قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السودان الوطن الممكن: دعوة لبناء مشروع ميثاق جديد لسودان جديد ... بقلم: د. عبدالله جلاب
نشر في سودانيل يوم 14 - 07 - 2010


جامعة ولاية أريزونا
[email protected]
لقد سالت دماء عزيزة وغزيرة منذ أغسطس 1955 عندما إنفجر العنف في جنوب البلاد والسودان لم يرفع بعد راية إستقلاله. وقد دمرت قرى وضيع وتقزمت مدن وضمرت مؤسسات للصحة والتعليم والإتصال كان من شأنها الإرتقاء بحياة الإنسان. فتبعثرت مجتمعات بأكملها. ولو كان الهدف من وراء تلك الحرب هو الإنفصال لتم ذلك منذ وقت طويل وبخسائر أقل في الأرواح والممتلكات وسلامة المجتمعات. لقد تباعدت جماعات كبرى وهجرت قرى وتضاءلت مدن وتدهورت بيئات عمرها الإنسان بالحفاظ المتناسق مع توازن نموها وجملها الرحمن ذات يوم بالماء والعشب والشجر والحيوان. وبذا ومن كل ويلات ذلك سعى الناس أفراداً وجماعات وبالالاف إلى مواقع أخرى قد يجدون فيها بعض الآمان لأرواحهم. وقد تنقلوا عبر طرق السودان الوعرة حتى حلفا القديمة شمالاً والى كسلا وبورتسودان شرقاً وحتى الأبيض والجنينة والفاشر غرباً. ولوكانت النية هي الإنفصال لما تنكبوا كل تلك المشاق ولتجمعوا في المكان الأقرب من دول الجوار. ولو كانوا يضمرون الإنفصال حقاً لما كونوا مع آخرين من أهل الهامش المرئي (الجغرافي) وذلك الخفي (فقراء الريف والمرأة) حياة مشتركة عمروا بها تلك المدن والكيانات الإجتماعية الموازية لتلك الحواضر القديمة. ولما إختاروا لتلك المدن الموازية أسماء تعبرعن واقع المأساة لتدق بعنف على بوابات الضمير الإنساني. في أتون تلك المعاناة الإنسانية وفي داخل تلك المدن الجديدة وجدت تلك الكيانات الممتدة القادمة من عذابات الهامش المرئي والهامش الخفي والتي طال الأمد على تداخلها السهل في مجالات الدين والزواج والتجارة واللهو وكل ما يمت إلى النسيج الإجتماعي وتكوين الجماعات. وبذلك فقد تميزت تلك التجربة الإنسانية بحيوية لا مثيل لها في كل انحاء القطر أو أي قطر آخر جزماً وعلى الإطلاق. كما أن في تداخل تلك الجماعات وجوانبها المتعددة السهلة في حين والمعقدة في حين آخر مع مجتمعات تلك المدن القديمة ما دخل في باب الإستغلال السياسي لبعض تلك الجماعات من قبل تكوينات سياسية بعينها في حالات وظروف معينة وأوقات محددة. وفي ذات الوقت أخذ ذلك الوجود المتداخل شيئاً فشيئاً وببطء يفتح أبواباً قد تقود أو تلج بها بعض الجماعات والأفراد تجارب عفوية في إطار رتق إجتماعي متنام. هذا ومن جهة أخرى وإن تمددت وإتسعت السنة أحزمة الفقر التي ضمت جماعات الهامش المرئي وجماعات الهامش غير المرئي زيادة على فقراء المدن قد ظلت تلك التطورات مجتمعة تطبق بقبضتها وكل آثارها السالبة أوالسلبية على قلب المدينة القديمة طارحة الأسئلة الصعبة والواجب الرد عليها من خارج ومن داخل هاذين المكونين في ذات الوقت. ففي كل ذلك يتطور الأمر من حين الى آخر نحو وجود مواز قوامه تكوينات مواطنين شيدوا عالماً جديدأ كفلته شروط المواطنة ليظل يضعضع كل يوم قبضة المركز وشروط أيديولجيته العتيقة.
