الشمالية تحرز المركز الثاني قومياً في قفل الحسابات... والدبة الأولى على مستوى المحليات    وزير الصحة يبحث مع وفد الصحة العالمية تطوير نظام التقصي والمعلومات بدارفور    وزارة الصحة بالقضارف تقف على أعمال الصيانة والتأهيل بمستشفى المفازة والحواتة الريفيين    الذهب يقفز أكثر من 2% ويتجاوز مجددًا مستوى 5 آلاف دولار للأوقية    ((المولوديه يتربص بالهلال))    برشلونة يحصد الفوز من ملعب إلتشي    جوارديولا يطارد أحلامه بواقع مخيب    الصادق الرزيقي يكتب: رحل الفريق فاروق القائد العسكري الصارم والمثقف الكبير ...….    وزير الصحة الاتحادي يبحث مع وفد "الصحة العالمية" تطوير نظام التقصي والمعلومات بدارفور    صديق المذيع الراحل محمد محمود حسكا يفجر مفاجأة كبيرة: (اقسم بالله العظيم حسكا دموعه نزلت بعدما جهزنا جثمانه ولحظة وصول زوجته سماح لتلقي عليه نظرة الوداع)    "رسوم نقل الجثامين" تشعل سخط السودانيين    والي الخرطوم يخاطب اليوم العالمي للجمارك ويشيد بدورها في حماية الاقتصاد من التخريب والتهريب    والي الخرطوم يخاطب اليوم العالمي للجمارك ويشيد بدورها في حماية الاقتصاد من التخريب والتهريب    جبريل إبراهيم يهنئ بفكّ حصار كادوقلي ويحمّل المجتمع الدولي مسؤولية الصمت على "جرائم المليشيا"    بعد تهديده بالرحيل.. الدوري السعودي يرد على اتهامات رونالدو    البرهان يتفقد الهيئة العامة للإذاعة والتليفزيون ويقف على جهود إستئناف البث من داخل استديوهات الهيئة    شاهد بالصور.. زوجة الحرس الشخصي لقائد الدعم السريع تخطف الأضواء بإطلالة جميلة من شواطئ لبنان    شاهد بالصورة والفيديو.. بسبب تدافع أصدقاء العريس.. انهيار المسرح في حفل زواج سوداني بالقاهرة أحياه الفنان محمد بشير وحضره المئات من الشباب    بالصورة.. تعرف على قصة زواج الأسطورة "الحوت" من المطربة حنان بلوبلو (قال لي "يا حنان انتي متزوجة؟" قلت ليه "لا" وفعلاً اتزوجنا خلال عشرة أيام فقط)    الجيش السوداني يصدر بيانا مهمًا    تطوير تقنية سريرية لعلاج أورام الدماغ لدى الأطفال    دراسة تربط بين فيتامين B1 وتسارع حركة الأمعاء    وفاة الفنانة التونسية سهام قريرة فى القاهرة بعد حادث سير    "تيك توك" تستعيد مواصلة خدماتها بالولايات المتحدة    مانشستر سيتي يهزم أندية أوروبا ويحسم معركة بقاء عمر مرموش    جوجل تتيح ميزة جديدة لإدارة تسجيلات Google Assistant    دينا الشربينى تواجه صعوبات بعد الاتجاه للتمثيل ضمن أحداث "اتنين غيرنا"    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    بند سري يدفع رونالدو لفسخ عقده مع النصر    اتحاد الكرة يثمن دور الشرطة ويؤكد شراكة استراتيجية لدعم النشاط الرياضي    ترتيبات لتمليك 2400 أسرة بالجزيرة لوسائل إنتاج زراعي وحيواني وإستزراع سمكي ودواجن    3 مكونات مضادة للالتهاب لتخفيف آلام المفاصل ونزلات البرد فى الشتاء    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    سعر الدولار مقابل الجنيه خلال منتصف التعاملات    برشلونة يعلن تعاقده مع حمزة عبد الكريم خلال ساعات    استقرار سعر الذهب في مصر اليوم السبت 31 يناير 2026    مصر.. القبض على أصحاب تريند "صلي على النبي"    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    البروفيسور ايهاب السر محمدالياس يكتب: مكافحة القوارض .. النظر خارج الصندوق    شرطة مكافحة المخدرات بتندلتي تضبط شخصاً بحوزته 250 قندول حشيش    إحباط محاولة تهريب ذخيرة في السودان    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    المُبدع الذي جَعلَ الرؤيَة بالأُذن مُمكِنة    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    رشوة ب 12 ملياراً..