ارتفاع حصيلة أعمال العنف القبلي بالجنينة إلى 243 شخصاً    الكتل الثورية ترهن عودتها لتجمع المهنيين بتوقيعه على الميثاق    صحة الشمالية تكشف عن ارتفاع الوفيات بكورونا الى 91 وفاة    الثروة الحيوانية قد لا تظل طويلا ثروة متجددة! .. بقلم: اسماعيل آدم محمد زين    ويسألونك عن العيش .. بقلم: د. فتح الرحمن عبد المجيد الأمين    عامٌ من حزمة الإصلاحات الاقتصادية: هل بالإمكان أفضل مما كان ؟ .. بقلم: شريف إسماعيل محمد بنقو    أهلي شندي يسقط أمام الشرطة القضارف .. فوز هلال كادوقلي على مريخ الفاشر    المحكمة ترفض طلبا للدفاع باستبعاد الشاكي في قضية علي عثمان    مقتل مواطن سوداني في انفجار جسم غريب    الي جنات الخلد يا نهلة والتعازي للأخ الصحفي مصطفي سري وآل عبد الرسول الجاك ببري واسرة مانشستر الكبري ببريطانيا .. بقلم: د. سعاد الحاج موسي    كائن اسطوري: ربع قرن على الرحيل .. الموسيقار مصطفى سيد احمد .. بقلم: اسماعيل عبد الله محمد حسن    مشاهدات زائر للسفارة بعد التغيير .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    البحث عن الإيمان في أرض السودان .. بقلم: محمد عبد المجيد امين (براق)    عندما يكيل الجمال الماعون حتى يتدفق .. بقلم: البدوي يوسف    المتعة مفقودة .. بقلم: كمال الهِدي    هل توجد وظيفة في ديننا الحنيف تسمي رجل دين ؟ .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    وزارة الصحة السَودانية: مابين بروتوكولات كوفيد والذهن المشتت .. بقلم: د. أحمد أدم حسن    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    التحذير من اي مغامرة عسكرية امريكية او هجمات علي ايران في الايام القادمة .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    (سلطان الكيف) !! .. بقلم: عبد الله الشيخ    الاستئناف تشطب طلب هيئات الدفاع عن المتهمين في قضية انقلاب الانقاذ    الإمارات والاتفاقية الإبراهيمية هل هي "عدوان ثلاثى "تطبيع بلا سند شعبى؟ (3/4) .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    تعليم الإنقاذ: طاعة القائد وليس طاعة الرسول .. بقلم: جعفر خضر    التعليم الحديث والقطيعة المعرفية مع الموروث الشعبي: الكرونة والأدوية البلدية نموذجاً .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الفترة الانتقالية ما بين طائفية الإمام وأحلام الجنرال .. بقلم: سمير محمد علي حمد
نشر في سودانيل يوم 22 - 09 - 2020

من المسلّم به حتى في عالم الطبيعة، ان أي تغيير عظيم ومباغت تتبعه اضطرابات دورية تتردد ذروتها صعودا وهبوطاً من بداية التغيير ثم تتضاءل تدريجياً نحو الاستقرار بعد فترة زمنية مرحلية قد تطول او تقصر اعتمادا على قوة التغيير في مقابل القوي المعاكسة له، ولكنها مرحلة قصيرة جدا قياساً لما يليها من مرحلة الاستقرار. والسودان الان يمر بإحدى ذُرى هذه الفترة المرحلية المضطربة بعد التغيير الزلزالي الذي حدث في 11 أبريل 2019م. وحسناً فعلت قوي التغيير ان فرضت فترة انتقالية طويلة نسبياً مقارنة بالفترات السابقة في 1964م و1986م حتي تتضاءل تماماً هذه الاضطرابات المرحلية وصولا الي حالة من الاستقرار، تؤمن مناخ صحي لانتخابات نزيهة في نهاية المرحلة، وتجنِّب السودان ما حدث في 1964م و1986م بالتعجل في أجراء الانتخابات قبل استقرار الوضع، ما نتج عنه فشل عملية التغيير، ووجد العسكر المدعوم بايدلوجيا اليسار تارة واليمين تارة اخري الفرصة مواتية للاستيلاء على السلطة وتدمير السودان.
الان والفترة الانتقالية في اوج اضطرابها ظل يسوِّق امام الانصار وزعيم حزب الامة - الذي يشئ كل ما يصدر عنه منذ اندلاع الثورة في 19 ديسمبر 2018م وحتى الان انه لم يستفد من تجربته السياسية التي امتدت لأكثر من 56 عاماً - لفكرة الانتخابات بحجة فشل الفترة الانتقالية، متوافقاً في ذلك مع طرح سبقه اليه الجنرال الذي قذفت به الصدفة المحضة الي سدة رئاسة المجلس العسكري في 12 أبريل 2019م، والقاضي بتحديد الفترة الانتقالية بتسعة اشهر بدأً من 4 يونيو 2019م كما جاء في بيانه الذي تلاه بعد فض اعتصام القيادة. ذلك البيان الذي تنصل فيه ايضاً عن كل اتفاقاته مع قوي التغيير وايقاف التفاوض معها، قبل ان تجعل جماهير الثورة في 30 يونيو 2019م كل ما جاء في بيانه هذا مجرد حبر على ورق، وتجبره على ابتلاع قراراته المتعجلة والعودة للتفاوض.
