الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    كانتي.. منذ أن كان حلمًا في أعين الهلالاب    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    "صمود" يدين اغتيال أسامة حسن ويصفه بجريمة سياسية مروعة    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: الحوت تعرض لظلم فادح من هؤلاء وهذا ما فعلته عندما علمت بتعاطيه "السجائر" وهو طالب في الثانوي    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة يكرم ليلى علوي بجائزة إيزيس للإنجاز    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فَاطْنَة السَّمْحَة- أبْ لِحَايّة، قصصٌ مِنْ التُّراثْ السُّودانَي- الحَلَقَةُ الثَلَاثُوُنْ .. جَمْعُ وإِعدَادُ/ عَادِل سِيد أَحمَد.
نشر في سودانيل يوم 04 - 03 - 2020

كان الطبلُ موضُوع المسابقة، من جلدٍ خاص، هو جلد القَمْلَة التي فلّتها (فَاطْنَة السَّمْحَة) من شعر رأس أبيها ذات مساء، وأمر أبُوهَا السُّلْطَان، أمر بأن تتم رعايةِ، وتربية تلك القَمْلَة، رعايةً خاصّة، ولأجل ذلك فقد وُضعَت القَمْلَة في قدرٍ من السمن، وكبرت وانتفخت فصارت ضخمةً، حتى أمكن ذبحُها وسلخُها، وتمَّ صُنع الطبلُ من جلدها (القَمْلَة).
وأمر السُّلْطَان بدقِّ النحاس وجلب النَّاسْ، ليحضرُوا فيطرح سؤالاً عليهم، هو:
- ما هو نوع الجلد الذي صُنع منه الطبل، ومن جلد أي كائن؟
وأعلن أن مكافأة الرَّجُل الذي يجيب على السؤال، هي: تزويجه من (فَاطْنَة السَّمْحَة!).
وجاءَ الموعدُ المضرُوب، وتجمَّع النَّاسْ، وتبارَى الفُرسَان المعجبُون (بفَاطْنَة السَّمْحَة) في تقديم إجاباتِهم، فمنهم من قال:
- الجلد هو لبقرة.
ومنهم من قال:
- إنما هو جلد حصان...
وآخر أجاب بأنه:
- جلد غزال...
وهكذا، فقد فشلُوا، جميعاً، في تقديم الإجابة الصحيحة عن السؤال، ولكن (مُحَمَّد ود السُّلْطَان) أخُو فَاطْنَة السَّمْحَة، الذي أشتهر بالمُكرِ والشقاوة، أصرَّ على أخته أن تخبره بالسَّر، وكانت ترده في باديء الأمر، وتقول له:
- لا أعلم نوع الجلد الذي صُنعت منه الطبلة.
ولكنها رضخت، أخيراً، لإصراره فأخبرته بأن الجلدَ هو جلدُ (قَمْلَة).
وما أن أخبرته، حتى هَرَع (محمدٌ) إلى مجلس أبيه، الذي كانت تُقام فيه المناسبة، وقدّم أمام الجميع، الإجابة الصحيحة.
فقال الأب:
- لن أحنث بقسمي، ولن أخلفَ وعدي، وسأزوجك من أختك (فَاطْنَة السَّمْحَة!).
وما أن علمت (فَاطْنَة السَّمْحَة) بالخبر، حتى شعرت بالحنق من أخيها، واعتراها حزن شديد، ونزل عليها همُ الجبال، وتساءلت، بينها وبينَ نفسها، عن المخرج من تلك الورطة التي وقعت فيها، فيما بين أبيها، وأخيها، وفكرت (فَاطْنَة السَّمْحَة) في الهرب، واجتمعت لصديقاتها، وكاتمات أسرارها الأربع، وقالت لهن:
- أنا بنتُ السُّلْطَان، فإذا ما تم تزويجي من أخي، لصار هذا تقليداً، وسيكونُ هو مصيركن جميعاً.
ووافقنها هذا الرأي، وأيدن خطتها للهرب من الديار، واعتمدت الخُطة على التقاليد التي تُصاحب إحتفالات الزفاف، حيث تسرح الحسان إلى ضفاف اللنهر، لجمع حطب الواقود.
