الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    الهلال يشكو لاعب نهضة بركان... وتحدٍ إداري جديد يلوح في الأفق    وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    دراسة: تناول 3 أكواب قهوة يوميًا يقلل القلق والتوتر    عائلة الممثل الكورى لى سانج بو ترفض الإفصاح عن سبب الوفاة.. اعرف التفاصيل    نبيل فهمي .. اختيار أمين عام جديد للجامعة العربية بإجماع عربي كامل    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المنصوري يا مكنة    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ما بين دعوى إسلام كارل ماركس ودعوى إسلام ميشيل عفلق ... بقلم: ناصف بشير الأمين
نشر في سودانيل يوم 19 - 05 - 2010

لا تقتصر المشتركات بين دعوى "إسلام" فيلسوف المادية التاريخية كارل ماركس والتي قال بها الشيخ يوسف القرضاوي (قناة الجزيرة 24/1/2010) و "إسلام" مؤسس حزب البعث ميشيل عفلق الذي كان قد اعلنه من قبل الرئيس الراحل صدام حسين (24/6/1989) على كونهما تشكلان مثالا صافيا ونموذجيا لدعاوى الأسلمة السياسية للأفراد المتحركة بدافع الأهداف الدعائية والأيدولوجية, والتي لا علاقة لها قطعا بالجانب الروحي للدين. كذلك يجمع بين الدعويين ضخامة الإدعاء بالنظر لما يمثلة الرجلين فكريا. الإدعاءان ايضا نتاج بيئة سياسية واجتماعية ومرحلة تاريخية واحدة, وهي التي يمكن تعريفها بمرحلة صعود الأصولية وإسلام السياسة والتى تشكل مثل هذه الدعاوى مثالا لأبرز تجلياتها. لايغير من ذلك التعارض الظاهري بين واقعة محاولة الأصولية "الإستيلاء" على ماركس في حالة الشيخ القرضاوي, في حين ان صدام حسين هو من ابرم صفقة " بيع" ميشيل عفلق للأصولين مقابل دعمهم له ابان محنته السياسية, فالنتيجة العملية المبتغاة واحدة وهي ايلولة الماركة الرمزية الخاصة بالرجلين الى مخزن الأصولية ومن ثم توظيفها بالطريقة التي تخدم أجندتها إستنادا الى دعاوى "إسلامهما".
"إسلام" كارل ماركس برواية الشيخ القرضاوي:
"إسلام" كارل ماركس او تحوله للفكر الديني اعلنه الشيخ يوسف القرضاوي في حديثه لبرنامج الشريعة والحياة بقناة الجزيرة (24/1/2010), والنص التالي منقول حرفيا من موقع القرضاوي على الإنترنت (28/4/2010): ( أكد العلامة الدكتور يوسف القرضاوي أن "كارل ماركس، المنظر الفكري للفلسفة الاشتراكية الوضعية، قد مدح الإسلام في آخر حياته، وكانت له آراء تؤكد ضرورة الدين في حياة الإنسان، كما نقل عنه ذلك الدكتور رشدي فكار، رحمه الله، لكن العلمانيين يخفون مثل هذه الحقائق لئلا تنسف ما هم عليه. "). اللافت في حديث "إسلام" كارك ماركس هو الطريقة الأستعراضية القائمة على إستراتيجية حرية إطلاق الإدعاءات المطمئنة الى إستقرارها كحقائق نهائية في "قلوب" مصدقيها مهما كان مستوى لامنطقيتها ولاواقعيتها, مستندة في ذلك الى حجية المصدر وهالته المستمدة من مرجعيانيته الحركية والطائفية من جهة والإفتراض المتضمن لمحدودية عقل المتلقي ولامحدودية قابليته التصديقية . هذه الظاهرة هي نتاج وايضا تعبير عن الوضعية السائدة الآن والتي يمكن تعريفها بحالة غياب العالم والفيلسوف وحلول رجل الدين مكانهما, بما يمكن وصفه بأبرز علامات وتجليات مرحلة حضارة الكهنة التي تنحدر الأوضاع العامة في المنطقة بإطراد لجهة إكتمال شمولها. في سياق ذلك ينتصب -وحده- الشيخ او المفتي مفتيا في كل شيء من ادق التخصصات الطبية وعلوم الأحياء الى مختلف فروع الفيزياء او علوم الفضاء, ويستطيع بكل إطمئنان ان ينخرط في مناقشة آخر الإكتشافات العلمية وأحدث الإختراعات والتطبيقات التكنولوجية في الغرب ويردها الى "أصولها" المدعاة, حيث دائما ما يكون الإسلام- وفق ذلك المنظور- قد سبق وعرفها