خبر (السوداني) يُحرِّك السّاكن.. حازم غاضبٌ.. ودوسة يدفع بمُقترح لإعادة هيكلة اللجنة ويتحدّث عن الانفراد بالقرارات وانعدام الشفافية المالية    جهود لرفع كفاءة محطة ام دباكر للكهرباء    إنطلاق ورشة الإستجابة لبرنامج التطعيم ضد شلل الأطفال بالفاشر    شاهد بالصور.. عريس سوداني غيور يحمل عروسته بين يديه خوفاً عليها من أن تمازح ماء المطر أقدامها    شاهد بالفيديو.. نجمة التريند الأولى في السودان "منوية" تعود لإثارة الجدل بفاصل من الرقص الهستيري والصراخ على أنغام (تقول زولي)    أسرة تطالب بنبش جثمان ابنتها بعد ثلاثة أشهر من الوفاة    الهجانة تكمل استعدادتها للإحتفال بعيد القوات المسلحة غدا    حازم مصطفى يعلن موقفه من أزمة عماد الصيني    الجد يدعو الجميع إلي كلمة سواء لإكمال متبقي الفترة الانتقالية    مساعٍ لري 30 ألف فدان بمشروع الرهد    الإرصاد تحذر من أمطار مصحوبة بالرياح    الحراك السياسي: مركزية الهوسا: من يريد معرفة تاريخنا فليرجع إلى الوثائق    المريخ يفاوض لوكا ويقيده في خانات (الرديف)    نطلاق المرحلة الثانية للبطولة الأفريقية المدرسية اليوم حتى الثامن عشر من الشهر الجاري …    والي الجزيرة ينفي إنشاء مفوضية للكنابي    استمرار العمل لتقوية الجسر الواقي من الفيضان بمروي    إنطلاق فعاليات مؤتمر المائدة المستديرة    أم محمد.. (ولدك يمين يكفينا كلنا مغفرة)!!    صباح محمد الحسن تكتب: عاصمة تحكمها المليشيات !!    تطعيم 27 ألف من المواشي بمحليات شمال دارفور    السودان: سنتخذ إجراءات حال تهديد السد الإثيوبي لخزان الروصيرص    نمر يجدد عزم حكومته على معالجة نقص مياه الشرب بالولاية    الري تنفي صلتها بالأخبار المتداولة حول سد النهضة والفيضان    تحذير من معاجين تبييض الأسنان.. ضررها أكثر من نفعها!    سامسونغ تميط اللثام عن أغلى هاتف لها!    الإتحاد السوداني يسلم الإعلاميين كودات تغطية مونديال قطر    وفد السودان يعود من تنزانيا بعد مشاركته في عمومية الكاف وإجتماعات سيكافا    مواصفات هاتفي غوغل بكسل (6) إيه وبكسل (6) إيه برو    محترف المريخ يتسلّم تأشيرة الدخول إلى السودان    الرياض تستضيف المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون نوفمبر المقبل    الرماية تبحث عن الميداليات في بطولة التضامن الإسلامي    مقتل نجل الرئيس التنفيذي لشركة سوداني للاتصالات    "حمى وصداع" أبرز أعراضه..