الشركات العسكرية.. تصدر اللحوم إلى مصر.. خمسة جنيهات للكيلو .. ما فيش فايدة !! .. بقلم: عثمان محمد حسن    الناطق باسم مجلس السيادة يُقر بزيارة اسرائيلية "ذات طبيعة عسكرية" .. بقلم: أحمد حمزة    توني موريسون ... عملاقة الأدب وأيقونة الحريّة (2/2): تراجيديا الزمن الغابر في ولايات أمريكية لم تتحد بعد .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    نعتذر منك سيدي: في رثاء الراحل الإمام الصادق المهدي .. بقلم: فريدة المبشر - دبي    في رثاء حمد الريح .. بقلم: تاج السر الملك    عملية إسرائيلية تقلب العجوز صبي والعجوز صبية !! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    التعليم العالي تقرر تخفيض اعداد المقبولين للجامعات للعام الحالي بنسبة 5.4%    تجمع الحرفيين يكشف عن اختفاء أسهم مالية    الكوادر الطبية بالذرة تنفذ وقفة احتجاجية أمام مستشفى الخرطوم    الذين يحكمون بالأكاذيب!! .. بقلم: طه مدثر    رئيس مجلس السيادة يتلقى إتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأمريكي    الصحة تحذر من خطورة الموجة الثانية لجائحة كرونا    المجموعة السودانية للدفاع عن حقوق الانسان: بيان توضيحي حول الورشة المزمع اقامتها بعنوان السلام وحقوق الانسان    الكورونا فى السودان .. هل نحن متوكلون أم اغبياء؟! .. بقلم: د. عبدالله سيد احمد    المريخ يتعادل مع أوتوهو الكونغولي    المريخ يسعى لبداية قوية في دوري الأبطال    وفي التاريخ فكرة ومنهاج .. بقلم: عثمان جلال    أحداث لتتبصّر بها طريقنا الجديد .. بقلم: سعيد محمد عدنان – لندن – المملكة المتحدة    القوى السياسية وعدد من المؤسسات والافراد ينعون الامام الصادق المهدي    شخصيات في الخاطر (الراحلون): محمود أمين العالم (18 فبراير 1922 10 يناير 2009) .. بقلم: د. حامد فضل الله / برلين    القوى السياسية تنعي الإمام الصادق المهدي    بروفسور ابراهيم زين ينعي ينعي عبد الله حسن زروق    ترامب يتراجع بعد بدء الاجهزة السرية بحث كيفيّة إخْراجه من البيتِ الأبيضِ !! .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي    لجنة التحقيق في إختفاء الأشخاص تقرر نبش المقابر الجماعية    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





علاقة المسلم مع غير المسلم في المنظور الإسلامي: بين المبادئ الإسلامية والممارسة العملية (3/3) .. بقلم: أ.د. أحمد محمد أحمد الجلي
نشر في سودانيل يوم 23 - 09 - 2020

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
المحور الثالث
علاقة الغرب بالإسلام والمسلمين من الحروب الصليبية الى العصر الراهن.
رغم روح التسامح التي تضمنتها تعاليم الإسلام وحملها المسلمون في فتوحاتهم وتواصلهم مع الآخرين كما سبق أن رأينا، فإنَّ العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي اتسمت من جانب الغرب بالعداء للإسلام والصراع مع المسلمين. وسنحاول في هذا المحور تتبع هذه الظاهرة وبيان أسبابها المباشرة والآليات التي استخدمت لتأجيجها، وكيفية التعامل معها.
المبحث الأول: الاحتكاك المباشر بين أوروبا والعالم الإسلامي
قد بدأ أول احتكاك للإسلام مع الغرب من خلال الفتوحات الإسلامية التي بدأت منذ عهد الرسول ، وتوسعت حدودها وآفاقها على امتداد قرون طويلة لاحقة، شكلت- بما ارتبط بها وتمخض عنها من دحر جحافل الروم، وتهديم معاقل وجودهم في المناطق التي اكتسحتها رايات الإسلام- أُولى وأبرز الخبرات المؤلمة التي تعرض لها الغرب في علاقته بالعالم الإسلامي. وقد سعت حملات الفتح إلى تحرير شعوب الشرق المضطهدة والمقهورة دينياً وحضارياً من قبل الإغريق والرومان والبيزنطيين. وقد شهدت شعوب تلك المناطق بعدل المسلمين، وحمدت سعي المسلمين لتحريرهم من الإضطهاد. كما شهد بذلك الأسقف "يوحنا النقيوسي" ،الذي كان شاهد عيان على الفتح الإسلامي لمصر، بأنَّ هذا الفتح الذي حرر مصر من الإستعمار البيزنطي، إنما كان بمثابة العدل الإلهي الذي انتقم الله به من ظلم الرومان واضطهادهم للمصريين الأرثوذكس ".. (تاريخ مصر ليوحنا النقيوسي: رؤية قبطية للفتح الإسلامي (الأسقف يوحنا النقيوسي)، ص 201، 202، 220.)
وقد أورد الأستاذ «أرنولد» في كتابه «الدعوة إلى الإسلام» ما نصه: «ولما بلغ الجيش الإسلامي وادي الأردن، وعسكر أبو عبيدة في (فحل*) كتب الأهالي المسيحيون في هذه البلاد إلى العرب المسلمين يقولون:" يا معشر المسلمين، أنتم أحب إلينا من الروم، وإن كان الروم على ديننا، أنتم أوفى وأرأف بنا، وأكف عن ظلمنا، وأحسن ولاية علينا، ولكنهم غلبونا على أمرنا ومنازلنا،وأغلق أهل حمص مدينتهم دون جيوش هرقل، وأبلغوا المسلمين أن ولايتهم أحب إليهم من ظلم الإغريق وتعسفهم "(الدعوة إلى الإسلام ( سير توماس آرنولد) ،ص:73.) ويقول جون اسبوزيتو:"فقد رأى بعض مسيحي الشرق الذين عاشوا تحت حكم البيزنطيين أن قدوم الإسلام قد عتقهم من الضرائب الأكثر إرهاقاً،وأنه قد منحهم حرية دينية سمحت لهم بالبقاء كمجتمعات مستقلة ، وبممارسة شعائرهم الدينية.وفي هذه الحالات كان ينظر الى الإسلام بوصفه قوة سياسية محررة ،وليس شراً أو تحدياً للعقيدة المسيحية".( الاسلام والغرب عقب 11 أيلول /سبتمبر: حوار ام صراع حضاري ؟ ،(جون اسبوزيتو )، ص:4.)
وقد غرست تلك المواجهة بين الأوربيين والإسلام بذور الخوف من الإسلام في ذهنية الغرب، وجعلته يطور نزوعاً مرضياً يحكم تفاعله مع ذلك الدين وأتباعه، ثم جاءت الهزيمة المنكرة التي منيت بها جيوش الغرب الجرارة في معركة اليرموك ، (15 ه - 636م) بين المسلمين والإمبراطورية البيزنطية، وما ترتب عنها من جلاء الإحتلال الرومي عن المنطقة العربية حيناً من الدهر. ثم تلى ذلك فتح الأندلس الذي بدأ بحملة عسكرية بدأت عام 92 ه/711م ، ومعركة بلاط الشهداء أو (معركة بواتييه Poitiers) ، وفتح القسطنطينية على يد السلطان محمد الفاتح سنة "857ه - 1435م"، ... الخ، قائمة لا تكاد تنتهي من وقائع الصراع الدامي بين الجانبين.وسنشير فيما يلي الى الحروب الصليبية ،ومأساة الأندلس، والعثمانيين في أوروبا، والإستعمار الأوربي للعالم الإسلامي لما لتلك الأحداث الكبيرة من آثار على كلا الطرفين لا تزال تعاد من حين لآخر.
الحروب الصليبية: منذ تلك الفترة المبكرة بدأت عداوة الغرب للإسلام منذ اول مواجهة –كما سبق أن أشرنا- وبدأت تتبلور الصورة الغربية المعادية للإسلام وحضارته وأمته ودولته وعالمه في الثقافة الغربية.ومنذ ذلك التاريخ توالت محاولات الغرب للثأر من الإسلام: -فكانت الحروب الصليبية: التي بدأت بصيحة البابا أوربان الثاني، في مجمع كليرمونت، سنة 1095م، وحثه ملوك وأمراء، وشعوب أوروبا للزحف على أرض الشرق، لإنقاذ بيت المقدس، و الأماكن المقدسة الأخرى في فلسطين من أيدي المسلمين، و حماية المسيحيين في المشرق، وتسهيل طرق الحجاج إلى القدس. ( انظر: تاريخ الحروب الصليبية، (ستيفن رنسيمان )،1/159-160). وقد شارك في تلك الحملات الصليبية الغرب، بقيادة الكنيسة الكاثوليكية، وتمويل المدن التجارية الأوروبية، وجنود أمراء الإقطاع الأوربيون.
وقد قام الصليبيون خلال تلك الحملات التي وجهت ضد بلاد الشام، ومصر، وشمال أفريقية ،ودامت قرابة قرنين من الزمن (489-690ه/1096-1291م)، بارتكاب أبشع المذابح التي سجلها تاريخ البشرية. وتذكر المصادر أنه بعد أن دخل الصليبيون مدينة القدس عام(1099 م / 492 ه .)،انطلقوا في شوارعها يذبحون كل من يقابلهم من رجال ونساء وأطفال، ولم تسلم المنازل الآمنة من اعتداءاتهم الوحشية، واستمر ذلك طيلة اليوم الذي دخلوا فيه المدينة. وفي صباح اليوم التالي استكمل الصليبيون الهمج مذابحهم، فقتلوا المسلمين الذين احتموا بحرم المسجد الأقصى. ورغم ان أحد قادة الحملة قد أمًّنَ السكان على حياتهم، ولكن الصليبيين لم يراعوا عهده معهم، فذبحوهم وكانوا سبعين ألفًا، منهم جماعة كبيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبادهم وزهادهم، ممن فارقوا أوطانهم وأقاموا في هذا الموضع الشريف. هذا فضلاً عمن قتل من اليهود والنصارى المخالفين للصليبيين في المذهب.
ويعترف مؤرخو الحملات الصليبية ببشاعة ذلك السلوك الهمجي المتوحش الذي أقدم عليه الصليبيون، ويذكر المؤرخ الصليبي "ريموند أوف أجيل" Raymond of Agiles (انظر: الحملة الصليبية الأولى :نصوص ووثائق تاريخية.( قاسم ، قاسم عبده )، ص3.)، وكان ممن شهد هذه المذابح :" أنه عندما توجه لزيارة ساحة المعبد غداة تلك المذبحة لم يستطع أن يشق طريقه وسط أشلاء القتلى إلا بصعوبة بالغة، وأن دماء القتلى بلغت ركبتيه ،وقال :" لقد أفرط قومنا في سفك الدماء في هيكل سليمان،وكانت جثث القتلى تعوم في الساحة هنا وهنالك، وكانت الأيدي والأذرع المبتورة تسبح كأنها تريد أن تتصل بجثث غريبة عنها،فإذا ما اتصلت ذراع بجسم لم يعرف أصلها،وكان الجنود الذين أحدثوا تلك الملحمة لا يطيقون رائحة البخار المنبعثة من ذلك إلاًّ بمشقة..". (انظر: حضارة العرب (جوستاف لوبون) ، ط2 ص: 322).
ويصف راهب آخر المجزرة نفسها دون أن يخفي شماتته بقوله:"حدث ما هو عجيب بين العرب عندما استولى قومنا على أسوار القدس وبروجها، فقد قطعت رؤوس بعضهم، فكان هذا أقل ما يمكن أن يصيبهم، وبقرت بطون بعضهم؛ فكانوا يضطرون إلى القذف بأنفسهم من أعلى الأسوار، وحرق بعضهم في النار؛ فكان ذلك بعد عذاب طويل، وكان لا يرى في شوارع القدس وميادينها سوى أكداس من رؤوس العرب وأيديهم وأرجلهم، فلا يمر المرء إلا على جثث قتلاهم، ولكن كل هذا لم يكن سوى بعض ما نالوا" (حضارة العرب (جوستاف لوبون) مصدر سابق، ص325.)