إحباط محاولة كبرى في السودان    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    مستقبل اللغات في عالم متغير.. هل ستبقى العربية؟!    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في ذكرى رحيل الشاعر الفذ الطيب محمد سعيد العباسي: عامان من اليتم!!.. بقلم: ابوبكر يوسف إبراهيم
نشر في سودانيل يوم 29 - 08 - 2010


(2/2)
 عندما أكتب عن الراحل المقيم الطيب محمد سعيد العباسي فإن ما أكتبه لا يعدو إلا أن تكون كلمات ندبجها عتبة اعتراف بذات شاعرة برق نجمها إلى أن تألقت ذات ليلة في سماء الوطن فأضاء وما لمع .. وما لمع هذه هي التي تحتاج إلى وقفة فيها من الحسرة والتحسر؛ ولأننا نؤمن إيمانا مطلقا بأنه ليس من سيرة أصدق إنباء من القصيدة ، ارتأينا أن نقدم هذه الذات المبدعة العباسية انطلاقا من الذات الشاعرة الكامنة فيها ، فالطيب العباسي واحد من القلائل الذين أوتي لهم أن يجمعوا في عصمة قلمهم بين الشعر و الحرية ، فحق لتجربته أن توصف بالسمفونية الخالدة خلود المعاني الخالدات في شعره مما خول لصاحبها أن يكون المايسترو بامتياز . من مناسبة الرحيل المحزن للشاعر الفذ القاضي العادل الطيب محمد سعيد العباسي ، أريد أن أسجل جملة ملاحظات، بمثابة أفكارعامة، تعنّ لي مع عجالة الموت الذي يأتي غفلة، ويحتاج الأحياء إلى وقت أطول، إن هم عاشوا، لاكتشاف الدّرر الدفينة في حياة وأعمال الراحلين.سأتحدث عن هذه الملاحظات على غير عادتي في الكتابة عندما نرتاد فضاء الشعر والوجدانيات
 أولى الملاحظات ، أو بالأحرى، الجماعة النقدية المتخصصة في الكتابات الأدبية، في دائرة الشعر ، وإلى جوارها نسبيا راصدون من دائرة الشعر السوداني، ممّن قرأوا أو استمعوا للشاعر الراحل، كما إطلعوا على قصائده ، وشرّعوا أحكامهم على هواهم ، ووفق تصوراتهم فهم بالدرجة الأولى، مستندين إلى مرجعيات تاريخية وسنادات إيديولوجية، وفي الغالب إلى مفهوم العموميات، والتاريخ الأدبي في تمفصله بالأطر السياسية والثقافية العامة أكثر من أي شيء آخر، بينما تمّ نفي (أنا) الشاعر، وذاته الخصوصية المركّبة، المشبعة، بكل تأكيد بزمنيتها، وإن صنعت في النهاية منظورها الذي أعطى الشرعية الإبداعية لصاحبها.
 الملاحظة الثانية بنت سابقتها ، وفحواها كامن في قصيدته ذائعة الصيت " ذات الفراء " التي اشتهرت بعنوان " يا فتاتي " والتي، بكل قوتها، تبدو وكأنها جنت على مؤلفها، أو حصرته في وضع صاحب بيضة الديك، هوالذي أنتج كل تلك الأعمال الممتدة في مسافة عمر وتجربة مديدتين، وثريتين بلا جدال. إن الجماعة النقدية تلك، وبحكم الإثارة المستفزة، الموجودة في قلب باكورة أعمال الراحل، كادت تسجن نصا سرديا مؤسسا، ومنتفضا، في خانة القراءة والفهم ذوي النزعة التجاهلية بما كاد يُنسي الخصائص الأدبية المائزة فيه، هي ما سيستدركه بعض النابهين لاحقا، من أفراد الجماعة ذاتها، لإعطاء مفهوم مؤسسي لوجودها.
