وزيرة الخارجية: التعنُّت الإثيوبي حَالَ دُون الاستفادة من سد النهضة    مجلس الوزراء يستعرض تقارير حول الوضع الأمني    في ذكرى فض الاعتصام.. أسر الشهداء تتمسك بإقامة محاكم بمعايير دولية    خُطة لإجلاء السودانيين من تشاد    سعر الدولار في السودان اليوم الأربعاء 21 أبريل 2021    ارتفاع غير مسبوق في الأدوات الكهربائية    مطالب بإنهاء الاحتكاك بين الرعاة والمزارعين بكردفان    مزارعو الجزيرة: عدم امتلاك البنك الزراعي للموازين يسبب لنا خسائر فادحة    الساقية لسه مدوره !    مصير مجهول لإعداد المريخ وتأجيل للمعسكر    "سبورتاق" ينفرد بتفاصيل اجتماع "الفيفا" و"شداد"    توقيف (15) موظفاً في قضية حريق إدارة الاستثمار بالجزيرة    هدى عربي .. سوبر ستار    وفاة استشاري الطبّ الشرعي والعدلي علي الكوباني    الانتباهة: القبض على أعضاء هيئة دفاع المتهمين في انقلاب الإنقاذ    الشيوعي: تدهور الأوضاع الأمنية يُصعِّب من إجراء انتخابات قومية    السودان يجذب استثمارات ب100 مليار دولار بعد إلغاء قانون عمره 63 عاما    قسم المعلومات بالجنائية يكشف حقيقة علمه بأن المحكمة لم تطلب تسليمها البشير    السوداني: مدير الطبّ العدلي: دفن 10 من الجثث المتحلّلة اليوم    كَشْف حَال…!    عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة اليوم"الأربعاء" 21 أبريل 2021    واتساب "الوردي".. تحذير من الوقوع في فخ القراصنة    أبرز عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة يوم الأربعاء الموافق 21 أبريل 2021م    الموت يغيب الشاعر د. علي الكوباني    إسماعيل حسب الدائم يقدم المدائح عقب الإفطار    وفاة الدكتور علي الكوباني    السودان.."9″ ولايات تتسلّم لقاح تطعيم"كورونا"    صور دعاء 10 رمضان 2021 | صور دعاء اليوم العاشر من شهر رمضان الكريم    الجبهة الوطنية العريضة تطالب بالتحقيق في قضية الجثث المجهولة    لجان المقاومة تتمسك بالتصعيد حتى حل مشكلة الجثث    مسلحون يطلقون النار على سيارة ركاب قرب كادوقلي    عودة أسهم "سوداتل" للتداول في سوق أبوظبي للأوراق المالية    شركة الكهرباء تنفي عودة البرمجة وتعزو القطوعات إلى بعض الأعطال    السودان يسمح بممارسة الأنشطة المصرفية غير الاسلامية    مقتل جورج فلويد: إدانة الشرطي السابق ديريك شوفين في القضية    بالفيديو: جامع زوجته ولم يغتسل إلا بعد الفجر فما حكم صيامه؟.. أمين الفتوى يجيب    احذر .. لهذه الأسباب لا يجب النوم بعد السحور مباشرة    للمدخنين.. هذا ما تفعله سيجارة بعد الإفطار بصحتك    وفاة خالد مقداد مؤسس قناة طيور الجنة بالكورونا    تسريبات تكشف مواصفات قياسية ل هواتف Honor 50    تجميد مشروع دوري السوبر الأوروبي (بي إن سبورتس)    شاهد بالفيديو.. الفنان محمد بشير (الدولي) يعيش حالة من الرعب والذعر بعد تورطه في قتل مرافقة له بالقاهرة    رسميًا: انسحاب أندية البريميرليج من دوري السوبر الجديد    الطاقة و النفط تُعلن عن ضخ كميات مقدرة من الوقود للعاصمة والولايات    المريخ يُسجل هداف دوري الأولى العاصمي (الحلنقي)    أمريكا تعلق على أحداث تشاد    صور دعاء 9 رمضان 2021 دعاء اليوم التاسع من رمضان الكريم مكتوب    مورينهو يدرب الامل في (6) فترات    لخلق روتين صحي للنوم المبكر.. اتبعي هذه النصائح    إجتماع الفيفا مع رئيس المريخ والإتحاد يسفر عن خارطة طريق جديدة يضعها النادي بعد زوال الأسباب الأمنية والصحية    كورونا في رمضانها الثاني على التوالي    أهمها أداة تعقب وآيباد جديد.. هذا ما نتوقعه في مؤتمر آبل    يؤدي للغيبوبة خلال 48 ساعة.. السلطات المصرية تُحذر من فيروس "نيباه"    تراجع أسعار الذهب مع تعافي عائدات السندات الأمريكية    جلواك يكشف سبب تغيير "رقية وسراج" في دغوتات    مخرج "أغاني وأغاني" يكشف موقف القناة من أزياء الفنانين    صور دعاء اليوم 8 رمضان 2021 | دعاء اللهم ارزقني فيه رحمة الايتام    إذا زاد الإمام ركعة ماذا يفعل المأموم؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





حول دور الطيران المصري .. ووثائق أبا ... بقلم: رباح الصادق
نشر في سودانيل يوم 24 - 06 - 2010


بسم الله الرحمن الرحيم
شطحات هيكلية (3-6)
تحدثنا في حلقة أولى حول ما ذكره الأستاذ محمد حسنين هيكل في (ساعة مع هيكل.. تجربة حياة) برنامجه الأسبوعي بقناة الجزيرة متطرقا لأحداث الجزيرة أبا وودنوباوي، وفي الحلقة الثانية ذكرنا تفاصيل ما دار بأبا، واليوم نناقش مسألة الدور المصري في قصف أبا، ثم نتطرق لأوجاع حول التاريخ للمجازر والوثائق والأدبيات التي خلفتها.