قبل أربعة عشر قرنا, وذلك دون ان يرف له جفن. اما في مثل حالة القضية التي نحن بصددها فإن ما يصدر عن الشيخ/المفتي يعتبر ضمن هذا السياق القول النهائي والفصل. هذه الوضعية المعقدة والمسطحة في الآن نفسه هي التي سمحت لفضيلة الشيخ القرضاوي ان يعتمد بكل أريحية وبساطة على منهج العنعنة في محاولة إثباته لواقعة يفترض في حالة صحتها ان تشكل حدثا مفصليا في تاريخ الماركسية والفكر الإشتراكي الحديث, بأهمية إعتناق فيلسوف المادية الجدلية والمادية التاريخية للإسلام (او أي دين آخر) بما يعني القطع التام مع أسس الفلسفة المادية, وذلك من خلال الإشارة الى النقول عن الدكتور رشدي فكار. دعوى "إسلام" ماركس تأتي اذا في هذا السياق وهي تندرج ضمن دعاوى أخرى مشابهة وعديدة يقيمها الأصوليون وتشكل سلسلة الدعائيات الدعووية التي لاتنقطع, معلنة اسلام أحد المشاهير من نجوم الفن او الرياضة والمجتمع في الغرب وكذلك العلماء والباحثين..الخ . لكن تتميز هذه الدعوى بخصوصية مايمثله اسم كارل ماركس بكل حمولته سياسيا ودينيا. لذا شكل هذا "الرأسمال" الرمزي لماركس و"فائض قيمته" المضافة ب"إسلامه" الدافع الحافز لهذه الدعوى الجامحة. فالغاية طبعا ليست حث المؤمنين على صالح الدعاء لماركس (وكذلك عفلق) بأن يدخله الله الجنة وانما هو رهان إمكانية أسلمة التيار الذي يمثله في المنطقة او بالأحرى وراثته من قبل الأصولية الصاعدة, بعد أن ولى عهد سيطرة اليسار على الساحة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي( في الواقع وعلى الأرض لا خلاف اليوم على انه تشكل ذات أحزمة الفقر ومدن الصفيح متن القاعدة الإجتماعية التي تراهن عليها قوى الإسلام السياسي في ظل واقع اجتماعي تحللت وذابت فيه الطبقة الوسطي في كثير من مجتمعات المنطقة العربية والإسلامية). ويمكن ايضا النظر الى هذه الدعوى من زاوية مساعي الأصوليين لإيجاد وتحضير القاعدة الشرعية اللازمة لتوطيد التحالف مع بعض قوى اليسار في ظل اوضاع محلية وعالمية مضطربة. و العكس في حالة صدام حسين الذي كان يحاول كسب ود الأصوليين بحثا عن شرعية إسلاموية لنظامه المنهار حينها. وفي جميع الأحوال فإن الرسالة السياسية المضمنة لجماهير اليسار هنا مبسطة جدا ومفادها؛ عليكم يا معشر اليسارين أن تحذو حذو ماركس المؤمن وتنحازوا الى "الحركات الناجية". من جانب آخر فإن أسلمة ماركس تأتي كتتويج لموسم "هجرة" الكثيرين من رموز اليسار والعلمانية في المنطقة الذين اكملوا رحلة الإياب الى رحاب الأسلام السياسي وهي ضرورية بشكل خاص لهولاء "التائبين" وهم كثر حتى تطمئن قلوبهم ويطيب مقامهم. مثلما هي ايضا ضرورية لتعزير و توطئة الفرشة الشرعية للتحالف القائم الآن بين الأصولين وبعض اليساريين, والذي يضم أشخاصا وجهات تشمل حزب الله , شافيز, أحمدي نجاد , حماس, عمر البشير وكاسترو..الخ, مدعوما في كثير من المواقف من قبل الصين الشيوعية. والعداء المعلن لأمريكا و الغرب هو ما يجمع هولاء "المؤمنين" وسبحان مقلب القلوب. ولما كانت مثل هذه القصة لا تكتمل بطبيعتها وبحكم الجنس الذي تنتمي اليه, بدون أن تتضمن عنصر المؤامرة, لم يكتف الشيخ الجليل بمزاعم مدح ماركس للإسلام وانما زاد عليها إتهامه العلمانين بأنهم مع علمهم بذلك " يخفون مثل هذه الحقائق لئلا تنسف ما هم عليه". وهو إتهام صريح للشيوعين في المنطقة بإخفائهم حقدا وتآمرا حقيقة "إسلام" كارل ماركس التي يعلمونها تمام العلم عن الجماهير, حتى لا تنفض قواعدهم من حولهم. الكاتب من جانبه يحيل هذا الإتهام الخطير للأستاذ محمد ابراهيم نقد السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني, أحد أهم وأكبر الأحزاب الشيوعية في المنطقة العربية والأفريقية, للرد عليه.