ظلت الحكومة الانتقالية منذ اداءها القسم في 8 سبتمبر 2019م وحتي الان، تحت المراقبة والتقييم من قبل قوي الثورة المختلفة وايضاً القوي المضادة لها، راصدة تعاملها مع الملفات المتشعبة والمعقدة لمهام الفترة الانتقالية، ما بين مشفقا عليها ومتمنياً نجاحها في مهامها، وما بين كاره لها ومتمنيا فشلها. فمنذ بدء الحكومة الانتقالية عملها اصبحت مسألة الحكم بنجاحها او فشلها او حتى تعثرها في أي ملف سوي كان ذلك الحكم موضوعياً او رغبوياً، عنصر اساسي يستخدمه اطراف الصراع السياسي السوداني من ذوي الاجندة الحالمة في خدمة اهدافهم. فبعد تكوين الحكومة الانتقالية مباشرةً نشط منتسبي النظام البائد في حملة انتقادات واسعة مستهدفة الحكومة ووزراءها وبعض المسئولين بها، بقصد التقليل من شان حكومة الثورة وبالتالي من الثورة نفسها، والترويج لذلك من خلال فبركة الاكاذيب واطلاق الشائعات، متناسين ان الشعب السوداني اوعي واكثر فطنة من الوقوع تحت تأثير مثل هذه الحملات المكشوفة والتي لم تنتهي الى فشل فحسب، بل ساهمت في مزيد من التفاف قوي الثورة حول حكومتها في ذلك الوقت المبكر من عمرها.
مع مرور الوقت وظهور تفاوت بين خطى الحكومة المتباطئة وتطلعات القوي الثورية، بدأت اصوات النقد تتعالى ضد الحكومة من قوي الثورة نفسها. فبينما كانت سقف تطلعات قوي الثورة عالياً وآمالها عظيمة في ان يكون تحقيق اهداف الثورة سريعا وحاسماً، كانت خطي الحكومة بطيئة تكبلها كثير من المعيقات في تحقيق هذه التطلعات وفق ما يشتهي الثوار. فالوثيقة الدستورية التي تحكم عمل الفترة الانتقالية لم تعط الحكومة سلطة كاملة في ادارة الدولة بل كبلت يدها في بعض الملفات الهامة، وابعدتها تماما عن ملفات اخري، فأصبحت حركتها في جوانب مهمة من ادارة الدولة مرهون بتوافقها مع ارادة اللجنة الامنية للنظام البائد، والتي يمثلها المكون العسكري في السلطة الانتقالية. اضافة لمعيقات الوثيقة الدستورية، فان الحكومة ورثت سوداناً اقرب الي اللا دولة منه الي الدولة، فالخدمة المدنية منهارة وكانت تدار خارج اطرها الرسمية، وهنالك جيشان مستقلان ما يجعل تعريف الدولة قد لا ينطبق تماماً علي السودان، بنية اقتصادية منهارة مع احتياطي صفري للعملة الحرة، كما ان اكثر من 80% من اقتصاد الدولة المفترضة يدار خارج الخزانة الرسمية لها، الاقاليم الطرفية تعاني اضطرابات امنية وتفتقد الوجود الامني الكافي والمؤسسات التي تثبت ان هنالك دولة يجب حفظ هيبتها، هذا فضلاً عن عزلتها الاقتصادية عن العالم بفعل لعنة القائمة الامريكية للدول الراعية للإرهاب والتي احتفظ السودان بموقعه فيها منذ العام 1993م عقاباً علي سياسات النظام البائد الخرقاء. هذه العزلة التي كبّدت السودان خسائر بلغت 300 مليار دولاراً امريكياً [1]، وكبّلت الاقتصاد السوداني بأكثر من 58 مليار دولار امريكي كديون خارجية واجبة السداد.
ولاحقاً واجهت الحكومة ازمات اخري لم تكن في الحسبان، فجائحة كورونا التي داهمت الحكومة الانتقالية مع بدايات النصف الثاني من سنتها الاولي، قلصت ايرادات الحكومة الي 40% من قيمتها المتوقعة والتي هي نفسها شحيحة لا تتعددي 6%. ثم جاءت فيضانات النيل في نهاية السنة الاولي للحكومة الانتقالية كعبءٍ اضافيٍ عمل على تشتيت جهود الحكومة وتبديد مواردها الشحيحة. فالأزمات الناتجة عن جائحة كرونا والفيضان زادتا من تباطؤ خطي الحكومة، كما ان الجائحة والفيضان نفسيهما أُضفيا الى ملفات الحكومة التي يجب التعامل معهما ومعالجتهما.
ففي ظل كل هذه الظروف يصبح مطلب التعافي الاقتصادي في السودان خلال سنة من عمر الحكومة الانتقالية مطلب خيالي وحالم، والحديث عن فشل الحكومة الذي يروج له الامام والجنرال استناداً علي اداءها في الملف الاقتصادي واسقاط الملفات الأخرى التي حققت فيها الحكومة الانتقالية نجاحات مقدرة، يصبح تقيماً انتقائياً لا يعكس كل الحقيقة ويفتقد الموضوعية، كما لا يخلو من الغرض السياسي.