الإضافة الجديدة لهيكل في ساعته إياها أن مصر لم تشترك في القصف برغم إرسالها نائب الرئيس وقادة من سلاح الطيران. وقد عزا ذلك للنصيحة التي قدمها للرئيس جمال عبد الناصر وأسهب في التعريف بالانفتاح الناصري والمؤسسية التي تحكم عملية اتخاذ القرار لدى ذلك الزعيم ومنها مصادر المعلومات والتقارير، فساعة هيكل هي في حقيقيتها (مغسلة) أسبوعية للتاريخ الناصري – الذي لم يخل من فجائع- مع بهارات ببطولات هيكلية، والحق ليس على هيكل الذي نجح بحياة عبد الناصر أن يحيل الهزيمة الفاجعة والفاجغة في 1967م إلى مجرد (نكسة) تخفيفا لحدتها وابتلع الإعلام ومن بعده التاريخ الطعم، ولكن الحق على "قناة الجزيرة" أن تعطي رواد التزوير الإعلامي مثل هذا العزف المنفرد ليعزفوا على ناي التلبيس والتدليس!
الحجة التي ساقها هيكل في عدم التدخل بالقصف هي أن اشتراك مصر في القصف ضد الشعب في تلك المناطق الحساسة من حوض النيل سيخلق لها مرارة، وقد ساق هيكل ذلك الحديث برأينا بسبب حادثة آنية متعلقة بالجدل الدائر حول مياه النيل الآن، على إثر توقيع ستة من دول حوض النيل لاتفاقية إطارية في مايو الماضي بمعزل عن مصر والسودان، والتدخل العسكري الذي هدد به البعض داخل مصر، وهذا هو مربط الفرس في ساعة هيكل المذكورة، لأنه طفق بعدها يحذر من ضرورة الحذر في التعامل المصري مع هذه المناطق. وفي الحقيقة فإن مطلب هيكل الآني أو نصحه مشروع ومطلوب، ولكن الطريقة التي ساقه بها لم تفلح في إيصال النصح على الأقل للشعب السوداني بقدر ما هي أثارت الحفائظ.
لماذا؟
ليس لأن اشتراك الطيران المصري في الجزيرة أبا هي مما أشار له كثيرون، وصار معلوما بالضرورة حول أحداث أبا، مثلا قال السيد محمد أحمد محجوب آخر رئيس وزراء قبل مايو 1969 في كتابه "الديمقراطية في الميزان" وهو يتحدث عما قام به نظام مايو أول أمره (في 27 آذار أمر طائرات الميغ بقصف الجزيرة بالصواريخ، وفي ذلك الوقت لم يكن السودان يملك طائرات ميغ ولا طيارين يستطيعون قيادتها. مما جعل الكثيرين مقتنعين بأن القصف جرى بطائرات مصرية وطيارين مصريين. وجاء بيان صادر من وزارة الخارجية الليبية في وقت لاحق ليؤكد هذا الاقتناع) (ص 261)، هذا علاوة على ما جاء ضمنا في تاريخ البادي للأحداث. نعم ليس نفي هذه الحقيقة هو سبب الضجة، فقد ذهب مذهب هيكل قبله آخرون أمثال السيد محجوب برير في كتابه (مواقف على درب الزمان)، والدكتور الصادق الهادي وأخوه الأكبر نصر الدين، فهي مسألة وارد فيها الخلاف وينتظر أن تترك للمؤرخين الموضوعيين ليستعينوا بالوثائق والإفادات من صناع الحدث.. المثير برأينا لم يكن الحديث عن عدم اشتراك مصر بالقصف ولكن الطريقة التي رواها بها هيكل ناسبا لنفسه تلك البطولات وذاكرا منطق عدم المشاركة في القصف بالحساسيات في مناطق حوض النيل. ثم ما تلاه من كذب مفضوح حول مقتل الإمام الشهيد.
إذا كانت مصر الرسمية لم تذهب أبدا لنفي مشاركتها بالسبب المذكور وهو سبب لو وجد لحق أن يذاع (أي ضرورة عدم مشاركة دولة في قهر شعب آخر) بل إن ميثاق طرابلس الذي وقع بين كل من السودان ومصر وليبيا في 1969م نص على الدفاع المشترك بين تلك الدول الثلاث في حالة التعرض لغزو أجنبي أو لخطر داخلي. مما يوحي بأن الإحجام عن القصف لو تم فسيبنى على حسابات الجدوى العسكرية فقط وليس خطل مناصرة النظام ضد قطاع شعبي هو في النهاية (خطر داخلي)، ولا شك أن الجزيرة أبا لم تكن ترق كخطر داهم فهي منطقة يسهل عزلها وحصارها ولم تتهيأ لها سبل الاستعداد العسكري الذي يقيم أنفاس الدول! وبرغم ذلك فقد دكت بطيران ومدفعية ثقيلة ضربت بها سرايا الإمام، وجامع الكون، وبيوت المدنيين، ومزارعهم!