تقارير تدقّ ناقوس الخطر بشأن"فيروس جديد"    جمعية الروائيين السودانيين تصدر صحيفتها الالكترونية    كَكّ    مدير البركة: خسارة كبيرة لشركات التأمين بزيادة الدولار الجمركي    الدولار يقفز إلى(578) جنيهًا    شاهد بالفيديو.. الفنانة عوضية عذاب تقدم فاصل طويل من الرقص المثير ومتابعون (بنات عمك عذاب ماسكات الجو ومتصدرات التريند)    الأمطار تغمر المسرح القومي ودمار لعدد من النصوص التاريخية    تفاصيل اجتماع عاصف لوزارة الصحة حول زيادة الإصابات بالسرطان    الفاتح جبرا يكتب: خطبة الجمعة    الرئيس السريلانكي السابق في تايلاند    د. توفيق حميد يكتب: هل مات أيمن الظواهري قبل قتله في أفغانستان؟    مقتل نجل مسؤول بشركة سوداني إثر إصابته بطلق ناري بشارع النيل بالخرطوم    بالنسبة لسكر الدم.. هذه أسوأ 4 عادات لتناول الفطور    عبد الرحمن عبد الرسول..ولجنة تكريم فضفاضة ؟    كيف تحمي نفسك من الاحتيال أثناء السفر؟    عثمان ميرغني يكتب: السيناريوهات المحتملة في ملاحقة ترمب    حادثة "هاوية نهاية العالم" تثير ضجة في السعودية    بدء محاكمة رجل وسيدة بتهمة تزييف العملة المحلية بأمبدة    الشرطة: المباحث تُعيد الأستاذ الجامعي د. أحمد حسين بلال لأسرته    الموفق من جعل له وديعة عند الله    مسلحان يقتحمان منزلًا وينهبان مقتنيات وأموال بالشجرة    المباحث الفيدرالية تحرر 11 رهينه من قبضة شبكة تتاجر بالبشر    السلطة القضائية توجه بزيادة المحاكم الخاصة بالمخدرات في الخرطوم    ال(إف بى آى) تُداهم منزل دونالد ترامب في فلوريدا    الأمة القومي يُدين ما يتعرّض له الشعب الفلسطيني في قطاع غزة    د.الشفيع خضر سعيد يكتب: الصوفية والأزمة السودانية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الدولة والجيش بئر معطلة وقصر فخيم .. بقلم: عبدالله مكاوي
نشر في سودانيل يوم 29 - 08 - 2020

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

بسم الله الرحمن الرحيم
كان هنالك عشم شحيح للثورة، ان تعيد القوات المسلحة النظر في دورها منذ الاستقلال، وتراجع موقفها السلبي، كمعيق اساس امام انجاز التحول الديمقراطي وبناء دولة المؤسسات ، وان تلتزم بما يليها من مهام عسكرية. اي ان يتم تثوير داخلي للمؤسسة العسكرية، بعد ان تصنَّمت في دور المؤسسة الرجعية (حماية التقاليد المحافظة ورعاية الوظيفة الطبقية). ومؤكد ان هكذا تحول لن يتم بين ليلة وضحاها، ويحتاج للتدرج للخروج من عقيدة الوصاية الفاسدة، والاكتفاء بمهام الحماية. وهو ما كان يحتاج قبل كل شئ، لاستعداد مسبق للتحول، وارادة للمضي لآخر الشوط. او بصريح العبارة ان تتحرر المؤسسة العسكرية من ارثها السابق كمرجع فوقي للسلطة والسيطرة بالقوة، الي جزء من مكونات الدولة، كغيره من المكونات الوظيفية، التي تخضع لدستور حاكم لجميع المكونات، وناظم لكيفية عملها دون تداخل.
