شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    البرهان يتفقد مستشفى الرباط ويوجّه بتطوير الخدمات الطبية الشرطية    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    مجلس الهلال يترقب قرار الانضباط ويعلن الاستعداد للتصعيد.. والكاف في مأزق كبير    حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كتاب الدكتور موسى الباشا : "الدولة الدينية الإسلاميّة في النظرية والتطبيق" .. بقلم: هاشم الإمام محيي الدين
نشر في سودانيل يوم 04 - 03 - 2009

كتاب الدكتور موسى الباشا : "الدولة الدينية الإسلاميّة في النظرية والتطبيق"
رؤية نقدية ( 1 )
هاشم الإمام محيي الدين
فرجينيا / الولايات المتحدة
[email protected]
من أكثر سمات الخطاب العلماني المعاصر شيوعاً، وأعظمها ذيوعاً ، نقل المصطلحات من بيئتها التي نبتت فيها ، بكل إفرازاتها وملابساتها، وغرسها في البيئة الإسلامية ،وهو أمر جدُّ خطير؛ ذلك أنّ كل مصطلح يتأثر بمعطيات البيئة الفكرية والحضارية التي نشأ فيها ، ويحمل في طياته المدلولات الفكرية ، والاتجاهات العقلية لإنسان هذه البيئة ، فنقله من بيئته إلى بيئة أخرى ضرب من ضروب التجاوز في دلالة الألفاظ ، ونوع من أنواع التهاون بمدلولات الألفاظ الثقافية .
ومن سمات هذا الخطاب سوق المسائل الخلافية سوق المسلمات التي فُرغ من دراستها وتمحيصها . كذلك سلب الخصوم أسماءهم التي عُرفوا بها في مجتمعاتهم ، ونحلهم أسماء جديدة تحمل ظلالاً سلبية من المعاني ، والطرق على هذه الأسماء الجديدة حتى تجد طريقها إلى ذاكرة القرّاء وتستقر في وجدانهم .
ومن هذه السمات أيضاَ ، نزع القدسية عن النصوص ،و ترك الأخبار الصحيحة التي تلقتها الأمة بالقبول ، وإيراد الروايات الشاذة التي تشكك في ثوابت الأمة ، وتنال من رموزها الدينية والتاريخية ، وغير ذلك .
ولعل كتاب الدكتور موسى الباشا الذي نحن بصدد دراسته ونقده يمثل بعضاَ ممّا ذكرت من أنواع هذا الخطاب ، وقد بدت سمات هذا الخطاب من عنوان الكتاب إذ سمّاه "الدولة الدينية الإسلامية في النظرية والتطبيق " وكأن نعت الدولة الإسلامية بأنها دولة دينية من الحقائق المسلّم بها ، أو من بدهيات العقول ، فالدولة الدينية مصطلح غربي يطلق في الفكر السياسي الغربي على الدولة الثيوقراطية التي تحكم بالحق الإلهي ، وقد نقله الباحث من بيئته التي نبت فيها بكل ما علق به من إفرازات ، واكتنفه من ملابسات عبر الحقب التاريخية المختلفة ليسم به الدولة الإسلامية ، ويحاكمها في ضوئه ، مع أن الدولة الإسلامية لم تعرف هذا النوع من الحكم لا في تاريخها ولا في مرجعياتها .
إنّ من أهم الأسباب في اضطراب صورة الدولة الإسلامية في الأذهان هو أن خصومها والداعين إليها على السواء يستعملون المصطلحات السياسية الغربية للتعبير عن أفكار قد لا تكون هذه المصطلحات تعبّر عنها بدقة .
كذلك سلب المؤلف – عفا الله عنه – الحركات الإسلامية أو الجماعات الإسلامية أسماءها التي اشتهرت بها في المجتمعات التي ظهرت فيها ، وسمّاها بما حلا في مذاقه دون حاجة إلى ذلك ، مع أنّ الناس في أشد الحاجة إلى ضبط المصطلحات ، وتضييق دلالات الألفاظ حتى لاتنبهم المعاني .
