ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    علامات فى العينين تساعد على اكتشاف الإصابة ب 3 أمراض مختلفة    مدينة على القمر خلال 10 سنوات.. هل يتراجع حلم المريخ؟    رئيس الوزراء يتوجه إلى ألمانيا مترأساً وفد السودان المشارك في أعمال الدورة 62 لمؤتمر ميونيخ للأمن    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الحكومة تؤكد عودتها الكاملة إلى الخرطوم.. ولقاء حاشد للإعيسر مع الجالية السودانية بالكويت يعكس التفافاً وطنياً واسعاً    الفنانة شيماء سيف: من ساعة ما حجيت ونفسي اتنقب واختفي    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ما بين دعوى إسلام كارل ماركس ودعوى إسلام ميشيل عفلق ... بقلم: ناصف بشير الأمين
نشر في سودانيل يوم 19 - 05 - 2010

لا تقتصر المشتركات بين دعوى "إسلام" فيلسوف المادية التاريخية كارل ماركس والتي قال بها الشيخ يوسف القرضاوي (قناة الجزيرة 24/1/2010) و "إسلام" مؤسس حزب البعث ميشيل عفلق الذي كان قد اعلنه من قبل الرئيس الراحل صدام حسين (24/6/1989) على كونهما تشكلان مثالا صافيا ونموذجيا لدعاوى الأسلمة السياسية للأفراد المتحركة بدافع الأهداف الدعائية والأيدولوجية, والتي لا علاقة لها قطعا بالجانب الروحي للدين. كذلك يجمع بين الدعويين ضخامة الإدعاء بالنظر لما يمثلة الرجلين فكريا. الإدعاءان ايضا نتاج بيئة سياسية واجتماعية ومرحلة تاريخية واحدة, وهي التي يمكن تعريفها بمرحلة صعود الأصولية وإسلام السياسة والتى تشكل مثل هذه الدعاوى مثالا لأبرز تجلياتها. لايغير من ذلك التعارض الظاهري بين واقعة محاولة الأصولية "الإستيلاء" على ماركس في حالة الشيخ القرضاوي, في حين ان صدام حسين هو من ابرم صفقة " بيع" ميشيل عفلق للأصولين مقابل دعمهم له ابان محنته السياسية, فالنتيجة العملية المبتغاة واحدة وهي ايلولة الماركة الرمزية الخاصة بالرجلين الى مخزن الأصولية ومن ثم توظيفها بالطريقة التي تخدم أجندتها إستنادا الى دعاوى "إسلامهما".
"إسلام" كارل ماركس برواية الشيخ القرضاوي:
"إسلام" كارل ماركس او تحوله للفكر الديني اعلنه الشيخ يوسف القرضاوي في حديثه لبرنامج الشريعة والحياة بقناة الجزيرة (24/1/2010), والنص التالي منقول حرفيا من موقع القرضاوي على الإنترنت (28/4/2010): ( أكد العلامة الدكتور يوسف القرضاوي أن "كارل ماركس، المنظر الفكري للفلسفة الاشتراكية الوضعية، قد مدح الإسلام في آخر حياته، وكانت له آراء تؤكد ضرورة الدين في حياة الإنسان، كما نقل عنه ذلك الدكتور رشدي فكار، رحمه الله، لكن العلمانيين يخفون مثل هذه الحقائق لئلا تنسف ما هم عليه. "). اللافت في حديث "إسلام" كارك ماركس هو الطريقة الأستعراضية القائمة على إستراتيجية حرية إطلاق الإدعاءات المطمئنة الى إستقرارها كحقائق نهائية في "قلوب" مصدقيها مهما كان مستوى لامنطقيتها ولاواقعيتها, مستندة في ذلك الى حجية المصدر وهالته المستمدة من مرجعيانيته الحركية والطائفية من جهة والإفتراض المتضمن لمحدودية عقل المتلقي ولامحدودية قابليته التصديقية . هذه الظاهرة هي نتاج وايضا تعبير عن الوضعية السائدة الآن والتي يمكن تعريفها بحالة غياب العالم والفيلسوف وحلول رجل الدين مكانهما, بما يمكن وصفه بأبرز علامات وتجليات مرحلة حضارة الكهنة التي تنحدر الأوضاع العامة في المنطقة بإطراد لجهة إكتمال شمولها. في سياق ذلك ينتصب -وحده- الشيخ او المفتي مفتيا في كل شيء من ادق التخصصات الطبية وعلوم الأحياء الى مختلف فروع الفيزياء او علوم الفضاء, ويستطيع بكل إطمئنان ان ينخرط في مناقشة آخر الإكتشافات العلمية وأحدث الإختراعات والتطبيقات التكنولوجية في الغرب ويردها الى "أصولها" المدعاة, حيث دائما ما يكون الإسلام- وفق