ماسأة الأندلس: بلاد الأندلس هي ما يعرف اليوم بدولتي أسبانيا والبرتغال، أو ما يُسمَّى: شبه الجزيرة الايبيرية،.والتي يفصلها عن المغرب الإسلامي ما يُعرَف بمضيق جبل طارق. وتعود هذه التسمية الى قبائل الفندال ، القبائل الهمجية التي جاءت من شمال إسكندنافيا ( السويد والدنمارك والنرويج وغيرها)، وهجمت على منطقة الأندلس وعاشت فيها فترة من الزمن،حينما كانت أوروبا تعيش حالة من الجهل والتخلُّف البالغ، ويسود فيها الظلم من قبل الحكام ؛ والبؤس والفقر بين الشعوب.
وقد دخل الإسلام الى الأندلس في القرن الأول الهجري، خلال العهد الأموي، وظل الوجود الإسلامي بها حوالي ثمانية قرون ،تعاقبت عليها، دول ووقعت فيها أحداث عظام ، ومرت خلالها الأندلس بعدة مراحل وأطوار بين قوة وضعف ووحدة وتفرق، وازدهرت فيها الحياة ،وتقدمت العلوم والمعارف ،وكانت بقعة إشعاع في تلك الأيام المظلمة التي عرفت بالقرون الوسطى في أوروبا ،ومن خلالها عبرت الحضارة الإسلامية الى أوروبا ،ونشأت على أثر ذلك النهضة الأوريبة الحديثة. وفي ظل الحضارة الإسلامية في الأندلس عاش العديد من الشعوب والأعراق وتقاسموا مع المسلمين ثمرات تلك الحضارة ونعيمها،وشهد المعاهدون من نصارى ويهود أكثر فترات تاريخهم إزدهاراً تحت حكم المسلمين في الأندلس، إذ حفظت حقوقهم وحميت ذممهم، ونالوا الحرية الكاملة في ممارسة شعائرهم، واشتركوا مع المسلمين في كل شؤون الحياة والعمران. وكما قال هنري بيرس:" إنَّ أي شعب مغلوب في أي قطر من الأرض لم يحظ بما حظي به الشعب الأسباني إباَّن حكم المسلمين، من تسامح تجلى في تطبيق العهود والقوانين الإسلامية التي أعطت لأهل الكتاب حقوقاً كاملة في العيش الكريم"( انظر: حول التسامح الديني (محمد بن شريفة،)،مصدر سابق ص:21.)
وبانتهاء هذه الفترة انقسمت البلاد إلى دويلات صغيرة، واستقل كل أمير بمقاطعته وأعلن نفسه ملكاً عليها، ودخلت الأندلس النفق المظلم الذي لم تخرج منه بعدها أبداً ، إذ أخذت تلك العناصر المكونة للمجتمع الإندلسي- تتطاحن مع بعضها البعض فانهارت الدولة الأموية، وتجزأت الأندلس إلى مجموعة من الدويلات العنصرية تحت حكم ملوك الطوائف، وانتهت بذلك الوحدة الأندلسية .وفي مقابل التجزئة والفرقة التي أصابت المسلمين في عصر الطوائف، بدأ النصارى بتوحدون ويضعون الخطط من أجل استعادة الأندلس وبدأوا ما يعرف بحرب الإسترداد، التي تعني لديهم إرجاع الأندلس إلى النصرانية بدلاً من الإسلام. وبدأت مدن الأندلس تتساقط واحدة تلو الأخرى على أيدي النصارى.ولم تكن المأساة في سقوط تلك الدويلات الإسلامية فحسب ،بل بدأت مأساة المسلمين الحقيقة بعد انتصار المسيحين وسيطرتهم على كافة الأندلس ،اذ قامت حملات مكثفة باسم المسيحية، لانهاء الوجود الإسلامي في أسبانيا، تمثلت فيما يعرف: بمحاكم التفتيش.وقد جاء في نص قرار الملكة إيزابيلا، والملك فرديناند، الذي صدر عام 1501م "إنًّه لما كان الله قد اختارهما لتطهير مملكة غرناطة من الكفرة، فإنًّه يحظر وجود المسلمين فيها، فإن كان بعضهم فيها، فإنًّه يحظر عليهم الإتصال بغيرهم، خوفاً من أن يتأخر تنصيرهم، أو بأولئك الذين نصروا، لئلا يفسد إيمانهم، ويعاقب المخالفون بالموت، أو بمصادرة الأموال".( انظر : (العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغير المسلمين في الشريعة الاسلامية،واليهودية والمسيحية،( بدران ابو العينين بدران)، ص:328.)
وفي سنة 1524م أصدر البابا مرسوماً يحث قضاة الديوان على تنصير المسلمين، وأن يخرجوا من يأبى النصرانية منهم من أسبانيا، وأن تكون عقوبة المخالفين الرق مدى الحياة، ثم أتبعه بمرسوم آخر جاء فيه الأمر بتحويل كل المساجد الى كنائس. وفي سنة 1525م صدر أمر ملكي في أسبانيا يأمر المسلمين بوضع شارة زرقاء على قبعاتهم، وأن يسلموا أسلحتهم، ومن خالف عوقب بالجلد، وأن يسجدوا إذا مر كبير الأحبار في الطريق، وألا يقيموا شعائرهم، وأن يغلقوا مساجدهم.(العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغير المسلمين في الشريعة الاسلامية،واليهودية والمسيحية(بدران ابو العينين بدران) ،مصدر سابق ،ص:329)
وفي محاكم التفتيش، اقترفت كثير من الفظائع والمجازر بغية إجبار المسلمين على ترك دينهم واعتناق الديانة المسيحية. وكان أول ما قامت به تلك المحاكم هو جمع كل المصاحف والكتب العلمية والدينية وإحراقها على الملأ في ساحة عامة، كخطوة أولى لتنصير المسلمين، وذلك بقطع صلتهم مع تراثهم الديني والعلمي. ثم أعقب ذلك تحويل المساجد إلى كنائس، وإجبار من تبقى من الفقهاء وأهل العلم على التنصر، ليوافق بعضهم مكرهاً، ويواجه بقيتهم القتل بطريقة بشعة، مع التمثيل بجثث الضحايا، وذلك لبث الهلع في صفوف المسلمين، وإيصال رسالة لهم مفادها التخيير بين التنصر أو التعذيب والقتل وسلب الأموال والممتلكات.
وترتب على تلك الإجراءات أن أجبر المسلمون على ترك دينهم، وحرم عليهم استخدام اللغة العربية، والأسماء العربية، وارتداء اللباس العربي، ومنعوا من الإغتسال ودخول الحمامات. وهكذا عمل الصليبيون لمحو كل أثرٍ إسلامي بالأندلس، فحرقت المكتبات وطمست معالم الثقافة الإسلامية، واُبيد ملايين المسلمين، ويذكر أنه في تاريخ: 26/4/1598م أصدر (الديوان المقدس)، قراراً بإدانة جميع سكان الأرض الواطئة(أسبانيا)، والحكم عليهم بالإعدام، متهمين بالهرطقة (أي الكفر)، وبعد عشرة أيام أعلن الملك صحة هذا القرار، وأمر بتنفيذه في الحال، فقُدِم إلى المقصلة عدة آلاف، من الرجال والنساء والأطفال، فيما يروي المؤرخ ليكي.(قصة الاضطهاد الديني في المسيحية والاسلام (توفيق الطويل) ،وانظر :الحوار الإسلامي المسيحي المباديء التاريخ الموضوعات الأهداف،( بسام عجك) ،،ص: 62.)
وجاء في كتاب حضارة العرب:" وخسرت أسبانيا بذلك مليون مسلم، من رعاياها في بضعة أشهر، ويقدر كثير من العلماء، ومنهم سيديو عدد المسلمين الذين خسرتهم إسبانية، منذ أن فتح فرديناند غرناطة حتى اجلائهم الأخير بثلاثة ملايين ". وقد عبر المستشرق الفرنسي عن بشاعة تلك المذابح التي تعرض لها المسلمون في أسبانيا فقال:" ولا يسعنا سوى الإعتراف بأننا لم نجد بين وحوش الفاتحين من يؤاخذ على اقترافه مظالم قتل كتلك التي اقترفت ضد المسلمين." (حضارة العرب (جوستاف لوبون):ص: 272.)
العثمانيون وأوروبا : شغلت الدولة العثمانية حيزاً كبيراً في التاريخ سواء تاريخ العالم الإسلامي أو تاريخ العالم الأوروبي المسيحي، والتي امتدت فتوحاتها إلى ثلاث قارات هي آسيا وأوروبا وأفريقيا، وعدت دولة آسيوية أوروربية أفريقية. وكانت جيوشها أكبر الجيوش الأوروبية تعداداً وأحسنها تدريباً وأعظمها تسليحاً وأكملها تنظيماً.
دخلت الدولة العثمانية في صراع مع أوروبا من أجل التوسع والنفوذ،وشهد القرن الثالث عشر والرابع عشر مجموعة من الصراعات العسكرية المتعلقة بمحاولة الدولة العثمانية توسيع قبضتها على الأراضي الأوربية فاحتلت خلالها البلقان ، و أدت إلى التوسع العثماني الكبير في أوروبا الوسطى، واجتاحت جيوشها أقاليم شاسعة في جنوبي شرق أوروبا ووسطها وهي أقاليم لم تخضع لأي دولة إسلامية من قبل، وأحرزت باسم الإسلام انتصارات عظيمة حيث تساقطت في أيديها دول أوروبية عديدة .واستطاع السلطان محمد الفاتح أن يفتح الفسطنطينية عاصمة الدولة الرومانية، ودخلتها الجيوش العثمانية سنة:857ه/ 1453م. وسقطتْ منذ ذلك التاريخِ الدولةُ البيزنطية إلى الأبد. واعتبر المؤرِّخون سقوط القسطنطينية خاتمةً لما عُرِف بالعصورِ الوسطى وبدايةً للتاريخ الحديث، وتحوَّلتْ القسطنطينيةُ إلى عاصمةٍ إسلامية تحملُ اسمًا جديدًا؛ هو "إسلام بول، أو إستانبول"؛ أي: مدينة الإسلام. وتخلَّصَ العثمانيون والمسلمون جميعًا من عدوٍّ لدود هو الرُّوم، الذين كان لهم دورٌ كبير في شنِّ الحروبِ الصليبية على العالم الإسلامي لمدة قرنين، وكانوا باستمرارٍ يؤلِّبون القوى النَّصرانية، ويشحذون عزائمَ الملوكِ في أوروبا لغزوِ المسلمين، واكتسبتِ الدولةُ العثمانية قوةً سياسية واقتصادية ضخمة، فأصبحتْ أعظمَ دولةٍ في حوضِ البحر المتوسط، ودانت لها دولُ أوروبا بالجزية. وكان من السَّهلِ على العثمانيين بعد ذلك مواصلة الفتوحاتِ في شرقي أوروبا، ومنطقةِ البحرِ الأسود وغيرها من ممتلكات الدولة البيزنطية المنهارة، وأصبحوا هم الوريث لها، وضمُّوا إليهم بلادَ الصِّربِ والبوسنةِ والهرسك وشبه جزيرة المورة من بلادِ اليونان، وبلادِ القرم الواقعةِ على البحر الأسود، واستولوا على محطاتِ الجنوبيين التَّجارية في بحرِ إيجة، كما قاموا بمحاولاتٍ لفتح بلجراد وإيطاليا، وأثينا، وذلك في عهد السلطان محمد الفاتح أيضًا.
وقد نظر الأوروبيون إلى الدولة العثمانية على أنَّها ممثلةُ الإسلام وحاملةُ رايتِه، ومن ثَمَّ تكتَّلتْ جهودُهم لوقفِ مدِّها، ثم إضعافِها والإجهاز عليها، كما جنَّدوا أقلامَ مفكريهم ومؤرِّخيهم لتشويهِ تاريخِها وكيل الاتهامات لها.
واجتمعتِ القوى الأوروبية ومن شرقي أوروبا وغربيها على ضرورةِ طردِ العثمانيين المسلمين من قارَّتِهم، ووجَّه البابا "بونيفاس التاسع" نداءً إلى جميع ملوكِ أوربا وأمرائها يدعوهم إلى التحالُفِ والإستنفار في مواجهةِ عدوِّهم المشترك، فاستجاب له ملوكُ: (إنجلترا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وإسكتلندا وسويسرا ولوكسمبرج وبولندا وروسيا وترنسلفانيا وفرسان القديس يوحنا في رودس، والإمارات الإيطالية وبخاصة جنوة والبندقية)، وحشدوا حوالي مائة وعشرين ألفًا عند مدينة "نيقوبولس " الواقعةِ على نهر الدانوب في بلغاريا قربَ الحدودِ الرُّومانية.
