مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: الحوت تعرض لظلم فادح من هؤلاء وهذا ما فعلته عندما علمت بتعاطيه "السجائر" وهو طالب في الثانوي    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    اكتمال عقد الجهاز الفني للكمال    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    شاهد بالفيديو.. نجمة السوشيال ميديا السودانية هبة الجندي تعود للظهور بعد غياب طويل بتقرير إخباري عن الأحداث السودانية وتطورها    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الديمقراطية الرابعة (1) .. بقلم: كوكو موسى
نشر في سودانيل يوم 11 - 06 - 2020

قد يبدو من المبكر الحديث عن فترة ديمقراطية رابعة هذا إذا تمكنا من إجتياز الفترة الإنتقالية المترنحة والوصول لترتيبات تفضي لإنتخابات حرة تلج بنا فترة ديمقراطية. ولكن قد يكون علينا التحسب بأن الديمقراطية الرابعة قد تكون كالعنقاء نسمع بها ولا نراها بل وقد يصل بنا الأمر بأن نتمنى حتى أن لا نراها. سنتحدث في سلسلة متتابعة عن ما نعتقد بأنه العوائق التي ستعوق الوصول لفترة ديمقراطية رابعة وربما موت الفترة الإنتقالية نفسها وسنبدأها بالشد بين اليسار والدعم السريع.
إن الشد بين اليسار والدعم السريع الذي أصبح الآن رأس الرمح للبيت ''العطوي‘‘ أو العطاوة وممثلاً لقطاع كبير منهم ويسعى للم الباقي في مساعي حثيثة للم شمل هذا البيت وتوحيده في وجه النخبة الشمالية أو ما يسمى المركز، سيكون من أولى معيقات الفترة الإنتقالية والوصول للإنتخابات. لقد بات واضحاً أنه لأول مرة في تاريخ السودان المعاصر في ما بعد الإستقلال بأن النخبة الشمالية تواجه تحدياً ربما يكون الأخير والنهائي لسلطتها ليس في الأطراف البعيدة بل في عقر دارها أي الشمال والوسط نفسه، منبع هذه النخبة، وهو أمر حرج للغاية بالنسبة لها. العطاوة هم العرب الرحل من ''البقارة‘‘ و''الأبالة‘‘ الذين يقطنون بصورة رئيسية في إقليمي دارفور وكردفان وكانوا يرتحلون سابقاً ذهاباً وإياباً إلى داخل ما يعرف الآن بجمهورية جنوب السودان لتتعقد مراحيلهم بعد ذلك بصورة كبيرة وأصبحت تحدها رسمياً للمسيرية مثلاً جنوب كردفان، وأصبحت مجموعة من مواشيهم ترعى داخل مناطق سيطرة الحركة الشعبية (وتحت حمايتها) بعد تفاهمات لا علاقة للحكومة بها بأمان وهدوء يمثل ظاهرة فريدة توضح التعايش الذي يمكن أن يحدث بين الشعوب السودانية المختلفة إذا تم محو المركز من الوجود السياسي والتأثير الإجتماعي السوداني. إن العطاوة الذين يمثلون التحدي المذكور أعلاه بالنسبة للمركز هم نظرياً جزء من ما يعرف بالهامش، ولكن عملياً خصوصاً في حقبة ما بعد الإستقلال هم حلفاء المركز التاريخيين في قمع جيرانهم في الهامش ولا نبالغ إذا قلنا بأنهم وأبناء الهامش السود ''الزرقة‘‘ الذين يعملون في صفوف الحكومة هم السبب الوحيد لبقاء حكم النخبة الشمالية أو ما يعرف بالمركز حتى الآن. إن تضخم العطاوة بسبب دعم المركز لهم لقمع الهامش الأسود والزنجي الأفريقي (هناك زنوج غير سود بالمعايير السودانية) قد قاد في النهاية لإبتلاع العطاوة للمركز نفسه. هذا الإبتلاع حتى الآن هو إبتلاع عسكري بصورة رئيسية ولكن قدرة البيت العطوي على التماسك وحصر إمكانياته في المجالات الأخرى سيحدد الصورة النهائية لهذا الإبتلاع.
