قانون حماية الاطباء والكوادر والمنشآت الصحية السوداني لسنة 2020م بين الأمل والمأمول .. بقلم: بروفيسور الحاج الدوش المحامي    المِيتِي وخَرَاب الديار!!! .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    حروب قبائل دارفور .. بقلم: إسماعيل عبد الله    نحيي الدكتور الفاتح حسين وهو يعبر البحار بايقاعات الوطن ذات التنوع والعبير .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    تفشى فيروس كرونا كمؤشر جديد لانهيار النظام الاقتصادى الراسمالى العالمى .. بقلم: د. صبرى محمد خليل/ استاذ فلسفه القيم الاسلاميه فى جامعه الخرطوم    هذه هي ثمار سياسة ترامب العنصرية .. بقلم: نورالدين مدني    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    إيقاف مشروع تقنية الحشرة العقيمة جريمة كبرى .. بقلم: د.هجو إدريس محمد    تابعوهما .. بقلم: كمال الهِدي    وداعا صديق الصبا المبدع الهادى الصديق .. بقلم: محمد الحافظ محمود    غضبة الفهد الأسود .. بقلم: إسماعيل عبد الله    الإسلام دين ودولة .. بقلم: الطيب النقر    علمنة الدين وعلمنة التصوف .. بقلم: د. مقبول التجاني    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    معلومة ادهشتني حد الصدمة .. بقلم: صلاح الباشا    الحكومة تتسلم رسميا حسابات منظمة الدعوة ومجموعة دانفوديو    أمريكا ولعنة السود .. بقلم: إسماعيل عبد الله    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    التجمع الإتحادي: فيروس (كورونا) خطر يفوق قدرة نظامنا الصحي    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    سر المطالبة بتسريع التحقيقات ومحاكمات رموز النظام البائد والمتهمين/الجناة .. بقلم: دكتور يس محمد يس    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    قراءة متأنيَة في أحوال (شرف النّساء) الحاجة دار السّلام .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن/ولاية أريزونا/أمريكا    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    رسالة لوزير الصحة الاتحادي .. بقلم: إسماعيل الشريف/تكساس    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تحية لشبيبة السودان الثورية .. بقلم: جلبير الأشقر
نشر في سودانيل يوم 19 - 02 - 2020

عدتُ في الأمس من زيارة بحثية إلى السودان كان الغرض منها استكشاف آليات الثورة التي اندلعت في بلاد النيلين منذ 19 كانون الأول/ديسمبر 2018 وذلك بغية التمكّن من تقدير مآلاتها بصورة أدقّ وأكثر صواباً مما تسمح به المراقبة من بعيد. وسوف أكتب لاحقاً ما وصلت إليه في زيارتي التي تعلّمت منها الكثير. أما الآن وفي هذا المقال، أكتفي بالإشارة إلى أهم ما أدركته خلال زيارتي، وكنتُ قد أغفلت أهميته بمراقبتي للثورة السودانية من بعيد بلا تواصل مباشر مع فاعلات وفاعلين داخل البلاد. وإن كان لي عذرٌ عن إغفالي هذا، فهو أن الإعلام العالمي نادراً ما يذهب إلى أعمق من سطح الأحداث وما يعوم على ذلك السطح من أقطاب سياسية، كما يركّز الإعلام الإقليمي والمحلّي على مجريات السياسة الفوقية أكثر مما يهتمّ برصد الديناميات القاعدية التي تكمن وراء التطورات الاجتماعية والسياسية. ومع ذلك فقد وجد ما كنتُ قد أغفلته بعض الصدى في الإعلام السوداني والعربي، لكنّني لم ألتفت لأهميته.
هكذا تابعتُ من الخارج أحداث السودان وأنا أرى في «تجمّع المهنيين السودانيين» و«قوى إعلان الحرية والتغيير» قيادتي الحراك الشعبي العظيم الذي شهدته البلاد. وما أغفلتُ أهميته هو أن إطاراً آخر كان يتحرّك تحت سطح الصراع السياسي الذي تابعتُه من بعيد، وهو إطار صنع الزخم الثوري القاعدي وخوّل «تجمّع المهنيين» لعْب دور الناطق باسم الحراك الشعبي، مفوّضاً إياه سلطة القرار لكن تحت رقابته النقدية. هذا الإطار هو الشبكة الأفقية عظيمة الشأن التي تجمع بين الهيئات الشبابية التي تُطلق على نفسها اسم «لجان المقاومة»، وهي لجان تشكّلت في أحياء المدن كما في قُرى الأرياف وتولّت تنظيم الثورة الشعبية. وقد اهتمّت اللجان أيضاً بتنظيم الخدمات الأساسية من خلال هيئات فرعية سمّتها «لجان الخدمات» (استخدمُ هنا الأسماء المختصرة كما هي متداولة داخل السودان)، إذ حلّت هذه الأخيرة في وظيفة تنظيم الخدمات الاجتماعية وتوزيع السلع الأساسية محلّ «اللجان الشعبية» التي كانت أذرعاً محلّية لنظام عمر البشير المخلوع. وتقوم اللجان بين ما تقوم به بمراقبة المخابز ومحطات الوقود لمنع التهريب في ظل الظروف الاقتصادية الحرجة القائمة، سواء كان دافع التهريب الجشع أو سعي الدولة العميقة وراء تعقيد الظروف لإفشال عملية التغيير. كما تترافق الرقابة التي تمارسها «لجان المقاومة» على مؤسسات المرحلة الانتقالية بمواصلة الضغط من خلال التظاهرات والتجمعات من أجل إكمال مسيرة التغيير ومحاكمة المسؤولين عن قتل المتظاهرين وعن مجزرة فض الاعتصام والدفاع عن الذين انحازوا إلى الثورة في صفوف القوات المسلحة رافضين الانصياع لأوامر القتل.