لم تكن تلك الظاهرة ذات الأبعاد العميقة بالتي يمكن أن يقع منها ذلك الإنتقال شمالاً وشرقاً وغرباً ما يمكن أن يرد في مجال الهجرة. فقد كانت الهجرة إلى خارج الوطن. وقد إختارمثل ذلك الخيار البعض ولم يختاره الكل. وقد كانت الهجرة أيضاً هى الجزء الممكن من إختيار صعب آخر عندما دفعت النظم الشمولية القمعية المستبدة بالأحزاب السياسية وأهل الرأي الحر والفكر إلى خارج دائرة الفعل المباشر وبطشت بهم وحشرت بهم حشراً قبل يوم الحشر العظيم في داومة التهميش السياسي. كانت هجرة من هامش الداخل إلى هامش الخارج.
كما لم تكن تلك الظاهرة وما تكوّن منها وبها من وجود مواز للمدن القديمة باباً من أبواب اللجوء السياسي، وإن كان اللجوء السياسي أحد مضاعفات تيارات القمع الذي مارسته تلك النظم المستبدة. لقد كانت تلك الظاهرة ذات الأبعاد العميقة شكلا ذا معنى يجرح في القلب كالخنجر بالشهادة إلى الإنتقال بالوطن إلى الوطن وفي الوطن والإنتقال من قدر المأساة إلى قدر المواطنة ويجأر بالشكوى للضمير العام للأمة وللضمير الخاص للإخوة في الوطن. وكما ظلت تيارات الهجرات واللجوء إلى خارج الوطن واحدة من العلامات الدالة على البطش والتطهير والتعذيب الذي جعل من النظم السودانية وفي مقدمتها النظام الحالي أكبر مصدر للفارين من عنف الدولة في العالم يدفع بالمواطنين دفعاً من مكان إلى آخر مما إضطر البعض بيع كليته درءاً للعوز والعالم شاهد على كل ذلك. ولعل شهادة العالم على مثل ذلك وغيرها من عذابات السودانيين جعلت حتى أصحاب الإرث التاريخي في مجال ومآل بطش الدولة من دول الجوار والمناصرة التقليدية للدولة السودانية من عرب وأفارقة ومسلمين في حرج من أمرهم على أن يدفعوا أو يدافعوا بجملة مفيدة واحدة في حق النظام الحالي والقائم على أمره تجاه إتهام محكمة العدل الدولية.
وفي كل تلك الأحوال لم يكن خيار الإنتقال أو الهجرات أواللجوء بالخيار السهل. فقد جاءت كلها من صلب المآسي التي صنعها الإستبداد الذي جعل من جهاز الدولة الموروث يداُ باطشة بالعباد أفراداً وجماعات وقتما وأينما أبدوا تململا أو إختلافا أو إعتراضاً على أيديولوجية الدولة المركزية في شكلها الموروث ومقاصدها المحددة والتي لم تتطور كثيراً منذ ونجت مؤسس نظام الحكم العسكري في السودان والذي لم يحكم البلاد أطول منه إلا عمر البشير. وهذا وقد وجدت الإيديولجيات الصمدية أو الطبيعة أو الإثنان معاُ لنفسميها مراتع للبطش بالعباد. ولكن الإختيار لمكان الإنتقال في الوطن في أرضه الشاسعة هو الذي خلق تلك الحركة الإجتماعية في شكلها ذلك وفي مدنها الموازية. ولذلك لم