ولكن وقبل ان يكتمل هلال العشم عاجلتنا المؤسسة العسكرية، بالمشاركة في ابشع مجزرة لانبل وانضر ابناء الوطن! وإن انكرت المؤسسة مشاركتها، لا تستطيع بحال انكار انها حدثت في حرمها وبتواطؤ منها، وكانت مسبقا قد تعهدت بحمايتهم! والسؤال كيف لمن يعجز عن حماية ثوار عزل في حرم ساحته، ان يكون مؤهلا لحماية كامل التراب الوطني وبقية مكونات الشعب؟ والحال ان هذه المجزرة وضعت حدا فاصلا، لعلاقة الشعب والشباب بصفة خاصة بهذه المؤسسة، عمادها انعدام الثقة. كما انها بينت ايضا رؤية هذه المؤسسة، ممثلة في كبار قادتها، لجميع فئات الشعب وخصوصا ثواره وطلاب الحرية، وهي رؤية ملؤها الشكك والاحتقار. اما اوهام دعمهم للثورة، فهذا مردود عليهم، بدلالة تصفية العناصر المؤيدة للثورة من صفوف الجيش، واستبقاءهم شراذم الكيزان! والاهم وقوفهم حجر عثرة امام اكمال مطلوبات الثورة، التي تجردهم من امتيازاتهم غير المستحقة، وتضعهم في مواعينهم الحقيقية. اما الاتفاق الذي تم بين المكون العسكري وممثلي قوي قحت، فلم تفرضه الثقة المتبادلة، بل بالاحري فرضته انعدم الثقة، ولذلك تم عبر الضغوط الشعبية والاقليمية والدولية، وبعد اقتناع المكون العسكري لاستحالة الانفراد بالسلطة (وهذا مع العلم ان هنالك كثير من الخفايا التي لم يعلن عنها ومثلت الحاكم الفعلي للاتفاقية). وعلي العموم، كان السبب الاساس في تمرير الاتفاقية من جانب الثوار وقطاع كبير من المعارضين، هو التخوف من اغراق البلاد في بحور الدماء، من جانب مجلس عسكري لم يعرف عنه التورع عن اراقة الدماء، وسجل ساحة الاعتصام وقبلها جرائم دارفور، عامر في هذا الشأن.
المهم، بعد الثورة وهن العشم الواهن اصلا ، في اصلاح شأن المؤسسة العسكرية او ردها الي جادة الطريق، خاصة بعد اصرار قادتها في المفاوضات علي الاستفراد بكل ما يخص امورها، مع العلم انها امور متشابكة مع السلطة بطريقة يستحيل فصلها او منع تاثيرها عليها. ليأتي خطاب البرهان الاخير ويقطع عشم كل متفاءل، ويؤكد المؤكد سلفا، بان الجيش ومليشياته باقون في السلطة ومتحكمون في مصير البلاد، الي اجل غير معلوم. ولكن ما فات علي البرهان ورهطه، ان وجود العسكر علي سدة السلطة منذ الاستقلال، قاد الي خراب البلاد، وتاليا اصرارهم في الاستمرار علي ذات النهج، يقود لا محالة البلاد الي ما بعد الخراب. والدليل ان العسكر غير انهم فاشلون في قيادة الدول، كما اثبتت التجارب التاريخية، التي اكدت تكريسهم للاستبداد والفساد، الا ان الشعب كفر بقيادتهم وقال كلمته في ممثلهم الراقص البشير (تسقط بس). وصحيح ان قيادات مدنية ضعيفة من نوعية حمدوك، تقلل من حظوظ نجاح الحكم المدني وتشكك في نجاعته، إلا ان تجارب التاريخ اثبتت علي المدي الطويل، ان الحكم المدني هو المخرج الوحيد امام الدول، للخروج الي بر الامان.
وعموما، من خطاب البرهان تتكشف اشياء لا يبدو ان الهروب منها او الالتفاف عليها ممكنا، سواء لانصار او اعداء المؤسسة العسكرية (التي تاريخيا تمثل مصالح قادتها الكبار) وهي:
اولا، ان منطق القوة وليس الحق، هو من يحكم الجيش ومليشياته، في علاقتهم بالمكونات المدنية بصفة عامة، والسياسية بصفة خاصة.
ثانيا، الاصرار علي فرض الوصاية علي الدولة وانشطتها، والتحكم في اولوياتها.
ثالثا، المَنْ علي الشعب حينا، وتهديده حينا آخر، بما لا يليق باي جيش محترم يقدر شعبه.
رابعا، تضخيم صورته ودوره والانغلاق داخل كبسولة من الاوهام، لا تقبل المساس، عبر تسيِّجها بالخطوط الحمراء. مثلا، هو من يحمي الدولة التي عمليا صادرها، وهو من يحمي الشعب الذي ارتهنه لحماية مصالح الجيش الضيقة، بدلالة الانقلابات المتكررة التي يشارك فيها، بما فيها الانقلاب الاخير علي الثورة. اما الوهم الاكبر ان السلطة احد مكتسباته التاريخية، بوصفه الاكثر انضباطا وجدية وتقديما للتضحيات! ومن ثمَّ لا مجال للتفريط فيها للخونة والعملاء والضعفاء من السياسيين.