وفي نفس الوقت لا يمكن الشك ابداً في ان الانتقادات التي تصدر عن معظم قوي الثورة – خاصة غير الحزبية منها - تجاه الحكومة، لا تهدف الا لتصحيح ما تراه انحراف في مسارها او تقصير او تباطؤ في بعض الملفات وليس القصد منها اسقاط الحكومة او اعاقتها كما يأمل اعداء الثورة. وفي جانب اخر فان الانتقادات من بعض قوي الثورة ومناصريها تجاه اداء الحكومة ومنها ما هو موجه بصورة شخصية لبعض الوزراء ورئيس الوزراء نفسه، لا تخلو من الغرض السياسي. ولا نود الوقوف تفصيلاً عند كل ما صدر من انتقادات والمنشورة في الصحف والوسائط الالكترونية، ولكن سنقف بشيء من التفصيل عند الاحكام التقيمية التي صدرت عن رئيس حزب الامة القومي و رئيس مجلس السيادة الانتقالي على اداء الحكومة الانتقالية، لدلالاتها السياسية من جهة ولافتقادها الموضوعية من جهة اخري، والاهم من ذلك لثقل الشخصيتين التي صدرت عنهما تلك الاحكام في المشهد السياسي السوداني الراهن.
يقول الامام الصادق المهدي في خطبته في عيد الأضحى المبارك بتاريخ 31 يوليو 2020م: " قدم حزبنا نقداً موضوعياً لأداء الفترة الانتقالية واعتبرها بالمقاييس الموضوعية فاشلة. " هكذا اصدر حكمه على الفترة الانتقالية، ولكن لم يتطرق للمقاييس الموضوعية التي اعتبر بموجبها ان الفترة الانتقالية فاشلة. فهل من الموضوعية اصلاً ان يتم الحكم على حكومة تعمل تحت ظروف استثنائية في ظرف اقل من سنة فقط من بدايتها، سوى كان هذا الحكم فشلاً او نجاحاً؟ ام هي الموضوعية التي جعلت الامام يتربع علي زعامة حزبه لما يناهز 56 عاماً رغم الفشل المتكرر الذي لازمه؟ اما الجنرال فيقول في حديثه بوادي سيدنا بتاريخ 24 أغسطس 2020م وفي تقييم غير موضوعي مسلطا الضوء علي الملف الاقتصادي فقط متجاهلاً ملفات اخري: "الفاشلون هم من يريدوا ان يجدوا شماعة ليعلقوا عليها الفشل"، متنصلاً عن مسؤوليته كراس للدولة وجزء اساسي من السلطة الانتقالية ومتناسياً فشله في حفظ الامن في ربوع البلاد المختلفة، ففشل او نجاح الفترة الانتقالية هو مسئولية كل مؤسسات السلطة الانتقالية.
فقد ظل السيد امام طائفة الانصار و زعيم حزب الامة ينتقد الحكومة الانتقالية كلما سنحت له الفرصة واصفاً لها بالفشل، ومختصرا كل مجهودات الحكومة واختراقاتها الهامة في عدة ملفات في هذا النعت النابع عن تقييم مبتور يجافي الموضوعية وغير مؤسس علي كل الحقائق ويناقض بعض بيانات حزب الامة نفسه التي اعترفت فيها بنجاح الحكومة الانتقالية في بعض الجوانب، والجميع يعلم ان حزب الامة هو صاحب الماركة المسجلة للفشل السياسي والذي لازمه خلال ثلاثة فترات ديمقراطية، كان النجاح في أي منها كفيل بتجنيب السودان كثير من المآسي والزلازل التي حدثت له خلال الستين عاماً الماضية وما زالت تلازمه حتى الان.
فالسيد الامام يتعامل مع القوي السياسية السودانية وفق العقلية الطائفية الابوية التي تصور له ان كل ما يطرحه هو الحق المبين ويجب اتباعه والا فان العاقبة خسراناً مبيناً. فبعد بضع شهور من الكلمة الرصينة والمتزنة التي القاها الامام في احتفالية توقيع اتفاق الوثيقة الدستورية بين المجلس العسكري وقوي الحرية والتغيير في 17 اغسطس 2019م، وبعد ان شارك حزبه في كل مراحل عملية التسوية التي تمت بين قوي الحرية والتغيير والمجلس العسكري والتي افضت الي الوثيقة الدستورية، اخذ الامام في انتقاد شركاءه في الحرية والتغيير وانتقاد الحكومة الانتقالية والترويج لفكرة اضطراب الفترة الانتقالية وفشلها، ومسوقاً في نفس الوقت لما اسماه "العقد الاجتماعي الجديد"، مهددا في حال رفضه بثلاث سيناريوهات تواجه الفترة الانتقالية، أسواءها الانقلاب العسكري او الفوضى وافضلها الانتخابات المبكرة. هكذا حكم الامام يقيناً بمآلات المستقبل السياسي السوداني وفق ارادته الطائفية الابوية!
في حقيقة الامر ان مسألة "العقد الاجتماعي الجديد" لم تأتي لعلةٍ في الفترة الانتقالية كما يدعي الامام، وانما هي محاولة منه للهيمنة علي المشهد السياسي خلال الفترة الانتقالية وفق العقلية الطائفية التي يسيطر بها على حزب الامة. وقد بدأ الامام يبشر بمثل هذا الطرح حتي قبل ان تتكون الحكومة الانتقالية والتي ما فتئ ينتقدها وهي لا تزال تحبو نحو إكمال عامها الاول، لا لشيء الا لتسويق برنامجه "العقد الاجتماعي الجديد" وتبرير القبول به والذي يدعي انه كفيل بإنقاذ الفترة الانتقالية الفاشلة كما يزعم مهددا بسيناريوهات قاتمة في حال لم ينفذ هذا البرنامج، لعل النقاط التالية توضح نهج السيد الامام في تعاطيه مع الفترة الانتقالية:
1. ففي لقاءٍ له بتاريخ 6 يوليو 2019 مع قناة العربية وعقب توقيع الاتفاق السياسي بين المجلس العسكري وقوي الحرية والتغيير صرح الامام بان حزب الامة سيقدم مبادرة لحلول كل المشاكل الواردة مستقبلاً، وحينها كانت الحكومة ورئيس وزراءها في رحم الغيب. ثم ظهرت هذا المبادرة لاحقاً في شكل ما عرف ب " العقد الاجتماعي الجديد ".