تكن تلك الحركة الإجتماعية تلك وتيارات الإنتقال من مكان لآخر إستجارة بالدولة وإنما كانت إستجارة بالوطن وبالمواطنين. كما لم تكن تلك الحروبات في أشكالها وعنفها وتدميرها حروبات أهلية. وإنما كانت حروبات ضد إيديولجية الدولة المركزية المسيطرة على شئون الفرد والجماعة معاً . والتي تعطي وتمنع وفق أسلوب ظالم. فالدولة وفق إرثها وتكوينها الموروث من المكون الإستعماري لم تحفل هي أو مفكريها بإعادة صياغة نفسها لتكون الراعي للحقوق المدنية لمواطنيها. بل لا حتى أن تكون الموزع للمظالم بالظلم لا بالقسط. فشروط المواطنة التي إنتزعها المواطن من واقع إستقلاله من المستعمر لم تتنزل بعد حتى تكون أساس العقد الإجتماعي المكتوب دستوراً والمراعى ممارسة بين الدولة ومواطنيها. وإنما ظلت هذه الدولة تنظر إلى نفسها ككيان مالك لكل مقدرات القوة والبطش توجهها أينما تشاء. وبذلك ظل مسعى جماعة الدولة هو السيطرة على ذلك الجهاز القوي من قبل القوى السياسية بالسبل المشروعة (عن طريق الإنتخابات) وغير المشروعة (عن طريق الإنقلابات) من أجل إستثمار مقدرات القوة التي يمكن أن تأمنها الدولة بتسخير آليات البطش المتفوقة ضد أي طرف من الأطراف لا ترضى عنه أو لا يرضى عنها وذلك من أجل تأمين البقاء في السلطة أوحجبها عن الآخرين أو الأثنين معاً. وبذلك ظلت الدولة معنية بالحوار بالعنف مع هؤلاء ومع غيرهم. فهي فاقدة الوجدان بالدليل القائم على ما ساهمت فيه وبه من إتباع أسلوب الحوار بالعنف والدم والكشات وزج المواطنين في السجون لا لشيء غير الإختلاف مع آرائهم السياسية أو معتقداتهم الفكرية أو رؤاهم لأمر الحكم أو إدارة شئون البلاد. ومن ثم أصبح تعطيل الحوار بمصادرة منابره من أحزاب وصحف وحق للتجمع وإبداء الرأي هو المنهج المتبع. كما أصبح الإنقلاب العسكري والحكم النابع منه أوالمتستر به هو العصاة الغليظة التي يهش بها جهاز الدولة إلى مراعي غفرتلك الآيديولوجيات المستبدة والتي تسعى بإستثمار القوة من أجل الإستئثار بالسلطة وحجبها عن آخرين.
لا شك عندما ينظر أهل السودان الآن من نافذة أحزانهم لا لما آل إليه أمرهم فقط وإنما عندما ينظرون إلى تاريخهم الحي وإلى ما يمكن أن يفعلوا بمستقبلهم قد يرى بعضهم على الأقل إشارات بشارة من واقع تجليات تلك التجربة الإنسانية الكبيرة التي شاركت فيها أو صنعتها أجيالهم المتلاحقة. وهي تجربة جمعت فأوعت. ولعل ما يمكن أن يكون في متناول اليد الآن هو أن بعض ما يمكن أن يوحى بغد مغاير هو في بداية مطافه وفي مآلاته وما يمكن أن يقود إليه قد يكون هو أفضل الخيارات. ولعل القوة الفاعلة لذلك