ذلك المنظور- قد سبق وعرفها قبل أربعة عشر قرنا, وذلك دون ان يرف له جفن. اما في مثل حالة القضية التي نحن بصددها فإن ما يصدر عن الشيخ/المفتي يعتبر ضمن هذا السياق القول النهائي والفصل. هذه الوضعية المعقدة والمسطحة في الآن نفسه هي التي سمحت لفضيلة الشيخ القرضاوي ان يعتمد بكل أريحية وبساطة على منهج العنعنة في محاولة إثباته لواقعة يفترض في حالة صحتها ان تشكل حدثا مفصليا في تاريخ الماركسية والفكر الإشتراكي الحديث, بأهمية إعتناق فيلسوف المادية الجدلية والمادية التاريخية للإسلام (او أي دين آخر) بما يعني القطع التام مع أسس الفلسفة المادية, وذلك من خلال الإشارة الى النقول عن الدكتور رشدي فكار. دعوى "إسلام" ماركس تأتي اذا في هذا السياق وهي تندرج ضمن دعاوى أخرى مشابهة وعديدة يقيمها الأصوليون وتشكل سلسلة الدعائيات الدعووية التي لاتنقطع, معلنة اسلام أحد المشاهير من نجوم الفن او الرياضة والمجتمع في الغرب وكذلك العلماء والباحثين..الخ . لكن تتميز هذه الدعوى بخصوصية مايمثله اسم كارل ماركس بكل حمولته سياسيا ودينيا. لذا شكل هذا "الرأسمال" الرمزي لماركس و"فائض قيمته" المضافة ب"إسلامه" الدافع الحافز لهذه الدعوى الجامحة. فالغاية طبعا ليست حث المؤمنين على صالح الدعاء لماركس (وكذلك عفلق) بأن يدخله الله الجنة وانما هو رهان إمكانية أسلمة التيار الذي يمثله في المنطقة او بالأحرى وراثته من قبل الأصولية الصاعدة, بعد أن ولى عهد سيطرة اليسار على الساحة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي( في الواقع وعلى الأرض لا خلاف اليوم على انه تشكل ذات أحزمة الفقر ومدن الصفيح متن القاعدة الإجتماعية التي تراهن عليها قوى الإسلام السياسي في ظل واقع اجتماعي تحللت وذابت فيه الطبقة الوسطي في كثير من مجتمعات المنطقة العربية والإسلامية). ويمكن ايضا النظر الى هذه الدعوى من زاوية مساعي الأصوليين لإيجاد وتحضير القاعدة الشرعية اللازمة لتوطيد التحالف مع بعض قوى اليسار في ظل اوضاع محلية وعالمية مضطربة. و العكس في حالة صدام حسين الذي كان يحاول كسب ود الأصوليين بحثا عن شرعية إسلاموية لنظامه المنهار حينها. وفي جميع الأحوال فإن الرسالة السياسية المضمنة لجماهير اليسار هنا مبسطة جدا ومفادها؛ عليكم يا معشر اليسارين أن تحذو حذو ماركس المؤمن وتنحازوا الى "الحركات الناجية". من جانب آخر فإن أسلمة ماركس تأتي كتتويج لموسم "هجرة" الكثيرين من رموز اليسار والعلمانية في المنطقة الذين اكملوا رحلة الإياب الى رحاب الأسلام السياسي وهي ضرورية بشكل خاص لهولاء "التائبين" وهم كثر حتى تطمئن قلوبهم ويطيب مقامهم. مثلما هي ايضا ضرورية لتعزير و توطئة الفرشة الشرعية للتحالف القائم الآن بين الأصولين وبعض اليساريين, والذي يضم أشخاصا وجهات تشمل حزب الله , شافيز, أحمدي نجاد , حماس, عمر البشير وكاسترو..الخ, مدعوما في كثير من المواقف من قبل الصين الشيوعية. والعداء المعلن لأمريكا و الغرب هو ما يجمع هولاء "المؤمنين" وسبحان مقلب القلوب. ولما كانت مثل هذه القصة لا تكتمل بطبيعتها وبحكم الجنس الذي تنتمي اليه, بدون أن تتضمن عنصر المؤامرة, لم يكتف الشيخ الجليل بمزاعم مدح ماركس للإسلام وانما زاد عليها إتهامه العلمانين بأنهم مع علمهم بذلك " يخفون مثل هذه الحقائق لئلا تنسف ما هم عليه". وهو إتهام صريح للشيوعين في المنطقة بإخفائهم حقدا وتآمرا حقيقة "إسلام" كارل ماركس التي يعلمونها تمام العلم عن الجماهير, حتى لا تنفض قواعدهم من حولهم. الكاتب من جانبه يحيل هذا الإتهام الخطير للأستاذ محمد ابراهيم نقد السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني, أحد أهم وأكبر الأحزاب الشيوعية في المنطقة العربية والأفريقية, للرد عليه.