خامسا، مغالطة الحقائق والبديهيات، ظنا منهم ان ذلك كفيل بقلب الحقائق وتزييف الوقائع، كقولهم انهم يحمون الحدود، فيما تحتل مصر والحبشة اجزاء واسعة من اطراف البلاد. كما انهم يتورطون في النشاطات الاقتصادية، بما لا يليق باحترافية المؤسسة العسكرية! ورغم ان ذلك يحدث تشوه في هيكل الاقتصاد، واثار ذلك السيئة علي مجمل الوضع الاقتصادي، الا انهم يصرون علي انهم يحسون بمعاناة الشعب، ويتذمرون (بمكر الثعالب) من تدهور حالته الاقتصادية، التي هم الجزء الاساس فيها (شئ شبيه بذكاء الاغبياء).
سادسا، تجذر عقيدة (الاخ الاكبر) في وعي وسلوك العسكر، مع دخول لاعب جديد ممثل في قوات الدعم السريع. وما يترتب علي ذلك من زيادة التنافس بينهما علي فرض رؤيتهم وتطلعاتهم وطموحاتهم، كمصالح دولة عليا، ومن ثمَّ احتكار موارد الدولة وعسكرة مظاهر الحياة فيها. ويضاف الي ذلك دخول اللاعبين الدوليين من هذه المداخل! وهذا كله يصعب ايجاد حلول سهلة وآمنة للمحافظة علي الدولة السودانية. واكثر ما اخافه والحال هذه، ان يكون الشعب اضعف حلقات التحكم في ما يخص امر بلاده.
ومساهمة في تبديد اوهام العسكر نذكرهم ببعض الاشياء، منها:
1/ انهم لم يساهموا في استقلال البلاد كغيرهم من الجيوش، وانما الاستقلال تم بجهدٍ خالص للسياسيين، لذلك آخر جيش يحق له الانقلاب علي السلطة او يدعي ان له فيها حق او مجرد سهم، هو الجيش السوداني.
2/ يتحدث قادة الجيش عن التضحيات والشجاعة والحروب التي خاضوها، ولكن كل هذه التضحيات والحروب كانت اهلية، وفي خدمة انظمة انقلابية، وتاليا تحمي مصالح فئات اجتماعية محددة، ليست ذات صلة، بل غالبا هي متعارضة مع مصالح غالبية افراد المجتمع. اي هي تضحيات هباء وحروب خاسرة، لانها علي الضد من مصالح المجتمع، والدليل ما نعيشه الآن من نعرات عنصرية وتفكك قبلي وانتشار السلاح في كل مكان، كنتيجة حتمية لدولة تُحكم عبر الآلية العسكرية.
3/ من المعلوم ان واحدة من اسباب تدهور هذه البلاد بصورة مطردة، رغم الكم الهائل من الموارد التي تزخر بها، هي سوء الادارة وعدم الاستقرار السياسي. والعامل المشرك للسببين هو الانقلابات العسكرية، وغض النظر عن المحرك لها، إلا ان المؤسسة العسكرية هي المسؤول الاول عنها، طالما تمت الانقلابات باسمها ورجالها وتجيير وظيفتها، والاهم صمت بقية مكوناتها كعلامة رضا! لذلك كان المطلب الاول للثورات هو مدنية الحكم ولزوم العسكر ثكناتهم.
4/ لعبت الانقلابات دورا هاما في افساد القادة العسكريين، بشراء ولاءهم بالرتب المجانية وزيادة النفوذ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. والمفارقة ان جزء من هذه الامتيازات، كان التمدد في انشاء الحاميات والاجهزة العسكرية، دون ادني اعتبار لزيادة النفقات، وما تضيفه من اعباء علي دولة منهكة اقتصاديا. وما يدعو للرثاء، حتي الدول التي تشتري حمايتها من الخارج كدول الخليج الموصوفة بالثراء، تقل نفقات حمايتها، عن ما يحصل عليه الجيش السوداني وبقية الاجهزة الامنية، اكثر من 80% من الميزانية. ورغم ذلك بل بسببه مواطنيها هم الاكثر رفاهية مادية وامان.