وقد ضمت الدولة العثمانية خلال عدة قرون معظم أنحاء العالم الإسلامي،ووفرت للمسلمين الحماية والأمن والسلام. وبدءاً من القرن السادس عشر، توقف المد العثماني ،وانحسرت قوة الدولة البحرية والعسكرية،وبعد أن كانت في موقع الهجوم أصبحت في موقع الدفاع.
الإستعمار الأوربي للعالم الإسلامي: ثم تلي مأساة الأندلس، الإستعمار الأوربي للعالم الإسلامي ليكشف عن مزيد من العداء الأوربي للمسلمين. فقد بدأ الإستعمار الأوروبي للعالم الإسلامي منذ منتصف القرن السادس عشر وشاركت فيه معظم الدول الأوربية هولندا، وروسيا القيصرية، والامبراطورية البريطانية، وفرنسا، وأسبانيا، وايطاليا.وخرجت معظم الدول الإسلامية من أندونيسيا، وشبه القارة الهندية ومصر وشمال افريقية: الجزائر، تونس. والمغرب، وليبيا، وقبرص، وجنوب اليمن، الى السنغال ونيجيريا ،من ظل حماية الدولة العثمانية ،ووقعت تحت الإحتلال الأوربي،واكتملت حلقات الإستعمار الأوربي للعالم الإسلامي بالقضاء التام على الدولة العثمانية وتقسيم تركت الرجل المريض –كما أطلق عليها-بين الأوروبيين،فجزئي العالم الإسلامي والعربي بصفة خاصة الى دويلات، ورسمت حدود جغرافية جديدة، ووضعت حواجز بين العربي والعربي ،فيما عرف باتفاقية سايكس بيكو. (اتفاقية سايكس بيكو عام 1916م، كانت تفاهمًا سريًا بين فرنسا والمملكة المتحدة بمصادقة من الإمبراطورية الروسية، وبمفاوضات سرية بين الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو، والبريطاني مارك سايكس، تم بموجبه اقتسام الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا لتحديد مناطق النفوذ في غرب آسيا بعد تهاوي الامبراطورية العثمانية)
ولم يقتصر الإستعمار الأوروبي على احتلال الأرض ونهب الثروات بل سعت الدوائر الإستعمارية الأوروبية إلى طمس الهوية الدينية والثقافية والحضارية واللغوية للشعوب الإسلامية، وعملوا على تغيير المنظومة القانونية و تفكيك المنظومة الإجتماعية الإسلامية ومظاهرها المختلفة.وحيكت المؤامرات ووضعت الخطط ، لتمزيق العالم الإسلامي، وإضعافه، واستغلال موارده الطبيعية من أجل بناء الإقتصاديات الأوروبية المزدهرة في تلك المرحلة، مما كان له مضاعفات سياسية ونفسية وثقافية على مجمل العلاقات التي تربط دول العالم الإسلامي بالدول الأوروبية، وبالولايات المتحدة الأمريكية فيما بعد.ونشأت نتيجة للإستعمار الأوروبي للعالم الإسلامي أوضاع وجدت بسببها الدول الإسلامية ،بعد الإستقلال ،نفسها أمام أزمات كبيرة نتيجة لشيوع الفقر والجهل والمرض وسوء الإدارة والفساد،ولانعدام الشروط الموضوعية لإقامة هياكل جديدة للدولة المستقلة. وقد ترتبت على تلك الأوضاع مشاكل كثيرة ظلت تتفاقم، فتعطّلت عملية النمو في مناطق، وتعثرت في مناطق أخرى، وتباطأت في جل الأقطار. انظر: ( العالم الإسلامي والغرب:.التحديات والمستقبل،( عبد العزيز بن عثمان التويجري) ص:12-16.(
المبحث الثاني :آليات الهجوم الغربي على العالم الإسلامي (الاستشراق،التنصير،والإعلام)
صاحب تلك الحملات العدائية والدموية ضد الإسلام والمسلمين، حملات لبث ثقافة الكراهية وتشويه صورة الإسلام والمسلمين في الذهنية الأوربية، حتى تكون خلال التاريخ مخزون هائل من الصور النمطية السالبة عن الإسلام والمسلمين.
وقد كان للكنيسة وللإستشراق دور كبير في رسم تلك الصورة وتقديم نموذج مشوه عن الإسلام والمسلمين في المجتمعات الأوربية. ذلك أنه بعد أن فشلت الحملات الصليبية في القضاء على الإسلام أو هزيمة المسلمين بقوة السلاح، أدرك رجال الكنيسة أنَّه لا سبيل إلى مقاومة العقيدة الإسلامية بالسيف والحرب، ومن ثم أقبلوا على دراسة الإسلام للرد عليه، ووضع حاجز سميك يحول بين الإسلام الحق وبين المجتمعات الأوربية.وهكذا أضيف إلى جو العداء والحقد الذي ولدته الصراعات الدموية والحروب، جو من التعصب والجهل غذته الكنيسة وشجعته لخدمة أغراضها وأهدافها التبشيرية، وتوطيد نفوذها في أوروبا، وسيطرتها على عقول الناس وقلوبهم وأفكارهم.
الاستشراق الكنسي: في هذا الجو المشحون بالعداء، نشأ الاستشراق، وخطا خطواته الأولى في أحضان الكنيسة.واتخذ الرهبان الصليبيون من الهجوم على الإسلام وسيلة لإثارة حماس الجماهير ضده.ومن ثم نجدهم يصفون الإسلام بأنَّه رجس من عمل الشيطان.وأنَّ القرآن هو نسيج من الأباطيل، وأنَّ المسلمين هم نوع من الهمج المجردين من أية مشاعر إنسانية.ويوصف الإسلام أحياناً بأنَّه بدعة مسيحية ومكيدة من الشيطان لإغواء الناس من الإعتقاد الحق. ويمضي آخرون في الخيال والجهل، فيصورون الرسول  كساحر استطاع أن يحطم كنيسة الشرق وأفريقيا عن طريق الشعوذة والخداع،واستطاع أن ينال النصر في حروبه عن طريق إطلاق العنان للشهوة الجنسية بين أتباعه.وحول هذه الأكاذيب حيكت الكثير من الأساطير الشعبية والقصص الخيالية عن الإسلام والمسلمين. ( انظر:في هذا الصدد: Islam and the West ,the making of an Image ( Daniel), and: Western Views of Islam in the Middle Ages ( R.W. Southern).
واستمر الإستشراق مرتبطاً بتحقيق أهداف الكنيسة التبشيرية. فنجد كثيراً من أساتذة الجامعات المشتغلين بالدراسات الإسلامية بدأوا حياتهم في دراسة اللاهوت المسيحي، وتلقوا تعليمهم في ظلال الكنيسة، ثم تحولوا إلى الدراسات العربية الإسلامية.واستمرت هذه الصلة وثيقة بينهم وبين دوائر النفوذ الكنسي لدى البعض الى يومنا هذا.
الاستشراق الإستعماري السياسي: في مرحلة لاحقة دخل على خط الاستشراق دافع آخر هو الدافع الإستعماري، ثم السياسي: إذ شهد القرن التاسع عشر بلوغ الدول الغربية القمة من حيث التفوق الإقتصادي والسياسي والحضاري والحربي، في حين كانت الشعوب الإسلامية تمر بمرحلة انحدار مريع. وظهرت الأطماع الأوروبية ضد الامبراطورية العثمانية التي لم تعد كما كانت مصدر خطر على الغرب، بل أصبحت تعرف في تلك الفترة بالرجل المريض، ودخل معها الغرب في صراع،-كما سبق أن أشرنا- أدى إلى تمزيقها إلى مجموعة أقاليم، سقطت الواحدة منها بعد الأخرى لقمة سائغة للمستعمرين الأوربيين.
وقد كان لهذا التغيير في الخريطة السياسية،أثر كبير في تحديد نظرة الغرب إلى الشرق،وخاصة الشعوب الإسلامية،وبالتالي في توجيه سير الدراسات الإستشراقية،إذ كان سكان معظم تلك الشعوب المستعمرة يدينون بالإسلام.فلكي يتسنى للمستعمرين إحكام القبضة عليهم،كان لا بد من معرفة عاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم،ووجد رجل السياسة خير عون في هذا المجال فيما يقدمه المستشرقون من دراسات عن طبيعة تلك البلدان وعادات أهلها ولغاتهم وآدابهم وتقاليدهم ومعتقداتهم.ومن هنا قام الإستشراق بدور مهم في تذليل الصعاب لرجال السياسة والإستعمار،وكان الارتباط بينهما وثيقاً.( الإستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري (محمود حمدي زقزوق) ، كتاب الأمة (5) ص: 43-48.)
واستمر الإستشراق يلعب دوراً خطيراً في معظم البلاد الأوربية وأمريكا، بعد استقلال أكثر الدول العربية والإسلامية، وتكونت روابط وثيقة بين الإستشراق وبين العمل الدبلوماسي للسفارات الغربية في العالم الإسلامي، ومراكز البحوث العلمية التابعة للدوائر الإستخباراتية، ودوائر اتخاذ القرار في الدول الغربية لا سيما في أمريكا.كما ارتبطت بعض دوائر الإستشراق بالحركة الصهيونية وأطماعها في فلسطين المحتلة، ومصالحها في الشرق الأوسط. وتاريخياً،يمكن الإشارة إلى أنَّ جزءاً كبيراً من الدراسات الإستشراقية في فرنسا ،وجه خلال النصف الأول من القرن العشرين،لخدمة أهداف الإستعمار الفرنسي لشمال أفريقيا.واهتم المستشرقون الفرنسيون بدراسة تاريخ البربر وعاداتهم وتقاليدهم،ومحاولة إحياء لهجاتهم وإثارة العصبية بينهم وبين الشعوب العربية،كل ذلك ليتمكن الإستعمار الفرنسي من تشديد قبضته على هذه المنطقة من العالم الإسلامي.كما نجد كبار المستشرقين الفرنسيين أمثال بلاشير وماسنيون،يعملون مستشارين بوزارة المستعمرات الفرنسية في شمال أفريقيا.ونجد نفس الظاهرة تتكرر في بريطانيا وروسيا وأمريكا وألمانيا. ففي بريطانيا يمكن أن نذكر برنارد لويس المستشرق اليهودي، وأستاذ التاريخ الإسلامي الحديث بجامعة لندن آنذاك، يعمل مستشاراً بمكتب الخارجية البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية، وأندرسون، أستاذ القانون الإسلامي بجامعة لندن، يقوم بمسح للقانون الإسلامي في الدول الأفريقية المستعمرة، ويقدم تقريره لمكتب المستعمرات البريطانية. وبالمثل نجد أنَّ الدراسات الإستشراقية في الولايات المتحدة الأمريكية، تهتم أهتماماً عظيماً بدول الشرق الأوسط الإسلامية، والتغيرات الإجتماعية والسياسية التي تطرأ فيها مع عناية فائقة برصد الحركات الإسلامية وما يمكن أن تحدثه من تغيرات في المنطقة، وأثر ذلك على مصالح أمريكا. ولا زال برنارد لويس وحوارييه من أمثال ،دانيال بايبس Daniel Pipes، الصهيوني المتعصب) يلعبون دوراً مهماً في توجيه السياسات والاستراتيجيات الأمريكية تجاه العالم الإسلامي والعربي. (راجع: رؤية إسلامية للإستشراق ، (أحمد عبد الحميد غراب) ، ص: 40-49.)
وهكذا تضافرت جهود المستشرقين في وضع صورة للإسلام والمسلمين سواء أكانت منطلقاتهم كنسية، أم سياسية استعمارية. فالمسيحيون التنصيريون، مثلاً، لم يغيروا كثيراً من نظرتهم للإسلام، بل ظلوا يكررون نفس التهم التي كانت سائدة في أوروبا المسيحية منذ الحروب الصليبية عن الإسلام ورسوله.( لمعرفة دور الإستشراق في خدمة الكنيسة والسياسة والإستعمار،يراجع كتاب: الاستشراق: المعرفة / السلطة/ الإنشاء( إدوارد سعيد ). كما تعمد فلاسفة الإستعمار ومفكروه أن يصوروا العرب كشعوب متخلفة، وبلغ بهم الأمر أن وجه النقد إلى الذهنية العربية ذاتها وكأنَّها تعاني من قصور طبيعي وعجز عن ممارسة التفكير التركيبي على غرار التفكير الغربي، ومن ثم عجزها عن الإنتاج العلمي.