ميشيل عفلق, إسلام بأثر رجعي:
اعلن صدام حسين إسلام ميشيل عفلق غداة وفاته في يونيو1989. فالرجل الذي لم يشهر "إسلامه" بنفسه, وظل مسيحيا طوال حياته, تولى صدام المهمة بالنيابة عنه بمجرد وفاته. الواقع انه توجد كثير من الدلائل التي تشكك في هذا الإعلان الرسمي, مثلما ينفيه عدد من المقربين من عفلق. وحتى أفراد أسرته الذين كانوا الى جواره في ايامه الأخيرة في المستشفي في باريس وحتى لحظة رحيله, لم يذكروا بأنه اسلم في لحظاته الأخيرة او ترك أي وصية تتعلق بذلك عند وفاته. ففي الحوار الذي اجراه الصحفي غسان شربل مع رزان ميشال عفلق لصحيفة الحياة (5/7/2008م), وعندما وجه لإبنة الراحل هذا السؤال المباشر " هل ترك وصية؟" كانت أجابتها بوضوح: " لا. عند وفاته كانت إلى جانبه والدتي ونحن أولاده الأربعة..الخ" . وعندما سألها بطريقة أكثر مباشرة وتحديدا عما اذا كانت تجزم بأنه اعتنق الإسلام,فإنها لم تجزم بذلك وإنما كانت إجابتها: " هذا ما اعلنه الرئيس صدام حسين والقيادة القومية في بيان بعد وفاته". الطريف في أمر "تطورات" الرواية الرسمية ل" إسلام" ميشيل عفلق انه في عام 1995 وبعد مرور حوالي ستة سنوات على رحيله اعلن صدام حسين للمرة الثانية عن وجود ورقة بخط اليد ترجع للعام 1980 تثبت إسلام الرجل. إلا أن السيد نجيب النعيمي محامي صدام حسين القطري كان قد كشف مؤخرا في تصريح للعربية عن أن صدام حسين أسرّ له ( بعد اعتقاله ) بأنه كان سببًا في اعتناقه - يعني عفلق- للإسلام وإن ذلك تم بعد "حوارات ونقاشات" دارت بينهما.