هذا وتشترك «لجان المقاومة» بسمة أساسية مع ظواهر شبابية شهدتها بلدان أخرى في المنطقة العربية خلال الموجتين الثوريتين اللتين عرفتهما حتى الآن بدءاً من «الربيع العربي» الأول في عام 2011. فلها، على سبيل المثال، بعض السمات المشتركة مع «التنسيقيات» التي عرفها الطور الأول من الثورة السورية عندما كانت ثورة شعبية يقودها الشباب بصورة رئيسية، بيد أن اللجان السودانية أرقى تنظيمياً وسياسياً من مرادفها السوري. كما تشترك «لجان المقاومة» مع بعض الظواهر الشبابية التي عرفتها السيرورة الثورية في بلدان إقليمية أخرى، مثل تونس والجزائر، بسمة ملفتة أخرى هي حساسية إزاء الأحزاب التقليدية، بل والصيغة الحزبية بوجه عام. ذلك أن «لجان المقاومة» تضمّ غالبية واسعة من غير المنتمين إلى أحزاب إلى جانب أقلية من المتحزّبين الذين لا يجاهرون بانتماءاتهم الحزبية ويحترمون استقلالية اللجان، ولا سيما بينهم الشيوعيات والشيوعيون ذوو الدور البارز في كل فعاليات الثورة السودانية. وتترافق هذه الحساسية بأخرى رافضة للهرَمية والمركزية بحيث تربط بين «لجان المقاومة» أشكالٌ من التنسيق الأفقي لا تتخطّى المهمة التنسيقية إلى مركزية القرار. هذه اللجان هي صيغة طريفة من التنظيم الذاتي المحلّي، آثرت ألّا تشكّل تنظيماً هرمياً توجّهه قيادة منبثقة عنه. وهو سبب تفويضها إلى «تجمّع المهنيين السودانيين» صلاحية النطق باسم الحراك الشعبي والقيام بدور محطّته الإعلامية، وقد تكفّل التجمع بمهارة بتنسيق الحراك الشعبي ونقلِ صدى شتّى مكوّناته من خلال موقعه على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
في سودان اليوم شرخٌ ملموس بين الجيل الجديد الذي شكّل الجسم الأساسي من الحراك الشعبي، والذي يتميّز بأهمية المشاركة النسائية النشطة في صفوفه، والأجيال السابقة المهيمنة على الحياة الحزبية والتي تتمسّك بتلك الهيمنة، غير فاسحة للمجال أمام الشبيبة وأمام النساء لتولّي القيادة. وقد اختبرتُ ذلك الشرخ من خلال تجربة شخصية حينما تمرّد العديد من الشابات والشباب الحزبيين، فضلاً عن غير الشباب وفضلاً عن الرأي العام خارج الدائرة الحزبية، تمرّدوا على قرار قيادة حزبية سلكت سلوكاً مؤسفاً، مستمدّاً من عصر بائد ومن أسلوب أرسته دولة بيروقراطية انتهى بها الأمر إلى الانهيار والخروج من التاريخ بعد أن انحصر الحكم فيها بين أيدي بضعة رجال هرمين.
فنظّم طلبة في كلية الاقتصاد والعلوم الاجتماعية في جامعة الخرطوم ندوة سياسية حاشدة تحدّثتُ فيها عن «الربيع العربي»، وذلك إثر قرار القيادة الحزبية المقصودة إلغاء الندوة التي كانت قد دعتني إلى إحيائها في مركز حزبها في اليوم والساعة ذاتهما، وقد ألغتها بتعليل ردّد ما وصلها من أصداء الحملة التي تعرّضتُ لها قبل أسابيع من قِبَل بعض التكفيريين «الممانعين» الذين لا يمانعون قط من تأييد أنظمة تبطش بالانتفاضات الشعبية، على غرار النظام الإيراني الذي كانت له مساهمة ملحوظة في تدريب أجهزة نظام عمر البشير على فنون القمع والتعذيب.
كاتب وأكاديمي من لبنان


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.