2. بعد بضع شهور من توقيع الاتفاق السياسي، وتقدُّم رئيس الوزراء بطلب الى الامم المتحدة في ايفاد بعثة اممية للمساعدة في انجاح الفترة الانتقالية، كتب الامام في 19 فبراير 2020م منتقدا خطاب رئيس الوزراء للأمم المتحدة في اسلوب لا يخلو من الوصاية - كانه استاذا يصحح تلميذه او اباً يعلم ابنه - قائلاً: "مجلس الأمن مؤسسة سياسية إذا نظرت في طلبنا (طلب حمدوك الي الامم المتحدة) فسوف تحدد شروطها وتحدد وسائل تفعيل دورها كما تشاء. من حيث المبدأ لا تناقض مع السيادة الوطنية لتدخل دولي إذا تم برضا الأغلبية، ولفترة مؤقتة تحت ضغط ضرورة ملحة. هذه الشروط لم تتوافر في حالة طلب رئيس الوزراء السوداني للأمين العام للأمم المتحدة. هذا هو مكان الخطأ، ولتداركه ينبغي أن يشترك "أصحاب القرار السياسي" في البلاد في مراجعة الموقف وفاء بالشروط المذكورة واستعداداً لما قد يقرره مجلس الأمن" [2]. وهنا تسيطر علي الامام طائفيته الابوية ليُعلِّم رئيس الوزراء كيف كان ينبغي له كتابة مثل هذا الطلب، وعليه ان يعود ل "أصحاب القرار السياسي في البلاد" لتصحيح خطأه، ولا ندري من هم المقصودون ب "أصحاب القرار السياسي" الذين اشار اليهم السيد الامام اعلاه.
3. في 20 أبريل 2020، قرر مجلس التنسيق الاعلى لحزب الامة أن يجمد أنشطته في كافة هياكل قوى الحرية و التغيير ولجانه الراهنة فورا حتي تستجيب في ظرف أسبوعين للاتفاق على إصلاح جذري عبر ما اسماه الحزب "العقد الاجتماعي الجديد". وهدد بانه في حال عدم الاستجابة لهذا المطلب مع احتقان الظروف في البلاد سيتجه الحزب للعمل خارج اطار الحرية والتغيير من أجل تحقيق التطوير و الاصلاح المنشود مع كافة الجهات الوطنية من قوى التغيير والحكومة التنفيذية و المجلس السيادي بشقيه المدني والعسكري. ولعل اتفاق الحزب السياسي لاحقا في 29 اغسطس 2020م مع حزب المؤتمر الشعبي ومغازلته للعسكر في خطبة عيد الأضحى الماضي كانت ترجمة لهذا التهديد.
4. مواصلة لحملته الترويجية في فشل الحكومة المزعوم صرح الامام في لقاءٍ له بتاريخ 23 يوليو 2020 مع قناة الجزيرة بفشل تجربة ما بعد الثورة ورهن الاصلاح وانقاذ الفترة الانتقالية بالتوافق علي برنامج اسماه "العقد الاجتماعي" وان الاوضاع الامنية والمعيشية لا يمكن ان تنتظر واذا رُفض هذا "العقد الاجتماعي" ذلك يعني ان الفترة الانتقالية قد دخلت في طريق مسدود ما يستجوب التفكير في البديل الانتخابي.
5. وفي لقاءٍ له بتاريخ 27 اغسطس 2020 مع قناة سودانية 24 كرر قوله السابق انه عند اضطراب المرحلة الانتقالية يجب ان تكون هناك انتخابات كبديل للفوضى او الانقلاب. كما وصف وضع الحكومة الراهن قائلا "ان الوضع الان صار في كف عفريت خصوصا بعد المراشقات الاخيرة ما بين رئيس الوزراء ورئيس مجلس السيادة. واذا ترك الموضوع كما هو عليه الان من اتهام واتهام مضاد سيؤدي الي حالة عجز في النظام، لذلك نعتقد ضرورة عقد المؤتمر الاساسي الان ومناقشة والاتفاق على "العقد الاجتماعي" واذا لم يحدث هذا سيكون هنالك خطر كبير جدا علي الفترة الانتقالية وعلى استمرار رئيس الوزراء وعلي استمرار مجلس السيادة بالتشكيل الذي اقرته الوثيقة الدستورية."
6. في لقاءه بتاريخ 29 اغسطس 2020 مع وفد من هيئة محامي دارفور، كرر الإمام نفس ما ظل يردده بان البلاد امام ثلاثة خيارات هي: "الفوضى او الانقلاب العسكري او القفز إلي انتخابات مبكرة، في ظل تباين وتباعد مواقف قوى الحرية والتغيير وإخفاقات حكومة د. حمدوك وان حزب الأمة القومي لديه برنامج متكامل مطروح يخاطب به كل السودانيين (العقد الاجتماعي الجديد)" [3].
