذ محمود أن: النبوة اعداد من الله للبشر، ليتأهل، ويستحق، ويقوي علي وظيفة الرسالة، فهل يقصد أن ثمة رسالة أخرى يمكن اكتسابها بعد الاستعداد والتقوّي على وظيفتها وأنه قد وجد السبيل إليها فيقدح بذلك في خاتمية رسالة النبي عليه الصلاة والسلام ويُلحق بمُدعيي النبوة أم أنه يقصد الرسالة مطلقاً فيعتبر حينئذٍ قد جزم بأن الرسالات الإلهية كسبية وليست وهبية فيخالف ما عُلم ضرورةً من أن النبوة والرسالة اصطفاءٌ من الله لا دخل للبشر فيها ولا مطمع لنيلها لا بتأهيل ولاغيره لقوله تعالى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ{ ، ولتعبير حجة الإسلام الإمام الغزالي "قدس الله سره" عن ذلك بقوله: اعلم أن الرسالة أثرة علوية، وحظوة ربانية، وعطية إلهية، لا تكتسب بجهد، ولا تنال بكسب {الله أعلم حيث يجعل رسالته {. مع أن إيقاننا بالدور التربوي والنهج الإرشادي الترقوي لحضرة سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام وخلفاؤه ووارثيه من العارفين والصالحين يجعلنا نتفق مع الأستاذ محمود في قوله: إن النبي ينقل أمته من حالٍ إلى حالٍ أرفع منه، مثل ما يتضح من حديث: ( كنت نهيتكم أن تزوروا المقابر، ألا فزوروها ) والحكمة في ذلك أنه عندما أطمأن عليه الصلاة والسلام إلى تغلغل الإيمان في قلوبهم، وأن زيارتهم المقابر توشك أن تثير فيهم الاستعداد للرحيل، والاعتبار بالآخرة، والرضا بمراد الله، بقت عبرة .. كانت في الأول فتنة .. قال ليهم: زوروا المقابر، إلأ إن زعمه هذا يكفي في تقويض ركن من نظريته في شأن النسخ- الذي سنتناوله بالتفصيل لاحقاً- لأنه يؤكد عدم ضرورة أن يكون ما يتأخر من هدي النبوة تنزل من الأصل إلى الفرع أو من عالٍ إلى دون.
يضيف الأستاذ محمود في رسالته الثانية: "تتمثل دعوة الحزب الجمهوري، في هذا الباب، في الدعوة الي تحقيق الفردية، لدي كل فرد، وذلك بفتح الطريق أمام الناس ليرتقوا بتقليد المعصوم في عبادته، وفيما يتيسر من أسلوب عادته، حتي يفضي بهم إتقان التقليد الي سقوط التقليد – إلى الأصالة – فهم يقلدون النبي في أعماله ليقلدوه في حاله .. بيد أن حاله الأصالة، وليس في الأصالة تقليد ، وإنما فيها تأسٍ .. فهو عمدة تقليدنا بعمله، وهو عمدة أصالتنا بحاله .. وهذا هو المعني بأحياء سنته التي وردت الاشارة اليها في الحديث آنف الذكر" .
والاتفاق حاصل هنا على ما ذهب إليه الأستاذ محمود في شأن المتابعة ولكن ليس بالإطلاق الذي يحمل على تصور أن هذه المتابعة يمكن أن توصل أحداً ما إلى أن يصير أصيلاً- كما أشار إليه- ولكن الصحيح الذي ينبغي اعتقاده أن أقصى ما توصل إليه المتابعة والتقليد هو الوصول إلى مقام الصديقية أو القربة كما قرر السادة العارفون أو الحظوة بالدخول في زمرة من خصهم النبي عليه الصلاة والسلام بأن يكونوا إخوانه المبشّر بهم في آخر الزمان .
يقرر الأستاذ محمود بأن القرآن يتضمن مستويين من المعاني، أي مثاني وهما: معنىً في مستوي عمل النبي، ومعنىً في مستوي عمل الأمة، الآية في المال التي هي في مستوي عمل النبي : (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ)، والعفو كل ما زاد عن الحاجة الحاضرة مما يمكن الجود به من غير مشقة. والمستوي الثاني يقع في حق الأمة ويكون شريعتهم، وتبينه من القرآن الآية: " خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ"، ، وتلك في حق النبي شريعته – أي بمعني آخر، سنته .