التاريخ الحي تكمن في ما أنجزناه كسودانيين خارج إطار الدولة المركزية من تيارات ذات أثر في تاريخ وواقع التحولات الكبرى في البلاد كلها. لقد تكونت الأحزاب يمينها ووسطها ويسارها والنقابات والإتحادات ومنابر الرأى من واقع منازل لنظام إستعماري مستبد خارج إطار الدوله المسيطرة وأمسكت تلك التنظيمات من واقع تجاربها تلك بأصول النهج الديموقراطي و بذلك ظلت هي الصخرة التي أوهى بناطحها قرن وعل النظم المستبدة اللاحقة. وتظل المعاني الكبري لثورة أكتوبر 1964 في إنتصارها على نهج العنف المطلق الذي إنتهجه نظام عبود تجاه الجنوب بشكل خاص وقضية الحريات والمواطنة بشكل عام واحدة من أهم التطورات في مجال التحولات الكبرى التي زينت التجربة السودانية . وفي ذات النهج كانت إنتفاضة أبريل 1985 والتي شمل إنفعالها فيما شمل قضية دارفور وتنصل النظام عن مسئوليته تجاه فقراء الريف الذين فتكت بهم المجاعات وداهمتم الصحراء من كل مكان. هذا إضافة إلى قضية المواطنة والحريات العامة وعلى رأسها مقتضيات حرية العقيدة وعلاقة الدولة بالدين. هذا وفي تطور لاحق فإن الذين خرجوا بالملايين يوم الجمعة الثامن من يوليو 2005 للقاء الراحل جون قرنق في الخرطوم. وكانت هنالك أعداد أكبر تستمع من البعيد بعاطفة جياشة. كل هؤلاء وأولئك كانوا على لقاء متضامن ومناصر لرؤية السودان الجديد التي شملت روافدها كل ما ناضلوا من أجله وحلموا به في قضية المواطنة والحريات والكرامة الإنسانية ورتق النسيج الإجتماعي. لذلك فقد خرجوا كممثلين شرعيين للوجدان السوداني الذي إستبطن وإستظهر كل ذلك خارج إطار الدولة المركزية. وستظل إستحقاقات كل تلك الرؤى والأحلام والأمانى هي الجزء المعلق من برنامج التحرر الكامل ما حاق بنا جميعا من جراء إيدويلوجية الدولة القامعة والعاملين عليها الذين ما إنفكوا نهازين للفرص من أجل الإنقضاض على مقاليد الأمور.
ولعل بعضنا قد يرى الآن إن لم يكن قد رأى وقتها ذلك الخراب الشامل الذي طال التجربة السودانية من جراء بؤس منطلق ومنقلب من سمى نفسه بالثورة وسعى بالحط من قدر التجربة السودانية وتهميش قواها السياسية والإجتماعية والفكرية معطلاُ للحوار وموحداً بين الهامش التقليدي والهامش الجديد. ذلك هو الحصاد المر لتلك النظم القمعية والتي إختارت لنفسها مسمى الثورة البيضاء أى نظام نوفمبر أوعبود (1958—1964) أو ثورة مايو (1969—1985) أو ثورة الإنقاذ (1989—إلى الآن). وبمقدار ما تزايد حجم الهامش هذا فقد تضعضعت في ذات الوقت قبضة المركز وأنمحقت إلى ما لا نهاية روح الهيمنة المتعالية التي طالما أصمت أذن الدولة الباطشة.