7. في لقاءه بتاريخ 27 اغسطس 2020 مع قناة سودانية 24 قال الامام: "ان الخطاب الذي ارسل الي الامم المتحدة وقبول مبدأ مناقشة جرائم النظام السابق مرفوض". ولا ندري كيف يبني الامام احكامه؟ ففي اعتقاد كاتب هذا المقال ان الحكومة الانتقالية كانت واقعية جداً في التعامل ملف قائمة الارهاب وكذا في طلبها ايفاد بعثة اممية للمساعدة في انجاح الفترة الانتقالية، وقد حققت نجاحات مقدرة حتى الان في هذين الملفين، وسيكون لذلك انعكاسات ايجابية للسودان علي المدي المتوسط والبعيد في حال تكللت مساعي الحكومة برفع اسم السودان من لائحة الارهاب الامريكية، ونجحت البعثة الاممية في مهامها. وفي نفس هذا اللقاء يقول الامام اذا لم ترفع الولايات المتحدة الامريكية السودان عن قائمة الارهاب فسيؤدي ذلك الي فشل الحكومة الانتقالية، والتي حكم بفشلها سابقاً في خطبة عيد الأضحى المبارك!
اوضحت الفترة القصيرة التي صعد فيها رئيس مجلس السيادة الي مرتبة المسئول الاول في السودان، كرئيس للمجلس العسكري الانتقالي في الفترة من 12 أبريل 2019م وحتى 17 أغسطس 2019م وخلالها تم تصنيف هذا المجلس كمجلس انقلابي من قبل الاتحاد الافريقي، ثم رئيساً لمجلس السيادة الانتقالي من 17 أغسطس 2019م وحتي الان، انه يفتقد للذكاء السياسي بتفويت الفرصة التي اتيحت له ليكون في الجانب المضئ من التاريخ كأحد صانعي سودان ما بعد الثورة بانحيازه الكامل والحقيقي للثورة، ولكن وجوده في قمة هرم المؤسسة العسكرية ربما اغراه ان يستأثر بالسلطة منفرداً، فظل يرواغ حتى ارغمته قوي الثورة على الشراكة مكرها وجعلت حلمه في الانفراد بالسلطة بعيد المنال. كما انه اتسم بالتعامل بردود الافعال والتسرع في اصدار القرارات دون تروي او تفكُّر ثم التراجع عنها احياناً، مما جعل تصريحاته متناقضة في كثير من المواقف. ربما اسوأ ما اتسم به رئيس مجلس السيادة هو افتقاده الشفافية شأن معظم العسكريين الذين تسيطر عليهم العقلية الامنية مع روح المغامرة، فهم يتعاملون مع اخطر الملفات في الظلام وبعيدا عن المؤسسية، غير مكترثين لتبعات ذلك، كما انهم لا يستفيدون من التاريخ، فدائما ما يقعون فريسة لتأمر السياسيين وارتكاب نفس الاخطاء التي اوصلت من سبقوهم الي المشانق او غياهب السجون او المنافي ولو بعد حين (نميري، هاشم العطا، حسن حسين، عمر البشير، ولا ندري هل سيكمل الجنرال الحالي السلسة؟). لعل الاحداث التالية تدلل علي ما ذهبنا اليه في وصف الجنرال:
1. فقد فتح التاريخ ابوابه في 12 أبريل 2019م للسيد رئيس المجلس الانتقالي حينها ليكون فاعلاً اساسياً في واحدة من اعظم الثورات الشعبية في التاريخ المعاصر وان يكون الاسم البارز في صناعة السودان الجديد الذي نادت به جماهير الثورة ولكنه ابي ذلك المجد الذي اتاه طائعاّ ورضي ان يكون انقلابياً حسب تصنيف الاتحاد الافريقي له، ليلتحق مكرهاً تحت ضغط الثوار والمجتمع الاقليمي والدولي، لشرعية الثورة بعد 3 شهور من المراوغة دفع فيها الثوار اثمان باهظة. فلو كان انحياز الجنرال كاملاً للثورة منذ ظهوره الاول علي مسرح الاحداث في 12 أبريل 2019م، لكنا قد تجنبنا ازهاق كثير من الارواح ولكان طريق الثورة معبداً نحو تحقيق اهدافها، لكنه كان قاصر الرؤية، عمل من البداية لصالح تحقيق احلامه وتبني اجندة القوي المضادة للثورة، مما افقده خلال بضع ايام كل الاجماع الذي كان قد حظي به من الثوار في 12 أبريل 2019م. اصراره علي تبني اجندته الخاصة ادخله في صراع مع قوى الثورة، استخدم فيه شتى اساليب العنف والضغط من الاعتقال والابتزاز والتهديد بالفصل من الوظيفة والقتل ضد شباب سلمي، تماماً مثلما كان يحدث للثوار ايام سلفه المخلوع. ففي الفترة من 12 أبريل 2019م وحتى 5 يوليو 2019م، فاق عدد شهداء الثورة اولئك الذين استشهدوا تحت بطش المخلوع الذي امتد في الفترة من 19 ديسمبر 2018م الي 11 أبريل 2019م.