إن عدم وعي النخبة اليسارية الشمالية لطبيعة الصراع وإصرارها على حشره في قوالب عقائدية دون النظر للأبعاد الأخرى بطريقة عملية وعشائريتها هي نفسها هو ما أدخلها في هذه الورطة وهو أمر تحدثنا عنه سابقاً في عدة مقالات ولا يسعنا تكراره هنا، ولكن إختصاراً فإن مكان هذه النخبة الطبيعي ومنذ البداية كان في الأحراش مع إخوتهم في حركات الهامش المسلحة ككتلة واحدة ضد اليمين المتخلف المتطرف في المركز ولكانت هذه المشكلة قد إنتهت منذ زمن بعيد وأصبحت هناك ثقة قوية بين الشماليين والمكونات الأخرى تصلح لتكوين دولة مشتركة، لقد أعيانا البحث في تاريخ الدول التي تحررت بنضالات اليسار في التاريخ الحديث ولم نجد محلاً للإعراب لليسار السوداني وتصرفاته سوى سعيه لحماية نفس المركز الذي يحاربه الآخرون على أمل أن يسيطر عليه في ما بعد ويقوم بالإصلاح من منصة علوية لن تكون أكثر تسامحاً مع الهامش ومناضليه الذين تحتقرهم هذه النخبة اليسارية أشد الإحتقار. بنفس الكيفية فإن عدم الوعي هذا سيكون سبباً لعدم قدرتهم على حل مشكلتهم مع العطاوة والدعم السريع، إن النخبة اليسارية لا تستطيع ولا تريد أن تبتلع أن كل الهامش بما فيه العطاوة لا يفرقون في المركز بين يساري ويميني فبالنسبة لهم فإنهم كلهم شمالييون يحكمون منذ ما يفوق المائة عام في تاريخ الحكم الحديث ويسومون باقي الشعوب العذاب ليحافظوا على حكمهم، وفي الحقيقة هم من إستدعوا الإنجليز وحكموا معهم سوياً ثم ورثوا الحكم منهم إلى يومنا هذا، وهذا ليس محل نقاش أخلاقية إستدعائهم للإنجليز فلقد كان لديهم عذرهم المفهوم كما لدينا الآن كهامش عذرنا لإستدعاء الشيطان نفسه للتحرر. إن حكم الشماليين بالنسبة للهامش ليس أقل من حكم إستعماري صريح، وإذا كنت منتمياً لإحدى عرقيات الهامش السوداء ستفهم تماماً هذا الشعور خصوصاً إذا كنت تعيش أو مازلت مرتبطاً بمنطقتك في الهامش الجغرافي وتتردد عليها بين الحين ولآخر، ستجد بأن الشماليين في منطقتك يسيطرون على كل شيء حيوي بطريقة أو بأخرى ولديهم أولوية يعتبر التسائل عن مبررها أمراً مدهشاً في تلك المناطق، حتى هنا قد لايكون شعور الإستعمار حاضراً، ولكن عندما تجد كأحد السكان الأصليين Natives بأن حركتك محصورة وخاضعة للإجراءات الأمنية وبأنك مشتبه به دائم رغم أن هذه الإجراءات صورياً يخضع لها الغير إلا أنك تعرف في قرارة نفسك بأنك المعني بهذه الإجراءات، فهذا لايمكن أن يكون سوى الإستعمار، في الحقيقة فإن أي مواطن أصلي من القبائل المحلية الأفريقية في مناطق النزاعات يعلم جيداً بأنه معرض لطلق ناري في جمجمته من قبل الحكومة تحت أي لحظة هذا طبعاً غير الموت تحت التعذيب إذا أعتقدت السلطات بإنه من الممكن أن تكون لديه بعض المعلومات، إن المواطن الأصلي لديه شعور دائم بعدم الأمن من الحكومة، حتى إذا كان من سكان الخرطوم وقام بزيارة منطقته فإن الشعور بعدم الأمن والضيق الذي ينبعث من الحكومة سيخامره حتى يعود للخرطوم من جديد، في الحقيقة فإن أعداد هائلة من السكان المحليين قد تركت مناطقها وهاجرت للشمال ليس سوى لشعورها بخطر الحكومة عليها في مناطقها والذي يخف بصورة كبيرة ولكن لايختفى عند هجرتها للشمال ولكن على الأقل ففي الشمال فإن الحكومة لن تقتله لمجرد الشك كما يحدث في مناطقه