 الملاحظة الثالثة تنصب على الذين، عن صواب أو عن خطأ، اختزلوا شعر الطيب العباسي في " ذات الفراء" بمثابة المرجع الأم، شبه المقدس، لشرعنة صرح وقامة شعرية ؛ فهم لم يقرأوا قصيدته التي كتبها وأهداها للكاتبة اللبنانية ليلى بعلبكي والتي تحضرني الأديبة الجزائرية الرائعة في ذاكرة الجسد احلام مستغامني حالياً ؛ يومذاك قُدمت ليلى بعلبكي وروايتها " رسالة إلى القمر" للمحاكمة بتهمة الأدب المكشوف حينها تحركت فيه مشاعر القاضي العادل فاختلطت بوجدان الشاعر الحر، وإلحاقه تبعا لذلك بصفة التحرر وهو سليل بيت نشأ على الدين والتصوف ؛ والمتصوفة هم أصحاب خيال جامح في العشق ، للطيب العباسي عالمه الخاص ؛ عالم اختلطت فيه عزلة القاضي عن العامة منطلقا منذئذ في سلسلة من القطائع والانفصالات الذاتية والنصية ليستقل بعالمه الشعري، ويترك غيره يجتر مفاهيم وأساليب يريد من ورائها الكتابة. والدليل هو حينما قرر بنفسه العودة من هجرته الطويلة بعد اغترابه في ابوظبي ، لا أقصد من المكان، - ولكن ما اعتبره أنا - من المنفى الخاص، أو من الوهم، بعد أن اصطلى بنار التجربة (يقول الكتاب المقدس:اللهم نجنا من التجربة، أي المحنة) ولم ُيعن ب" التوبة" نظير غيره، من أبناء جلدته، ممن كانوا وما زالوا يعيشون كتابةالقصيدة وهم احياء ميتون.
 الملاحظة الرابعة تقول: كان ذنب الطيب العباسي أنه لم يذنب إلا في عرف بعض من سطّحوا الأدب منذ فجر الإستقلال، ولم يفهموا أن الكتابة، رغم المقتضيات والالتزامات الوطنية، كما الحال لدى جميع الشعوب، هي بنت ذات مفردة ، ولمجترحها قوله الخاص، وليس في ذلك أي تناقض مع المنطق أو الأدبيات السائدة، اللهم أن نجعل القول الأدبي تابعا، كما ساد طويلا، ونحاكم شاعر مثل الطيب العباسي بمساطر الأحكام العرفية. إن الذنب أمر متعلق بالأخلاق، والقصيدة شأن إبداعي، وعلينا أن لا نكف عن طرح السؤال بعناية إلى أي مصدر يجدر الإحتكام قبل أن نسقط في محرقة "محاكم التفتيش". وإذا كانت هناك من "توبة" فليست إلا موقف المراجعة الذي لا يوجد شاعر أصيل إلاّ يمارسه مع ذاته وحياته وإنتاجه، أو يجمد ويموت قبل ساعته الحتمية.
 الآن انتقل من خطاب الحسرة والتحسر إلى خطاب الوجدان الشخصي في مخاطبة الراحل المقيم ويخولني في هذا؛ مدى عمق الصلات التي تربطني بهذا الشاعر الخريدة .
صديقي.. بعد مرور عامين على الرحيل المر ؛ كم وردة نثرت دموع نداها على جثمانك؟ أتهدّل النخل وأساقط دمعاً ندياً؟ كم من المدن والاماكن التي كتبت عنها سارت خلف موكب تشييعك؟ أعذرني فأنا أتساءل لأنني مهجّر كما تعرف ..مَنْ مِنَ الاصدقاء سار خلف جنازتك؟ بلا شك كثر هم من عرفوا قدرك أما أنا فمن القليلين الذين لم يحضروا لانهم رحلوا وغَصّتْ بهم المنافي..إيهٍ .. لعين هذا الزمن!! كيف رحلت وأكفٍي لم تلوّح لوداعك بلا دموع أحد الاصدقاء وهم يحملون نعشك؟ كلهم بكوك ؛ ولكن لنشيجي صدى من نوعٍ آخر مختلف، رغم يقيني أن الكل وأنا منهم اطلق حمائمَ عينيه مرسلاً إياها لتحلق فوق قبرك رغم البعد والمسافات ، أمرحي الشيخ الطيب بلدتك .. ترى ماذا قالت حين وصلتَ اليها مسجّاً على آلة حدباء محمولُ؟؟
أتذكر حبك وانتماءك( لأمرحى – الشيخ الطيب) رغم ان الموت أخذك الى عالمه البعيد أتذكر حين قلت عنها: الشيخ الطيب اول دمعة اضاءت روحي في ليل عراء الانسان، رحلة المدهش في المسميات وافتضاح النجوم عند خفايا بساتين الجيلي كموسيقي الهيام. أيها الطيب ، الطيب كأنك لاتردني عن بكائي ؛ دموعي عليك هم اصحابي وهم روايتي ما اراد التاريخ من رفعة الاغاني او غبار الامنيات. عندها تلمست حروف الطين، وبين يديها هذبت ضياء الورد ..لاتحزن فها انت الان بين ذراعيها وتضمك كأروع أنثى .. نم قرير العين فأنت اليوم في قلب ارضها التي ما أن برحتها حتى عدت كي لا تبرحها يوماً ولن تفارقها أبداً.