من هنا نود أن نقول بأن أمر الإتصال أو الإنفصال هو قضية وطن أطبقت عليه الأزمة خناقها. وهو ذات الوطن الذي انسكبت دماء غزيرة وعزيزة من أجل الإيفاء بحقوق المواطنة والكرامة الإنسانية والحريات فيه. وبقدر ما أن للمواطن السوداني في الجنوب وفي بقاع البلاد الأخرى الحق في تقرير مصيره فله الحق أيضاً في أن يسعى من أجل سودان جديد تتكامل فيه الرؤى التى عبر عنها البعض شعراُ ونثراً ورفع راياتها الفكرية كل مجتهد وصال في ساحاتها ومساحاتها بعض آخر منهم من قضى دونها ومنهم من ينتظر. وبين هؤلاء وأولئك هناك من حول أو تحول من واقع وقدرالمأساة بالإنتقال من الوطن إلى الوطن نموذجاً ذا معنى في روافد تعايش أهل السودان الجديد. لذلك فبين الإنفصال والإتصال قد تتحول الملايين من الأنفس من مواطنين إلى أجانب بين غمضة عين وإنتباهة غافل. وقد نجد في المسعى نحو سودان جديد ما يحررنا مما ظل يستعبد عالم حياتنا السياسية والإجتماعية ووجودنا الإنساني. ومن ثم تكمن هنا الضرورة القصوى لتواصل ذلك الجهد والقوة الجماهيرية خارج إطار الدولة المركزية من أجل تدعيم مشروع السودان الجديد أو مشروع الميثاق الوطني الجديد الذي يمكن أن تسطره القوى السياسية مجتمعة متضامنة مع أهل الفكر والتخصصات العلمية ومن وحي تلك الروح الكبيرة التي كانت تجلياتها الكبرى في قيام المنابر الحزبية والنقابية ومنابر الرأي والتي أعطت التجربة السودانية خصوصيتها المتمثلة في أكتوبر1964 وأبريل1985 ويوليو 2005. ومن ذلك يتسع إطار الإتفاقيات السابقة لتكون جزءاً من كل وهو مشروع الميثاق الوطني الجديد والذي يمكن أن يتسع ليشمل قضايا الوطن الأخرى وبذلك يمكن أن يتحول المناخ العام للحوار السوداني إلى حركة جامعة وقائدة لمشروع التغيير الشامل. ومن ثم يصبح أمر الجنوب والشمال والغرب والشرق والوسط والهامش والمركز هي أساس القضية الكلية لإعادة بناء الدولة والوطن وفق ميثاقه الجديد. وبمثل ذلك المشروع الوطني والذي يمكن أن يباركه الشعب السوداني بجميع قطاعاته يمكن أن تبنى قواعد السودان الجديد ويعاد بناء الدولة التي يمكن أن تتجلى فيها قسمات السودانيين وتتعلق بها أفئدتهم. ومن هنا تأتي الدعوة للسودان الوطن الممكن الذي يمكن أن يدخل فيه الناس عن قناعة ورضى ويمكن أن يخرجوا منه دون مرارة أو أذى .وقد يكون في ذلك أيضاً مسك الختام وتتويج لمساهمات كبرى لمن قدمتهم أكتوبر ذات يوم وبوابة دخول واسعة لأجيال جديدة. وقد يرد السؤال عن كيف يمكن أن يتم ذلك؟ والإجابة يمكن أن تكون في كيفية ان تتولى الإرادة العامة برنامج مشروع التغيير بصورة أكثر فاعلية مما مضى: وأن تستثمر إرثها القديم و الذي صنعت به كل ما أسلفنا القول عنه في خارج إطار الدولة المركزية من قبل. وأن نسعى جميعاُ لان نجد في المبادأة والمبادرة السودانية الخلاقة ما هو أكثر من الإسوة الحسنة التي ميزت تلك الإرادة العامة. فنحن الآن نعيش في عالم الإتصال الأكبر واللحظة المواتية الذين أصبح بهما فحص ونقل المعارف بقية الوصول إلى ما يمكن أن يفيد من التجربة المحلية والإنسانية بشكلها العام من السهولة بمكان. من هنا فإن جاز الإقتراح فإن نموذج المائدة المستديرة والذي يمكن تطويره من أجل أن يضم في إطاره الأول أهل الخبرات العلمية والفكرية التي تخصصت في الشأن السوداني وأن يضم في إطاره الثاني قيادات العمل السياسي والقيادات المسلحة وقيادات الرأي من أجل مراحل بلورة ذلك البرنامج من أجل مباركته في إطاره الثالث من قبل السودانيين جميعاً من حتى أن يكون ذلك هو مستقبلنا في إطار السودان الممكن. أفليس هناك ما يوحي بأن اللحظة التاريخية على موعد مع إرادة أهل السودان؟
قديما قال المتنبي: كلما ما لم يكن من الأنفس صعب سهل فيها إذا هو كانا.
وعلى أصحاب الفضل أن يتقدموا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.