الأصلية. إن الأمر لايحتاج لقوة في الملاحظة لترى بأن للشماليين حرية في التجارة والتنقل وتسهيلات في الأعمال مستفزة للغاية في تلك المناطق وعملياً فإن إنسان تلك المناطق يعمل في خدمة الشماليين والذين يطلق عليهم هناك إسم الجلابة ولهم مناطق سكنهم الخاصة تماماً كنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقياً وهم ليس لهم علاقة بتلك المناطق سوى المال وعملياً فإن كامل الجهاز الحكومي بما فيه الجيش تحت خدمتهم وحمايتهم هم ومصالحهم المرتبطة غالباً بمصالح البيوت الكبيرة في الشمال. إن أي مغامرة تجارية غير محسوبة لأحد السكان الأصليين قد تنتهي بطلق ناري أنيق في رأسه أو تعذيب يفوق التصور بإعتبار أنه يدعم المتمردين. بالتأكيد إن وضع العطاوة أفضل حالاً في تلك المناطق ولكن صورياً حيث أن لديهم حرية في الحركة والتنقل وبأسلحتهم لحماية مواشيهم وبإعتبارهم حماة تلك المناطق من خطر المتمردين من السكان الأفارقة المحليين ولا تستطيع الحكومة إزهاق أرواحهم بسهولة وفي المقابل لا ينالون أي شيء من كعكة الجلابة الضخمة سوى بعض الفتات لبعض زعمائهم المحليين هنا وهناك. رغم هذا ولكي لا تعشم النخبة الشمالية اليسارية كثيراً فإن شعور العطوي تجاه الشمالي هو نفس شعور الزرقة بأنه ليس سوى مستعمر ولهذا فإن الأولوية بالنسبة للعطوي كما هي للزرقة هي التخلص من هذا الشمالي (بالنسبة للعامة البسيطة لايوجد فرق لديهم بين الشمالي المواطن البسيط والنخبة) ولن يستطيع أن يفهم في عملية التخلص هذه، ناهيك عن أن يميز بين يساري ويميني، ولن نستطيع لومه إذا كان مثقف الهامش نفسه لا يستطيع التمييز بين الإثنين، فإن تبادل الحكم بين الإثنين لم يكن في الماضي ولن يكون في المستقبل أو الآن سوى حكم المستعمر الشمالي. إن الشيء الوحيد الذي منع العطاوة والزرقة من مسح هذه النخبة وتسويتها بالأرض هو الإسفين المدقوق بينهما والذي تعمل هذه النخبة على تمتينه ليل نهار، ورغم الإعتراف بحقيقة بعض أوجه هذا الإسفين إلا أن هذه الأوجه ليست بتلك القوة التي يتصورها البعض والدليل أن هذا الإسفين لم يكن موجوداً في فترة الحكم الإستعماري الإنجليزي وهو نتاج خالص ومقصود لما يسمى بالحكم الوطني. الغريب في الأمر أن اليمين يفهم المشكلة جيداً ويتعامل معها بأمانة متسقة مع موقفه كيمين، مما يجعل الصراع واضحاً ويجري نحو نهاياته المنطقية بسلاسة، ويستحضرني هنا قول أوليفر تامبو Oliver Tambo لنيلسون مانديلا عندما فاز دانييل مالان Daniel Malan والحزب القومي المتطرف للبيض الآفريكانرز Afrikaners في الإنتخابات بأن قال له:(لقد أعجبني هذا .. لقد أعجبني هذا) وقال شارحاً لنيلسون الذي كان متعجباً من قوله:(الآن نستطيع بالضبط معرفة من هم أعدائنا وأين نقف!). إن العدو الذي يخفي عدائه ويتلون بعدة ألوان، تارة يأتي بمؤخرته وتارة أخرى يأتي برأسه وكأنه يدخل دشاً بارداً في الشتاء، هو عدو أكثر خطراً على الحركة النضالية للهامش ويتسبب في تصدعها بإشاراته المختلطة التي يرسلها في جميع الإتجاهات. نستطيع القول بأنه لا يوجد سبب للإعتقاد بأن النخبة الشمالية يميناً ويساراً والتي تمثل حكم الأقلية - وهو أمر أصبح واضحاً حتى بالنسبة للعالم - تستطيع أن تحل مشكلتها مع العطاوة وإلا لكانت نجحت مع الآخرين.