إن ذلك الاشتراك سواء جرى أم لم يجر كان تحصيل حاصل بسبب ميثاق طرابلس والمحور الشرقي الذي تم ضمنه، والشعب الذي دك في أبا كان يعلم أن قاتله هو الاستبداد بالرأي والإقصاء المايوي، وقد تعامل الأنصار مع ليبيا القذافي بعدها وتعاونوا، كما فتحوا صدورهم لمصر ولجأوا إليها حينما ضاقت بهم بلادهم، وحتى حينما أبدى المايويون أنفسهم ميلا للحوار جلسوا معهم، لأنه كما قال الإمام المهدي عليه السلام: "الفش غبينته خرب مدينته"، وكما أوصى الإمام الصديق في فراش الموت: (إننا لا نكن عداء خاصاً لأحد وليس لنا مطلب خاص وإن مطلبنا هو مطلب البلاد قاطبة في أن تحكم بالشورى والديمقراطية وأن يعطى الناس الحريات الأساسية فاحرصوا على تحقيق هذه المطالب مهما كلفكم الحرص).
فالدماء التي سالت منا في الجزيرة أبا مبذولة لله وللوطن عربونا لرفعة رايتهما لا خصومة معلقة في وجه الزمان! صحيح إن الدعوة لمقاضاة مجرمي الحرب الذين ارتكبوا المجازر يجب ألا تموت، والدعوة لتوثيق فظاعتها يجب أن تبلغ غاياتها، ولكن الحقيقة حولها ينبغي أن تصير دروسا للمستقبل وعبر، فلا تضيع ضمن المساومات حول الحاضر أو الإرضاءات والتطمينات حوله. الأخوة في مصر يجب ألا يعتقدوا أن الحقيقة حول ما جرى هي جزء من صفقات الحاضر والمستقبل، فتلك أمة قد خلت، لا السودان مسئول عما جنت مايو، ولا مصر مسئولة عما فعلت الناصرية، ولا شعوب حوض النيل ملك لمواقف الحكام.
نظرة للتاريخ وللوثائق
وحينما نذكر الوثائق الخاصة بأبا فإننا لا ننسى أن نشيد بالجهد التوثيقي الضخم الذي قام به الأستاذ صديق البادي في كتابه (أحداث الجزيرة أبا وودنوباوي) فقد حاول فيه حكاية تلك الأحداث الموجعة بدم بارد واستعان بالمؤرخين الشفاهيين وأنت تدهش فعلا للذواكر القوية الحية لتلك الأحداث التي تعد قديمة بمر العقود. ولكنه حينما جاء للوثائق لم يجد سوى وثائق الذين دكوا أبا دكا.
إن أكبر ما تثيره مجازر أبا الآن ليس مواقف الرسميين وأعمالهم التي جاءت ضمن خطة قهرية جربتها المنطقة من شرقيها لغربيها ومن سافلها لصعيدها، ولكن ظلم التاريخ، الظلم البائن الذي تراه حينما تجيل النظر بين الوثائق التي خلفتها الأحداث.. إن وثائق أبا المخلفة مرة، لم تكتف بدفن الآلاف ودك ديارهم، بل بتشويه صورتهم. الصحف اندرجت في مواويل الغثاء المشروخ، تحول الضحية لجلاد، وتحول الشهيد لبغي، وتحول النبل لخيانة، والخيانة لبطولة، والبسالة لخور.. أنت إن قرأت ما جمعه البادي من أقوال وما أورده من بيانات لا بد باك أو مجروح.. كلهم قتلوا الشهداء بعد الدفن معنويا.
مثلا، كنت تقرأ ما نشر للأستاذ إدريس حسن بصحيفة الأيام بعد ثلاثة أيام من المجزرة (3/4/1970) حيث وصف الأحداث وقال إنهم دخلوا الجزيرة حينما كانت الشمس تميل للمغيب وفي مؤخرة الأذهان عشرات الأسئلة التي بددتها زيارتهم قال: (ليس هناك آثار لدمار أو خراب وليس هناك بقايا لآثار معارك عنيفة فإن قوات الأمن لم تستعمل إلا أقل قدر من العنف وهي تستولي على الجزيرة، المنازل قائمة في أماكنها، المواطنون الذين لم يشتركوا في المؤامرة يعيشون حياتهم العادية في بيوتهم ويتجولون في قراهم) (البادي ص 104) وكان إدريس قد زار الجزيرة أبا ضمن وفد الصحفيين مباشرة بعد القصف، ولكنك الآن تسمعه يقول بقناة النيل الأزرق (ببرنامج حتى تكتمل الصورة في 14/6) وفي عينيه نظرة التكفير إنهم حينما ذهبوا لزيارة أبا حجزوهم خارجها ساعات طويلة ولم يسمحوا لهم بالدخول في الحال، وأنه حينما استفسر بعدها بزمان من أحد الضباط المسئولين (التاج حمد) حول سبب ذلك التأخير قال له: كنا مشغولين بدفن الناس بالجرافات وقد كانت أعدادهم مهولة، وما كنا نريدكم أن تشهدوا ذلك المنظر (البشع.. وهذه إضافة مني!)
يجب أن ينضم للأستاذ إدريس حسن الآخرون لا نطلبهم اعتذارا فقط استدراكا كاستدراكه!