سمّى المؤلف الجماعات الإسلامية ب (الانبثاقيين ) ، وزعم أنه إنّما فعل ذلك لأنهم يقولون بانبثاق السياسة عن الدين الإسلامي ، ومن ثمّ لا يفصلون بين الدين والسياسة ، والذي أعلمه أن المعنى اللغوي لمادة ( بثق ) ومشتقاتها أقرب إلى معنى الانفصال لا عكسه ، تقول : بثق النهر أي كسر شطّه لينبثق الماء ، وانبثق الفجر أي طلع ، وانبثق عند المسيحيين : صدر ، والانبثاق هو انبثاق الروح القدس من الأب والابن ، وهذه الجماعات لا تقول بانبثاق السياسة عن الدين بل تقول إنّ السياسة جزء لا يتجزأ من الدين ، ولا ينفك عنه ، فالدين الحق عندهم لا يمكن أن يكون ابتداءً عقيدة مفصولة عن الشريعة ، والشريعة في دين الله الحق هو مقتضى العقيدة نفسها ، مقتضى شهادة (لا إله إلاّ الله ) ، وشهادة ( لا إله إلاّ الله ) لا تكون صحيحة وقائمة إن لم تؤدّ عن صاحبها هذا المعنى ، وهو الالتزام بما جاء من عند الله ، والتحاكم إلى شريعته ؛ لذلك فإنّ هذا المصطلح لا يؤدي المعنى الذي أراده الباحث ، بل يعبّر عن نقيضه ، والمعنى الاصطلاحي تربطه بالمعنى اللغوي وشيجة قربى .
ومن غريب استخدامات المؤلف للمصطلحات أنه يعمد إلى ما شاع منها ، واستخدمه علماء الأمة عبر القرون ، ويستبدل به ألفاظاً هي إلى الشرح أقرب منها إلى المصطلح الجديد ، فهو يترك مصطلح ( الصحابة ) ليقول : رفاق النبي ، ومعاصرو الرسول الخاتم ، ويترك مصطلح ( السنة ) ليقول : الموروث الرسولي للنبي الخاتم ،مع أنّ مصطلحي( الصحابة ) و ( السنة ) أخصر ، وأبلغ دلالة ، وأعرف عند القراء الذين يخاطبهم ، ولا أدري أطرح المؤلف هذه المصطلحات جانباً لما تحمله من دلالات يريد أن يهدمها أم هي الرغبة في الجديد وحسب ؟!
كذلك يستخدم الباحث كثيراً من الألفاظ الشائعة في الديانة المسيحية كالانبثاق ، والناسوت ، والرعوية ....الخ دون حاجة إليها ، فما أكثر الألفاظ الإسلامية ، وما أغناها ، وما أشد نفور المسلمين من مصطلحات أهل الكتاب ؛ لأنّ أكثرها يحمل مفاهيم تتناقض مع عقيدة التوحيد ! وإذا كان الباحث يهدف إلى إقناع المسلمين بترك معتقدهم بأن الإسلام عقيدة وشريعة، والاعتقاد بأنه عقيدة فقط لا شأن له بالسياسة والحكم ، فما كان أجدره أن يتلطف في دعوته ويخاطبهم بلغة تقرّبهم إليه ، و لا تصدهم عنه وتشككهم في غرضه من أوّل وهلة !
وممّا يحمد للمؤلف أنه حاول الحجاج لأفكاره من داخل النصوص الشرعية ، ممّا يعني أننا نتحاكم إلى مرجعية واحدة ، وهي الكتاب والسنة ، وهذا ممّا يسهّل مجادلته ، وتناول أفكاره ، والانتهاء بمحاورته إلى غاية ، فالخصمان لا بدّ أن تكون لهما مرجعية عليا يتحاكمان إليها عند النزاع ، فإذا كان أحدهما قد عقد خصومة مع الأصول والمحكمات ، أو أعلن ابتداءً كفره بها ، فلا معنى للجدال في الفروع والمتشابهات.
هذا وسيجد القارئ في تضاعيف هذه القراءة تفصيل ما أجملته من أفكار في أوّل هذا الحديث وتوضيحاً لها .