ميشيل عفلق, إسلام بأثر رجعي:
اعلن صدام حسين إسلام ميشيل عفلق غداة وفاته في يونيو1989. فالرجل الذي لم يشهر "إسلامه" بنفسه, وظل مسيحيا طوال حياته, تولى صدام المهمة بالنيابة عنه بمجرد وفاته. الواقع انه توجد كثير من الدلائل التي تشكك في هذا الإعلان الرسمي, مثلما ينفيه عدد من المقربين من عفلق. وحتى أفراد أسرته الذين كانوا الى جواره في ايامه الأخيرة في المستشفي في باريس وحتى لحظة رحيله, لم يذكروا بأنه اسلم في لحظاته الأخيرة او ترك أي وصية تتعلق بذلك عند وفاته. ففي الحوار الذي اجراه الصحفي غسان شربل مع رزان ميشال عفلق لصحيفة الحياة (5/7/2008م), وعندما وجه لإبنة الراحل هذا السؤال المباشر " هل ترك وصية؟" كانت أجابتها بوضوح: " لا. عند وفاته كانت إلى جانبه والدتي ونحن أولاده الأربعة..الخ" . وعندما سألها بطريقة أكثر مباشرة وتحديدا عما اذا كانت تجزم بأنه اعتنق الإسلام,فإنها لم تجزم بذلك وإنما كانت إجابتها: " هذا ما اعلنه الرئيس صدام حسين والقيادة القومية في بيان بعد وفاته". الطريف في أمر "تطورات" الرواية الرسمية ل" إسلام" ميشيل عفلق انه في عام 1995 وبعد مرور حوالي ستة سنوات على رحيله اعلن صدام حسين للمرة الثانية عن وجود ورقة بخط اليد ترجع للعام 1980 تثبت إسلام الرجل. إلا أن السيد نجيب النعيمي محامي صدام حسين القطري كان قد كشف مؤخرا في تصريح للعربية عن أن صدام حسين أسرّ له ( بعد اعتقاله ) بأنه كان سببًا في اعتناقه - يعني عفلق- للإسلام وإن ذلك تم بعد "حوارات ونقاشات" دارت بينهما.