يجب أن يكتب تاريخ جديد للأحداث، تاريخ حينما يورد قصائد الأستاذ الزين عباس عمارة:
بارك مولانا غضب الثورة حين تصدت للجلاد
من حمل المدفع باسم الدين أثار الفتنة والأحقاد
أو قصيدة الأستاذ عثمان خالد (أنصاري مطرود من الجنة):
كنا نباع نستذل بالخديعة
أرواحنا كانت لدى أطماعكم وديعة
وكنت يا سيدي الكبير
تبيعنا الجناة بالحياة!
أو قصيدة الأستاذ كمال الجزولي (دفاتر حب لمايو):
ها أنت تعود إذن يا سيدنا
حسنا!! ذلك آخر ما في جعبتنا
أن نقتل أصبح أسهل من إلقاء تحية
أن نطلق في الرأس رصاصة
أن نغرز في الصدر الخنجر
أن نشنق أن نخنق أن نبتر
أن نمسح حد السيف بحد اللحية
أصبح يا سيدنا أسهل من إلقاء تحية!
حينما يورد تلك الأدبيات متعلقة بأبا وهي واردة في كتاب البادي (قصيدة الجزولي ورادة أيضا في كتاب محمد أحمد كرار: سنة أولى مايو، مربوطة بأبا، ولكن البادي يقول إنه زار الجزولي وعلم أنه كتب القصيدة لمايو بعد لقائه بالنميري بروسيا ثم إنه تحول لمعارض لمايو واعتقل في معتقلاتها).. الشاهد، حينما ترد تلك القصائد في أي تاريخ للأحداث يجب أن ترد إلى جانبها قصيدة المرحوم الفضل عبد الحميد في رثاء الإمام الشهيد، وفيها:
يا ابنة النيلين ويحك أذكري فضل الرجال العاملين وقدري
وتناولي كف الإمام وقبلي كفا فدتك من الخطوب الغبر
كفا وفتك الذل من كيد العدا وعقوق بعض من بنيك الفجر
إن نام ناس إن عينك لم تنم عن مجد قومك بالعيون السهّر
وهي القصيدة التي قال البادي في كتابه إنه بحث عنها فلم يجدها..
وليورد التاريخ قصيدة المرحوم مختار محمد مختار:
يا رب أما لليل غد والظلم أليس له أمد
تاهت بالظلمة أعيننا فكأن نهايتها الأبد
قتلوا حفاظ القرآن وصلوهم وابل نيران
قدر مشئوم قد ساقك تحكمنا يا جعفر
جوع وفرار باسمك قد ذهبا باليابس والأخضر
ولا نجدها مكتوبة أو مذكورة في أي مكان.. ترى هل هناك من لا يزال يحفظها؟
ترى أهكذا نحن وأقوالنا وأشعارنا دائما سقط في ذاكرة التاريخ، وتدوّن أقوال وأشعار صائدينا؟
وهل سنظل دوما بلا لسان؟ فُقَرَا، وفُلْسَان!
نواصل بإذن الله،
وليبق ما بيننا
نشرت بصحيفة الأحداث في يوم الثلاثاء 22 يونيو 2010م
بسم الله الرحمن الرحيم
شطحات هيكلية (4-6)
كيف قتل الإمام الشهيد؟
تعرضنا في حلقتنا الأولى لأسئلة يثيرها حديث هيكل المبثوث بقناة الجزيرة حول أحداث الجزيرة أبا، ثم فصلنا حول ما دار في أبا ، ونقول إنه مهما كان من حقيقة اشتراك مصر من عدمه، فإنها مسألة تترك للتاريخ وللمؤرخين لتوضع في إطارها ذلك التاريخي، كما يجب أن يتم التحقيق بشأنها من ناحية إنصاف الضحايا وأهلهم، لكنها –أي مسألة اشتراك النظام المصري الناصري أم عدم اشتراكه- ليست القضية التي يجب أن تحظى اليوم بالمغالطة على النحو الذي دار.. إن الأهم هو لماذا حشر هيكل مسألة مصير الإمام بتلك الطريقة؟ وكانت رسالته (بضرورة الابتعاد عن الحلول العسكرية في حوض النيل) ستصل لو وقف عند حد بطولاته المذكورة. لماذا إذن لم يصمت بعدها عن الحديث المباح ويقول: تصبحوا على خير؟
قال هيكل (في محاولة لرد الاتهام عن مصر بقتل الإمام الهادي) إن الإمام قدمت له "منقة" ملغومة (سوداني مش مصري)!
من قال لهيكل إن مصر اتهمت أصلا بقتل الإمام الهادي؟
من قال لهيكل إن الإمام الهادي مات بمانجو؟
من قال لهيكل إن قضية الإمام الهادي لا زالت مجهولة وإنها انضمت للجرائم الغامضة في التاريخ؟ فتبرع هو بنقل هذه الأقاويل الكذوبة في ساعة معه بقناة الجزيرة؟
دعونا إذن نروي الأحداث:
ملابسات هجرة الإمام
تتابع القصف العشوائي على أبا حتى صبيحة الاثنين 30/3/1970 حيث بدأ منذ الساعة الخامسة صباحا وتواصل حتى بعد المغيب. وفي وقت متأخر من ليل الاثنين قرر مجلس شورى الأنصار أن يغادر الإمام الهادي الجزيرة أبا مهاجرا لأثيوبيا حقنا للدماء، على أن تسلم الجزيرة أبا للقوات المحاصرة بعد ساعات كافية تتيح للمهاجرين وصول الحدود الإثيوبية، وهذا ما تم فتوقف ضرب الجزيرة أبا فجر الثلاثاء 31/3 ودخل قادة الانقلاب الجزيرة أبا وتم احتلالها بالكامل.