ما المراد بالدولة الدينية ؟
الدولة الدينية أو ( الثيوقراطية ) جاءت من الكلمة اليونانية Theokratia التي تعني" حكم الله" ، ثمّ شاع المصطلح وأُريد به الدولة التي يحكمها رجال الدّين ، والتي تزعم أنها تحكم باسم الله ، وأنّ حكّامها هم وكلاء الله في أرضه ، فلا يجوز مراجعتهم أو محاسبتهم ، دعك عن إقالتهم ، فالثيوقراطية " هي ذلك النظام من الحكم الذي يجعل من الدين والتفويض الإلهي مصدراً للسلطة السياسية ، ويدعي القائمون عليها أنهم مفوضون من الله ، وأنهم ناطقون باسم السماء ، ويجب الإذعان لجميع قراراتهم ، والرضا بها دون مراجعة أو اعتراض ؛ لانّ الاعتراض عليها يكون اعتراضاً على الله الذي يتحدثون باسمه ، وهم وكلاؤه على الناس ......" (1)
والدولة الثيوقراطية دولة قائمة على نظرية الحق الإلهي ، يُقدس فيها الملوك والحكام باعتبارهم نواباً عن الله وممثلين له في الأرض، فآراؤهم مقدسة ، وأقوالهم وأفعالهم معصومة ، وقد عرفت أوروبا هذا اللون من الحكم في عصورها الوسطى بناء على ما يدّعون أنه مأثور عن السيد المسيح –عليه السلام – ( ما تحلونه في الأرض يكون محلولاً في السماء ، وما تربطونه في الأرض يكون مربوطاً في السماء ) فمارس الحكام الاستبداد ، والقهر على شعوبهم باسم الدين، واحتكرت الكنيسة المعرفة .ولا شك أنّ الدولة بهذا المعنى نوع من أنواع الوثنية ، وأثر من آثار التخلف والانحطاط، والقائمون عليها طواغيت يدعون الربوبية على الناس ، ومن أطاعهم على ذلك فقد عبدهم من دون الله .
لقد شنع القرآن الكريم على أهل الكتاب أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ،قال تعالى :" اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم وما أُمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً " (التوبة: 31)و لمّا استنكر عدي بن حاتم الطائي عبودية النصارى للأحبار والرهبان ، قال له ،صلّى الله عليه وسلّم :" ألم يكونوا يحلون لكم الحرام ، ويحرمون عليكم الحلال فتتبعوهم ، فتلك عبادتكم إيّاهم".
وممّا يحتج به خصوم الدولة الإسلامية، أن فكرة ( الحاكمية ) التي ترد كثيراً في أدبيات الحركة الإسلامية المعاصرة ، وفي مؤلفات مفكريها كالأستاذ سيد قطب ، والأستاذ أبي الأعلى المودودي ، تعني أن الحكم لا يكون إلاّ لله ، ولا يمارس إلاّ باسمه وحده ، ممّا يعني قيام دولة دينية تمارس البغي والطغيان والوصاية الكهنوتية باسم الدين . و" لعل منشأ هذه الشبهة هو الخلط بين مصدر السلطة السياسية وبين مصدر النظام القانوني ، فالسلطة في الاسلام مصدرها الأمة ، والنظام القانوني مصدره الشارع . وهذا المصدر الرباني للنظام القانوني لا يضفي أي قداسة على النظام السياسي ، ولا يعني بالضرورة أن السلطة السياسية تستمد شرعيتها من الحق الإلهي ، بل على النقيض من ذلك ، فإنّه يمثل ضمانة تحول دون طغيان السلطة السياسية ؛ لأنّ هذا النظام القانوني يخاطب الحاكم كما يخاطب المحكومين ، ويخضع له الجميع حكاماً ورعية على السواء ، ولا سبيل إلى تغييره أو العبث به باصطناع أغلبية مأجورة تتبنى أهواء الحاكم داخل المجالس التشريعية ، كما هو الحال في كثير من الأنظمة الوضعية "(2)
إنّ تاريخ الدولة الإسلامية يشهد بأنها لم تكن دولة ثيوقراطية دينية بالمعنى الذي عرفته أوروبا ، وهو حكم رجال الدين وسلطتهم المطلقة في الأمور المدنية والدينية ، فالدين الإسلامي ليس فيه كهنوت ، ولا رجال دين ، وإنّما فيه علماء ، وهؤلاء العلماء ليسوا أوصياء من الله على خلقه ، كما لم يكن هناك احتكار للمعرفة ، ولكن هذا لاينفي أنّ الدولة في الإسلام تقوم على حراسة الدين ، وتصطبغ بهويته ، وتعمل على إقامة أحكامه، والدعوة إليه .