وقررت فاطنة السمحة وصاحباتها، أن يهربن من هُنَاك.
وحان زفاف فاطنة السمحة من أخيها محمد.
واكتملت الاستعدادات بذبحِ الذبائح، ودُقَّ النحاس، فاجتمعَ الناسُ، عند السُّلْطَان، للإحتفال وإتمام مراسم الزواج.
وفي تلك الأثناء صارت (فَاطْنَة السَّمْحَة)، وصديقاتها هُنَاك في الخلاء، في جوف الصحراء، وعندما حلّ الليلُ، وكاد أن يجن، كان التعبُ، والجوعُ، والعطشُ قد أنهكهن، وأخذ منهن مأخذاً بليغاً...
ولكنهن فَرِحن حين لاحَ لهن، من بعيد، ضوءُ نارٍ يتلألأُ في قبة السماء، ولكن (فَاطْنَة السَّمْحَة) قالت لهن:
- أظن أن هذا الضوء يأتي من بيت السَّحَّارَة، ونصحت لهن بعدم الأكلِ، أو الشُّربِ فيه، إذا ما أصررن على المبيتِ هُنَاك.
وعندما وصلن دار النار المتقدة، التي كانت قد لاحت لهن من بعيد، استقبلتهن ست الدار (العَجُوُز) استقبالاً حاراً، وهللت في وجوههن قائلة:
- أهلاً (بفَاطْنَة السَّمْحَة)، وصديقاتها.
ونظرت (فَاطْنَة السَّمْحَة)، التي تيقنت الآن من هواجسها حول ساكنة الدار، فنظرت لصاحباتها نظرةً ذاتَ مغزى، وكأنها أرادت أن تذكرهن بتحذيراتها لهن، عندما رأين النارَ أوّلَ وهلة!
وأغرتهن السَّحَّارَة بالعصيدة، التي كانت ستعدها من رفاتِ وعظامِ البَشَر، وأبين، كلهن بإصرار أن يأكلن منها، عدا الصَّغِيْرَة، اللَّثْغَاء، فقد كانت مترددة، ورددت، بلثغتها:
- أنا دِيْعَانَة (جائعة)...أنا عايزة آتُلْ (أأكُل)!
وكادت أن تَأكُل، لشدةِ جوعها، وعطشها، لولا أنَّ (فَاطْنَة السَّمْحَة) نبهتها، وأعادت التنبيه مِرَاراً، ولكن في النهاية تغلبت حاجة الصَّغِيْرَة للطعام على تحذيرات (فَاطْنَة السَّمْحَة) لها، فأكلت عصيدةَ العظامِ البشريَّة، حتى شبعت، وشربت من مياه أزيار السَّحَّارَة، حتى ارتوت!
ونامت الصَّغِيْرَة اللَّثْغَاء، وهي شَبِعَة، وصديقاتها جائعات، وعطشات، ولا يغمض لهن جفن.
ولكن، وفي آخر المطاف، ظلَّت (فَاطْنَة السَّمْحَة)، هي الوحيدةُ اليقِظة، تُغالبُ نعاسها، وتغمضُ عيناً، ولكن، تُبقي على الأخرى: مفتوحةً!
وفي مُنتصف الليل، سمعت (فَاطْنَة السَّمْحَة) صوتَ سكينٍ، وهي تُسَنْ، فأدركت (فَاطْنَة السَّمْحَة) على الفور، إنَّ السَّحَّارَةَ قد نوت الشروعَ في ذبحِهِن، فتنحنحت لتشعرها أنها ما زالت يقظة، فجاءت السَّحَّارَة إلى عندها، وسألتها:
- ما بكِ يا (فَاطْنَة السَّمْحَة)؟
- أني أسمع (صوتَ نُوُق) من بعيد يضايقُني، ويسبب لي الإزعاج، ويمنعني النُّوم!
- سأذهبُ، لأرى ما هُنَاك!