وأرد على هذا التقرير من الأستاذ محمود أولاً بالتأمين على ما ذهب إليه من تفسير هذه الآية باعتبار موافقته لأقوال بعض كبار المفسرين من أمثال الإمام البقاعي، والفخر الرازي رحمهما الله والماوردي رحمه الله فيما أورده من تأويلات. وقال الإمام أحمد بن عجيبة في تفسيره البحر المديد: ويسألونك} ما القدر الذي ينفقونه؟{ قل} لهم: هو{ العفو} أي: السهل الذي لا مشقة في إعطائه، ولا ضرر على المعطي في فقده، رُوِي أن رجلًا أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم بقدر بَيْضة من الذهب، فقال: خُذها عني صَدقَة، فأعرض عنه، حتى كَرَّر مِرَارًا، فقال: هاتها، مُغْضَبَا، فحذفها حذفًا لو أصابه لشجَّه، فقال: «يأتي أحدكم بماله كله يتصدّق به ويجلس يتكفَّفُ الناس إنما الصدقةُ عن ظَهْرِ غِنَى» قاله البيضاوي مختصرًا . وأنكر هذا الاتجاه سيدي الإمام أحمد بن إدريس قدس الله سره بقوله عندما سئل عن تفسير الآية : العفو هو أن تعفو عمن أساء إليك وإذا كنت كذلك فقد اتصفت بصفة من صفات الله تعالى فحق عليه أن يعاملك بما اتصفت به " سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم" لا كما قيل من أن العفو هو ما فضل من القوت ، بل قال الله تعالى "لن تنالوا البر حتى بتنفقوا مما تحبون " ومنه ذلك العفو لأنه أحب ما يكون إلى الإنسان سيما عند احتياجه إليه في يوم القيامة والقرآن يخدم بعضه بعضا .
والواقع –كما نستمده من هدي سلفنا الصالح- أنه في وجود النص الآمر بإنفاق العفو في الآية (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ)، والنص الآخر ومنطوقه: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم، وتزكيهم بها، ...) وبعد تحديد فرض الزكاة ومقاديرها، جاد سيدنا أبوبكر الصديق رضي الله عنه بكل ماله وسيدنا عمر رضي الله عنه بنصف ماله وكان أهل البيت يطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً وآثر الصحابة على أنفسهم مع الخصاصة وهم بذلك يمارسون ما دعاهم إليه القرآن وهدي النبي عليه الصلاة والسلام في معاملة المال ولم يحتج الأمر إلى أن يعتبر رسالة ثانية بل هي ذات الرسالة التي تخاطب كل الأمة على مختلف درجات يقينها وإرتقائها في المعرفة والتقرب إلى الله في كل جوانب الحياة وباستيعاب تدرجات الإحسان، ومثال على ذلك دعوة القرآن إلى الحلم وحسن الخلق كما تبينه الآية: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) . والإسلام- كما تعلمنا- هو على ثلاثة مستويات وليس مستويين -كما يقرر الأستاذ محمود- هي: إسلام وإيمان وإحسان، وإن شئت قلت عبادة وعبودية وعبودة، وإن شئت قلت شريعة وطريقة وحقيقة كما روى الشيخ بن عطاء الله عن شيخه القطب المرسي أبو العباس قدس الله سريهما. ويقرر العارفون أيضاً أن المعرفة على ثلاثة مستويات أيضاً: علم يقين وحق يقين وعين يقين فمن أين للأستاذ محمود- نسأل الله لنا وله العافية- أن يجعل الدين مستويين. والكمل من الأولياء تحدثوا عن مستويات الدين التي بينها حضرة سيدنا النبي في فعله وقوله وهي الشريعة والطريقة والحقيقة، والباب مفتوح أمام مجتهدي الأمة لتسنمها جميعاً وبلوغ نهاياتها بالمجاهدة وفضل الله في العبادات كالصوم مثلاً الذي استنبط العارفون بالله للأمة ثلاث مستويات من أدائه (صوم العوام، صوم الخواص وصوم خواص الخواص) وكلها مستقاة من الشريعة ومن فعل حضرة النبي عليه الصلاة والسلام، وبإرتقائها تحصل معانقة درجات الوصال وتبوأ درجات القربة والصديقية وغيرها.