إنّ استخدام مصطلح الدولة الدينية بمفهومه الأوروبي تزييف وتضليل للقاريء ، ومن يبحث في تاريخ الدولة الإسلامية فليستخدم مصطلحات مؤرخي الإسلام ، ومن أراد أن يحاكمها فليحاكمها في سياقها الزمني و بمقتضى العدل .
وإذا كانت الدولة الإسلامية ليست دولة دينية ثيوقراطية ، فما طبيعتها ؟
يعدّ مصطلح الدولة المدنية مقابلاً لمصطلح الدولة الدينية ، وقد عرفه الغرب في إطار معركة شعوبه مع الكنيسة ، والسعي لإنهاء سيطرتها على شؤون الحكم ، وهو يعني أن تستقل الدولة بشؤونها عن هيمنة الكنيسة وتدخلها ، ولا يعرف هذا المصطلح عند علماء المسلمين ؛ لأنّ التناقض بين ما هو مدني وما هو ديني والفصل بينهما ليس من طبيعة ديننا ، فليس في الإسلام رجال دين بالمعنى الكنسي الذي يضفي عليهم القداسة ، ويميزهم في لباسهم وأعمالهم . وممّا هو جدير بالتأمل أن كلمتي (دينية ) و (مدنية ) عند كثير من علماء اللغة مشتقتان من الجذر (د يَ ن ) وأن العرب كانت تطلق كلمة( مدينة ) على التجمع السكاني الذي تحكمه نظم وقوانين ؛ لذلك سُمّيت (يثرب ) بالمدينة بعد أن أصبح فيها سلطان ، وصارت العلاقات بين سكّانها ينظمها قانون .
وفقهاء السياسة الشرعية يجعلون مهمة الحاكم في الإسلام مهمة تنفيذية ، وسلطاته محدودة بحدود شرعية لا يجوز له أن يتجاوزها ، ومّما ذكره الماوردي –رحمه الله - في كتابه " الأحكام السلطانيّة " عن واجبات الخليفة أنّه يقوم نيابة عن الأمة بحماية العقيدة ،وحراسة الدين ، والدفاع عن البلاد، وإقامة الأحكام ، والفصل في المنازعات ، وجباية الأموال وتوزيعها ، واختيار الولاة وتكليفهم بمهماتهم .
وطاعة الإمام مشروطة بطاعة الله فإن عدل عن طاعة الله، أو أمر بمنكر فلا طاعة له على الناس قال الماوردي في شروط الإمامة :" والشرط الخامس العدالة وهي معتبرة في كلّ ولاية ، والعدالة أن يكون صادق اللهجة، ظاهر الأمانة ،عفيفاً عن المحارم ، متوقياً المآثم ، بعيداً عن الريب ، مأموناً في الرضا والغضب ، مستعملاً لمروءة مثله في دينه ودنياه ، فإذا تكاملت فيه فهي العدالة التي تجوز بها شهادته ، وتصح معها ولايته ، وإن انخرم منها وصف منع من الشهادة والولاية، فلم يسمع له قول ، ولم ينفذ له حكم..."(3)
والعلماء مجمعون على وجوب خلع الخليفة إذا لم يلتزم بتنفيذ أحكام الشريعة ، قال الغزالي رحمه الله –" إنّ السلطان الظالم عليه أن يكف عن ولايته ، وهو إمّا معزول أو واجب العزل، وهو على التحقيق ليس بسلطان " (4)
ومن هذا يتضح أن الحاكم في دولة الإسلام لا يحكم بتفويض من الله بل خاضع كسائر الرعية لشرع الله ، والدولة في الإسلام دولة مدنية وإن اختلفت آراء علماء الإسلام المحدثين في استخدام هذا المصطلح مصطلح الدولة المدنية ، فمنهم من رفضه تماماً حذراً من الالتباس ؛ لأنه في معناه الأصلي يعني عزل الدين تماماً عن الدولة ، وعن السياسة ، والمناداة بعلمانية ( لا دينية ) الدولة ، ومنهم من قبل بعض مفردات هذا اللفظ ، وأعرض عن بعضها ، متغافلاً عن القول بفصل الدين عن السياسة ، وإبعاده عن المرجعية في إدارة مؤسسات الدولة ، وأكثر مفكري الجماعات الإسلامية المعاصرة يؤمنون بأن الدولة