وقد تكونت-من هذه الصورة عن الإسلام، وقرآنه، ورسوله، وصورة المسلمين والعرب وحضارتهم، التي وضعها رجال الدين والسياسة والمستشرقون، والتي شاعت في الثقافة الغربية، وفي الخطاب الغربي عن الشرق الإسلامي -الأصول والجذور لثقافة الكراهية السوداء، والتي سادت في الغرب خلال القرون، واستمرت حتى العصور الحديثة.
وهكذا كان للمستشرقين النصيب الأكبر في تأجيج العداء للإسلام :فكتبوا الكتب، وأصدروا المجلات، وألقوا المحاضرات، وأقاموا الندوات في المنتديات والجامعات والجمعيات العلمية، وعقدوا المؤتمرات الإستشراقية ووضعوا الموسوعة الإسلامية ( دائرة المعارف الإسلامية)،وحملت تلك الأعمال بين طياتها،التشكيك في الإسلام ،ديناً وشريعة وقانوناً وتاريخاً وحضارة وعلماً،والتهوين من شأن إنجاز المسلمين في كافة المجالات خلال التاريخ،والتقليل من دورهم في بناء الحضارة الإنسانية.ومما يؤسف له أن كتابات هؤلاء أصبحت المصادر الرئيسية في الجامعات الغربية للطلبة والأكاديميين المعنين بدراسة العرب والمسلمين.
التنصير:يعود تاريخ حركة التنصير إلى الفترة التي تلت الحروب الصليبية( 1099-1254م).فبعد أن فشلت الحملات الصليبية في القضاء على الإسلام أو هزيمة المسلمين بقوة السلاح،سعى الصليبيون إلى تنصير المسلمين عن طريق مهاجمة الإسلام وبيان بطلانه،ودعوة المسلمين إلى الدخول في النصرانية، أو على الأقل إبعادهم عن دينهم.
وقد سعت الحركة في البداية إلى تنصير المسلمين وإدخالهم في النصرانية.ولما شق عليهم ذلك،عمدوا إلى أمرين:
1- تحريف الإسلام عقيدته وشريعته واضعاف قيمه، وتقديم ما أسموه الإسلام الجديد الذي لا يستطيع أن يثبت أمام الهجمة التنصيرية :" يقول أحد المنصرين في مؤتمر من مؤتمراتهم ،عقدوه في عام 1911م بلكنو(في الهند) :" إنَّه قد أزف الوقت لارتقاء العالم الإسلامي ( عن طريق النصرانية في زعمه)، وسيدخل الإسلام في شكل جديد من الحياة والعقيدة،ولكن هذا الإسلام الجديد سينزوي ويتلاشى أمام النصرانية" (الغارة على العالم الإسلامي ، (أ د شاتلييه ) ص: 110)
2-الأمر الآخر الذي ركزوا عليه:" تحطيم أي تجمع إسلامي بعد القضاء على الخلافة الإسلامية،ومن ثم حاربوا فكرة إنشاء الجامعة الإسلامية،وفي النهاية اكتفوا باخراج المسلمين من الإسلام.
ولكن المنصرين، وبعد أن كانوا في الماضي يكتفون بمحاولة إخراج المسلمين من الإسلام،أخذوا في الآونة الأخيرة يركزون جهودهم على تنصير المسلمين،ويضعون الخطط والبرامج لذلك،لا سيما بعد أن لاقوا نجاحاً محدوداً في إدخال عدد من مسلمي أندونيسيا في النصرانية. .( انظر: كتاب التنصير،خطة لغزو العالم الإسلامي(خلاصة لأعما ل مؤتمر تبشيري عقد في ولاية كلورادو عام 1978.)
أساليب حركة التنصير ووسائلها:قد عقد المنصرون العديد من المؤتمرات لوضع استراتيجيتهم في العمل بين المسلمين ورسم الأهداف والغايات لعملهم ،وتقويم تجاربهم العملية الميدانية ووضع الخطط المستقبلية لجهودهم التنصيرية . ويعد من أخطر تلك المؤتمرات مؤتمر كولورادو عام 1978م، والذي عقد تحت اسم: مؤتمر أمريكا الشمالية لتنصير المسلمين، ووضعت فيه الخطط السرية والعلنية من أجل تحقيق تلك الغاية. (انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب،( الندوة العالمية للشباب الإسلامي) ، مجلد 2 ص:679-681 )،كما أنشأ المنصرون العديد من المعاهد ومراكز البحوث مثل معهد بونتيفكو للدراسات العربية بروما،ومركز دراسات العالم العربي الحديث ببيروت،ومركز دراسات الإسلام في افريقيا بنيروبي،والمركز النصراني للدراسات بروالبندي،ومعهد زويمر للدراسات الإسلامية بكاليفورنيا.( الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب ( الندوة العالمية للشباب الإسلامي) ،ص:685-686)
ومن خلال تلك المؤتمرات،وفي تلك المراكز البحثية،عكف المنصرون على وضع استراتيجياتهم وخططهم، ومن ثم نجدهم يستخدمون طرقاً عديدة ووسائل متنوعة من أجل تحقيق أهدافهم، من بينها:
أ‌- التعليم: ركزت دوائر التنصير على التعليم كوسيلة لنشر أفكارهم ،وبث الثقافة الغربية بين المسلمين بكل ما تحمل من توجهات مادية إلحادية،وقيم مناهضة للقيم الإسلامية،فأنشأوا المدارس والمعاهد والجامعات في عدد من الدول الإسلامية مثل الجامعة الأمريكية في بيروت،والقاهرة،وكلية غردون التذكارية في الخرطوم( أصبحت فيما بعد جامعة الخرطوم)،وجامعة القديس جون بالهند،وكلية روبرت باستانبول،والكلية الفرنسية بلاهور، وغيرها من المعاهد والمؤسسات. ( انظر: التبشير والإستعمار في البلاد العربية (مصطفى الخالدي، وعمر فروخ) ص: 90-112 )،وتركز هذه المدارس والجامعات على استقطاب أبناء الطبقة العليا في المجتمع، الذين بيدهم مقاليد الأمور في البلاد ،تقول المبشرة (أنافيلجان):"يوجد في صفوف كلية البنات بالقاهرة بنات آباؤهن باشوات وبكوات،وليس ثمة مكان آخر يمكن أن يجتمع فيه مثل هذا العدد من البنات المسلمات تحت النفوذ المسيحي،وليس ثمة طريق إلى دحض الإسلام أقصر مسافة من هذه المدرسة". وقال بنروز رئيس الجامعة الأمريكية في بيروت (1948-1954):" لقد برهن التعليم على أنه أثمن الوسائل التي استطاع المبشرون أن يلجأوا إليها في سعيهم لتنصير سوريا ولبنان. "،( نقلا عن: حقيقة التبشير بين الماضي والحاضر،( أحمد عبد الوهاب )، ص: 166.)
ب‌- التنصير بواسطة التطبيب:. استغل المنصرون حاجة الشعوب للدواء والعلاج،فجعلوا ذلك وسيلة للتنصير. وبما أنَّ معظم الشعوب الإسلامية تقع في دائرة الدول الفقيرة، فإنَّ التنصير عمل من خلال ما أنشأه من مستشفيات ومراكز على الدعوة إلى النصرانية، ونشر معتقداتهم بين المسلمين. ويدل على أهمية هذه الوسيلة عند المنصرين،قول الطبيب الأمريكي المنصر بول هاريسون في كتابه: الطبيب في بلاد العرب:"إنَّ المبشر لا يكتفي بتطور المستشفيات حتى لو غطت خدماتها جميع أطراف الاقليم. إنَّ الهدف من وجودنا في الجزيرة العربية هو أن نجعل من الرجال والنساء مسيحيين" ( التبشير في منطقة الخليج العربي ،دراسة في التاريخ الاجتماعي والسياسي (عبد المالك خلف التميمي )، ص:77).
ت‌- التنصير من خلال تقديم المساعدات الإنسانية:يستغل التنصير ما تمر به الشعوب من كوارث ومحن،مثل: الفيضانات ،والزلازل، والحروب الأهلية ،والمجاعات، والتصحر والجفاف، والفقر، والأمراض الوبائية،فيقدمون مع ما يقدمونه من عون إنساني،الدعوة إلى النصرانية.وقد نشطت في هذا المجال الكثير من جمعيات الغوث الإنساني ،مثل جمعية أخوة الإيمان،والمجلس الإنجيلي،وصندوق الأطفال المسيحيين،وجمعية محبة العالم.وقامت الأم تريزا بدور فعال في مجال رعاية الايتام،وتهجير بعضهم إلى الغرب لتربيتهم تربية نصرانية.
ث‌- التنصير من خلال المهن المختلفة: تعرف هذه الوسيلة بوسيلة صانعي الخيام.ويراد بها أن يقوم بالتنصير أناس يأتون إلى البلاد المغلقة في وجه التنصير ، بصفة مهنيين يعملون في ميادين متعددة،هدفهم الاحتكاك بالناس لتعريفهم بالسلوك النصراني وتوزيع الإنجيل والمطبوعات التنصيرية الأخرى بطريقة خفية. وقد أصدر مجلس الكنائس البريطاني كتاباً نصح فيه هؤلاء بالتزام السرية التامة في أداء مهامهم. واهتمت مؤتمرات التنصير الأخيرة-بالذات- بهذه الوسيلة،فقد نبه أحد الباحثين في مؤتمر كولورادو التنصيري عام 1978م ،إلى أهمية هذا الأسلوب،ونصح الخيامين بتوخي الحذر الشديد ،وفق استراتيجية مرسومة وتخطيط دقيق. ( التنصير :خطة لغزو العالم الإسلامي،ص:689-706)
ج‌- التنصير بوساطة الإعلام: استخدم المنصرون مختلف وسائل الإعلام لنشر دعوتهم،كالصحف والمجلات والكتب خاصة الإنجيل،والنشرات والسينما والمسرح والإذاعة والتلفاز ووكالات الأنباء.وتخصصت بعض الإرساليات في مجال الطباعة والنشر،مثل : رابطة الإيمان لمساعدة الإرساليات،ومنظمة نشر النصرانية في الشرق الأوسط.ومن أشهر وكالاتهم: وكالة فرنتيرز الأمريكية. ومن أشهر إذاعاتهم التي تعد بالمئات: إذاعة راديو الفاتيكان،وإذاعة حول العالم من موناكو،وإذاعة صوت الغفران وصوت الإصلاح من جزيرة سيشل.ومن أحدث الوسائل الإعلامية التي استخدمت بغرض التنصير،المحادثة(chatting )،عبر الانترنت.
الإعلام ودوره في تأجيج العداء الغربي للإسلام والمسلمين: توافقت الكنيسة والإستعمار ،عن طريق الإستشراق والتنصير على هدف رئيسي تمثل في تحويل المسلمين عن دينهم، أو على الأقل إضعاف مُثُل الإسلام وقيمه العليا في نفوس المسلمين، والتهوين من شأن أي إنجاز علمي أو حضاري للمسلمين في التاريخ، في مقابل إبراز الدور الحضاري للغرب وتفوق الحضارة الغربية على الحضارة الإسلامية، والتأكيد على أنَّه لا سبيل للمسلمين للنهضة مرة أخرى إلا إذا أخذوا بأسباب التقدم الذي يمثله الغرب، وابتعدوا عن الإسلام ومنهجه. ولتحقيق هذا الهدف عمدوا الى ما يأتي:
1. إثارة النزعات القومية والعرقية في العالم الإسلامي ومحاولة إحياء نزعات جاهلية جاء الإسلام من أجل القضاء عليها، حتى لا يتوحد المسلمون وتجتمع كلمتهم.
2. التدخل في مناهج التعليم في العالم الإسلامي، ومحاولة فرض برامج معينة تستهدف إخراج الكتاب والسنة من البرامج التعليمية، وتجهيل أبناء الإسلام بلغتهم العربية وبتراثهم الإسلامي.
3. محاولة ابعاد الإسلام عن مجال الحياة عن طريق الدعوة إلى العلمانية واعتبارها سر تقدم أوروبا.والزعم بأنَّ الأخذ بها هو السبيل الوحيد لتقدم المسلمين.
4. محاولة القضاء على الصورة المثلى للأسرة المسلمة، عن طريق مهاجمة تشريعات الإسلام ونظمه في الزواج والطلاق والقوامة، ودفع المرأة المسلمة إلى التبرج والسفور، بل دفع بعض الأنظمة الحاكمة إلى سن قوانين للأحوال الشخصية تحلل ما حرم الله، وتحرم ما أحله.
5. محاولة تشويه صورة الإسلام في العالم، وإظهاره على أنه دين تطرف وإرهاب. وفي الوقت ذاته احتضان الحركات والفرق الهدامة الخارجة عن الإسلام مثل البهائية، والقاديانية وما شاكلها من الجماعات الباطنية،ودعمها ونشر فكرها.