ويبرز سؤال واقعي للأستاذ محمود في مقارعة زعمه بأن: الشريعة هي بداية الدين اللي بيه أنت بتسير إلى الله. هي الحد الأدنى. هي الدين في تنزله لأرض الناس : هل كل الشريعة هي حد أدنى؟ هل عندما يحكم قاضٍ وفق ما أمر الله من عدل وقسط يكون قد أتى بالحدٍّ الأدنى؟ وما هو الحد الأعلى الذي يجب عليه أن يصل إليه القاضي مثلاً بعد توخيه للعدالة في حكمه؟
يواصل الأستاذ محمود بقوله: بعد ذلك نبينا قال: "لو توكلتم علي الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير": تغدو خماصاً وتروح بطاناً، ولما لم تستطع الأمة أن تتوكل علي الله حق توكله، وهو استطاع، صارت شريعته غير شريعتهم . السؤال هنا للأستاذ محمود: ألم يسِر على ذاك النهج صحابة النبي ووارثيه وأولياء الأمة وصوفيتها – إلى عهدنا الماثل- الذين جعلوا التوكل مقاماً من مقامات السير والمعرفة؟ يقول الإمام القشيري رضي الله عنه في تعريف التوكلُ: شهود نَفْسِك خارجاً عن المُنَّة تجري عليكَ أحكامُ التقديرِ من غير تدبيرٍ منك ولا اطّلاعٍ لكَ على حُكمِه، وسبيلُ العبدِ الخمودُ والرضا دونَ استعلام الأمر. والنبي عليه الصلاة والسلام يشير إلى وسع الدين وعمق مباطنه ورفيع ارتقاءات معارفه بقوله: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق" . وتطلعنا سِيَر كثير من الأولياء في السودان -السابقين والمعاصرين- على نماذج مشرقة ممن أحكموا التحقق بهذا المقام من قبيل الشيخ عبدالباقي المكاشفي الذي عاش في القرن العشرين وعاش قرابة المائة عام بدون أن يتخذ جيباً في ثيابه وكان لا يبيت حتى يستوفي إنفاق كل ما بيده. من الآراء الأخرى التي يطلقها الأستاذ محمود رحمه الله قوله:
1. الدين لا يتطور، لكن البشر يتطوروا في فهمه. كلما نحن فهمنا، نتطور في فهم قرآنا. لكن لا يمكن أن نحيط به، اطلاقاً، لأنه مطلق .. كلما فهمنا، نتطور في فهم الدين. لكن الشريعة متطورة .. لأنو الشريعة، الحكمة فيها، والكمال فيها، أن تتنزل لمستوي الناس . وأقول تعليقاً على هذا بأن الله قد أكمل الدين وأتم نعمته على أمة المصطفى وجعل بين دفتيه ما ينفع الكافة في كل الأزمان من توحيديات وأحكام وأخلاق ومعاملات وسنن كونية، ولا أحسب تطور الشريعة الذي يقصده الأستاذ محمود رحمه الله إلا أن يكون في تجدد واتساع فهم الأمة لدينها وفق ما أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام في شأن القرآن الكريم: لا يشبع منه العلماء، ولا يخلَق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه . وفي ذات الإطار تقريباً يقول الأستاذ محمود:
2. ربنا ما بشرع لكمالاته .. ما بشرع لكمالاته هو، ولا لكمالات نبيه .. بشرع لضعفنا نحن، ليطورنا من ضعف الي قوة. فحكمة التشريع أن ينزل لأرض الناس، وأن يخاطبهم في مستواهم البشري، والمادي، والاجتماعي فالشريعة تجاوب مع حيوية المجتمع في حل مشاكله . ورأيي أن غاية ما يعنيه الاستاذ محمود رحمه الله هو الاجتهاد كلازمة للتعاطي مع مستجدات الحياة من ناحية الدين، وهو أمر أباحته الشريعة وحثت عليه وجعله علماء الأمة من أصول التشريع: عن معاذ، أن رسول الله ﷺ حين بعثه إلى اليمن. قال: «كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟» قال: أقضي بما في كتاب الله. قال «فإن لم يكن في كتاب الله؟» قال: فسنة رسول الله ﷺ. قال: «فإن لم يكن في سنة رسول الله؟» قال: أجتهد رأيي ولا آلو. قال: فضرب رسول الله صدري، ثم قال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله» . وما يزال العلماء يجتهدون في نوازل الزمان فيما لم يلامسه نص من التراث العظيم المتوفر من الآثار العلمية.