المدنية هي جوهر الإسلام وحقيقته . فقد ذكر الشيخ القرضاوي أنّ " الدولة الإسلامية كما جاء بها الإسلام ، وكما عرفها تاريخ المسلمين ، دولة مدنية تقوم السلطة فيها على البيعة والاختيار والشورى ، والحاكم فيها وكيل عن الأمة وأجير لها ، ومن حق الأمة ممثلة في أهل الحل والعقد أن تحاسبه ، وتراقبه وتأمره وتنهاه وتقوّمه إن اعوجّ والاّ عزلته ، ومن حق كل مسلم بل كل مواطن أن ينكر على رئيس الدولة نفسه إذا رآه اقترف منكراً أو ضيّع معروفاً ، بل على الشعب أن يعلن الثورة عليه إذا رأى كفراً مباحاً "(5)
وجاء في رسائل البنا، رحمه الله ،"فالحاكم مسؤول بين يدي الله، وهو أجير لهم ،وعامل لديهم "(6) وقال أيضاً : "ومن حق الأمة أن تراقب الحاكم أدق مراقبة ، وأن تشيرعليه بما ترى فيه الخير وعليه أن يشاورها وأن يحترم إرادتها ......:(7)
وممّا جاء في المشروع الحضاري الإسلامي للإخوان المسلمين في سوريا ( الحكومة المسلمة مجموعة من الموظفين يتعاقد معهم أهل الحل والعقد ، على رياسة الأمة ، وتسيير أمورها حسب صيغة متفق عليها بين الطرفين المتعاقدين ، وأهل الحل والعقد ، يراقبون الحكومة التي تعاقدوا معها في أعمالها ، ويسددونها وينصحونها ، وفقاً للوائح العقد وشروطه ، وإذا خالفت شروط العقد يعزلونها . أو كما نقول اليوم ( يسقطونها ) ؛ لأنها حكومة مدنية ، وموظفوها أناس عاديون ليست لهم صفة القداسة ، ولا أي صفة تميزهم عن سائر المواطنين ..."(8)
ومن الشواهد التاريخية التي تؤكد أن الدولة المسلمة دولة مدنية ، يخضع الحاكم فيها للشرع كما يخضع المواطن العادي ، ولا يتميز عنه بشئ :
في غزوة بدر كان النبي ، صلّى الله عليه وسلّم ، يعدل صفوف أصحابه ، وفي يده قدح (سهم ) يعدل به القوم ، فمرّ بسواد بن غزيّة وكان خارج الصف ، فطعنه في بطنه بالقدح ، وقال استو يا سواد ، فقال يا رسول الله أوجعتني ، وقد بعثك الله بالحق والعدل ، قال : فأقدني ( أي أقتص منك ) فكشف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن بطنه ، وقال استقد ، فاعتنقه فقبّل بطنه .
و جاء في البيان الأوّل للخليفة الأوَل أبي بكرالصديق( أيّها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوموني....أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ).
وكرّر عمر البيان نفسه عندما بويع أميراً على المسلمين ، فوقف أحد المسلمين مستلا سيفه وقال له : والله لو رأينا فيك اعوجاجاَ لقوّمناه بسيوفنا، فيقول عمر : الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من يقوّم اعوجاجه بسيفه .
3-قال العتبي : بعث إلى عمر بحلل فقسّمها فأصاب كل رجل ثوب ، فصعد عمر المنبر وعليه حلّة ، والحلة ثوبان ، فقال أيها الناس ألا تسمعون ؟ فقال سلمان : لا نسمع . قال عمر : ولِم يا أباعبدالله ؟ قال ؛ لأنك قسمت علينا ثوباً ثوباً وعليك حلة . قال عمر : لا تعجل ياأبا عبد الله . ثمّ نادى : يا عبد الله ، فلم يجبه أحد ، فقال يا عبد الله بن عمر ، قال : لبيك أمير المؤمنين . قال عمر : نشدتك الله ، الثوب الذي اتزرت به هو ثوبك ؟قال: اللهم نعم . فقال سلمان رضي الله عنه : أما الآن فقل نسمع .