وذهبت السَّحَّارَة، وافترست جميع النوق، وراعيها على حدٍ سواء، ثُمَّ عادت تترقبُ نوم (فَاطْنَة السَّمْحَة) وصديقاتها، واستمرت الحال كذلك، فكلما شرعت السَّحَّارَة في سن سكاكينها، كلما تنحنحت (فَاطْنَة السَّمْحَة)، ووجدت طريقةً تشتتُ بها انتباهَ السَّحَّارَة، وتوقف سن السكاكين!
وسألتها السَّحَّارَة، أخيراً، وبعد أن ضاقت بيقظة (فَاطْنَة السَّمْحَة) ذرعاً، وأعياها الإنتظار، عن السبب الحقيقي لسهرها، فقالَت (فَاطْنَة السَّمْحَة):
- أنا عطشانة، ولا يجيئني النوم بسبب عطشي الشديد، هذا!
- الأزْيَارُ موجودةٌ، وهي مليئة بالماء يا فاطنة...
- أنا لا أشرب ماء الأزيار، وإنما أشربُ من ماء النهر، المغروف بالقرعةِ الصَّماء، المصبُوُب في غُربَال.
لقد كانت تلك هي حيلةُ (فَاطْنَة السَّمْحَة) الأخيرةُ، التي فكّرت فيها، لتمكنها من الهرب مع صديقاتها، من جديد، حيلةٌ هدفت لصرف السَّحَّارَة عنهن، ريثما يبتعدن.
وفعلاً، ضاع زمنُ السَّحَّارَة وهي تُحاولُ ملءَ القرعة الصماء، بالغربال، واستمرت مُحاولاتُها حتى انتصفَ النهارُ، فعادَت خائبةً، ولكنها، بالطبع، لم تجد لا (فَاطْنَة السَّمْحَة)، ولا صديقاتها في الدار، ولكنها وجدت، وفقط، الصَّغِيْرَة اللَّثْغَاء، والتي كانت العصيدة المصنوعة من عظام البشر، وماء الأزيار قد سريا في جسدها وعطلا حركتها، الشيء الذي حدا (بفَاطْنَة السَّمْحَة) لتركها خلفهن، فما كانت الصَّغِيْرَة تستطيع هرباً معهن، وما كانت إلا لتعطلهن عن الهرب، فاخترن أن يضحين بها، ويتركنها خلفهن فريسةً للسحَّارة!
وعندما سألتها السَّحَّارة عن مكان (فَاطْنَة السَّمْحَة) وصاحباتها، أخبرتها (الصَّغِيْرَة اللَّثْغَاء) عن هربهن.
وأمرتها السَّحَّارَة بأن تطبخ لها، وأن تعوس لها الكِسْرَة (تصنع لها خبزاً)، فأجابتها قائلة:
- أنا لا أعرف العواسة ولا الطبيخ!
فقالت لها السَّحَّارَة:
- أنا سأشرف عليك، وأراقب معك الطبيخ والكسرة.
وأجبرتها على إشعالِ النار، وتحضير العجين.
وسألت اللَّثْغَاء:
- وأين المُعراكة التي سأعوسُ بها؟
فأجابتها السَّحَّارَة:
- يَدِكِ هي المُعراكة ...
فحرَّقت يديها...
ثم سألت:
- وأين العود الذي ترتب به النار؟
فقالت السَّحَّارَة:
- أرجلك هي ذلك العود!
فحرقت أرجلها...
وهكذا، استمرت الصَّغِيْرَة اللَّثْغَاء في الأسئلة، الطلبات يليهما الإحتراق، والسَّحَّارَة في الإجابات الشريرة، إلى أن قذفت السَّحَّارَة، المتأبطة شرّاً، بالصغيرة في النار، وشوتها، وأكلتها.
وبعد أن أكملتِ السَّحَّارَةُ التهام البنت الصَّغِيْرَة اللَّثْغَاء، انطلقت، وهي شبعة، في إثر (فَاطْنَة السَّمْحَة) وصديقاتها...
إلى أن لاحَنْ لها، من بعيد، وهن يجرين.
ولمَّا رأينها، وهي تجري، خلفهن، زدن من سرعتهن، وهن لا يلوين على شيء.
فدَعَت السَّحَّارَة عليهن، قائلةً:
- إن شاء الله، يا (فَاطْنَة السَّمْحَة) وصديقاتها، تلقين في طريقكن جَبلَاً من الملابسِ الجاهزة!