توجه الإمام مهاجرا لأثيوبيا واتجه نحو الحدود ومعه تسعة أشخاص عبر الكرمك (وليس كسلا كما قال هيكل)، لينضم لقادة الجبهة الوطنية الذين ينتظرونه في معسكر جبل الرادوك داخل الحدود الأثيوبية (وليس بعيدا عن أنصاره في كردفان ودارفور كما قال هيكل). ثم اختفى ومعه الخال محمد أحمد مصطفى وملازمه سيف الدين الناجي، وعاد سبعة من مرافقيه وقد شاهدوه آخر مرة مصابا بطلق ناري. وكثرت الشائعات بعدها حول مصير الإمام الهادي المهدي، وتحفظ النظام على ما جرى وأطلق معلومات متضاربة مما جعل المسألة فعلا غامضة وغير معلومة التفاصيل. مثلا أذاع النظام عصر الأربعاء 1 أبريل أن الإمام قتل ضمن اشتباكات حدثت في الحدود، ولكن لم يتم أبدا الحديث عن تشييع أو مكان دفن. وانطلقت أقاويل وثارت معتقدات أن الإمام لا زال حيا بدار الهجرة، وطبعت في ذلك ولا زالت تطبع كتب أمثال كتاب (الغربال) أو (وحي المؤمن) يحوي بشارات من رؤى الأحباب المؤمنين بعودة الإمام الهادي ولو بعد حين.
وحينما جرت المصالحة في 1977م بين الجبهة الوطنية والنظام المايوي، أثير الملف بضرورة رد اعتبار الإمام الهادي المهدي وتبيان حقائق ما جرى والسماح للأنصار أن يدفنوه حيث يشاءون، (أنظر كتاب المصالحة الوطنية- 1978) وكان ذلك من ضمن ملفات المصالحة المقبورة.
وبعد قيام انتفاضة رجب/ أبريل المباركة تم تكوين لجنة تحقيق حول الأحداث، هذه اللجنة قامت بمجهود لتقصي الحقائق فاستدعت الشهود الأحياء وسمت المتهمين، وقدمت تقريرها الذي بناء عليه جرى تحديد قبري الإمام الشهيد ورفيقيه الشهيدين، وتم نقل رفاتهم جميعا لقبة الإمام المهدي في موكب تشييع ضخم، وخاطب رئيس الوزراء السيد الصادق المهدي الشعب السوداني في خطاب نشر وطبع ضمن خطب مجلس الوزراء (المجلد الثاني) جاء فيه: "الجزيرة أبا قرية ليس فيها أسباب الدفاع ضد الطيران والسلاح الثقيل لم يقف عند هذا الحد من الوحشية بل استعان بقوى أجنبية للبطش بالمواطنين في خطة غدر لم يشهد التاريخ السوداني الحديث لها مثيلا. وأمام هذه المعركة غير المتكافئة قرر الإمام الهادي المهدي أن يهاجر من الجزيرة أبا إلى أثيوبيا حيث يقابل قادة الجبهة الوطنية في الخارج الذين ينتظرونه في معسكر جبل الرادوك الذي يقع على بعد عشرين كيلو متر شرق مدينة الكرمك. وفي طريق الهجرة أحاطت قوة من الشرطة بالإمام وصحبه وهناك تتالت أحداث انتهت باغتيال الإمام واثنين من رفاقه هما الخال محمد أحمد مصطفى والأخ سيف الدين الناجي ودفن الثلاثة في وادي الدوم".. "منذ أن سقط السفاح طالبنا ومعنا نفر من خيرة المواطنين أن تحقق الحكومة الانتقالية في هذه الأحداث وأن تعمل على معاقبة الجناة وكشف الحقائق كاملة. لقد قبلت الحكومة الانتقالية هذه المذكرة القومية التي رفعت لها ولكنها لم تتمكن من تحقيق مطالبنا، ومنذ تولينا الحكم أعطينا الموضوع اهتماما كبيرا وكونا لجنة عالية الكفاءة وأحطنا أعمالها بالسرية التامة ومنحناها تفويضا كاملا لإحصاء الحقائق وتحديد المسئوليات فقامت اللجنة في سرية تامة بأعمالها فعرفت تفاصيل الحادث وأسماء القتلة والذين قاموا بالدفن ومواقع القبور واستنادا على هذه الحقائق الموثقة اتخذنا الإجراءات الكفيلة بمحاسبة الجناة ووضعنا أيدينا على القبور وحرسناها واتخذت الإجراءات الكفيلة بحفظ النظام وقررنا دفن رفاة الإمام في القبة مع جديه وأبيه وأخيه ودفن رفاة زميليه الذين وقفا معه مؤازرين الخال محمد احمد مصطفى والأخ سيف الدين الناجي في فناء القبة. إن كل الحقائق والوثائق بتفاصيلها سوف تنشر ومعها شهادة الشهود واعترافات المعترفين ليصبح الناس كلهم على بينة من الأمر". وبعد أن تعرض السيد الصادق للموقف الفقهي الإسلامي من نقل الرفاة وأكد مشروعيته والمصلحة المجنية من ورائه قال: " لقد تقرر أن يكون نقل الرفاة ودفنها بالقبة في البقعة في يوم الاثنين التاسع والعشرين من شعبان الموافق 27 أبريل الجاري وسوف يبدأ التشييع من مسجد الهجرة في تمام الرابعة من عصر ذلك اليوم. لقد وجهت الدعوة على الصعيد القومي لممثلي أهل السودان دينيا وسياسيا وفئويا وإقليميا وصحفيا وشخصيات وطنية للمساهمة في هذه المناسبة القومية الكبرى." (الخطاب موجود بقسم الوثائق بموقع حزب الأمة على الإنترنت منذ بضعة أشهر).