2. اتسمت ردود الافعال الجنرال تجاه الاحداث ما بعد بيانه الاول بتاريخ 13 أبريل 2019م بالتناقض والتسرع وعدم الموضوعية في كثير من المواقف، فنراه يعطل النقابات ثم ما يلبث ان يتراجع عن قراره، ونجده يصف الثورة بالسلمية ثم ما يلبث ان ينفي عنها ذلك. ففي بيانة الاول يشيد بالثورة والثوار وسلميتهم، ثم في اقل من شهر بعد ذلك، وفي بيانه العدائي بتاريخ 16 مايو 2019م يدّعي انتفاء السلمية عن الثوار ليبرر لنفسه تجميد المفاوضات مع قوي الحرية والتغيير لمدة 72 ساعة. ويظهر تسرعه في بيانه بتاريخ 4 يونيو 2019م بعد فض اعتصام القيادة مباشرة والذي الغي فيه ما تم من اتفاق وايقاف التفاوض مع قوي الحرية والتغيير، ويدعو فيه لانتخابات عامة في فترة لا تتجاوز التسعة اشهر من تاريخ البيان، قبل ان يعود بعد اقل من شهر ويتراجع مرغماً عن كل هذه القرارات تحت ضغط مليونية 30 يونيو 2019م. ويأتي حديثه لقادة الجيش في 23 أغسطس 2020م والذي كرره بعد يوم في وادي سيدنا، الذي وجه فيه اتهامات غير موضوعية لشركائه في الحكومة وقوى التغيير، في خانة رد الفعل بعد حديث لرئيس الوزراء يفهم منه ان اكثر من 80% من اقتصاد الدولة تحت سيطرة المؤسسات العسكرية.
3. يقول الجنرال في لقاء وادي سيدنا بتاريخ 24 أغسطس 2020م ان القوات المسلحة ظلت تضحي من اجل الشعب السوداني ليعيش في امان، ولا ندري أي تضحية يقصدها والسودان لم يكن في حرب مع أي دولة طوال تاريخه الوطني، ولا ندري عن اي شعب سوداني يتحدث هل يا تري اولئك الضحايا الذين بلغوا 300 الفاً والذين قضوا بسلاح القوات المسلحة السودانية وميليشياتها، من ضمنهم؟ وهل معسكرات اللجوء والنزوح التي تحتشد بملايين السودانيين هو الامان الذي وفرته القوات المسلحة للشعب السوداني؟ وهل استطاعت القوات المسلحة حماية من احتموا بها في عقر دارها امام القيادة العامة في 3 يونيو 2019م؟ فمجمل حديث الجنرال في ذلك اللقاء يكرس لمفهوم دولة الجيش داخل الدولة السودانية بمبررات توضح بجلاء ضمور الوعي بمفهوم الدولة الحديثة لدي بعض القادة العسكريين السودانيين، مدعياً ان مؤسسات الجيش الاقتصادية، والتي ربما تمثل اكثر من 80% من اقتصاد الدولة، اسست من استقطاعات منتسبي القوات المسلحة!
4. يقول الجنرال في لقاء وادي سيدنا بتاريخ 24 أغسطس 2020م "الفاشلون هم من يريدوا ان يجدوا شماعة ليعلقوا عليها الفشل". وهذا اتهام غير موضوعي لأنه يحكم علي مجمل اداء الحكومة من خلال ملف واحد من 17 ملف تتضمن مهام الحكومة الانتقالية وفقا للوثيقة الدستورية، كما ان هذا الحديث يناقض ما صرح به من قبل في لقاءٍ له بتاريخ 21 نوفمبر 2019م مع قناة الجزيرة "طالب فيه جميع السودانيين بمساندة الحكومة الانتقالية والصبر عليها والتي ورثت تركة مثقلة بالتحديات الاقتصادية وانهم شركاء مع مجلس الوزراء في الحكم يتشاورون دائما وليس بيننهم أي حواجز وعليهم جميعا المحافظة علي الفترة الانتقالية حتي الوصول الي غاياتها". ثم يأتي الان متهماً الحكومة بالفشل ومتنصلا من مسئوليته كشريك اساسي في الحكم كما اقر هو بنفسه بذلك، بدلا من تحمل مسئولياته مع الحكومة في ظل الازمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد. فهو يعلم تماما التحديات التي تواجه الملف الاقتصادي ولماذا يتعثر، ولكنه يريد ان يروج لفشل الحكومة وفي نفس يرسل رسائل ذات دلالة حين يقول انه رهن اشارة الشعب.
5. ومن جانب اخر كان حديثه في بوادي سيدنا والذي سبقه امام قادة الجيش مليئاً بالاستعلاء علي شركاءه في مجلس الوزراء وقوى الحرية والتغيير والتفاخر والمنة علي الشعب السوداني، فاذا كانت القوات المسلحة تضحي من اجل الشعب كما يقول، فهذا عملها وليس من اللائق ان يمتن علي الشعب بشيء هو من صميم واجبه، فالمعلمون والاطباء والقضاء ... الخ ايضاً يضحون من اجل الشعب. كما لم يخلوا حديثه من مغازلة مكشوفة للشعب للكفر بحكومة الثورة وحاضنتها السياسية وتفويضه لاستنساخ التجربة المصرية في السودان. باختصار فان حديث الجنرال في خطابيه امام قادة الجيش ووادي سيدنا لا يليق ان يصدر عن المسئول الاول بالدولة.
6. العسكر يضيقون دائما بالشفافية والمؤسسية ويحبذون العمل في الظلام وخارج القنوات الرسمية للدولة في ملفات خطيرة وقد تكون خارج نطاق مهامهم، هذا ما برهنت عليه الخطوة التي قام بها الجنرال بلقاء رئيس الوزراء الاسرائيلي في الخفاء.