إن الخطورة الحقيقية في الشد والجذب بين اليسار والدعم السريع تكمن في إستخدام اليسار للجان المقاومة كأداة في مواجهة الدعم السريع والزج بهذه اللجان بطريقة خطيرة في صراع لا يخصهم ولا يمكن حله بهذه الطريقة، وللأمانة فإن هذه اللجان هي لجان ثورية حقيقية وهي أكثر ثورية بمراحل من اليسار الذي يحركها من خلف الستار وهم على عكس نخبة اليسار - الذين هربوا من ساحة الإعتصام بعضهم قبل أقل من ساعة من فضه وتركوا الحقيقيين والحقيقيات يستشهدون بِنُبل - مستعدون للموت والتضحية الحقيقية من أجل قضاياهم التي يؤمنون بها والكل يعلم بأن هذه اللجان مكونة من مناضلين عزل غير مسلحين وغير مدربين على القتال الحقيقي إذا إقتضى الأمر، ومن غير المعروف حتى الآن ما هي نوايا اليسار الحقيقية، هل هي الضغط على الدعم السريع عن طريق لجان المقاومة لحد معين للوصول لمكاسب في السلطة دون حل المشكلة الحقيقية أم أنه يسعى لمواجهة شاملة نهائية مع الدعم السريع تصل لنهاية الطريق، وحتماً لا يوجد مبرر لتصديق أن هذه النهاية ستكون بإبادة الدعم السريع وطرده من الخرطوم لينفرد اليسار بالحكم، فحقيقة ميزان القوى يمد رأسه القبيح متحدياً من يصدق شيء آخر، كما أن الآمال التي لازال يعلقها البعض على مواجهة ظافرة للجيش مع الدعم السريع هي أمر مستبعد وربما غذاها من جديد المواجهة التي حدثت في كادقلي، فحقيقة هذه المواجهة هي مواجهة بين قسم من أبناء النوبة في الجيش وقسم من أبناء البقارة في الدعم السريع لا أكثر ولا أقل ومن المعروف بأن الدعم السريع قد إستعصت عليه جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق فيما يعتقد البعض بأنه لأسباب موضوعية لمح إليها قائد الدعم السريع نفسه قبل سقوط البشير، وفي الحقيقة فإن الدعم السريع يُهزَم بصورة متسقة في جنوبي كردفان والنيل الأزرق أمام مقاتلين متمرسين على القتال الفقير منذ ما قبل الإستقلال، سلاحهم الفتاك الذي لم يستطع المركز فك طلاسمه والذي تحطمت أمامه آلته الحربية هو إيمانهم العجيب بقضيتهم التي حاول رسل يسار المركز تحويرها إلى قضية ''طعام‘‘ وكساء ودواء، ولكن في المقابل من المستحيل أن يُهزَم الدعم السريع في مثلث حمدي، ببساطة لأنه هو نفسه الذي يحمي مثلث حمدي منذ فترة طويلة، كما أن أي معركة حربية في هذا المثلث بين الدعم والجيش ستتسبب في تصدع الجيش لأسباب عرقية خاصة وأن العطاوة والمتعاطفين من الزرقة موجودين في الجيش، هذا غير أنه كما قلنا من قبل فإن الجيش منذ فترة ليست بالقصيرة قد أصبح عبارة عن أسلحة معاونة للدعم السريع، هذا وحتى إذا إفترضنا بأن الجيش قد إنتصر مبدئياً فإن مثلث حمدي لن يتحمل حرب عصابات في عقر داره وسينهار سريعاً. إن مثلث حمدي لايسوى شيء من دون الزرقة وأولاد عطية في القوات النظامية، والمليشيات القبلية لذات العنصرين الموالية للحكومة في مناطق التماس، ويمكن الجزم بأن سَرية إن لم تكن فصيلة من أصغر حركة مسلحة يمكنها تحرير هذا المثلث من شرور نفسه إذا تمت تعريته من هذه العوامل. في الحقيقة فإن الورطة متكاملة الأركان، كما أن ترتيب البيت العطوي الذي يبدوا أنه يجري الآن على قدم وساق سيجعل أي مواجهات مع الدعم السريع في مثلث حمدي سواء أكانت مواجهات مدنية مع لجان المقاومة أو عسكرية مع الجيش هي مواجهة لاقبل لهذا المثلث بها مع العطاوة، وسوف لن يحلها التمنيات الأخيرة بأن يتورط النوبة في مواجهات مع الدعم نيابة عنهم أو أن يأتيهم الرائد الجاو بقوات شديدة البأس من الأنقولو ليرفع الله علي يديه عنهم هذا البلاء.