وبعد ذلك جرت محكمة علنية للمتهمين في مقتل الإمام ورفيقيه، وقد نشرت كافة جلسات المحكمة حتى وقائع الجلسة الختامية في كتاب، فصارت المسألة متاحة للباحثين وللرأي العام.. وجاء في وقائع الجلسة الختامية أن البلاغ أقيم ضد المتهمين "بتاريخ 16/4/1987م بواسطة "لجنة التحقيق حول ظروف وملابسات مقتل الإمام الهادي المهدي وآخرين" المفوضة من قبل النائب العام، وقد تم فتح البلاغ في مواجهة سبعة من المتهمين إلا أن جهات الضبط القضائي لم تتمكن من إحضار أحد هؤلاء المتهمين وهو المتهم جعفر نميري" (ص 119).
وبعد أن سردت المحكمة الوقائع المأخوذة من أقوال الشهود وتطابقها أوردت: "إن تسلسل البيانات في هذه المسألة وردت متواترة بدرجة لا تحتمل أي شك أو مظنة وهي تقطع بوفاة الإمام الهادي عبد الرحمن المهدي والمرحومين سيف الدين الناجي ومحمد أحمد مصطفى. وإذا جاز لنا أن نعلق على تلك الحوادث فهي بلا شك صورة مثلى للفوضى وغيبة حكم القانون وخرق صريح لمبادئ حقوق الإنسان وحق الفرد في المثول أمام محاكمة عادلة مختصة. وإن إفلات بقية الأسرى من القتل ونقلهم من الدمازين إلى الخرطوم بالطائرة كان من قبل العناية الإلهية ومحض مصادفة حيث أنهم لم يكونوا في العربة التي حملت الجثث والأسير محمد أحمد مصطفى، وأن سلوك بعض الأفراد المسئولين عن هذا الحادث يعد إدانة للنظام السابق حيث خرج من عباءته عدد من الدكتاتوريين الصغار نصبوا أنفسهم قضاة وجلادين ونفذوا حكم الإعدام دون تردد أو رحمة، ولم تتمكن الشرطة من مجرد فتح البلاغ للسرية التي أحيطت بها العملية حتى إماطة اللثام عنها بواسطة لجنة التحقيق. ونود أن نختتم هذه المقدمة بأن الاتهام والدفاع كانوا خير عون للمحكمة، وتشيد المحكمة بجهودهم وصبرهم في التعامل مع هذه القضية والتي جمعت أشتات بياناتها بجهد ومشقة بعد مضي أكثر من سبعة عشر عاما من وقوعها وشاءت العناية الإلهية أن تبقى بياناتها حاضرة بدرجة مذهلة" (ص 118).
الوقائع التي صدقتها المحكمة والمروية في الصفحات 108-114، تقول إن مجلس شورى الإمام اتفق على هجرة الإمام وأن يكون أمر الجزيرة أبا بعد هجرة الإمام لشاهد الاتهام الأول خالد محمد إبراهيم وحقنا للدماء وإيقافا لنزيف الدم طلب الإمام الهادي منه تسليم الجزيرة أبا بعد هجرته، وعند الساعات الأولى من فجر الثلاثاء (31/3) وعند الواحدة صباحا خرج الإمام الهادي من الجزيرة أبا يرافقه كل من عمر مصطفى ومحمد أحمد مصطفى، وعباس أحمد عمر، و سيف الدين الناجي، ومحمد علي يونس، ومحمد محمد صادق الكاروري، وعز الدين الشيخ، وعبد المطلب بابكر خوجلي، والفاضل الهادي بعربة لوري عن طريق الجاسر.
ثم مضت المحكمة تسرد الوقائع وكيف وصل المهاجرون لمنطقة خور أحمر وترجلوا لما لقوه من (تحرش) سكان قرية أونسة وانقسموا إلى مجموعتين مجموعة أولى ضمت الإمام الهادي ومحمد أحمد مصطفى وعمر مصطفى وسيف الدين الناجي والفاضل الهادي، والمجموعة الثانية ضمت الباقين، وتحركت المجموعة الأولى صوب الحدود الأثيوبية. هذه المجموعة الثانية تم القبض عليها من قبل شرطة الكرمك وتمت حراستها ثم تم التوجه للقبض على المجموعة الأولى حيث وجدوها جالسة على الأرض وفي أثناء القبض عليها قاوم الفاضل الهادي الضابط الذي كان يهم بتفتيشه وحاول الاستيلاء على سلاحه، وفي أثناء ذلك حاول الإمام الهادي إخراج مسدس فنبهه أحد العساكر من مغبة ذلك وضربه بعيار ناري في منطقة الفخذ، وحينها أي بعد إصابة الإمام- انهارت المجموعة وأدركت قوة الشرطة أن المصاب هو الإمام الهادي فحاول قائد القوة إنقاذه بربط الإصابة بعمامة ثم تحرك لإحضار طبيب، وتم نقل أفراد المجموعة المنهارين لصحبهم في المجموعة الثانية بينما بقي الإمام الهادي ومعه سيف الدين الناجي و(الخال) محمد أحمد مصطفى، كما تم إخطار الخرطوم بالحادثة وجاء الأمر من جعفر نميري بقتل جميع الأسرى ودفنهم في سرية، ولملابسات ذكرتها المحكمة انبنت على الصدفة تم الإبقاء على أرواح الأسرى السبعة الذين نقلوا للخرطوم، بينما قتل سيف الدين الناجي في وحشية بالغة ومن بعده الخال.