5/ الغرض من اثارة او التذكير بموضوع الدعم السريع المرة تلو الاخري، ليس احداث الشقاق بينه والقوات المسلحة، كما يلمح البرهان وغيره من عسكر الجيش والدعم السريع. فليس هنالك عاقل يعمل علي اشاعة الخلاف بينهما او دفعهما للصدام (اللهم إلا الكيزان وتجار الفتن). لان في ذلك القضاء علي الاخضر واليابس في هذه البلاد الهشة تكوينيا وامنيا. ولكن الغرض هو العكس تماما، اي المسارعة بتغيير الاوضاع والمعادلات بما يمنع حتي احتمالات الصدام! والجيش نفسه هو الاكثر علما وتاهيلا للقيام بهذه المهام، عبر دمج كل هذه الاجسام والمسميات في جيش احترافي يضطلع بحماية البلاد وكل المواطنين، بكل مهنية والتزام.
6/ الجيش بوعيه وتكوينه العسكري عند وصول ضباطه الي السلطة، يفرضون الحلول العسكرية كافق وحيد للحلول، لمشاكل ذات طابع سياسي او تنموي او اجتماعي! والسبب ان الوعي العسكري هو في حقيقته لا وعي او مسألة تقنية او برمجية! والدليل ان عُشر النفقات العسكرية التي يتم صرفها علي الحروب والتجهيزات العسكرية، كانت كفيلة بنقل البلاد الي مربع آخر، وذلك منذ الاستقلال، وهذا ناهيك عن الخسائر البشرية واثار الحروب النفسية والاجتماعية والبيئية التي لا تقدر بثمن. كما ان المطلوب ليس موت الجنود والمَنْ بتضحياتهم، ولكن الحفاظ علي حياة كافة المواطنين، كاولوية لاي دولة محترمة، وهذا شأن سياسي بامتياز وليس عسكري. وهنالك من يحاجج ان الحروب مفروضة علي الجيش، ولكن السؤال هل الجيش يدافع عن انظمة ديمقراطية منتخبة؟ هل تمت استشارة بقية مكونات الشعب في هذه الحروب التي يخوضها الجيش؟ الم تكن مزاعم الحروب تكريس لاستبداد السلطات الانقلابية التي تتحكم في البلاد؟ اي باختصار لو لم يتورط الجيش في الانقلابات، لما تطاول امد الحروب الاهلية الي هذه الحدود، وتتسبب في كل هذه المآسي، وتضع مستقبل البلاد واستقرارها علي كف عفريت.