بعيدا عن هذه "الحكاوي" الرسمية وبعيدا عن اتفاقنا او اختلافنا معها, فالذي لاخلاف عليه هو أن إعتقاد ميشيل عفلق الخاص وإسلامه او عدمه أمر يخصه . لكن هل كان أحد من المدعين او من المعنين بمثل هذه الدعوى معنيا بأمر إيمان ميشيل عفلق او إعتقاده الشخصي؟ المؤكد إن الذي كان يهم صدام حسين هو الإسلام السياسي للرجل . فصدام الحملة الإيمانية كان يرى في مسيحية مؤسس البعث نوعا من الفضيحة التي يجب وأدها والتخلص منها. مثلما كان واضحا ان تلك الحملة الإيمانية لاتكتمل في نظر صدام الا بأسلمة مؤسس البعث نفسه كرمز لتمام أسلمة البعث. الأصوليون الذين ابتهجوا وصفقوا من قبل لتأسلم صدام نفسه, عبروا سريعا عن تلقيهم لفحوى الرسالة, حيث كتب أحد ابرز ممثلي التيار السلفي د. محمد عمارة: " فاعتناق ميشيل عفلق للإسلام، وتدينه به- وهو الأمر الذي نصدقه ورفاقه فيه، ونسعد به كل السعادة- ليس بالأمر الذي يمر عليه أهل الفكر مرورهم على اعتناق "أحد من الناس" دين الإسلام..". وأضاف ايضا "...كانت القضية أكبر من اهتداء قائد ومفكر إلى دين الإسلام.. وغدت تحولا في المشروع القومي الذي صاغه هذا المفكر، والذي تبناه، ولا يزال، تيار فكرى وسياسي مؤثر في واقعنا الفكري والسياسي". الواقع ان ذلك التحول الإسلاموي الذي عناه محمد عمارة يعني في حالة المشروع القومي إنقلابه على ذاته . فبما أن أسلمة القومية لابد ان تأخذ بالضرورة لونا طائفيا سنيا "حالة العراق" او شيعيا "الحالة السورية" وذلك تبعا لمذهب الحاكم بأمره, فإن أسملة القومية تعني بذلك تطييفها ( في نظر نسبة مقدرة من العراقين, خاصة وسط المسلمين الشيعة وكذلك غير العراقين, يصنف حزب البعث حاليا ضمن القوى السياسية السنية). ويعني ذلك بدورة إنقلاب القومية على ذاتها كرابطة عابرة للطوائف بل الأديان. وفي حالة عفلق ورفاقه الأوائل فإن المجموعة التي اسست حزب البعث في ثلاثينيات القرن الماضي ضمت عددا من الشبان السورين المسيحين والمسلمين الذين لايمكن ان يجمعهم اطار ديني. لذلك تأسس حزب البعث حزبا قوميا علمانيا, مستندا في ذلك الى طبيعة الفكر القومي ومصادره كفكر علماني, قام على طرح الرابطة القومية كبديل للرابطة الدينية "الخلافة الإسلامية" التى كانت تشكل الأطار الأيدولوجي للإستعمار التركي لبلاد الشام والمنطقة العربية. وقد حافظ حزب البعث نسبيا على ذلك الطابع العلماني والتقدمي الحديث منذ بداياته وحتى هزيمة67, حيث بدء تصاعد حمى الأسلام السياسي. ذلك أنه وبينما حافظت خمسينات وستينات القرن الماضي على ذلك الإتجاه اليساري التقدمي " الإشتراكي" العام, فقد ادت الهزائم والإنحرافات والأخفاقات السياسية المتكررة مابعد هزيمة 67 الى إطلاق عملية فك متدرج لإرتباط القومية بقضايا التحرر الاجتماعي والتحديث والعلمانية والديموقراطية، وتقوية ارتباطها بالمقابل بتيارات تسيس الهوية والدين ذات النزعة اليمينية السلفية. وبينما اصبح نظام البعث السوري جزءا عضويا من تحالف إسلاموي أصولي, يشكل هو أحد ركائزه الأساسية بجانب النظام الأيراني وحزب الله اللبناني ويشمل جماعات أصولية أخرى كحركة حماس, فإن مسيرة الإنحدار الإرتدادية تلك بلغت الحضيض مع آخر إنقطاعات بعث صدام حسين, فيما عرف لاحقا بالحملة الأيمانية. فبالإضافة الى تلك العوامل التي افضت الى الإنحسار العام للتيار القومي فإن صدام حسين وبعثه كانت له أسبابه الخاصة. فصدام المفروض عليه الحصار الدولي بعد هزيمته وإخراجه من الكويت, كان يرى في مشروع التهوييس الديني أخر المغامرات التى يمكن ان تمنحه مخرجا من ورطته, من خلال منح نظامه شرعية دينية بعد ان