تروي المحكمة: "وصل المتهم الثاني أحمد حسين بامسيكة ووجد الإمام الهادي قد فارق الحياة، وكان سيف الدين الناجي جالسا على الأرض واضعا رأس الإمام على حجره في حراسة قوة الشرطة فطلب منه الوقوف فرفض سيف الدين الناجي وأخذ يكبر: الله أكبر ولله الحمد عدة مرات، فما كان من المتهم الثاني أحمد حسين بامسيكة إلا أن أطلق عليه من مسدسه ثلاث طلقات نارية في صدره وأمر شاهد الاتهام الرابع الأمين مصطفى إدريس أن يصرعه بطلقة إلا أن الأخير رفض الانصياع للأمر فأمر المتهم الثالث وداعة علي سيد أحمد فاستجاب المتهم الثالث للأمر وأطلق طلقة نارية واحدة من بندقيته على صدر سيف الدين الناجي". وتروي المحكمة كيفية دفن الشهيدين وقتل الثالث حيث قامت قوة بحفر قبرين في منطقة باو التي تبعد 59 كم من الدمازين على بعد 150 مترا شمال شرق مفترق الطرق المؤدي إلى قادمية والطريق المؤدي إلى باو، وكان البعد بين القبرين حوالي 10 خطوات، وكيف نقلت الجثتان عبر عربة جيش يرافقهما الخال الذي كان حيا، فطالب المتهم (تيراب الغالي النور) من أحد الجنود إعدام محمد أحمد مصطفى فتردد فأمر جندي آخر ففعل بطلقة اخترقت الرأس من الخلف مهشمة للوجه من الأمام، بعد ذلك دفن كل من سيف الدين الناجي ومحمد أحمد مصطفى في قبر واحد في وضع معكوس، ودفن الإمام الهادي في مقبرة وحده مع العنقريب الذي حمل فيه!
التفاصيل الدقيقة التي أسفرت عنها المحكمة وأظهرت دهشتها للتطابق المذهل في الحيثيات أذيعت للعالمين، وحوكم المتهمون فبرئ من برئ وأدين من أدين، فكيف بالله عن للأستاذ هيكل أن يتجاوز كل ذلك ويقول إن القاتل لا زال مجهولا!؟
ثم إذا قلنا إن هيكلا يقول: سودانيون فالعب بهم! كيف يعن للكاتب الدكتور أحمد خير الذي كتب مقالا في صحيفة سودانايل بعنوان (هيكل وأحداث الجزيرة أبا) أن يعلق على ما نشر من تكوين حزب الأمة للجنة لتفنيد ادعاءات هيكل بالسؤال: "أين كان حزب الأمة طوال الأربعة عقود الماضية منذ مقتل الإمام!؟ وكنا نعتقد أنه كان قد أجرى التحريات اللازمة حول مقتل الإمام وتعرف على الحقائق ولم يحن بعد موعد نشرها على الجماهير"؟ ونحن نتساءل أين كنت أنت يا دكتور؟
نشر المهندس مجاهد بلال طه في سودانايل ذاتها مقالا بعنوان (هيكل والإمام الهادي .. معارك الصحافة السودانية الخاسرة) استنكر فيه، هو المأخوذ بطريقة هيكل في سرد التاريخ، أن تقوم دنيا الصحافة السودانية على هيكل ولا تقعد لمجرد خطأ وحيد، يمكن تصحيحه برأيه ولكن لا يمكن أن يترتب عليه دك لكامل البناء الهيكلي الممتع (المعنى من عنده والتعبير من عندنا). سمح، نحن ما أدرانا بكل ما يقول هيكل في مسروداته السابقة؟ إنه حينما تعرض لما ندري ونعلم اختلق ذلك (الكذب البدائي المفضوح) بتعبير الدكتور محمد وقيع الله، وروى بذات المتعة تفاصيل وهمية حول المانجو والألغام، وحينما بحثنا وجدنا كل قوم مسهم هيكل بمس قالوا كذاب أشر! يمكن مع موهبة وذكاء وحصافة أن تخرج الأكاذيب بشكل ممتع، وهذا لن يغنيك من الحق شيئا فأنت كذاب حتى وأنت تمتع! فهذه الهفوة الواحدة كما يسميها المهندس مجاهد لا يمكن أن تكون من عند مؤرخ صادق، لأنه لو كان اكتفى بالقول إنه لم يتابع الأحداث بعدها لما سألناه. لكن أن يروي الرواية المختلقة التي ما سمعنا بها في البدو أو الحضر بل كانت محض اختلاق، ثم يتبعها بقوله إن القاتل لا زال مجهولا وأن الحادثة انضمت إلى الجرائم الغامضة في التاريخ فمعناه أنه لم يسمع صدى الحادثة حينما نبشت عبر التحقيق والقضاء وطرقها الإعلام السوداني في الثمانينات –ولم يكن هيكل يافعا ولا بعيدا عن دنيا الإعلام- ولا هو تتبع الأخبار ولا هو سأل كما قال مواطنه الأستاذ هاني رسلان، ثم خرج علينا في ساعته تلك، مدفوعا برسالة سياسية يريد أن يرسلها لحكام مصر الآن حول التعامل مع ملف مياه النيل- ليختلق قصصا حول الأقوام في حوض النيل ويدبج بطولات ذاتية، ويأتي بالمانجو، وما يدريك! هذه ليست هفوة، إنها عطل أساسي في المنهج يكشف الطريقة "الهيكلية" في رواية التاريخ.