وفعلاً، وجد البنات ذلك الجبل، ولكن (فَاطْنَة السَّمْحَة) قالت لصديقاتها:
- يا بنات! لا تنهمكن مع الملابس الجميلة، وتنسين أمر السَّحَّارَة، أسرعن في اختيار ملابسكن، وواصلن الهرب حتى لا تستطيع السَّحَّارَة اللحاق بنا!
وأسرعت البناتُ في اختيار الملابس، وبدلن ثيابهن، وأولهن، وفي مقدمتهن كانت (فَاطْنَة السَّمْحَة)، ثم انطلقن من جديد، مواصلات الهرب، ومبتعدات عن السَّحَّارَة التي كانت قد اقتربت منهن كثيراً، فصاحت السَّحَّارَة، في محاولة أخرى:
- إن شاء الله، يا (فَاطْنَة السَّمْحَة)، وصديقاتها، تلقين جبالاً من الذَّهَب، والأَلماس، والمُجَوْهَرات!
وفعلاً، أعترضتهن سلسلة من جبال (الذَّهَب، والأَلماس، والمُجَوْهَرات!)، ولكنهن اخترن حِلِيهن بسرعة، وفقاً لنصيحة (فَاطْنَة السَّمْحَة)، وحملن، وقي في مقدمتهن، ما خفَّ حمله، وغلا ثمنه من عقودٍ وخواتِم، وأساوِر من جبل المجوهرات.
فصاحت السَّحَّارَة وهي تحاول اللحاق بهن للمرّة الثالثة:
- إن شاء الله يا (فَاطْنَة السَّمْحَة)، تطعنك شُوْكة (كِتِر)، وتنكسر في قدمك، ولا تخرج إلا بواسطة سبيبة من شعر رأسي!
وطعنت شوكة الكتر (فَاطْنَة السَّمْحَة) وانكسرت في قدمها.
وبكت (فَاطْنَة السَّمْحَة)، وقالت لصديقاتها:
- لقد أصابني دعاءُ السَّحَّارَة الشريرة، ولا مفر ، أمامنا، من جلب سبيبةٍ من شعرها، لإخراج هذه الشوكة اللعينة...
فذهبت صديقاتُ (فَاطْنَة السَّمْحَة) للسحارة، وتظاهرن أمامها بالود، وأنكرن هربهن منها، وسألنها، من فوق قمة الجبل:
- مالِكْ يا حبُّوبة؟ ولماذا تجرين؟
وقد كان ذلك لاستدراجها، حسب خُطة (فَاطْنَة السَّمْحَة)، ولمَّا اقتربت منهن لتبادلهن السلام، إستطعن إنتزاع السبيبة، وانطلقن جرياً إلى حيثُ تركن (فَاطْنَة السَّمْحَة)، ومن فورهن ربطن شوكة الكتر بالسبيبة، وسحبنها، فخرجت تلك الشوكة اللعينة!
وما أن استطعن إخراج الشوكة، بسبيبة شعر رأس السَّحَّارَة المنتزعة منها بالحيلة، حتى واصلن الهرب!
وجرين، مبتعدات عن السَّحَّارَة، تتقدمهن وفي أمامهن (فَاطْنَة السَّمْحَة).
ويبدو إن اتجاه الجري كان من الجنوب إلى الشمال، أو العكس، لأن دعوة السحارة التالية كانت كالتالي:
- إن شاء الله يا (فَاطْنَة السَّمْحَة)، وصديقاتها، يلاقيكِن بحر، يسد عليكن الطريق، من الشرق... للغرب!
ووقفت (فَاطْنَة السَّمْحَة) وصديقاتها أمام البحر، وقد أعيتهن الحيلة، وتملكتهن الحيرة، وأضناهن التفكير...
ولكن، وفجأة، وبعد أن كدن أن يفقدن الأمل، خرج لهن تُمساح عُشاري من البحر، فقلن للتمساح:
- نريد منك أن تعدينا وتنقلنا إلى الضفة الأخرى من البحر!