3. الزكاة ذات المقادير ما هي الكلمة الأخيرة العايزها الاسلام، الاّ لأنه أضطر لتقريرها لملابسة الزمن،وقال نبينا عليه الصلاة والسلام: "الصدقة أوساخ الناس" . نقول للرد على الأستاذ محمود- عفا الله عنا وعنه- أن المجال مفتوح في الدين للزكاة بأصنافها المختلفة والصدقة وللإنفاق بلا حد وكذلك القناعة والإيثار والزهد إلى درجة إنفاق ما يزيد عن الحاجة ، إلخ ، وجعلك تعلق التوحيد بالرزق فقط فيه نظر؛ لأن صفة البخل والجبن لا ينافيان الإيمان ولكن ينافيه الكذب مما يجعل الصدق صفة يبلغ بها العبد عالي المقامات وهذا يشير إلى مقام الصديقية الذي يلي رتبة النبوة.
ومن المسائل الرئيسية في فكر الأستاذ محمود التي أودعها الرسالة الثانية وغيرها من منشوراته مسألة: نسخ الفروع للأصول، ويناقشها الأستاذ قائلاً :) وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) منسوخة في الماضي بآية (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ومنسوخة، معناها، ما صاحبة الوقت في التشريع لكنها موجودة في القراءة، وموجودة في العبادة، وموجودة في التطوع .. لكن مش في التشريع .. التشريع لا يقوم علي أساس أنو الناس يدفعوا كل ما زاد عن حاجتهم .. يقوم علي أساس أن يأخذوا من مالهم .. فالفرع، لحكمة الزمن، وملابسة الزمن، نسخ الأصل .. وده السبب القيل بيه أنو الكلمة الأخيرة ما قيلت، لأنو اذا كان أنت بتعتقد أنو الفرع ينسخ الأصل، ثم لا يكون للأصل عودة مرة ثانية، كأنك بتقول: أرفع ما في ديننا يُنسخ بما هو دونه، وده لا يقول به عاقل .
السؤال هنا للأستاذ محمود رحمه الله: هل النسخ منع النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه وخلفاؤه وورثته من الربانيين وعامة أمته من أداء ما دعت إليه الشريعة من أحكام وإنفاق ما زاد عن حاجتهم؟ ولتبيين الموقف مما ذهب إليه الأستاذ محمود في فكرة نسخ الفرع للأصل نعرض للحديث عن النسخ في اللغة والاصطلاح ونقوم بإيراد أمثلة لآيات منسوخة لمعارضة فكرة الأستاذ محمود في هذا الشأن.
النسخ لغة واصطلاحا
يُطلق النسخ في اللغة على معانٍ تدور بين: النقل والتحويل والإبطال والإزالة (ولا مشاحة في أن نضيف إليها عبارة الأستاذ محمود الإرجاء)، وقد اختلف أهل العلم في هذه المعاني أيّها على سبيل الحقيقة وأيّها على سبيل المجاز، فذهب بعضهم إلى أن النسخ حقيقة في الإزالة مجازٌ في النقل، وذهب بعضهم إلى أنه مجازٌ في الإزالة وفي الإبطال وفي النقل جميعا، وذهب آخرون إلى أنه مشترك في الإزالة والنقل، وأنه حقيقة في كل منهما.
وأما النسخ في الاصطلاح فهو: "رفع الشارع حكما شرعيًّا بدليلٍ شرعي متأخر"، وهذا هو التعريف المتداول بين الأصوليين والمفسرين، وقولهم في هذا التعريف: "رفع الشارع" يمنع النسخ بما عدا الكتاب والسنة ولو كان إجماعا، وقولهم: "حكما شرعيًّا" يُخرج من النسخ رفع عوائد الجاهلية وأحكامها، لأنها ليست من الشرع، كما يُخرج منه رفع الإباحة الأصلية، لأن مرجعها إلى العقل وليس إلى الشرع.