7/ اما تفاخر الجيش ومليشياته واحتفالهم بممتلكاتهم ومنجزاتهم العمرانية، ومشاريعهم الاقتصادية، وبنيتهم التحتية التصنيعية العسكرية، في بلاد يرزح 95% من مواطنيها تحت خط الفقر، وتسير بوتيرة متسارعة نحو الانهيار الاقتصادي! اي رفاهية الجيش ومليشياته في مقابل بؤس الشعب وانعدام خدماته، فهو امر يرقي لمستوي الفضيحة والمهزلة! والسؤال عندما يتحدث عن محاوره الزراعية فما دور وزارة الزراعة؟ وعندما يتحدث عن المسالخ ماذا ترك لوزارة الثروة الحيوانية؟ وعندما يتحدث عن منتجاته الصناعية والتجارية فما دور مدني وزير الصناعة والتجارة؟ ولكن الاهم من ذلك، عندما يدخل الجيش ومليشياته السوق ويتورطون في التجارة، فكيف يتم التعامل معهم؟ كضباط ام كتجار، كؤسسة عسكرية ام كشركة تجارية، مع العلم ان لكل مهنة اسلوبها وقوانينها الحاكمة؟ وعندما يرأس اللواءات والعمداء والفرقاء وهم ضباط في القوات المسلحة، الشركات والمشاريع، وينخرطون في البزنس، فهل يصلحون بعد ذلك لقيادة المعارك، او يصبحون مؤهلين لحماية البلاد وشعبها؟ والاسوأ، ان لتلك المصالح الاقتصادية والتجارية ارتباطات خارجية؟ فما تاثير ذلك علي الامن القومي؟ ولذلك يصح القول بكل ثقة، ان سبب وجود الدعم السريع هو تخاذل الجيش عن اداء دوره، واهمال واجباته العسكرية، بسبب انغماسه في الانشطة الاقتصادية والسياسية! ولكن لا يمكن نسيان دور البشير وقوش والمنافسة علي السلطة بين مكونات سلطة الانقاذ، والعمل علي خلق اجسام موازية للجيش، كتضخيم دور جهاز الامن وانشاء الدعم السريع، للحفاظ علي توازن السلطة، دراءً للانقلاب عليها من اي مكون ضد الآخرين.
اما البرهان فامره عجبا! فهو عندما يتحدث عن عدم جاهزية الاحزب للانتخابات او غياب التفكير في استثمارات بديلة عن مشاريع القوات المسلحة والدعم السريع وجهاز الامن المحلول شكليا، فهو يذكر بماري انطوانيت (الغافلة براءة وليس سوء نية كالبرهان)! وهم يستولون علي 82% من موارد البلاد. والحال كذلك، من اين للشركاء بالموارد لادارة الدولة، ناهيك عن الشروع في مشاريع التنمية او البني التحتية المكلفة، او تمويل الاحزاب المعدمة والعائدة من غربة ثلاثة عقود، كان البرهان فيها محظي لدي النظام، ويقفز من رتبة لاخري بكل سلاسة! اما مسألة حقنا واملاكنا واستثماراتنا واستخدام الضمير (نا) في الحديث عن القوات المسلحة، يؤكد اننا امام منافسة او مفاخرة بين القوات المسلحة والدولة ومؤسساتها! وفي الحقيقة ليس هنالك وجه للمقارنة بين من يستحوذ علي اربعة اخماس ميزانية الدولة، غير اموال التجنيب التي تفوقها اضعافا مضاعفة، وبين مؤسسات دولة تتصارع علي الخمس، والذي غالبا ياتي منقوصا.
ومثل هذا الحديث الذي يفتقر للمنطق والاقناع، او ما يعبر عنه بلغة الجيش، يمكن يستهوي العساكر وينعش معنوياتهم، ولكنه غير مؤهل ليصبح خطاب سياسي، يتم التوجه به للامة كافة. وعموما، ان اداء البرهان وقبله البشير والنميري، واسلوب الارتجال في الحديث الذي يخاطب مشاعر الحماسة والانفعال، كاننا في حالة تجييش مستمر، يفارق منطق رجال الدولة وابسط اساليب الادارة الراشدة. واحتمال نوعية هذه الاحاديث (فرض لغة ومنطق العسكر علي الفضاء العام)، هي ما رسخت الانطباع عن غباء العسكر، خصوصا وهي صادرة عن اعلي قيادات المؤسسة العسكرية. وهو بدوره يثير الشكوك حول حقيقة الرتب العسكرية، ومدي استيفاءها