وقد استغلت تلك الدوائر الاعلام في اثارة روح الكراهية والعداء للإسلام والمسلمين .فقد التقطت وسائل الإعلام نظرية "صراع الحضارات"، التي نادى بها هنتجتون، فطورتها وروجت لها حتى تعمقت ليس في وجدان الرؤساء الغربيين والنخبة الحاكمة فقط، بل في وجدان الرجل الغربي العادي بحيث صار الإسلام هو العدو الجديد بعد سقوط الشيوعية.وصعدت الحملة من الهجوم على المسلمين وربطهم بالإرهاب، الى القرآن الكريم ووصفه بأنه مصدر العنف ومشجع له بين المسلمين. ولقد كانت الحملة الإعلامية ضد الإسلام من الفجاجة بمكان مما جعل مجلة "الليموند دبلوماتيك الفرنسية" تقول: إن محاربة الإرهاب ليست حربًا عسكرية فحسب بل هي حرب ثقافية في المقام الأول، وإن شعار التحالف الدولي من أجل محاربة الإرهاب (...) ما هو إلا شعار يحمل في طيا ته خبثًا هو شن حرب عالمية شاملة ضد الإسلام لإقتلاعه"(دور الإعلام الغربي في تأجيج الصراع ضد المسلمين) عمرو عبد الكريم) موقع: http://almoslim.net/node/85810)
وفي الوقت الذي يضخم فيه الإعلام الغربي وبعض الدوائر السياسية في الغرب صورة الفئات المتطرفة الموجودة في العالم الإسلامي، وتعمم فكرها وسلوكها على سائر المسلمين، فإنها تغض الطرف عن الفئات المتطرفة في الغرب، ولا تربط تطرفها بحضارة الغرب ولا بالمسيحية أو اليهودية، الأمر الذي يدل على عدم الموضوعية في التناول، وأنها تهدف الى التحريض على المسلمين، ويكشف عن أصابع غلاة المتطرفين من الصهاينة المتعصبين التي تقف وراء حملات العداء ضد الإسلام.
كما لعبت السينما دوراً كبيراً في تشكيل وجدان الشعوب الأوربية والشعب الأمريكي، وتكوين مجموعة القيم التي تؤثر في حياتها، ولذلك وجهت الدوائر التي تقف وراء تأجيج مشاعر العداء للإسلام جهودها في الإنتاج السينمائي لتبرز من خلاله الإسلام كعدو خارق ينتظره العالم بوجل وترقب كبديل للشيوعية المحتضرة.
وظهرت أفلام عديدة تحمل هذه الرسالة مثل فيلم "ذي دلتا فورس"، والمنتقم 1986 "والموت قبل العار" 1987، "وسرقة السماء" 1988، وفيها جميعاً يظهر العدو العربي الإسلامي ممتلكًا أسلحة ذات قوة تدميرية شاملة يهدد بها الأبرياء ويتصدى له الغربي الطيب من أجل إنقاذ الأبرياء وحمايتهم، وهكذا تحولت المواجهة بين الغربي المدافع عن حقوق الإنسان والشيوعي الأحمر الشرير، إلى مواجهة مع العدو الإسلامي الأخضر.
وتبلغ صورة التشويه والترويع الغربي من الإسلام قمتها في فيلم "الحصار" عام 1998، والذي تدور أحداثه حول تعرض أمريكا "المسالمة" لإرهاب المسلمين "الأشرار" ،حيث يبدأ بتفجير جراج مركز التجارة العالمي. ورسالة الفيلم التي يسعى إلى غرسها في ذهن المشاهد هي أنَّ المسلمين في أمريكا، أيًّا كانوا طلاباً أو أساتذة جامعات أو عمالاً، يشكلون خطراً وتهديداً على أمن واستقرار المجتمع الأمريكي.
وقد تصدى الباحث العربي جاك شاهين لهجمة السينما الأميركية على ثقافة العرب وتشويه صورتهم، وكتب ثلاثة كتب يفضح فيها تواطؤ المنتجين والمخرجين في هوليوود على الثقافة العربية. وبعد دراسة علمية أكاديمية للأفلام التي تنتجها هوليوود، انتهى إلى أن من أصل ألف فيلم، قام بإخضاعها للبحث والدراسة والتحليل، وجد أن هناك 21 فيلماً فقط يصور فيها العربي بشكل جيد، بينما يصوره 25 فيلماً بشكل عادي، في مقابل 900 فيلم تصوره بشكل سيء. (دور الإعلام الغربي في تأجيج الصراع ضد المسلمين) عمرو عبد الكريم) موقع http://almoslim.net/node/85810)،ويقول كينيث توران الناقد السينمائي بجريدة لوس أنجلوس تايمز:" إن أساطير هوليوود المفبركة مغروسة عميقاً في نفوسنا بحيث إنها تغير عقولنا سياسياً ،وتشكل الكيفية التي نرى بها العالم... عندما تخترق السياسة الترفيه تصبح هدامة ،وبقدر أكبر وبتأثير أكبر"..( وسائل الاعلام الغربية من وجهة نظر العالم الاسلامي (صالح محمد النصيرات)،ص: 102.)
وهكذا أسهمت وسائط الإعلام ، بقسط وافر، في زرع وعي مغلوط تمثل في تصور الإسلام بأنه يشكل خطراً على الحضارة الغربية.وتهيئة الأجواء لنشر الخوف من الإسلام والكراهية للمسلمين.وكما يقول جون اسبوزيتو، فإن رؤية الإسلام ومشاهدة الأحداث في العالم الإسلامي عبر عناوين الصحف الرئيسية المدوية تقف حائلاً دون اكتساب القدرة على التمييز بين الدين الإسلامي وأفعال المتطرفين ،الذين يختطفون الخطاب الإسلامي والعقيدة الإسلامية لتسويغ أعمالهم الإرهابية .كما أن ذلك يعزز النزعة الخاصة بمساواة الأصولية الإسلامية والإرهاب بجميع الحركات الإسلامية السياسية والإجتماعية ،السلمية و تلك التي تستخدم العنف."، (الاسلام والغرب عقب 11 أيلول /سبتمبر (جون اسبوزيتو )،مصدر سابق ص: 29.). وقد ترتب على ذلك أن شعر كثير من الأمريكيين بأن المسلم هو عدو أصيل للأمريكي، وأصبح وجود مسلم على متن طائرة يثير المواطن العادي، ولم يتوقف الأمر على ذلك بل أن عدداً كبيراً من المسلمين قد تم انزالهم من الطائرات لمجرد أنهم يتلون آيات من القرآن قبل السفر. !!.
وقد رصدت العديد من الدراسات المواقف السلبية للمؤسسات الإعلامية وتحيزها ضد الإسلام والمسلمين مستغلة أحداث الحادي عشر من سبتمبر لشيطنة الإسلام والمسلمين، مما كان له إثر في تغير الرأي العام الغربي لا سيما الأمريكي تجاه الإسلام والمسلمين. ففي استطلاع اجراه مركز بيو للأبحاث Pew Research Center، تبين أن نسبة الذين يرون في الإسلام دينا يحض على العنف ارتفعت من 25% في آذار/ مارس 2001 الى 40% في آذار مارس 2002م. وفي دراسة لجون اسبوسيتو وداليا مجاهد (2008)، لتحليل نتائج استطلاع اجراه معهد جالوب، تبين الآتي:
أن 44% من الأمريكيين يرون أن المسلمين متشددون جداً. وأنَّ 22% من المواطنين الأمريكيين لا يرغبون أن يسكن بجوارهم مسلم.اما على المسنوى الاعجاب بالعامل الإسلامي فإن 32% لا يرون في العالم الإسلامي ما يثير الاعجاب، و22% من الأمريكيين لا يعرفون شيئا عن العالم الإسلامي.( من يتحدث باسم الإسلام؟..كيف يفكر حقًا مليار مسلم؟ الاسلام اليوم:موقع http://www.islamtoday.net/bohooth/services/saveart-99-116713.htm)
المبحث الثالث: الآثار السلبية لذلك العداء: الإسلاموفوبيا (التخويف من الإسلام (الخطر الإسلامي)
من أجل الحيلولة بين الأوربيين وبين الإسلام الحق، سعت تلك الدوائر إلى تصوير الإسلام بأنه خطر يهدد أوروبا ويسعى إلى القضاء على حضارتها، ومظاهر التقدم فيها. ولم يرتبط التخويف من الإسلام والتحذير من الخطر الإسلامي بأحداث سبتمبر/ 11 /2001م، بل دق ناقوس الخطر من الإسلام مع بدايات القرن العشرين، والعالم الإسلامي يمر بأسوأ فترات تاريخه، إذ نجد اللورد اللنبي، ممثل الحلفاء، في بيت المقدس يصرح قائلاً في سنة 1918: "اليوم انتهت الحروب الصليبية"؟ ويقف الجنرال الفرنسي غورو-وقد دخل دمشق في السنة نفسها-أمام قبر صلاح الدين الأيوبي قائلاً: "لقد عدنا يا صلاح الدين"؟ .
وبعد القضاء على الخلافة العثمانية بسنوات كتب المستشرق الانجليزي جب Gibb عام 1932م، كتابه المشهور: الإسلام الى أين؟ Whither Islam? ، ضمنه بعد مقدمته المطولة آراء لعدد من المستشرقين الأوربيين الذين أجمعوا على احتمال تحول العالم الإسلامي الى قوة تهدد أوروبا، ما لم يتم تدارك ذلك من جذوره، حسب تحليلهم.
ويذهب مسؤول فى وزارة الخارجية الفرنسية فى العام 1952 إلى أنَّ الإسلام أشد خطراً من الشيوعية التي كانت تمثل تحدياً للغرب الرأسمالي فيقول: " ليست الشيوعية خطراً على أوروبا فيما يبدو لي، فهي حلقة لاحقة لحلقات سابقة، وإذا كان هناك خطر فهو خطر سياسي عسكري فقط، ولكنه ليس خطراً حضارياً تتعرض معه مقومات وجودنا الفكري والإنساني للزوال والفناء. إن الخطر الحقيقي الذي يهددنا تهديداً مباشراً عنيفاً هو الخطر الإسلامي. فالمسلمون عالَمٌ مستقل كل الاستقلال عن عالمنا الغربي، فهم يملكون تراثهم الروحي الخاص، ويتمتعون بحضارة تاريخية ذات أصالة، فهم جديرون أن يقيموا بها قواعد عالم جديد، دون حاجة إلى الإستغراب، أي دون حاجة إلى إذابة شخصيتهم الحضارية والروحية بصورة خاصة في الشخصية الحضارية الغربية" وإذا تهيأت لهم أسباب الإنتاج الصناعى فى نطاقه الواسع، انطلقوا فى العالم يحملون تراثهم الحضارى الثمين، وانتشروا فى الأرض يزيلون منها قواعد الحضارة الغربية، ويقذفون برسالتها إلى متاحف التاريخ".( انظر : الخطر الصهيوني على العالم الاسلامي( ماجد كيلاني ) ص: 90.)
وبعد إنهيار الإتحاد السوفيتي، وانتهاء التحدي الشيوعي للغرب الرأسمالي، ونهاية الحرب الباردة (1945 – 1991) ،قفز الخطر الإسلامي (التخويف من الإسلام)، الى السطح وبصورة استفزازية تحمل في طياتها أجواء الحروب الصليبية.". واستحضرت تلك الصورة السالبة عن الإسلام والمسلمين، واستغلت من أجل إثارة الرأي العام الغربي، لمحاربة الإسلام والمسلمين.