وقد وردت الإشارة إلى النسخ صريحة في قول الله تعالى: "مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "، وورد كذلك في الآية: " وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ۙ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ". قرر العلماء في شأن النسخ أنه يقع في التكليفات فقط ولا يتطرق إلى العقائد ولا الأخبار وأنه لا يعني البداء (أي الظهور بعد الخفاء، كما في قوله تعالى: وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ، أو تجدد رأي جديد لم يكن من قبل لحدوث علمٍ أو طروِّ مستجدات لأن ذلك محال على الله عز وجل عالم الغيب والشهادة المنزه عن سبق جهل بشئٍ لتبدو له البداءات فيه) . وما ينبغي اعتقاده بشأن النسخ أن الله علم قديماً بعمل آيات كتابه الكريم وتوقيت صلاحية العمل بها ثم تقدير نسخ ما شاءه منها إلى ما هو خير منها من قبيل نسخ قبلة المسلمين من المسجد الأقصى إلى الكعبة، وهو نسخ إلى ما هو خير وليس في وسع الأستاذ محمود ولا غيره إطلاقاً الزعم بأنه قد تم إلى ما هو أدنى. وأما ما يتعلق بنسخ الآية إلى ما هو مثلها فمثاله نسخ الآية: " اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ" التي شقت على المسلمين فنسخها الله بآية: " فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ" ، ولعلنا نُعمل هذا الشاهد من النسخ في مواجهة دعوة الأستاذ محمود المسلمين إلى إنفاق كل ما زاد عن الحاجة لما في ذلك من مشقة عظيمة على الأكثرين. وفي مناقشة لطيفة لهذا الشاهد من النسخ، بيّن الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله أن آية " فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ"، لها ذات ثقل آية "فاتقوا الله حق تقاته" لأن الفرد المسلم يمكنه أداء وتحصيل الكثير من الأعمال على قدر استطاعته ولا يطيق أن يؤدي إلا القليل منها وفق معيار "فاتقوا الله حق تقاته" فيكون الآيتان متساويتان ويندفع التعارض في قول الحق تبارك وتعالى: "نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا".
الحِكمة من النسخ
وجود النسخ في الأحكام الشرعية له حِكَمٌ عديدة، منها: مراعاة مصالح العباد، ولا شك في أن بعض مصالح الدعوة الإسلامية في بداية أمرها، تختلف عنها بعد تكوينها واستقرارها، فاقتضى ذلك الحال تغيُّر بعض الأحكام؛ مراعاة لتلك المصالح، وهذا واضح في بعض أحكام المرحلة المكية والمرحلة المدنية، وكذلك عند بداية العهد المدني وعند انتقال حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم.
ومن حِكَم النسخ أيضًا: ابتلاء المكلفين واختبارهم بالإمتثال وعدمه، ومنها كذلك: إرادة الخير لهذا الأمة والتيسير عليها؛ لأن النسخ إن كان إلى أشق ففيه زيادة ثواب، وإن كان إلى أخف ففيه سهولة ويسر مثلما النسخ ظاهرة في قول الله تعالى: وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا" كما أن عجز الآية في قوله تعالى" أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا" فيه إشارة لطيفة إلى موقوتية ذلك الحكم وأن ثمة نسخ سيطرأ عليه إلى ما هو خير منه، أو الآية: "الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ .
والنسخ على أنواع، منها: نَسْخُ القرآن بالقرآن، ومثاله نَسْخُ قوله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} ، فقد نسختها آية: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} ، وهذا النوع من النسخ جائز بالاتفاق. ومنها: نَسْخُ السنة بالقرآن، كنسخ التوجُّه إلى قبلة بيت المقدس، الذي كان ثابتًا بالسنة بقوله تعالى: { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ، ونَسْخُ وجوب صيام يوم عاشوراء الثابت بالسنة، بصوم رمضان في قوله تعالى: { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ} .
ومن أنواع النسخ أيضاً: نَسْخُ السنة بالسنة، ومنه نسخ جواز نكاح المتعة، الذي كان جائزًا أولاً، ثم نُسخ فيما بعد؛ فعن إياس بن سلمة عن أبيه، قال: "رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أوطاس في المتعة ثم نهى عنها" ، وقد بوَّب الإمام البخاري لهذا بقوله: "باب نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة آخراً".