للمعايير المعمول بها في الجيوش الاحترافية. والحال، حتي مقارنةً بالبشير والنميري فالبرهان اكثر بهتان (من باهت) اي لا لون ولا طعم ولا رائحة لقيادته. بل هو مقارنة باداء حميدتي الكاريكاتوري، الذي يشكل مادة دسمة لبرنامج جو شو الساخر، فهو افضل منه، اقلاه لحميدتي هيبته. ويبدو ان الكباشي بعد ان راي الاداء المخجل للبرهان، حدثته نفسه للعب دور اكبر، وملء كل مساحات القيادة الفارغة التي تمدد فيها حميدتي. وكذلك عندما يحاول البرهان لعب دور البشير، سواء بدعم قوات الدعم السريع لخلق توازن مع الجيش يخدم اطماعه في السلطة، او تسلله خلسة للقاء نتنياهو للحصول علي مزيد من الدعم لمشروعه، او بنفاقه المفضوح للثوار عن حقيقة دعمه للثورة ومشروعية مطالبها، مقارنة بعزم البشير في دعم (ثورة الانقاذ!). كل ذلك يضعنا امام صورة باهتة للبشير، تحاول اعادة انتاج دوره. وما بين البشير الفاسد الفاشل وصورته الباهتة البرهان، تقبع بلاد حظها من الدنيا، ان يتسلط عليها قادة جبناء وفاسدون. وكل ذلك يفرض سؤال، حول حقيقة هذا البرهان، وطريقة وصوله المريبة لهذا المنصب؟
وفي الختام يجب التاكيد علي حقيقتين، اولهما، ان هنالك قلة من الضباط الاكفاء في القوات المسلحة واغلبهم من صغار الضباط، كرفقاءهم الذي ساندوا الثورة (بيان بالعمل)، مخاطرين بفقدان حياتهم ووظائفهم، بعد عصيانهم اوامر كبار القادة المرصعين بالنياشين من قائدهم البشير! واذا اسعد الحظ هذه البلاد، وقُيِّض لها الخروج من محنتها مرة، فمثل هؤلاء الضباط يستحقون ان يكونوا النواة، لبناء جيش احترافي يليق بالثورة وتضحيات الثوار.
والحقيقة الثانية، ان استمرار استيلاء المكونات العسكرية والامنية والمليشاوية علي مقدرات البلاد، وتجاوزاتها للوثيقة الدستورية، وفرضها الامر الواقع علي الفترة الانتقالية. كل هذا مسؤولية حمدوك في الاساس (رغم صعوبة معالجته بضربة واحدة كما سلف). والبسبب، تواطؤ حمدوك مرة، وصمته مرة اخري، وتغاضيه عن الامر طوال الاوقات! حرصا علي منصبه او توهمه انه رجل المرحلة الذي يتميز بالحكمة، وهو لا يميز بين الضعف والحكمة. وعليه، خلافه المعلن الاخير مع المكون العسكري بعد خراب مالطة، لا يبرئه او ينفي عنه تهمة التقصير والفشل او يمنحه شجاعة لا يستحقها. فحمدوك يتحمل الوزر الاكبر في فشل الثورة عن انجاز مطلوباتها، او ما آلت اليه الاوضاع من بؤس ينذر بالخطر. لان من يعجز عن اظهار نتائج التحقيقات في محاولة اغتياله المزعومة، او ما رشح عن اكتشاف اختراق مكتبه عبر اجهزة تنصت مركبة في السقف. فهو اعجز عن مواجهة المجلس العسكري، واكثر عجزا عن قيادة ثورة بكل هذا الالق، في فترة هي الاكثر تعقيدا من تاريخ البلاد. كما انه في الاصل لم يكن هنالك رهان علي المكون العسكري، بل كان الخوف منه والشكوك حول سلامة نواياه. اما الرهان الاصل فكان علي حمدوك، الذي حصل ما علي يشبه التفويض الشعبي، الذي يمكنه من تنفيذ معظم مشاريعه رغم الصعوبات، فقط لو امتلك رؤية واضحة وخطة عمل مفصلة واستغل الفرص المتاحة بسرعة، وقبلها توافر علي اردة سياسية صلبة تميز القادة التاريخيين الشجعان.
واخيرا
الرهان علي حمدوك خلال الفترة المنقضية من المرحلة الانتقالية كان غفلة، اما الرهان عليه لاكمالها وتوقع النجاح، فهذا هو الوهم عينه. ودمتم في رعاية الله.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.