وقد حمل وزر بلورة هذه الأفكار مجموعة من المثقفين والسياسيين، والإعلاميين الغربيين من أمثال برنارد ليوس وتلاميذه،وهنري كيسنجر ،وهنتينجتون وفوكوياما.وقد حاول هؤلاء تصوير المسلمين بأنهم أعداء الحضارة الغربية،والتقدم الإنساني،وأنهم يسعون إلى تدمير الغرب والقضاء عليه، ومن ثم على الغرب مواجهتهم والتصدي لهم.فيقول نيكسون في كتابه "الفرصة الضائعة:" يحذر بعض المراقبين من أن الإسلام سوف يكون قوة جغرافية متعصبة ومتراصة .وأن نمو عدد أتباعه،ونمو قوته المالية سوف يفرضان تحدياً رئيساً ،وأنَّ الغرب سوف يضطر لتشكيل حلف جديد مع موسكو من أجل مواجهة عالم إسلامي معادٍ وعنيف... إن وجهة النظر هذه تعد الإسلام والغرب على تضاد.وأن المسلمين ينظرون إلى العالم على أنه يتألف من معسكرين لا يمكن الجمع بينهما،دار الإسلام ودار الحرب"(. 195P: Seize the Moment, ( Richard Nixon)).ويؤكد ذلك هنري كسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ،حيث يقول في خطاب له أمام المؤتمر السنوي لغرفة التجارة الدولية عام:1990:" إن الجبهة الجديدة التي على الغرب مواجهتها هي العالم العربي الإسلامي،باعتبار هذا العالم هو العدو الجديد للغرب"( الصهيونية المسيحية (محمد السماك ) ص: 6.) وفي عام 1989م، طرح فرنسيس فوكوياما في كتابه "نهاية التاريخ وخاتم البشر" The End of History And The Last Man، نظريته "نهاية التاريخ، والتي ذهب فيها إلى: "أن الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية الأمريكية تشكل نقطة النهاية في التطور الإيديولوجي للإنسانية، والصورة النهائية لنظام الحكم البشري، وبالتالي فهي تمثل نهاية التاريخ". ومن ثم فإنه لا خيار إلاَّ باتباعها.... كما صاغ هنتغتون من خلال كتاباته، ما عرف بصدام الحضارات، والقول بحتمية الصدام بين الإسلام والغرب، ويقول في ذلك: "إن هذا الصدام الحتمي سيكون بين شعوب ذات ثقافة بروتستانتية/كاثوليكية، أي أوروبية وأمريكية من جهة، وشعوب ذات ثقافة إسلامية، أو ثقافة كونفوشية (العالم الإسلامي والصين وكوريا الشمالية) من جهة أخرى، غير أنه عاد فركز على كون الصراع حتمياً بين الحضارة البروتستانتية/الكاثوليكية من جهة، والإسلام من جهة أخرى، وعدد أسبابا لذلك."( انظر:ماذا يتبقى من نظرية صراع الحضارات (د سليمان العسكري)، ص 10-22.)
وقبل هؤلاء جميعاً درج برنارد ليوس على إثارة مشاعر الغربيين ضد الإسلام والمسلمين ،ومن ثم راح يعدد سمات الإسلام باعتباره ديناً ونظاماً للحياة وسياسة.وتصوير المسلمين بأنهم لا يطيقون العيش مع غيرهم،و لا يعترفون بالأديان الأخرى،بل يعدون أصحابها كفاراً،بدليل طردهم ليهود خيبر ونصارى نجران من الجزيرة العربية.ويصف الإسلام بأنه دين عدواني،وأن نبي الإسلام كان قيصراً وصاحب امبراطورية،ارتبطت عنده الرسالة الدينية بالسلطة السياسية، ".وفي كل ما ألفه برنارد ليوس بعد الحرب العالمية الثانية لا سيما كتابيه " أين الخطأ؟" و " أزمة الإسلام"، حاول أن يقدم الإسلام والمسلمين في إطار معين باعتبارهم "خطراً" موجهاً ضد الغرب، وأكد عداء الإسلام للمسيحية، بل رفضه لغيره من الأديان والثقافات الأخرى، وذهب إلى أن المسلمين يعادون السامية بدليل موقفهم الرافض لدولة إسرائيل. وركز في كل كتبه على أنَّ المسلمين لا يحسنون استيعاب ما اقتبسوه من الغرب، فباءت مساعيهم للحاق بركب المدنية الحديثة، مدنيةالغرب، بالفشل الذريع، فراحوا يبحثون عن "كبش فداء" هنا وهناك، لتبرير تخلفهم، وعجزهم وقصورهم، ويصبون جام غضبهم على الغرب، دون أن يدركوا ما وقعوا فيه من أخطاء، هي –عنده-رفض الحضارة الغربية، والعداء للسامية.وينتهي الى نتيجة واحدة: فالمسلمون قوم أوغاد بطبعهم، يكرهون الآخر، ويريدون ذبح الغرب واليهود انتقاماً لعجزهم وتخلفهم".( الإسلام وأزمة العصر (برنارد لويس ) .ص: 14-15).
وهذه مزاعم لا يسندها الواقع ولا تؤيدها حقائق التاريخ، بل إن معظم المسلمين –كما تشير كثير من الدراسات-معجبون بالغرب ولاسيما بالتطور الإقتصادي، والحريات السياسية، والبراعة التقنية.ولإثبات ذلك يمكن زيارة أي عاصمة في العالم الإسلامي ومشاهدة الطوابير الطويلة امام سفارتي الولايات المتحدة وكندا، حيث يصطف الناس للحصول على تأشيرة للسفر الى الغرب والهجرة الى هناك أو إرسال أبنائهم للدراسة، هل توجد تجربة أفضل من هذه لاثبات أن المسلمين معجبون بالحضارة الغربية ويحترمونها ويقدرونها.
أحداث 11 سبتمبر وأثرها في تنامي العداء للإسلام:
في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001م، أعلنت الحكومة الأمريكية الحرب على الإرهاب، و تم اتخاذ تدابير عدة كان من بينها إصلاح النظم القانونية بغية التصدي للتهديدات الجديدة التي يمثلها الإرهاب، و تمت إعادة صياغة قانون الهجرة، وتركزت التدابير الأخرى على تحسين الآليات الرامية إلى ضمان الحد من تدفق الموارد الإقتصادية و المالية لدعم الأنشطة الإرهابية. وسارعت وسائل الإعلام إلى تقسيم العالم إلى قسمين أو قطبين: أحدهما يمثل الثقافة والحضارة الغربية، والآخر يمثل الثقافة أو الحضارة الإسلامية، وبات الإرهاب –في نظر الرأي العام الغربي-يمثل الوجه الآخر للإسلام، بفضل أبواق الدعاية الإعلامية، وما غرسه برنارد لويس من الكيد للإسلام، وجهود تلاميذه من أقطاب اللوبي الصهيوني المهيمن على حقل دراسات الشرق الأوسط بالولايات المتحدة الأمريكية من أمثال: مارتن كريمرMartin Kremer وستانلي كيرتزStanley Kurtz، ودانيال بايبس Daniel Pipes، وغيرهم. (انظر: برنارد لويس (الإسلام وأزمة العصر)، ترجمة أحمد هيكل تقديم ودراسة رؤوف عباس، مصدر سابق ،المقدمة: .ص:15)
وعقب تلك الأحداث. قام صامويل هنتنجتون (أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد) باختزال فكر " صدام الحضارات " من صدام الغرب مع بقية العالم (أو بقية حضارات العالم)، إلى صدام الغرب مع العالم الإسلامي فقط. أو بمعنى أدق: " صدام المسيحية مع الإسلام ". وفي مقال أخير لهنتنجتون ،بعنوان: " عصر حروب الإسلام " ،بالعدد السنوي لمجلة " نيوزويك " الأمريكية ديسمبر 2001م، ذهب الى أن السياسة العالمية المعاصرة تعيش: " عصر حروب الإسلام"، وأن حروب الإسلام قد حلت محل الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي سابقاً. فالمسلمون كما قال يحاربون بعضهم بعضا ويحاربون الآخرين بأكثر مما تفعل شعوب الحضارات الأخرى.و ماذهب اليه هنتيجتون لا تصدقه وقائع التاريخ الذي شهد حروباً داخل الحضارات كلها بل داخل الحضارة الواحدة مثل الحروب بين الصين وفيتنام ، أو بين اليابان وكوريا أو بين فيتنام وكمبوديا أو بين اليابان والصين داخل الحضارة الكونفوشوسية .. والحروب التي حدثت بين الأوروبيين أنفسهم في التاريخ القديم والحديث والحربين العالميتين الأولى والثانية، إضافة إلى أن الحضارة الإسلامية لم تنفرد بالصراع الداخلي كما يزعم هنتجتون.
وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م تنامت الصورة النمطية السلبية عن العرب والمسلمين من خلال العديد من الحملات الدعائية المكثفة، وقد شاركت في هذه الحملات كثير من وسائل الإعلام في الدول الغربية، ضمن جهود مؤسسية منظمة للتأثير على المتلقي الغربي. وبالاضافة الى المنابر الإعلامية التي تمركزت في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن وسائط الإعلام الأوروبية قد شاركت بفاعلية في تلك الحملات السلبية الموجهة ضد العرب والمسلمين(انظر: صورة المملكة العربية السعودية في الصحافة البريطانية بعد الحادي عشر من سبتمبر (علي بن شويل القرني) ،ص: 2).
وشهدت السنوات التالية لهجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، اشتعال موجة عارمة من الحقد والتشويه ضد الإسلام والمسلمين. وقد زاد من حدة اشتعال هذه المواجهة عدة ظواهر:
1-السقطات المروعة التي وقع فيها كبار السياسيين الغربيين من أمثال الرئيس الأميركي جورج بوش، الذي استحضر الحروب الصليبية، CRUSADE عند إشارته إلى المعركة المقبلة ضد الإرهاب، وتصريحاته حول الحرب مع الفاشية الإسلامية. وذلك نتيجة لوقوعه تحت التأثير الفكري والسياسي لفلاسفة الحروب الدينية الغربيين ضد الإسلام في العصر الحديث، بجناحيهم الديني المتطرف أمثال بات روبرتسون وجراهام وفولهام وغيرهم، والسياسي العلماني أمثال صمويل هنتنجتون، صاحب نظرية صراع الحضارات والثقافات، وبرنارد لويس منظر الموجة الحديثة من العداء للإسلام، فضلا عن التأثر الشديد بضغوط اللوبي الصهيوني والمسيحيين الصهيونيين، والكارهين للعرب والمسلمين، المناصرين ل " إسرائيل"، تحت دعاوى دينية متطرفة.
2- تصريحات بعض السياسيين الغربيين التي تضمنت الإستعداء على الإسلام والمسلمين. ومنها تصريحات رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلسكوني التي ادّعى فيها تفوق الحضارة الغربية على الحضارة الإسلامية. حيث قال للصحفيين الايطاليين في برلين: " يجب ان نكون على وعي بتفوق حضارتنا التي تقوم على نظام من القيم يوفر للشعب الرخاء في الدول التي تتبناه، وتضمن احترام حقوق الإنسان والدين. هذا الإحترام غير موجود بالتأكيد في الدول الإسلامية"(راجع صحيقة البيان الإمارتية https://www.albayan.ae/last-page/2001-09-27-1.1205102) .
3-إثارة بعض المفاهيم المغلوطة عن الإسلام، من خلال الإعلام أو المناهج الدراسية التي رسخت في ذهن المجتمعات الغربية، أن الإسلام تخلف وظلامية ورجعية، وأنه يمثل العنف والإرهاب والتدمير. وقد ادى ذلك كله الى انتشار ظاهرة «الإسلاموفوبيا» أو الخوف غير المبرر من الإسلام في المجتمعات الغربية، وتنامي المشاعر العدائية لكل ما هو إسلامي.
ونتيجة للتلك المشاعر العدائية، تفشت مظاهر التطاول والاستهزاء على الإسلام وعلى المسلمين وكان من اشد تلك المظاهر تطرفاً، الرسوم الكاريكاتورية المهينة للنبي محمد ، التي نشرتها صحيفة (يولاندس بوستن Jyllands-Posten)، الدنمركية في سبتمبر 2005م ،وفي احدي تلك الرسوم الاثني عشر عرضت صورة النبي وهو يرتدي عمامة على شكل قنبلة (وبالتالي تصويره بأنه إرهابي).و في أوائل فبراير 2006 ،أعادت العديد من الصحف في 22 دولة أوروبية نشر تلك الرسوم الكاريكاتورية. الأمر الذي ولد قدراً هائلاً من الغضب والاستياء بين المسلمين في جميع أنحاء العالم، عبروا عنه في احتجاجات ومظاهرات واسعة النطاق والدعوة إلى مقاطعة البضائع الدنماركية.وزاد الأمر سوءا ما ورد على لسان بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر في محاضرة القاها في جامعة ريجينسبورج بولاية بافاريا الألمانية الثلاثاء: 12-9-2006م، بعنوان: "الإيمان والعقل والجامعة ذكريات وانعكاسات"، دار مضمونها حول الخلاف التاريخي والفلسفي بين الإسلام والمسيحية في العلاقة التي يقيمها كل منهما بين الإيمان والعقل. وزعم فيها "أن العقيدة المسيحية تقوم على المنطق، بينما الإرادة الإلهية في العقيدة الإسلامية لا تخضع لحكم العقل، ولذا انتشر الإسلام بالسيف لا بالاقتناع العقلي، والنبي محمد لم يأت إلا بما هو شرير وغير إنساني».(Popeلإ Benedict XVI's Regensburg Lecture on Islam).