بعيدا عن هذه "الحكاوي" الرسمية وبعيدا عن اتفاقنا او اختلافنا معها, فالذي لاخلاف عليه هو أن إعتقاد ميشيل عفلق الخاص وإسلامه او عدمه أمر يخصه . لكن هل كان أحد من المدعين او من المعنين بمثل هذه الدعوى معنيا بأمر إيمان ميشيل عفلق او إعتقاده الشخصي؟ المؤكد إن الذي كان يهم صدام حسين هو الإسلام السياسي للرجل . فصدام الحملة الإيمانية كان يرى في مسيحية مؤسس البعث نوعا من الفضيحة التي يجب وأدها والتخلص منها. مثلما كان واضحا ان تلك الحملة الإيمانية لاتكتمل في نظر صدام الا بأسلمة مؤسس البعث نفسه كرمز لتمام أسلمة البعث. الأصوليون الذين ابتهجوا وصفقوا من قبل لتأسلم صدام نفسه, عبروا سريعا عن تلقيهم لفحوى الرسالة, حيث كتب أحد ابرز ممثلي التيار السلفي د. محمد عمارة: " فاعتناق ميشيل عفلق للإسلام، وتدينه به- وهو الأمر الذي نصدقه ورفاقه فيه، ونسعد به كل السعادة- ليس بالأمر الذي يمر عليه أهل الفكر مرورهم على اعتناق "أحد من الناس" دين الإسلام..". وأضاف ايضا "...كانت القضية أكبر من اهتداء قائد ومفكر إلى دين الإسلام.. وغدت تحولا في المشروع القومي الذي صاغه هذا المفكر، والذي تبناه، ولا يزال، تيار فكرى وسياسي مؤثر في واقعنا الفكري والسياسي". الواقع ان ذلك التحول الإسلاموي الذي عناه محمد عمارة يعني في حالة المشروع القومي إنقلابه على ذاته . فبما أن أسلمة القومية لابد ان تأخذ بالضرورة لونا طائفيا سنيا "حالة العراق" او شيعيا "الحالة السورية" وذلك تبعا لمذهب الحاكم بأمره, فإن أسملة القومية تعني بذلك تطييفها ( في نظر نسبة مقدرة من العراقين, خاصة وسط المسلمين الشيعة وكذلك غير العراقين, يصنف حزب البعث حاليا ضمن القوى السياسية السنية). ويعني ذلك بدورة إنقلاب القومية على ذاتها كرابطة عابرة للطوائف بل الأديان. وفي حالة عفلق ورفاقه الأوائل فإن المجموعة التي اسست حزب البعث في ثلاثينيات القرن الماضي ضمت عددا من الشبان السورين المسيحين والمسلمين الذين لايمكن ان يجمعهم اطار ديني. لذلك تأسس حزب البعث حزبا قوميا علمانيا, مستندا في ذلك الى طبيعة الفكر القومي ومصادره كفكر علماني, قام على طرح الرابطة القومية كبديل للرابطة الدينية "الخلافة الإسلامية" التى كانت تشكل الأطار الأيدولوجي للإستعمار التركي لبلاد الشام والمنطقة العربية. وقد حافظ حزب البعث نسبيا على ذلك الطابع العلماني والتقدمي الحديث منذ بداياته وحتى هزيمة67, حيث بدء تصاعد حمى الأسلام السياسي. ذلك أنه وبينما حافظت خمسينات وستينات القرن الماضي على ذلك الإتجاه اليساري التقدمي " الإشتراكي" العام, فقد ادت الهزائم والإنحرافات والأخفاقات السياسية المتكررة مابعد هزيمة 67 الى إطلاق عملية فك متدرج لإرتباط القومية بقضايا التحرر الاجتماعي والتحديث والعلمانية والديموقراطية، وتقوية ارتباطها بالمقابل بتيارات تسيس الهوية والدين ذات النزعة اليمينية السلفية. وبينما اصبح نظام البعث السوري جزءا عضويا من تحالف إسلاموي أصولي, يشكل هو أحد ركائزه الأساسية بجانب النظام الأيراني وحزب الله اللبناني ويشمل جماعات أصولية أخرى كحركة حماس, فإن مسيرة الإنحدار الإرتدادية تلك بلغت الحضيض مع آخر إنقطاعات بعث صدام حسين, فيما عرف لاحقا بالحملة الأيمانية. فبالإضافة الى تلك العوامل التي افضت الى الإنحسار العام للتيار القومي فإن صدام حسين وبعثه كانت له أسبابه الخاصة. فصدام المفروض عليه الحصار الدولي بعد هزيمته وإخراجه من الكويت, كان يرى في مشروع التهوييس الديني أخر المغامرات التى يمكن ان تمنحه مخرجا من ورطته, من خلال منح نظامه شرعية دينية بعد ان