إذا اتفقنا جدلاً مع الأستاذ محمود في الآية الوحيدة الذين استشهد بها على أنها قرآن أصلي رفيع نحتاج إلى إنفاذه في زماننا وهي:) وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) وناسختها في الماضي الآية: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) : فهل ذلك مطرد ليمكّننا أن نقرره عن آيات منسوخة أخرى من قبيل قوله تعالى في سورة البقرة المدنية : (وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ) التي شق نزولها على صحابة النبي ﷺ فقال لهم: {لا تقولوا كما قالت اليهود سمعنا وعصينا ولكن قولوا سمعنا وأطعنا} ، فلما علم الله تسليمهم لأمره أنزل ناسخ هذه بقوله تعالى : (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) ، وخفف من الوسع بقول تعالى : (يُرِيد اللَّه بِكُمْ الْيُسْر وَلَا يُرِيد بِكُمْ الْعُسْر) . وبالطبع، لكي نؤمن على اعتقاد الأستاذ محمود بشأن القرآن الأصلي والفرعي يجب أن ينطبق زعمه رحمه الله على كل الآيات المنسوخة بطريقة مضطردة تجعل المرء مستوثقاً من هذا الفهم سواء فيما يتعلق بالنسخ في القرآن أو السنة النبوية، وللأسف ليس الأمر كذلك؛ فبإستثناء أية الإنفاق التي أشار إليها الأستاذ والآيات التي نسختها آية السيف وهي: قوله تعالى : (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا، ... الآية) المنسوخة ب (آية السيف) قوله تعالى : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ...) . والآية قوله تعالى : (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ...) المنسوخة بقوله تعالى : (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ...) إلى قوله تعالى : (يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) ، وقوله تعالى : (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ...) منسوخة وناسخها قوله تعالى : (فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) ، فما عسانا نقول عن آيات أخرى من قبيل الآية: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} ، المنسوخة بآية: { إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، فهل يمكننا أن نقول- عطفاً على نظرية الأستاذ محمود- أن المنسوخ هو الأصل في الدين وأننا ينبغي أن نرتفع إليها من آية الإجتناب باعتبارها فرعاً؟ أو في آيتي سورة النساء ونصهما: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا * وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا ) اللتان نسخ حكمهما قوله تعالى:( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ) ، وبالآية التي نسخ لفظها وبقي حكمها وهي: (الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ). فهل كان يرى الأستاذ أن الآية الأولى هى الأصل وأن ناسختها فرعية، وكيف ستكون النظرة العصرية للإسلام – التي يظهر الأستاذ محمود وفكرته الحرص عليها- إن قلنا أن علينا أن نطبق حكم الإمساك في البيوت إلى الموت على من ترتكب الفاحشة من بناتنا أو نسائنا في هذا الزمان.
ثم ماذا عن الآية التي نسخت اعتبار هذه الأصناف من أهل الأديان ونصها: (إنّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) التي اعتراها النسخ وتلك التي نسخت قوله تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) ؟ فهل يمكننا أن نعتبر أهل الأديان في الآية المنسوخة هم ممن سيحصل على أجر الله وفضله بتجاهل الآية الناسخة الصريحة التي تنفي قبول غير الإسلام؟
وللاختصار، فإننا نكتفي بما سبق من شواهد الآيات المنسوخة ونشير إلى النوع الآخر من الآيات الذي نسخ بالحديث النبوي مثل قوله تعالى : (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ) الذي نسخت السنة منه بعض الميتة وبعض الدم بقوله ﷺ { أحِلَّتْ لنا مَيْتَتَان ودمَانِ: السَّمكُ والجَرادُ والكبِدُ والطُّحال} . ولإكمال هذا المبحث بشأن الناسخ والمنسوخ، لا بد من الإشارة إلى ناسخ الحيث ومنسوخه ومثاله قول النبي ﷺ عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نهيتُكم عن زيارة القبور، فزوروها. ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم. ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاءٍ، فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرا» . قررالأستاذ محمود بشأن صدر هذا الحديث: ( كنت نهيتكم أن تزوروا المقابر، ألا فزوروها) أن النبي ﷺ ينقل أمته من حالٍ إلى حالٍ أرفع منه، من الفتنة بزيارة القبور إلى العبرة بذلك، وهو تقرير يقوِّض مذهبه في اعتبار المتقدم من الأحكام أصلاً يجب الإرتقاء إليه ومتأخره فرعٌ لا ينبغي الركون إليه سيما وأن هذا النهي كان في مكة ولا ريب.