وقد كان لذلك كله أثر كبير على الرجل العادي في الغرب الذي لم يعرف الإسلام إلا من خلال كتابات المستشرقين وأحاديث الكنسيين، وتصريحات السياسيين، وتقارير الإعلاميين، وكان من الطبيعي ان تتنامى تلك الصورة السلبية عن العرب والمسلمبن في المخيال الغربي الأوروبي والأمريكي، والرفض للإسلام وبالتالي للمسلمين، وتحول هذه المشاعر إلى مرض أطلق عليه "الرهاب من الإسلام والمسلمين(الإسلاموفوبيا). وقد كشفت استطلاعات الرأي التي أجريت في أوروبا وأمريكا ونشرت في وسائل الإعلام عن تفشي هذا المرض. كما بينت تلك الاستطلاعات أنَّ العرب في المخيال الأمريكي، شعب متأخر بدائي غير متحضر، شعب ملبسه غريب، ويسيء معاملة المرأة، مولعاً بالحروب متعطشاً للدماء، غداراً ماكراً قاسياً كسولاً شهوانياً حقوداً انتقامياً وخانعاً للسلطة". وفي دراسة أُجريت على عينة من المدرسين والتلاميذ في احدى المدارس الثانوية في الولايات المتحدة الأمريكية تبين أن نسبة كبيرة من المستجوبين يحملون مشاعر عدائية للعرب. فالعرب بالنسبة لهؤلاء الأمريكيين وقحين متعصبين غير عقلانيين.والعرب كذلك أثرياء نفط وتجار حروب يتكالبون على السلطة مستغلون للنفط، دونيون محتالون، جبناء متخلفون، بدائيون، متوحشون برابرة قذرون.ولمعرفة آرائهم حول الاسلام كدين، كانت الاجابات متشابهة بل متطابقة مع الاستطلاعات السابقة، فالإسلام حسب رأيهم عقيدة دينية تخنق الابداع، والمسلمون بطبيعة الحال متعصبون قدريون متخلفون لم يساهموا بشيء. وهم -أي المسلمون-بطيئون في قبول التغيير، ثم إنهم اتباع ديانة غريبة عجيبة، وهم شعب ذو دين مضحك وسخيف!!.( انظر: صورة العرب في الذهنية الامريكية،موقع المهندسين العرب : http://www.arab-eng.org/vb/t30765.html) . ومنها الاستبيان الذي نشرته الطبعة الأوروبية لصحيفة"وول ستريت جورنال"، في 10 كانون الأول 2004م، والذي أجري على عينة تضم أكثر من عشرة آلاف شخص.ومما جاء في هذا الاستبيان أن أكثر من نصف سكان أوروبا الغربية (بنسبة 52 في المائة)، يعتقدون أن المسلمين مرفوضون في بلدانهم. ويشتد أكثر فأكثر مرض رهاب الإسلام والمسلمين خاصة في السويد (72 في المئة)، وسويسرا، والدنمارك، وبلجيكا، وألمانيا.( ظاهرة الإسلاموفوبيا "الرهاب من الإسلام"،). نعيم إبراهيم الظاهر( في:مؤتمرالإسلام والتحديات المعاصرة، ص:1011 )،ويؤكد هذه النتائج الرئيس الأمريكي الأسيق ريتشارد نيكسون في كتابه "الفرصة الضائعة"، حيث يقول:" إنَّ معظم الأمريكيين ينظرون نظرة موحدة الى المسلمين على أنهم غير متحضرين وسخين، وبرابرة، غير عقلانيين، لا يسترعون انتباها إلا لأن الحظ حالف بعض قادتهم، وأصبحوا حكاماً على مناطق تحتوي ثلثي الاحتياطي العالمي المعروف من النفط" ". !!! Seize the Moment, (Richard Nixon) P: 194
الأسباب الحقيقية وراء الحملة ضد الإسلام والمسلمين:
رغم الخلفيات التاريخية للصراع بين الغرب والعالم الإسلامي، وما وقع من خصومات وما نتج عنها من سوء الظن وعدم الثقة، واحتدام الصراع بين الحين والآخر، فإن هناك أسباباً حقيقية تقف وراء تجدد الحملات ضد الإسلام والمسلمبن، لعل من أهمها:
1- ضعف القيم التي كانت تسود في أوروبا: فقد عاش الغرب فترة من الزمان يتظاهر بأنه يحمل قيماً تقوم على احترام الثقافات والحضارات والقيم الإنسانية المختلفة،وصور نفسه حتى في فترة الإستعمار بأنه حامل مشعل الحرية وحقوق الإنسان والدعوة الى التقدم البشري.ويبدو أن التقدم المادي وغلبة المادية على الحضارة الغربية،أدى الى تلاشي تلك القيم أو على الأقل ضعفها، وحلّت محلها-للأسف- قيم عنصرية، وثقافة أحادية تركز على التفوق العلمي والمادي للغرب، وظهرت الدعوات الى سمو الغرب في مقابل النظرة الدونية للآخرين. وقد سبقت الإشارة الى ما طرحه فرنسيس فوكوياما في كتابه "نهاية التاريخ وخاتم البشر" The end of History And The Last Man ونظريته "نهايةالتاريخ ، ودعواه بأن الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية الأمريكية تشكل نقطة النهاية في التطور الإيديولوجي للإنسانية، والصورة النهائية لنظام الحكم البشري، وبالتالي فهي تمثل نهاية التاريخ"، ومن ثم فإنه لا خيار إلاَّ باتباعها،وبما أنَّ الإسلام يمثل تحدياً حقيقياً لهذه الدعوة،وتقف قيمه الثقافية ومبادئه ضدها،فلا بد اذن من السعي الى ازالته ،حتى يتمهد الطريق لتنفيذ أشواق الغرب وطموحات ساسته.
2-التنافس بين الكنيسة والإسلام: إن التنافس بين الديانتين الإسلامية والكاثوليكية بات على أشدّه في القرن العشرين، وأصبح عدد المسلمين اليوم -كما تقول بعض الإحصائيات-أكبر من عدد الكاثوليك في العالم. فالقي هذا التنافس بظلاله على المؤسسات الدينية في الغرب لإعطاء بُعد سلبي، وصورة سيئة عن الإسلام وحضارته. وكما يقول جون أسبوزيتو" لقد شكل نجاح الإسلام وتوسعه المبكر تحدياً على المستوى اللاهوتى والسياسى والثقافى، كما شكل تهديداً للغرب المسيحى. وحيث أن كلاً من الإسلام والمسيحية يمتلك شعوراً برسالة ومهمة عالمية، كان محتما أن تسير العلاقة بينهما إلى المواجهة بدلاً من التعاون. وذلك وبسبب تاريخ طويل، غالبا ما كان العالم المسيحى خلاله يسب النبى والإسلام الذي كانت صورته مشوهة جداً بالنسبة لهم، وبسبب تاريخ حديث، كان الإسلام خلاله يوضع على قدم المساواة مع الإرهاب والتطرف". (التهديد الإسلامى خرافة أم حقيقة (جون إسبوزيتو)، ص:45.)
3-استغلال العداء للإسلام لأغراض سياسية:عملت دوائر عدة على استغلال العداء للإسلام لتحقيق أهداف سياسية معينة ،ولعل من أهم تلك الدوائر التيار المسيحي المتطرف،الذي كان له دور كبير في تأجيج العداء للإسلام والمسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية: فقد بات هذا التيار المسيحي الصهيوني المتطرف في الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، يقود أمريكا وأوروبا من ورائه، لخوض حرب صليبية جديدة، تشترك في دعمها القوى الرئيسة المؤثرة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، تلك القوى المتمثلة في:
1-اللوبي الصهيوني الذي يشكل قوة ضغط سياسية واقتصادية وإعلامية وانتخابية مؤثرة في توجهات وسياسات البيت الأبيض.
2-اللوبي الرأسمالي للشركات العالمية، كشركة هالي بيرتون التي ثبت أن ديك شيني نائب الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، عضو في مجلس إدارتها. وهذه الشركة التي حصدت المليارات من حربي أفغانستان والعراق، وغيرها من شركات صناعة وتجارة الأسلحة، لا تعيش ولا تنتعش إلا في أجواء الحروب والدمار!
3-اللوبي الكنائيسي البروتستانتي الأمريكي الذي يبلغ أتباعه نحو ستين مليون عضو في الولايات المتحدة، ويشكل قوة مؤثرة في الرأي العام الأمريكي.
وقد اجتمعت مصالح هذه القوى الثلاث في إثارة الحروب في أنحاء العالم الإسلامي، ولقيت الدعم الرأسمالي من أجل السيطرة على منابع النفط والتحكم في الأسواق العربية والعالمية. والدعم الصهيوني لتأمين الوضع العسكري لصالح إسرائيل، والضغط باتجاه إخضاع دول المنطقة كلها للنفوذ الإسرائيلي. والتأييد الكنسي لدعم أنشطة التنصير في المنطقة كما يجري حاليا في أفغانستان والعراق، حيث تشهدان نشاطاً تنصيرياً محموماً، يكشف عن بعض أبعاد الحرب الجديدة القديمة على العالم الإسلامي والعربي ويفضح أهدافها.( انظر: العلاقات العربية الأوربية في ظل النفوذ الامريكي (د. حاكم المطيري )، ورقة مقدمة لمؤتمر العلاقات العربية الأوربية، الجامعة الهاشمية بالأردن: 2006 الموقع: http://www.dr-hakem.com/portals/Content/?info=TlRFekpsTjFZbEJoWjJVbU1RPT0rdQ==.jsp)
وهناك فئة من الساسة الغربيين العاطلين اتخذوا من عداوة المسلمين،والإساءة إليهم والى الإسلام، وسيلة لدعم مواقفهم السياسية، وحاولوا تحميل المسلمين في الغرب كل ما تمر البلاد الغربية من تدهور اقتصادي وخلل اجتماعي. وعلى هذا المنوال أصبحت مهاجمة الإسلام والإساءة إلى رموزه وقيمه وسيلة الكثيرين من الساعين إلى الشهرة، والكسب السياسي.وقد قادت بعض الأحزاب السياسية اليمينية المتطرفة في أوروبا، مثل الجبهة الوطنية في فرنسا، الحزب القومي البريطاني، وحزب "فلامس بيلانج" بزعامة دي فينتر، في بلجيكا، والحزب القومي اليميني المتطرف (NPD)في ألمانيا، حملة منظمة مضادة للوجود الإسلامي في أوروبا، من أجل كسب أصوات الناخبين عن طريق اثارة مشاعرهم المعادية للإسلام. كما يمكن تلمس الأصابع الصهيونية التي تدفع نحو تضليل الشعوب الأوروبية والامريكية عن إدانة اسرائيل والتغطية على مجازرها ضد الشعب الفلسطيني واحتلالها لأراضيه، وذلك باستخدام مصطلحات في وصف المجاهدين الفلسطينيين مثل" الفاشية الإسلامية"، والإرهاب الإسلامي، وغيرها من المصطلحات التي روج لها كتاب صهاينة من أمثال دانيال بايبس.
4-أزمة المهاجرين لا سيما المسلمبن: فقد هجًّرت الدول الاستعمارية إبَّان فترة الإستعمار أعداداً كبيرة من سكان المستعمرات من أجل انشاء البنية التحتية للمدن الأوربية. وبعد انتهاء الإستعمار، بدأ الغربيون يشعرون بالضيق من وجود وتنامي أعداد أولئك المهاجرين. وشهدت بريطانيا -خلال الستينات والسبعينات من القرن العشرين-حملة قوية قادها النائب البريطاني اليميني إنوخ باولEnoch Powel، وشهر بخطبته أنهر الدم، والتي حذر فيها من خطر المهاجرين على المجتمع البريطاني ووحدة نسيجه الإجتماعي، ودعا الى ايقاف الهجرة والسعي الى التخلص من المهاجرين Rivers of Blood'. انظر: http://www.telegraph.co.uk/comment/3643823/Enoch-Powells-Rivers-of-Blood-speech.html).