بالنسبة للعطوي ''ول عطية‘‘ البسيط العادي في الدعم السريع فإنه لن يفهم لماذا يراد دحر سلطته في الخرطوم وإخراجه منها وربما مشنوقاً في حين أنه عندما تم إتهامه بقتل ثلاثمائة ألف ونيف في فترة وجيزة من القرويين العزل المساكين غاية في الطيبة والوداعة وأتهم كذلك بإغتصابهم وبذبح أطفالهم وحرق الضحايا وهم أحياء أمام أهاليهم صفق له البعض وإختشى البعض ولكن مع نظرات إعجاب لم تكن تخفى عليه، لماذا لم يطالب أحد بمحاكمته بهذه الصورة المزعجة، ناهيك عن أن الحكومة قد كافئته، ولكن أين كانت القوى التي تطالب بمحاكمته بشدة الآن وتحرض الشارع وتقيم الدنيا ولا تقعدها من أجل قضية فض الإعتصام بينما صمتت صمت القبور سوى بعض الأنات الخجولة هنا وهناك عندما فض شعباً كاملاً في ذلك الوقت الأمر الذي أوجع ضمير العالم أجمع حتى أرسل أكبر بعثة لحفظ السلام في تاريخه بينما لم تهتز شعرة تأثراً في مثلث حمدي الذي كان يبكي من أجل القضية الفلسطينية والعراقية بل ويرسل لهم المساعدات ويرتدي الشالات العربية تضامناً، هذا غير الجنوب الذي رحل يلعق جراحه دون أن يطالب بمحاكمة مجرمي الحرب الذين إرتكبوا فظائع لاتصدق ضد القرويين الجنوبيين العزل الأبرياء، ولن نتحدث عن جبال النوبة ولا النيل الأزرق ولا بورتسودان، هذا ولا يذكر أحد حتى تضحياته هو نفسه ''ول عطية‘‘ من أجل هذا المثلث، لقد وصف قائد عسكري مشهور من الهامش أحد أولى معاركهم مع قوات المراحيل في الثمانينات من القرن الماضي، والذين يبدو أنهم كانوا يصطحبون أسرهم معهم في تلك الواقعة، بعد أن هزمهم هذا القائد الذي كان يدافع عن مواقعه بقواته البائسة سيئة التسليح بعد أن رأى الضحايا الأموات بما فيهم الأسر البريئة متناثرة على أرض المعركة بأن وصف المأساة التي أمامه بأن قال بأسف:(لقد ماتوا موتاً سيئاً) إنه كقائد ثوري كان يعي وموجوع بأن أي فقير ومظلوم كان يجب أن يكون تحت حمايته وليس مقاتلاً ضده يموت تحت يديه. هاهو بالأمس القريب فقد القائد شيريا من الدعم السريع أسرته كلها، وغالباً لن يستطيع أن يجد حقه في أي مكان ولن يعوضه أي شيء ولم يستطع الدفاع عن أسرته وهو قائد كبير في الدعم السريع الذي يحتل الخرطوم نفسها، وهذا أمر يحدث منذ أكثر من ستون عاماً للزرقة والعطاوة معاً من أجل عيون المركز، لقد أحرقت أم دينق ألور أمام ناظريه ولم يستطع فعل شيء بواسطة المليشيات التي شكلت طلائع نفس هذه القوات التي يريدون إخراجها من خاصرتهم اليوم بعد محاكمتها، لقد تناسوا بأن المحاكمات كثيرة .. كثيرة للغاية وقد تأخذ مائة عام على الأقل حتى تأخذ قضية فض الإعتصام دورها هذا إذا أصبحت هناك دولة تستطيع أن تحاكم، ولكن يبدو أن قضايا أولاد الناس لا يمكن مقارنتها بقضايا أولاد الحرام، إن قضية فض الإعتصام والتي يتلاعب بها اليسار ألعاب غاية في الخطورة الآن ليس من المعروف إذا كان اليسار حقيقياً تجاه هذه القضية أم أن الأمر مجرد كرت ضغط حرج قد يحقق له مكاسب أكبر في السلطة. إن من الواضح بأن الشد بين اليسار والدعم السريع والذي سيأخذ طابع المواجهة مع العطاوة سيكون من أكبر مقوض الفترة الإنتقالية والولوج للإنتخابات.
يتبع
كوكو موسى
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.