ووافق التمساح، ولكنه حدد شرطاً، وقال:
- موافق، على أن تعطوني من بينكن، صيدة!
فأجبنه:
- نحنُ موافقات، وسنعطيك الصيدة!
وأشرن ‘إلى السَّحَّارَة، التي كانت تبدو، الآن، من بعيد، وهي تجري، وقلن له:
- بعد تعدينا، تعدي أيضاً حبوبتنا!
فحمل التمساح الصديقات الثلاث (فَاطْنَة السَّمْحَة)، على ظهره، وقطع بهن البحر، ثم عاد فحمل السَّحَّارَة، وعندما وصل عرض البحر(النهر)، هتفت به (فَاطْنَة السَّمْحَة)، وصديقاتها:
- صيدتك فوق ظهرك!
فصار التمساحُ يغطس، ويقلِّع (يطفو)، حتى ماتت السَّحَّارَة التي شرقها الماء وملأ أنفها وصدرها، اختنقت، وهكذا، تخلصت (فَاطْنَة السَّمْحَة)، وصديقاتها من السَّحَّارَة، ليبدأن حياةً جديدةً، ويصادفن مغامراتٍ أخرى، في الضفّة المُقابلة من النهر!
ولم تكف (فَاطْنَة السَّمْحَة) من تنبيه صديقاتها، وتوصيتهن من أن يكن حذرات، وأن يعملن ألف حساب لخطواتهن، تُلهمها فطرتُها السويّة، وحسُّها السليم.
في الضفة الأخرى، صادفهن حقلٌ مُعشوشِب، فقالت (فَاطْنَة السَّمْحَة) لهن:
- علينا أن حفرة لكل واحدة منَّا، لتختبيء فيها، وتغطيها ببَرْسِيِم.
وصادف أن أمير تلك البلاد، وثلاثة من أصدقائه كانوا بالحقل، متنزهًين، حين كانت (فَاطْنَة السَّمْحَة)، وصديقاتها قد إنتهين من حفر حفرهن، وغطينها ببَرْسِيِم.
ولكن الأميرانتبه إلى أن حصانه، وأحصنة أصدقائه، كانت تتراجع كلما وصلت إلى بَرْسِيِم الموضوع فوق الحفر الأربع، وهمَّت بأكله.
فقالَ الأميرُ لأصحابه عن ملاحظته، فأكّدوها، واستغربُوا من تراجعِ الأحصنة، وتساءلوا عن السبب؟
كانت(فَاطْنَة السَّمْحَة)، قبل وُلوجِ ذلك الحقل، هي وصديقاتها، قد نزلن ضيفاتٍ على رجلٍ (مسن)، استقبلهنّ في الكَرِّقَة (الراكوبة)، التي كان يستظلُّ بها، وفكرت (فَاطْنَة السَّمْحَة) في أن تتنكر بجلدِ الشيخِ المُسن، فسألت امرأةً حكيمةً من الجوار، وقالت لها:
- كيف يُمكن لي أن أسلخ جلدَ رجلٍ مسن.
فأجابتها الحكيمةُ ضاحكةً :
- نويتي على سلخ الرَّجُل العَجُوُز؟ يا (فَاطْنَة السَّمْحَة!)...
ثم أخبرتها بالطريقة، وقالت لها:
- (تغُزي (تغرسي) شوكة كِتِر، في نافوخ (يافوخ) الرَّجُل المسن، فينزل جلده في الحال!)...
فسلخت (فَاطْنَة السَّمْحَة) المسن وغرست شوكة الكتر، عندما عادت إلى راكوبته، على الفور، ثُمَّ لبست جلدَهُ، مُتنكرةً في هيئةِ الرَّجُل العَجُوُز، وهي الهيئة التي دخلت بها (فَاطْنَة السَّمْحَة) الحفرة الرابعة، في الحقل المذكُور.
عندما اقترب الأميرُ من الحُفَر، سمعَ إحدى الفتياتِ وهي تهشُّ الحصان:
- هش! هش.. يا الحصين، لا تأكلوا قش (عشب) البنات السمحات!