وربما الفرق الأساسي بين التلفيقات الهيكلية السابقة وبين هذه أنه هنا كان في أدنى درجات الحرص والحصافة، وهنا نتوجه له بدعوة قريبة من دعوة السيد فهمي هويدي في مقاله (دعوة لإتقان التزوير)، فهويدي البرم بالتزوير الفج في الانتخابات يقول: "إذا لاحظت أن الاعتراض ليس منصبا على مبدأ التزوير، ولكن على الأسلوب الفج الذي اتسم به، فإن ذلك يثير سؤالا حول تفسير ذلك التدهور في مستوى التزوير." التساؤل ذاته موجه أولا للقائمين على (كذبة أبريل) أو انتخاباتها السابقة بالسودان، وموجه لهيكل أيضا لأنه في تزويراته السودانية بالغ ونفذها بفجاجة ليست كالسابقة، وإجابتنا على مثل هذا التساؤل بالنسبة للحالة الهيكلية هي كما قلنا لأن مجمل السودانيين لدى هيكل لا يؤبه لهم: محتقرون في همته كشعرة في مفرقه!! فما من داع للتثبت أو الاتقان حتى حول مقتل زعيم الجماعة الدينية الأكبر والسياسية الأكثر انتشارا في السودان!
ولكنا لن نغادر حتى نقلب بعض ما جاء على قلم الأستاذ ضياء الدين بلال. لقد علق بلال على الحدث حاشدا لأفكار نيرة، ومثيرا عدة قضايا هامة منها مسألة الوثائق السودانية ومحمياتها التي (لا تقدم من العون إلا الزهيد) والحديث عن أن ملفات الأمن السوداني في عهد نميري بيعت في بورصة أسواق المخابرات العالمية، وانصراف الساسة عن توثيق الأحداث، وهذه كلها أوجاع حقيقية وإن كانت غير مناسبة مع هذه القضية تماما لأن هذه القضية موثقة بتفاصيلها المذهلة كما رأينا. ما أدهشنا أن بلالا حينما جاء يفند أن الإمام مات مسموما بمنقة ملغومة قال: (بالقطع يدرك الأستاذ محمد حسنين هيكل أن السودانيين لا يغتالون خصومهم عبر السموم المدسوسة!) وإنني أسأل الأستاذ ضياء الدين بلال: هل السودانيون يقتلون خصومهم بالطريقة التي قتل بها الإمام ورفيقيه؟ وإذا كان من سخرية الأٌقدار أن قاتل الإمام بالذات كان بريئا لأنه لم يكن يعرف هوية الإمام حينما أصابه بالطلق الناري ولا قصد قتله بل تعويقه، فإن طريقة قتل الخال والناجي أثبتت الجرم والوحشية التي تعامل بها (السودانيون) يومها مع رفيقي الإمام بعد معرفة هويتهما. أظهرت حيثيات المحكمة كيف تم قتل سيف الدين الناجي بوحشية بثلاثة طلقات أفرغت في صدره ثم تبعتها الرابعة، وكيف قتل الخال بطلقة اخترقت رأسه من الخلف.. بعض الجنود (السودانيين) رفضوا الانصياع للأوامر بقتل الأسرى بتلك الطريقة، وبعضهم أطاع.. ترى هل كانت تلك الطريقة في قتل الأسرى العزل سودانية؟ هل كانت فكرة "أن نقتل أصبح أسهل من إلقاء تحية/ أن نطلق في الرأس رصاصة/ أن نغرز في الصدر الخنجر/ أن نشنق أن نخنق أن نبتر/ أن نمسح حد السيف بحد اللحية" أسهل من إلقاء تحية! هي فكرة أكثر شرفا أو أقل إثما من القتل بالسموم؟ هل كان دك الجزيرة أبا والمدنيين فيها بالطيران والمدافع سودانيا؟ نعم.. كلها طرق جربناها وتغنينا طربا لمايو ورصاصها، وهي تتساوى في إثمها مع السموم والدسائس القذرة، أو تزيد، ولن نفخر يوما بها أو نعتبرها مشرفة في مقابل السموم!
كم صعبة هي الكتابة من بين الدموع، وتحت وطء الجراح التي نكئت، ولكننا سنواصل بإذن الله،
وليبق ما بيننا
نشرت بصحيفة الأحداث في يوم الخميس 24 يونيو 2010م
Rabah Al Sadig [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.