فقد كل مبررات وجوده وقبوله شعبيا وبعد ان استنفد كل كروته السياسية ولم يبق غير أن يجرب ألعاب البهلوانات والحواة وبالعي الأمواس, بتعبير الدكتور حيدر ابراهيم. وللإنصاف فإن صدام حسين لم يكن في ذلك مبتدعا وانما مقلدا و مقتديا بسيرة زعيمين مؤمنين آخرين سبقاه الى رحاب ذلك الضرب من الإيمان السياسي وهما الرئيس المؤمن أنور السادات و"أمام المسلمين مجدد القرن" جعفر نميري. لكن التساؤل يثور حول الأسباب حملت "سادس الخلفاء الراشدين", وهذا هو اللقب الرسمي لصدام حسين المتداول حاليا بين عدد من أنصاره, الى الإعتقاد بإن مصيره سيختلف في المآل النهائي عن مصير الرئيسين المؤمنين الذين سبقاه الى ركوب موجة الإسلام السياسي. وفي السياق العراقي المتفرد جأءت الحملة الإيمانية كتتويج لحملات متنوعة ومتلاحقة, هدفت لتصفية المخالفين وغيرهم من المغضوب عليهم وتغيير بنية الحزب وإعادة صياغته بما يتناسب وإحتياجات الزعيم الأحد ومقربيه, وبالنتيجة وبالتدريج تحول حزب البعث العراقي في نهاية المطاف الى مجرد جيب عشائري إسلاموي سني, كمعادل للفرع الطائفي الآخر الحاكم في سوريا. لم تقتصر عناوين الحملة الإيمانية على كتابة "الله أكبر" على العلم العراقي وإدعاء صدام حسين الإنتساب الى الدوحة النبوية وانما امتدت لتشمل أسلمة مناهج التعليم والتوسع في انشاء مؤسسات التعليم الديني بل وفرض المادة الدينية في مقررات التثقيف الداخلى في حزب البعث. وشملت ايضا تطبيق الحدود و العقوبات الإسلامية حيث قطعت الرؤس وعلقت على مداخل أبواب أصحابها, كما كان الحجاج بن يوسف الثقفي يفعل قبل أكثر من ألف عام (مع فرادة إضافة حد شرعي جديد وهو قطع الأذنين كعقوبة للفارين من الخدمة العسكرية). وكذلك تمت أسلمة النظام المصرفي /انشاء المصارف المسماة إسلامية/أسلمة وسائل الأعلام / تكثيف الرطانة الدينية في متن الخطاب السياسي الرسمي..الخ. الا أن الطريف في أمر تلك الحملة "الإيمانية" انها لم تخل من بعض إشراقات صوفية. فنائب صدام حسين عزت الدوري والذي- وبالإضافة الى ألقاب جهادية أخرى عديدة- يحمل الآن لقب قائد رجال الطريقة النقشبندية, كان هو القائد الثاني لهذه الحملة (عرف عن عزت الدوري إطلاقه لقب أم المؤمنين على السيدة ساجدة خيرالله, زوجة صدام حسين في سياق تلك الحملة). حالة الجذب الصوفي هذه ربما تقدم لنا المفتاح الذي يفسر سبب بناء ضريح ل"أحمد" عفلق شبيه بمزارات الأولياء. أجمالا فان تلك الحملة "الإيمانية" قد هدفت الى القضاء على آخر ما تبقى من مظاهر العلمانية في الدولة والحزب والتي كانت تشكل بدورها آخر مظاهر الدولة المدنية الحديثة في عراق صدام حسين. ذلك لأن شطب العلمانية لايعني في التحليل النهائي مجرد التخلي عن فصل الدين عن الدولة, فالعلمانية ليست مجرد أداة او آلية لفصل الدين عن السياسة وانما هي ركن الحداثة والتنوير وشرط الديمقراطية وحقوق الأنسان. مثلما ان صعود قوى الإرهاب والتطرف الديني والإنقسام الطائفي التي سيطرت على عراق ما بعد صدام حسين وتشتغل الآن على تمزيق نسيجه الديني والثقافي والقومي على أسس طائفية, هو من بعض ثمار ما غرسته تلك الحملة الإيمانية واخواتها. خلاصة, هذه الخلفية الأسلاموية ضرورية لفهم الملابسات التي ادت الى الإعلان رسميا عن إسلام ميشيل عفلق.
السؤال الذي يطرح نفسه, بعد إعلان "إسلام" كارل ماركس ومن قبله "إسلام" ميشيل عفلق وهما رمزا اليسار في خارطة السياسة في المنطقة العربية والإسلامية, هل نتوقع ان يخرج علينا غدا من يعلن إسلام بابا الفاتيكان ؟
Nasif Ahmed [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.