و منذ بدايات التسعينات من القرن العشرين ،توسع الجدل حول المسلمين المهاجرين بخاصة ،في عدة دول أوروبية، ،وظهرت حملات عدائية تمثلت في الهجوم على النقاب والحجاب الإسلامي ،والدعوة الى منعه في المدارس والمؤسسات و الأماكن العامة،وتصويره بأنه مخالف لقيم الحضارة الغربية.ويبدو أن الهدف لم يكن الحجاب لذاته ،والا لضاقت المجتمعات الغربية بأشكال العري المنتشرة فيه،و بمختلف الأزياء والرموز التي تعبر عن ثقافات وأديان مختلفة،مثل زي الراهبات الذي لا يختلف كثيراً عن الزي الشرعي للمرأة المسلمة،وبعمامة السيخ ،وازياء الهنود،و بالقلنسوات التقليدية لليهود. ويبدو أن هذا الرفض للمظاهر الإسلامية دون سواها في المجتمعات الغربية، إنَّما هو تعبير عن ظاهرة ضيق الغربيين بالمسلمين، الذين تميزو عن الآخرين بسعيهم للحفاظ على هويتهم، وذلك بعد عقود من محاولات دفعهم الى الذوبان في الثقافة الغربية. فقد ادى تنامي وعي المسلمين في الغرب عموماً بإسلامهم عقيدة وسلوكاً وثقافة وهوية، وتأثيرهم في المجتمعات الغربية، إلى الإقبال الكثيف من قبل الغربيين على الإسلام وأصبح الإسلام الدين الأكثر والأسرع انتشاراً. أمام هذه الظاهرة غير المسبوقة راح كثير من الساسة والخبراء والمفكرين الغربيين، يحذرون من الأخطار الديمغرافية والسياسية التي يمثلها تنامي الإسلام وانتشاره في أوروبا على المجتمعات الأوروبية. واتخذ هذا التحذير شكلين -كما يقول فريد هاليداي-شكل استراتيجي ارتبط بقضايا أمنية كالأسلحة النووية، والامدادات النفطية، والارهاب، والآخر شعبوي تعلق بقضايا الهجرة، والإستيعاب والعرق والحجاب. (انظر: الإسلام والغرب: خرافة المواجهة (فريد هاليداي ) ، ص: 185.)
5-إسهام بعض المرتدين في تشويه صورة الإسلام: ظهرت خلال العقود الثلاثة الأخيرة فئة من المسلمين المتمردين على الإسلام الكارهين لأنفسهم وثقافتهم وحضارته، واتخذوا من إعلان الإرتداد عن الإسلام، والهجوم على قيمه وتعاليمه ،سبيلاً لبناء مجد شخصي تافه. وتلقفت هؤلاء دوائر عديدة في الغرب، وجعلت منهم أبواقاً للتشهير بالإسلام والعالم الإسلامي. ومن بين هؤلاء: سلمان رشدي، وتسليمة نسرين، وشهلا شفيق، وايان هرسي علي، وابراهيم بن الوراق وغيرهم، ممن فتحت لهم وسائل الاعلام الغربي أبوابها، وشجعتهم الدوائر الكنسية والمحافل السياسية على مهاجمة الإسلام، والطعن في تشريعاته ونظمه، واتهامه بتشجيع الإرهاب، ومحاربة الحضارة الغربية، واضطهاد المرأة، والتعدي على حقوق الإنسان، الى غير ذلك من التهم الباطلة والمطاعن الزائفة. التي سعى أولئك من ورائها الى تحقيق الشهرة من أيسر الطرق وأقصرها وأشدها خبثا ودهاءً. ولم يكن لهولاء على اختلاف ما بينهم، من المواهب، ما يستحقون به الهالة التي أحيطت بهم، والشهرة التي نالوها، لولا ردود أفعال المسلمين غير المنضبطة، والمتشنجة.
ردود فعل المسلمين تجاه التحدي الغربي:
اتخذ المسلمون مواقف متباينة في مواجهة التحدي الغربي. فهناك من اتخذ موقفاً سلبياً من الغرب، وكل ما انبثق عنه، وصاغ هؤلاء خطاباً اتسم في جملته بالتعميم والهجوم على كل ما يرد من الغرب أو يصدر عنه، لاسيما مظاهر التدهور الأخلاقي في الغرب، كما بشر هؤلاء باقتراب سقوط الحضارة الغربية. ولا شك أن هذا موقف يفتقر الى الموضوعية في دراسة الغرب، وعدم العمق والقصور في قراءة الحضارة الغربية، ويغلب على أصحاب هذا التوجه الإنفعال والحساسية المفرطة تجاه كل ما هو غربي.
وهناك من يدعو الى الأخذ بأسباب الحضارة الغربية خيرها وشرها، حلوها ومرها، سواء ما يتعلق بالعلم والصناعة، أو ما يتعلق بالثقافة وأسلوب الحياة الاجتماعية والروحية والعقلية واللغوية، حتى لو أدى ذلك الى فقدان الهوية، وذوبات الشخصية الإسلامية ،والإنفصال عن ماضي الأمة وتراثها وتاريخها.
وهناك من اتخذ موقفاً معتدلاً يتمثل في النظر الى الغرب نظرة موضوعية تتجنب التعميم، بحيث لا ينظر الي الغرب على أنه بالضرورة غرب واحد، ولا يقف أصحاب هذا التوجه عند صورة نمطية أو صورة متخيلة او متوهمة للغرب، بل يدعو هؤلاء الى دراسة الغرب دراسة موضوعية، والتعامل مع الغرب بالمنطق الواقعي الذي يجمع الحقائق، ويفهمها فهماً جيداً، ويحلل الظواهر تحليلاً دقيقاً، ويستخلص النتائج، وعلى ذلك يتبنى المواقف. ويستلزم ذلك –كما يرى أصحاب هذا التوجه-اقامة الجسور بين العالم الإسلامي والغرب -للتعارف والتفاهم والحوار، وللتعايش، ولتبادل المصالح، وللتعاون على درء المفاسد التي تهدد استقرار الحياة الإنسانية، والدخول مع الغرب في تحالف حضاري لبناء أسس سلام يقوم على العدل واحترام حقوق الشعوب.
فبغض النظر عن الاختلافات الثقافية بين الإسلام والغرب ،فإن المسلمين والمسيحيين الذين يمثلون جزءاً من الغرب الآن، يتوافقون على مباديء دينية وحضارية وقيم مشتركة ،تشمل الإيمان بالله تعالى ورسله والوحي الإلهي وقيمه المتمثلة في: المسؤولية الأخلاقية ،ومبدأ الخضوع للمحاسبة ،وقدسية الحياة ،وقيمة العائلة ،والرغبة في تحقيق الرخاء الإقتصادي ،والحصول على التعليم والتقنية ،والسلام والأمن ،والعدالة الإجتماعية ،والمشاركة السياسية والحرية وحقوق الإنسان ،وفي نفس الوقت يواجهون تحديات وهموماً مشتركة تشمل تفشي العلمانية والنزعة المادية ، والإنهيار الأخلاقي للمجتمع،وانهيار مؤسسة الأسرة ،ومشكلات إدمان المخدرات والكحول وتفشي الزنا ،وتؤثر هذه التحديات الأخلاقية والإجتماعية في المسيحيين والمسلمين على السواء (انظر: الإسلام والغرب عقب 11 أيلول /سبتمبر (جون اسبوزيتو ). ص: 32،و 10.)،فلا بد اذن من توحيد الجهود من قبل اتباع الأديان لمواجهة هذه التحديات ،والتعاون من أجل مقاومة مدها.
الخاتمة :
من خلال هذه الدراسة ،تبين أنه رغم عوامل الصراع التاريخي بين الغرب والإسلام ،ورغم وقوع خلافات خلال التاريخ بين الفريقين لأسباب متعددة،فإنًّ قيم الإسلام وتعاليمه ،تحتم على المسلمين مد جسور التواصل بينهم وبين الآخر ،من أجل أن يؤدي المسلمون رسالتهم ،ويحققوا أهدافهم في الحياة،والمتمثلة في اخراج الناس من ظلام الجهل الى نور الإسلام ،ومن جور الأديان الى عدل الإسلام ، وحتى يتمكن المسلمون من اتخاذ هذا الموقف والمشاركة في عمل ايجابي مع الغرب كي يؤدوا رسالتهم في هداية الناس الى الحق، لا بد من تحقيق ما يلي:
1. ابتداءَ لا بد من العمل على تقوية نسيج البنية الأساسية لوحدة الأمة الإسلامية، وتجديد الشعور بالإنتماء إليها، والعمل على تفعيل العوامل التي وحدت الأمة الإسلامية في العصور السابقة، وفي مقدمها: العقيدة والشريعة واللغة والقيم الأخلاقية، وحفز التعاون في المجالات الإقتصادية والسياسية والثقافية بين شعوب الأمة العربية والإسلامية، واجراء دراسات علمية جادة في كل من تلك المجالات، وإقامة مؤسسات يتحقق من خلالها الوحدة والتكامل بين شعوب الأمة وأقطارها.
2. ينبغي العمل على تطوير مناهج التعليم في العالم الإسلامي، بما يتضمن الرؤية الإسلامية للعلم والمعرفة، ويتلاءم مع التقدم العلمي والتقني الحديث.وانشاء مدارس نموذجية لا سيما في المناطق التي يستهدفها التنصير. وبذل جهد حقيقي لمعالجة الخطر الذي يواجه الإسلام وتعاليمه من جانب المتطرفين والغلاة من المسلمين، ومواجهة التحديات والرد على الشبهات التي تثار ضد الإسلام من قبل غير المسلمين.
3. بذل جهود علمية جادة من أجل مقابلة جهود المستشرقين العلمية، ترد على افتراءاتهم وشبهاتهم التي أثاروها ضد الإسلام، من ناحية، ومن ناحية أخرى، تعرض الإسلام، عقيدة وشريعة، ونظماً وحضارة، عرضاً علمياً، يستخدم التقنيات المعاصرة، ويستجيب للتحديات التي يمثلها الأدب الإستشراقي.
4. تجديد الخطاب الإسلامي، وانشاء جهاز عالمي للدعوة الإسلامية، يزود بكفاءات علمية متخصصة، تخاطب المسلمين المتأثرين بأساليب المستشرقين، والغربيين الذين وقف الإستشراق حائلاً بينهم وبين معرفة الإسلام، كما يخاطب المسلمين في المهاجر الغربية، بما يمكنهم من التعايش بسلام في المجتمعات التي تأويهم، من غير أن يفقدوا هويتهم الإسلامية او يفرطوا فيها.
5. إنشاء مؤسسات علمية للدراسات الإستشراقية، تتابع ما ينتجه المستشرقون، وترصد التحولات التي تطرأ على حركة الإستشراق.وتتبنى الدخول في حوار جاد مع المستشرقين المعتدلين، من أجل تصحيح الرؤية، ونزاهة الغرض، ومصداقية الكلمة.
6. قبل مطالبة الغرب بالتصدي للمارسات العدائية تجاه الإسلام والمسلمين، ينبغي في المقابل أن يتصدى المسلمون للمارسات التي تصدر عن العالم الإسلامي، فتعطي صورة سالبة عن الإسلام والمسلمين، ومعالجة ظواهر الغلوّ والتطرف والتعصب والفهم العقيم لأحكام الإسلام، وما ينتج عنها من انعكاسات سالبة على صورة الإسلام في داخل العالم الإسلامي وخارجه.
7. ينبغي أن يسعى المسلمون الى إقامة علاقة مع الغرب على أساس المباديء الإنسانية النبيلة التي سبقت الإشارة إليها وبشر بها الإسلام ونادت بها الأديان السماوية جميعاً ،والتي تنطلق من الإيمان بوحدة الأصل الإنساني ،والأخوة الإنسانية ،و الأصل المشترك للأديان جميعا،والعمل الجماعي في اطار التعاون الإنساني النزيه من أجل إشاعة قيم الخير والعدل والسلام ،و لا بد أن تقوم هذه العلاقة أيضاً على أساس أحكام القانون الدولي ،بحيث يكون الحق فوق القوة ،وتسود الأرض وتهيمن على العلاقات الدولية قوة القانون لا قانون القوة ،وبذلك نتوجه معاً ،إلى عمل إنساني تضامني ،من أجل مستقبل مزدهر للبشرية جمعاء. (انظر: نحن والآخر (عبد العزيز بن عثمان التويجري)، الشرق الاوسط : 1/9/ 1426 ه 3 اكتوبر 2005 العدد 9806. )، وأن يتخذ الحوار وسيلة لتدعيم قنوات التواصل مع الأخرين ،من أجل التعريف بالإسلام وبمبادئه السمحة ،والتفاهم مع غير المسلمين من أجل إرساء دعائم السلام العالمي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.