فندَهْ على أصحابِهِ، ولمّا تأكدوا من وجود بناتٍ جميلاتٍ داخل تلك الحفر، أزاحوا عنها التراب، وكانَ كلُّ واحدٍ يعزل ويختار البنت التي سيتزوجها، وقال أصدقاءُ الأمير الثلاثة:
- وا حلالي بالأولى!
- وا حلالي بالثانية!
- وا حلالي بالثالثة!
وجاء الدور على الحفرة الرابعة، حيثُ فَاطْنَة السَّمْحَة، والتي هي من نصيب الأمير، ولما فتحوا الحفرة تفاجأ ألمير بأن نصيبه (رجلٌ عَجُوُز)، وضحك أصدقاؤه، وسخروا منه، واقتنع هو بألا نصيب له في الفتيات الجميلات!
ورد على سخريتهم قائلاً:
- سأحتفظُ بهذا الرَّجُل المسن، وسأستأنس برفقته.
وعندما وصل المسنُّ، والأميرُ إلى القصر، سأله:
- هل يُمكنك رعايةَ الخيل؟
- لا، لأنها سترفسني، وأنا رجلٌ كبيرٌ، ولا أحتملُ أيَّةَ إصابات.
- هل يُمكنك رعايةَ الأغنام!
- لأ، لأنها تحتاجُ للرعايةِ طول اليوم، وأنا أحتاجُ لفتراتٍ من الراحة.
- هل يُمكنك رعايةَ الدجاج؟
- لا، لأن العنايةَ بِهِ تتطلب جَهداً، ووقتاً، وطاقةً، لا قبل لي بهم.
- إذن، ماذا يُمكِنك فِعْله؟
- يُمكنني رعايةَ الحَمَام، أعتني به، وأحميه، وأنظِّف أعشاشه...
- إذن، فلك ذلك!
وصارت (فَاطْنَة السَّمْحَة)، تذهبُ كلَّ يومٍ مع حماماتها إلى بحيرةٍ قريبة.
وهناك، كانت تخلع جلدَ العَجُوُز، وتستحم، بهيئتها الحقيقية، مع الحمام، وترقص، وقدسارت الأمورُ على هذا المنوال لفترة، ولكنها، مع الزمن، فقدت حذرها الشديد، بعد أن طمأنتها حياتها الجديدة في قصر الأمير، لدرجة أن الأمير قد شك في أمر هذا الرَّجُل المسن.
وأرسل خادمه الأبكم، أوّل الأمر، ليرافق الرَّجُل العجوز، ورأي الأبكمُ ما تفعله (فَاطْنَة السَّمْحَة)، فبهت، ولكنه كان يهمهم بطريقةٍ غريبةٍ، وغير مفهومة، حين هم بإطلاع الأمير على سر (فَاطْنَة السَّمْحَة)، فكان الأميرُ يسأل العَجُوُز عمَّا بالأبكم، فيجيبه أن الحارس مريض ويحتاج (للكي بالنار)...
وهكذا، كان يُقْتَل الحُرَّاسُ البكم الذين كانوا يرافقون (فاطنة السمحة)، يوميا، إلى البُحَيْرة!
ولكن، لفت ذلك نظرَ الأمير، وساورتهُ المزيدُ من الشكوك، وحارَ في أمر الرَّجُل العَجُوُز، فتبعه خلسةً، دون أن تشعر (فَاطْنَة السَّمْحَة) بمتابعته لها، إلى البُحَيْرة...
وهُنَاك، في البحيرة، كانت دهشتُهُ، وحُبورُهُ لا يُوصَفان، حينما خلعت (فَاطْنَة السَّمْحَة) الجلد العَجُوُز، ورأي فيها من آياتِ الجمالِ، والمال ما لم ير من قبل.
أمَّا هي، فقد أطلقت شعرها للريح، ثم بدأت تستحم مع الحَمَامَات!
أمّا الأمير فقد صعد إلى شجرةٍ قريبةٍ، ليراقبُ منها، مبهُوراً، (فَاطْنَة السَّمْحَة).