فالأمام والجنرال كلاهما متفقان تماماً في تصريحاتهما فيما يتعلق باتهام حكومة الفترة الانتقالية بالفشل وتحينهما الفرص لقطع الطريق عليها بالانتخابات المبكرة او الانقلاب. فالأمام يصف الحكومة بالفشل تسويقاً لبرنامجه "العقد الاجتماعي" ولحتمية اللجوء الي الانتخابات تحت ظل هذا الفشل حسب ادعاؤه. اما الجنرال فيصف الحكومة بالفشل وهو شريك في السلطة كراس للدولة، وفي نفس الوقت يغازل الشعب املاً في الحصول علي تفيض يحقق له حلمه. الخطورة في هذه الانتقادات ذات الغرض، انها تشكل قاعدة متقدمة لدي اعداء الثورة للنيل منها، كونها صادرة من شخصيتين احدهما المسئول الاول في السلطة الانتقالية والاخر صاحب اكبر وزن سياسي في قوي الثورة. وفي جانب اخر فان ما ظل يروج له الامام والجنرال مضلل ولا يعكس اداء الحكومة الانتقالية الحقيقي، فمهام الفترة الانتقالية المحددة في الوثيقة الدستورية شملت 17 ملف هي: تحقيق السلام، إلغاء القوانين والنصوص المقيدة للحريات، محاسبة منسوبي النظام البائد، معالجة الأزمة الاقتصادية، الإصلاح القانوني، تسوية أوضاع المفصولين تعسفياً، تعزيز حقوق النساء، تعزيز دور الشباب، الإعداد لوضع الدستور، سن التشريعات المتعلقة بمهام الفترة الانتقالية، إصلاح أجهزة الدولة، وضع سياسة خارجية متوازنة، تحقيق التنمية الاجتماعية، تفكيك بنية التمكين، تشكيل لجنة تحقيق وطنية مستقلة للانتهاكات التي جرت في الثالث من يونيو 2019م وما بعدها.
فليس من العدل ولا الموضوعية انتقاء اكثر ملفات الحكومة تواضعا من حيث الاداء، والتغافل في نفس الوقت عن التقدم الذي احرزته في معظم الملفات اعلاه للحكم علي الاداء الكلي لها. فالحكومة بالفعل قد تاهت بين مؤشرات الملف الاقتصادي، ولا يختلف اثنان في التعثر البيِّن لأداء الحكومة في هذا الملف والذي ظهرا جلياً في تدهور سعر صرف الجنيه السوداني والتصاعد المضطرد في التضخم، وربما يعود ذلك جزئياً للأوضاع المعقدة التي تعمل في ظلها الحكومة والتي بيّناها انفاً في صدر هذا المقال، ولكن الجانب الاكبر من هذا التعثر يعود للتعاطي غير المسئول لمكونات السلطة الانتقالية السيادية، والتنفيذية والسياسية مع هذا الملف حيث ظلت في حالة من عدم الوفاق والتجاذب المستمر وتبادل الاتهامات. ذلك لا يعني ان الفترة الانتقالية فشلت كما يروج كل من الامام والجنرال، فقد حققت نجاحات مقدرة في معظم الملفات التي تديرها، خاصة ملفي السلام والعلاقات الخارجية حسب ما صدر عن جهات مختلفة، كما يلي:
1. اعتبر الأمين العام للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريش أن الاتفاق الذي تم توقيعه بين الحكومة السودانية والجبهة الثورية السودانية، "إنجاز تاريخي وهنّأ أطراف المفاوضات على إرادتهم السياسية وعلى تصميمهم على العمل في سبيل هدف السلام المشترك". [4].
2. لقى الاتفاق الذي تم توقيعه بين الحكومة السودانية والجبهة الثورية السودانية، ترحيبا واسعا من الترويكا (الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج). وقالت في بيان إن الاتفاق "يشكل خطوة أولى في عملية طويلة لإعادة بناء الأمل والاستقرار للمجموعات المتضررة من النزاع في السودان". وأضافت أن اتفاق السلام "يضع أساسا لسلام واستقرار دائمين في دارفور ومناطق أخرى متضررة من النزاعات، ويعد أساسيا للانتقال الديمقراطي في السودان". [4].
3. أعلنت الولايات المتحدة عزمها تعيين سفير في السودان لأول مرة منذ 23 عاما، وذلك خلال زيارة حمدوك إلى واشنطن كأول رئيس سوداني يزورها منذ 1985. [5].
4. نشر موقع مونت كارلو الدولية في: 30/07/2020 "عندما أصدرت وزارة الخارجية الامريكية قائمة محدثة للدول غير المتعاونة في مجال مكافحة الإرهاب، تبين أن اسم السودان خلا من القائمة التي وضع فيها منذ عام 1993.وهذا تطور اعتبره مراقبون خطوة مهمة على طريق الرفع الكلي من القائمة، وبالتالي إصلاح الأوضاع الاقتصادية والسياسية في البلاد. جاءت هذه الخطوة عقب زيارة رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك إلى واشنطن وطالب برفع اسم بلاده من قائمة الدول الراعية للإرهاب."
5. نشر موقع يورونيوز في 30/07/2020 ان :" وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو يرغب في إزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، واعتبر أن الانتقال السلمي الذي تعيشه البلاد يمثل فرصة تاريخية." كما نشرت سكاي نيوز عربية في نفس السياق: " أكد تقرير نشرته مجلة "فورين بوليسي" أن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ومعه عدد من أعضاء الكونغرس يكثفون الضغوط من أجل ضمان شطب اسم السودان قبل حلول نوفمبر المقبل من قائمة الدول الراعية للإرهاب والتي ظلت تكبل اقتصاده لقرابة ربع قرن من الزمان وكبدته خسائر مباشرة قدرت بنحو 300 مليار دولار. " [1].