وتصطدم دعوة الأستاذ محمود لإعمال القرآن المكي - بحيثية مرونته واستجابته لمقتضيات عصرنا- بدلاً عن القرآن المدني بعدة حقائق مهمة نلخصها في الآتي:
1. الخطورة الكبيرة التي تنطوي عليها هذه الدعوة لأنها تعني ضمنياً إسقاط العمل بشطر الكتاب المدني وهو ما يعني إهمال القسط الوافر من المعاملات والأحكام والتشريعات التي تقررت في السور المدنية التي نزلت بعد تمكن الدين وتكوين الدولة وثبات أركانها والتي تمنح الدين الإسلامي حيويته وفعاليته وشموليته لكل وقائع الحياة وشؤونها. من هذه التشريعات التي تناولها القرآن المدني: أحكام العبادات والمعاملات، والحدود في الإسلام، ونظام الأسرة، والمواريث، وفضيلة الجهاد، والصِّلات الاجتماعيّة، والعلاقات الدوليّة في حالتَي السِّلم والحرب، وقواعد الحُكم، ومسائل التّشريع وغيرها فهل سيبقى للإسلام أثر في حياة الأمة إذا استجبنا لدعوة الأستاذ محمود بالاكتفاء بِ – أو قل بالإرتقاء إلى- القرآن المكي.
2. مما يقومه المنطق كذلك اهتمام السور المدنية بالتوجّه لمُخاطبة أهل الكتاب من اليهود والنّصارى، ودعوتهم إلى الإسلام باستمرار، وبيان تحريفهم لكتب الله، والحديث عن المُنافقين وسلوكهم، وتُبيّين خطرهم على الدّين وجميع ذلك يعكس مرحلة استقرار دولة الإسلام بالمدينة. وبذات القدر، كان من الطبيعي – وفقاً لطبيعة مرحلة بداية الدعوة- أن تتضمن السور المكية ذكر الدّعوة إلى توحيد الله عزَّ وجلّ وعدم الشّرك به، وإثبات وجود البعث والحساب والجزاء، وذكر يوم القيامة، وذكر النار وعذابها، وذكر الجنة ونعيمها.
3. ثم ألا يلزمنا القول بأن مجتمع مكة الذي نزل في شأنه القرآن المكي تقاصر عن فهم الرسالة باتهام الشارع الحكيم بتوجيه رسالة تعلو على أفهام من أرسلت إليهم فيؤدي ذلك إلى نسخ تلك الأحكام. وهل يمكننا التسليم فعلاً للفكرة الجمهورية بأن المجتمع الذي أبرز المئات من خلص المؤمنين بالرسالة والمتفانين في الذود عنها كالسيدة خديجة وسيدنا الصديق وسيدنا علي وزمرة الصحابة الأطهار والمهاجرين وغيرهم لم يرتقِ إلى مستوى الرسالة لمجرد أن أغلبيته لم تؤمن لا سيما وأن سنة الله قد جرت في سابقي أنبيائه ورسله بالتعرض للإنكار والمحاربة من أقوامهم.
خلاصة وخاتمة:
يتضح من المناقشة أعلاه لنظرية الرسالة الثانية من الإسلام التي اقترفها فكر الأستاذ محمود – عفا الله عنا وعنه- بأنها تستند على خيط رقيق وقياسٍ خليقٍ يجعلها أوهى من أن تصمد أمام السبر والتقصي الجاد من خلال هذه العجالة- المبذولة نصيحة في الدين ونصرةً للحق وخروجاً عن ربقة الكتمان- كيف أنها تنهزم بافتراضاتها العمومية وتقريراتها الفضفاضة بقدرٍ لا يسع معه المسلم المتبصر في دينه المتزود بأدواته العلمية الإيقان بها والاحتجاج بها. لم يكن للأستاذ محمود واتباعه مخرج من نظريته هذه غير الرجوع عنها واتباع سبيل علماء الشريعة الإسلامية وهو ما يتعين على أحبتنا من معتنقي فكرته فعله اليوم رجوعاً لفضيلة الحق ألهمنا الله وإياهم ذلك وسلك بنا وبهم سبيل الرشاد والفلاح.
المراجع
1. القرآن الكريم
2. السيوطي: "الإتقان في علوم القرآن"، مؤسسة الرسالة، دمشق، ط 1، 2008
3. محمود محمد طه: "الرسالة الثانية في الإسلام" ، أمدرمان، ط 4، 1971
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.