4-ذكر ابن الجوزي أن عمرو بن العاص قال لرجل من المسلمين كان معه بمصر : يا منافق ، فشكاه إلى عمر بن الخطّاب ، فكتب أمير المؤمنين إلى والي مصر يقول له : أما بعد فإنّ فلاناً ذكر أنك نفّقته ، وإني أمرته إن أقام عليك شاهدين أن يضربك أربعين ، فقام الرجل فقال : أنشد الله رجلاً سمع عمراً نفّقني إلا قام ، فقام عامة أهل المسجد ، فقال له حشم عمرو : أتريد أن تضرب الأمير ؟ قال وعرض عليه الأرش(فدية مال ) فأبى ،فقال عمرو أتركوه وأمكنه من السوط ، وجلس بين يديه، فقال الرجل : أتقدر أن تمنع مني لسلطانك ؟ قال عمرو : لا ، فقال الرجل : فامض لما أمرت به فإني أدعك لله .
5-حجّ أبو جعفر المنصور ، فطلب سفيان الثوري فجاءه ، فقال سفيان : كم أنفقت في سفرك ؟ قال :لا أدري ، لي أمناء ووكلاء ، فقال سفيان : فما عذرك غداً إذا وقفت بين يدي الله تعالى ، فسألك عن ذلك ؟ لكن عمر بن الخطاب ، لما رجع قال لغلامه : كم أنفقت في سفرنا هذا ؟ قال : ثمانية عشر ديناراً ، فقال عمر : ويحك !! أجحفنا بيت مال المسلمين ، وعن ابن مسعود أن رسول الله ، صلّى الله عليه وسلّم ، قال :ربّ متخوص في مال الله فيما شاءت نفسه ، له النار غداً. فيقول أحد متزلفي الحاشية : أمير المؤمنين يستقبل بهذا، فأجابه سفيان :اسكت ، إنّما أهلك فرعونَ هامانُ .
والأمثلة التي تبين مدى خضوع الحاكم المسلم للنصيحة ، والرجوع عن رأيه كثيرة ، وفي كتاب الشيخ عبد العزيز البدري (العلماء والحكام ) أيّما غناء لمن أراد المزيد من الأمثلة .
وصفوة القول أنّ مصطلح الدولة المدنية إذا كان يعني فصل الدين عن الدولة ومؤسساتها ، وقصر دوره على الصلاة في المساجد ،وتنظيم العلاقات الأسرية ( قانون الأحوال الشخصية ) فليس مصطلحاً إسلامياَ ، ولا يعبر عن مضمون إسلامي . أمّا إذا كانت الدولة المدنية تعني بسط الحريات ، وتبادل السلطة ، وأن مؤسسات الدولة يتولّى إدارتها الأكفاء من أهل العلم ، وأن الشرعية الإسلامية هي المرجعية التي تدار بها مؤسسات الدولة ،فهو اصطلاح مقبول يعبر عن جوهر الإسلام وحقيقته .
وإذا كان العلمانيون ينادون بفصل الدين عن الدولة ، ويعترف بعضهم بأن في دين الإسلام نظاماً للحكم ، فإنّ خطورة كتاب الدكتور الباشا ، أنه يسلب الدين إحدى خصائصه وينكرها رغم أنه ليس عنده عداء للدين ، وهو في خاصة نفسه متدين ليس من أهل الهوى، وقد حجّ بيت الله الحرام في هذا العام ، وإنما أوتي من قبل منهجه في فهم الدين ، أو من قبل إعجابه بأفكار الشيخ /علي عبد الرازق . أسأل الله تعالى أن يريني وإياه الحق ويرزقنا اتّباعه .
وللحديث صلة ......
المراجع :
1-د. صلاح الصاوي: المحاورة.
2-المرجع نفسه .
3-الماوردي :الأحكام السلطانية.
4-الغزالي أبوحامد: إحياء علوم الدين
5-موقع الحماعة الإسلامية / مقال:الإسلام والدولة المدنية للدكتور أسامة حافظ .
http://egyig.com/Public/articles/recent_issues/6/02550777.shtml
6-و7-حسن البنا: مجموعة رسائل الإمام حسن البنا .
8-كاتب سوري في المنفى: رابطة أدباء الشام .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.