6. في 26 يونيو 2020 اصدرت الامانة العامة لحزب الامة بياناً يعتبر فيه أن انعقاد المؤتمر الشركاء (اقيم في 25 يونيو 2020م) في ظل جائحة فايروس كورونا المستجد، نجاحا لحكومة السودان الانتقالية، واعترافا من المجتمع الدولي بأهمية مساندة السودان وهو يناضل للخروج من التركة المثقلة للنظام البائد .[6]
7. رصدت "سكاي نيوز عربية" أبرز النجاحات التي تحققت والتحديات الماثلة خلال ال250 يوما الأولى من عمر الفترة الانتقالية بالسودان: "وفقا لساسة وإعلاميون وخبراء اقتصاد فإن الانفتاح في السياسة الخارجية والجهود المحسوسة في استرداد أموال وأصول الشعب المنهوبة وتفكيك دولة التمكين وتوفير الحريات وإصلاح نظام التعليم والخطوة المرتقبة برفع أجور العاملين في الدولة بنسبة تفوق ال 500 بالمئة، إضافة إلى التقدم النسبي في ملف السلام وإنهاء الحرب هي أبرز النجاحات حتى الآن، وفي المقابل هنالك العديد من التحديات التي تثير قلقا كبيرا في الشارع السوداني، من أبرزها الارتفاع المستمر في معدلات التضخم وانخفاض قيمة الجنيه والمشكلات الأمنية والثورة المضادة." [7].
8. رفعت الولايات المتحدة، السودان من لائحتها السوداء حول الحرية الدينية في 20 ديسمبر 2019م، التي تضم الدول التي تشكل مصدر قلق خاص في مجال الحريات الدينية، إثر مشاركتها أو تسامحها مع انتهاكات فاضحة منهجية ومستمرة لقانون الحرية الدينية الدولية الأمريكي.
9. أقرّت الحكومة السودانية الانتقالية مشروع قانون يلغي "قانون النظام العام" المثير للجدل تزامنا مع اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة الذي صادف الاثنين، ملبّية بذلك أحد المطالب الأساسية للمنظمات الحقوقية والنسوية التي كانت ترى في هذا القانون انتهاكا لحقوق المرأة وإذلالا لها [8].
10. بعد سنوات طويلة من الرفض والنضال، أقرّت وزارة العدل السودانية إجراء تعديلات على قانون الأحوال الشخصية، تخصّ الحقوق والحريات الأساسية، ومنها مواد عدّة تهم المرأة السودانية التي كانت شريكاً أصيلاً في ثورة ديسمبر (كانون الأول)، وفي المفاوضات والحكومة الانتقالية. التعديلات معنيّة بإجراء إصلاحات واردة في الوثيقة الدستورية حول حقوق الإنسان وحرياته، وحقوق المرأة والطفل، وذلك بإلغاء عدد من المواد التي تحطّ من كرامة المرأة، وتجريم ختان الإناث والإقرار بحق الأم في اصطحاب أطفالها في حال السفر خارج السودان، الذي كان مشروطاً من قبل بموافقة الأب [9].
11. قال وزير المملكة المتحدة للشؤون الخارجية والكومنولث والتنمية دومينيك راب في تويتر "من الرائع رؤية احراز تقدم مستمر في السلام في السودان بالاتفاق الذي تم بين حكومة السودان ومجموعة الحلو، "أشيد بقيادة رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك ".
12. رحبت حكومات أستراليا، كندا، تشيلي، الدنمارك، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، هولندا، النرويج، بولندا، إسبانيا، السويد، المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، في بيان مشترك صدر يوم 26 اغسطس 2020م ب "عملية الانتقال الديمقراطي والإصلاحات التي تقوم بها الحكومة المدنية السودانية، وبجهود القيادة المدنية لتعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية في إطار عملية الإصلاح والمصالحة الوطنية التي من شأنها أن تؤدي إلى تحسينات مهمة، ما ظهر بشكل خاص خطوات السودان إلى الأمام في مجال حرية الدين أو المعتقد".
من الواضح ان الحكومة حققت نجاحات مقدرة في ملفات السلام، والعلاقات الخارجية وادماج السودان في المجتمع الدولي وقائمة الارهاب، وتفكيك نظام الثلاثين من يونيو، وفي مجال اصلاح القوانين والحريات العامة بما فيها الحريات الدينية والصحافة والاعلام وحقوق الانسان بما فيها حقوق المرأة، ولكن يبقي المحك الحقيقي الذي يواجه الحكومة، وهو احداث الاستقرار الاقتصادي المنشود.
22 سبتمبر 2020م
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
المراجع:
[1] https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1377170-
[2] https://ajwad.news/2556
[3] https://ajwad.news/7948
[4] https://arabic.euronews.com/2020/09/01/reactions-signing-peace-agreement-between-sudanese-government-rebel-groups
[5] https://www.alhurra.com/sudan/2019/12/08/
[6] https://www.alsadigalmahdi.com/%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D9%85%D9%87%D9%85-%D9%85%D9%86-%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D9%85%D9%8A-%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D9%88%D8%B1/
[7] https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1343426-%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%83%D8%B4%D9%81-%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D8%A8-%D9%84%D9%80250-%D9%8A%D9%88%D9%85%D8%A7
[8] https://alarab.co.uk/%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D9%84%D8%BA%D9%8A-%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86%D8%A7-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%87%D9%83-%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B3%D8%A7%D8%A1-%D9%84%D8%B3%D9%86%D9%88%D8%A7%D8%AA-%D8%B7%D9%88%D9%8A%D9%84%D8%A9
[9] https://www.independentarabia.com/node/134646/


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.