فقد كل مبررات وجوده وقبوله شعبيا وبعد ان استنفد كل كروته السياسية ولم يبق غير أن يجرب ألعاب البهلوانات والحواة وبالعي الأمواس, بتعبير الدكتور حيدر ابراهيم. وللإنصاف فإن صدام حسين لم يكن في ذلك مبتدعا وانما مقلدا و مقتديا بسيرة زعيمين مؤمنين آخرين سبقاه الى رحاب ذلك الضرب من الإيمان السياسي وهما الرئيس المؤمن أنور السادات و"أمام المسلمين مجدد القرن" جعفر نميري. لكن التساؤل يثور حول الأسباب حملت "سادس الخلفاء الراشدين", وهذا هو اللقب الرسمي لصدام حسين المتداول حاليا بين عدد من أنصاره, الى الإعتقاد بإن مصيره سيختلف في المآل النهائي عن مصير الرئيسين المؤمنين الذين سبقاه الى ركوب موجة الإسلام السياسي. وفي السياق العراقي المتفرد جأءت الحملة الإيمانية كتتويج لحملات متنوعة ومتلاحقة, هدفت لتصفية المخالفين وغيرهم من المغضوب عليهم وتغيير بنية الحزب وإعادة صياغته بما يتناسب وإحتياجات الزعيم الأحد ومقربيه, وبالنتيجة وبالتدريج تحول حزب البعث العراقي في نهاية المطاف الى مجرد جيب عشائري إسلاموي سني, كمعادل للفرع الطائفي الآخر الحاكم في سوريا. لم تقتصر عناوين الحملة الإيمانية على كتابة "الله أكبر" على العلم العراقي وإدعاء صدام حسين الإنتساب الى الدوحة النبوية وانما امتدت لتشمل أسلمة مناهج التعليم والتوسع في انشاء مؤسسات التعليم الديني بل وفرض المادة الدينية في مقررات التثقيف الداخلى في حزب البعث. وشملت ايضا تطبيق الحدود و العقوبات الإسلامية حيث قطعت الرؤس وعلقت على مداخل أبواب أصحابها, كما كان الحجاج بن يوسف الثقفي يفعل قبل أكثر من ألف عام (مع فرادة إضافة حد شرعي جديد وهو قطع الأذنين كعقوبة للفارين من الخدمة العسكرية). وكذلك تمت أسلمة النظام المصرفي /انشاء المصارف المسماة إسلامية/أسلمة وسائل الأعلام / تكثيف الرطانة الدينية في متن الخطاب السياسي الرسمي..الخ. الا أن الطريف في أمر تلك الحملة "الإيمانية" انها لم تخل من بعض إشراقات صوفية. فنائب صدام حسين عزت الدوري والذي- وبالإضافة الى ألقاب جهادية أخرى عديدة- يحمل الآن لقب قائد رجال الطريقة النقشبندية, كان هو القائد الثاني لهذه الحملة (عرف عن عزت الدوري إطلاقه لقب أم المؤمنين على السيدة ساجدة خيرالله, زوجة صدام حسين في سياق تلك الحملة). حالة الجذب الصوفي هذه ربما تقدم لنا المفتاح الذي يفسر سبب بناء ضريح ل"أحمد" عفلق شبيه بمزارات الأولياء. أجمالا فان تلك الحملة "الإيمانية" قد هدفت الى القضاء على آخر ما تبقى من مظاهر العلمانية في الدولة والحزب والتي كانت تشكل بدورها آخر مظاهر الدولة المدنية الحديثة في عراق صدام حسين. ذلك لأن شطب العلمانية لايعني في التحليل النهائي مجرد التخلي عن فصل الدين عن الدولة, فالعلمانية ليست مجرد أداة او آلية لفصل الدين عن السياسة وانما هي ركن الحداثة والتنوير وشرط الديمقراطية وحقوق الأنسان. مثلما ان صعود قوى الإرهاب والتطرف الديني والإنقسام الطائفي التي سيطرت على عراق ما بعد صدام حسين وتشتغل الآن على تمزيق نسيجه الديني والثقافي والقومي على أسس طائفية, هو من بعض ثمار ما غرسته تلك الحملة الإيمانية واخواتها. خلاصة, هذه الخلفية الأسلاموية ضرورية لفهم الملابسات التي ادت الى الإعلان رسميا عن إسلام ميشيل عفلق.
السؤال الذي يطرح نفسه, بعد إعلان "إسلام" كارل ماركس ومن قبله "إسلام" ميشيل عفلق وهما رمزا اليسار في خارطة السياسة في المنطقة العربية والإسلامية, هل نتوقع ان يخرج علينا غدا من يعلن إسلام بابا الفاتيكان ؟
Nasif Ahmed [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.