وخلعت (فَاطْنَة السَّمْحَة) الخواتم، العشرة، التي كانت تزين أصابع يديها، والتي كانت قد أخذتها من جبل الذهب، الذي صادفها أثناء مطاردة السَّحَّارَة لها ولصديقاتها، فما كان من الأمير إلا أن مدَّ عصاهُ، الطويلة، التي قطعها من فرع الشجرة، وسحب بها أحد تلك الخواتم، ولما فرغت (فَاطْنَة السَّمْحَة) من الاستحمام، ولبست ختمها، اكتشفت أن هنالك خاتماً مفقوداً، فصارت تحسب الختم في أصابعها التسعة للحارس الأبكم، وتسأله قائلة:
- دا في، ودا في، ودا في، دا، وينو ؟
تقول له ذلك، وهي تُشير لأصبعها العاشر الخالي من خاتم.
وكان الحارس، يُشير لأعلى الشجرة، حيثُ الأمير، ولكنها كانت تظن أنه يحلف بالسماء، فتمعن في ضربه، إهانته، إلى أن ألقى الأمير بالخاتم رأفةً بخادمه، وحمايةً له من إهانتها، ولكنها ظنت أن الحارس هو الذي ألقى بذلك الخاتم فكفّت عن أذاه.
وفي الصباح، عندما همّت (فَاطْنَة السَّمْحَة) بالذهاب إلى البُحَيْرة، ومرافقة حماماتها إلى هُنَاك، قال الأمير للرجلِ العجُوُز:
- يا عمي! دعك اليومَ من البُحَيْرة، ولنجلس هنا، ونتجاذبُ أطرافَ الحديث!
وجلست (فَاطْنَة السَّمْحَة) مع الأمير، ولكنها كانت تتهرب من أسئلته، بحيثُ لم يجد منها عُقّاباً نافعاً يساعده على كشفِ شخصيَّة (فَاطْنَة السَّمْحَة) الحقيقيَّة!
وطلب الأمير من العجوز أن يلعبا (الطاب)، على أن يسلخ الغالبُ جلدَ المغلوب.
فوافقت (فَاطْنَة السَّمْحَة) على إقتراحِ، وشرط الأمير، وكانت تغلبه، وفي كلِّ مرّةٍ كان يترجاها، فتعفو، وفتصفح عنه، ويبدآن اللعبَ من جديد.
ولكنه في المرَّةِ الأخيرة، كان هو من غلب.
وقبل أن يسألها، أو يدع لها فرصةً للتترجاهُ، أسرع، فشق جلدَ الرَّجُل العَجُوُز، وهو يتحرَّقُ شوقاً لإظهار (فَاطْنَة السَّمْحَة) على طبيعتها.
وترتب على ظهور فَاطْنَة السَّمْحَة بطبيعتها، زواجُها من الأمير، ذلك الزواج الذي أقيم على شرفه احتفالٌ ضخمٌ، ومَهِيب.
ومع ذلك، كانت (فَاطْنَة السَّمْحَة) مُعتكفةً داخل القصر، وترفضُ الظهور أمام أيٍ من كان، لدرجة إن أصدقاء الأمير عيروا أميرهم بأن زوجته لا بُد أن تكُونَ قبيحةً.
ولكن الأمير كان يقسم أمامهم، ويقول لهم:
- أن زوجتي في غاية الجمال!
ولكنهم كانوا يكذبونه، يجادلونه متسائلين:
- لماذا تختفي عن الناسِ، إذن، إن كانت كما تقول؟
والحال كذلك، أنجبت (فَاطْنَة السَّمْحَة) صبيَّاً جميلاً، وهي علي اعتكافها داخل القصر الأميري، فزادت سخريةُ أصدقاءِ الأمير من قبحها، فما كان من الأمير إلا أن حمل الصغير، ووضعه في لفحِ الهجير ِ، وقيظه، أمام الناس، وأمام أصدقائه، الذين تجمَّعُوا لرؤية (فَاطْنَة السَّمْحَة).
واضطرت (فَاطْنَة السَّمْحَة) فخرجت لتحمي صغيرها من حرِّ الشمس ولهيبها.
وفي الحال، وفور رؤيتها، ورؤيةِ جمالها الآخَّاذ، أُغمَى على الجميع، وما أفاقوا إلا بعد زمن.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.