 صديقي..أذكرُ جيداً دموعك المدرار التي لم تنقطع طيلة وقت زيارتي لك في آخر لقاء بيننا وكأنك كنت تودعني وأنت تحدق بي كان ذلك أحد أيام تموز أغسطس المريرة من عام وانت راقد في العريشة في واحة العباسي بالجيلي مستلقي على كرسيك المعهود حينها وعلى حين غرة قلت لي: أنك تعود للجيلي كطفل يعود الى حضن أمه. من من الاصدقاء سار بجنازتك في اليوم المشئوم وأقام عزائك رغم غيابي، أعان الله قلوبهم كيف احتملوا الفاجعة؟! .. هل تُرى غسّل جسدك بماء البساتين وحنطّوك بقداح القصيد ، هل تلوا عليك ما تيسر من الشعر، هل أخاطوا لك كفناً من الآس؟
 الطيب يا صديقي ؛ ياصاحبي المعرض لفضة الاسئلة فذاك هو طريقك حيث (بيت جدك لأمك في الجيلي) يومها قلت لي دعني أريك جغرافية هذه الدار ؛ بيت الطين المؤثث بالعناب والنسيان. بيني وبينه كوخ ورمان وسهرات يأنف الاغتراب ان نث المطر. لن اجيبك الى غير مافي الروح من اغنية تأن واحزان مزمجرة . اشتدي ايتها الريح ،اشتدي من الاقاصي. من شتات الكون تعالي الي، الي واغسلي ألم الحنين يدب تحت ويل الذكريات كأنك لاتردني عن بكائي!! هذا شوقي العارم المطلق. الجيلي والخريف كلما عادت اسراب الزرازير وانحنيت اليّ بقامتك الفارعة لتستقبلني وانحنيت انا الي الشجرة، في الجيلي محبة تصبح في اعلى الخاصرة.
 ايها الاديب والشاعر والقاضي والانسان المفعم بالحياة أيها العاشق أتذكّرُ كلمات العشق التي كنت تطلقها ونحن نتحاور في مساءات حضر إحداها صديق مدثر ؛ اتذكّرُ صدى صوتك الذي اتعبه الحنين وقلبك الذي أدمن الصهيل، اتذكّرُ اغنية (طائر الهوى) للمبدع عبدالكريم الكابلي أشعرتني يومها وأنت تدندنها شعراً كم أنتَ مشتعلاً بالاشتياق وانت تصغي بكل رهافة لها؛ وبماذا تذكرك الاغنية لم تجب ولكنك فضّلت الاصغاء والهروب حيث البساتين الواسعة.
 تحدثت يومها عن الراحل المقيم الحسين الحسن كأديب وقاضي... وكنت تعرف جيداً ما تخبئه هذه القصيدة فسألتني: تُرى حبيبة عمرك هل علمت برحيلك ؟ أكحلت عينيك برؤيتها قبل الرحيل؟ هل ضممتها قبل الوداع؟ .. أتذكر يوم كتبت عنها: وحدك من قرأت في عينيّ الايحاء وصاغته ابجدية لا جمل اللغات اذا، انت وحدك من كان يسمع صوتي في فراغ العالم.
هل تذكرين البيت ؟ منفضة البلور؟ شجرة الليمون في شعاع القمر؟ والمطر؟ كيف تنسين المطر؟ المطر.. المطر. ألم اذرك تحت المطر؟ ألم اضمك الي احضاني كلما اشتعل الكون بالرياح وضج في عراء الليل المطر؟ ومن يقبل عينيك الصافيتين بعد ان فصلنا ببدعة الخراب؟ بين كتبي اوراقك وفي طريقي همساتك فتعالي،،
 وداعاً أيها الاخ الرائع والانسان ؛ الانسان ؛ كم كنت سعيد بمعرفتك أيها الجزل وكم كان سيظل حزي عميقاً.. كان وسيظل رحيلك وجعي. أباً عطوفًا، أخاً شفيقاً،و صديقاً حميماً مخلصاً.. نعم كأسُ الفراق مرٌّ، ولكنْ هذه هي الدنيا، مهما عمَّر الإنسان فيها فمصيره إلى التراب ومفارقةِ الأهل والأصحاب والأحباب. والإنسان عندما يودِّع مسافراً فإنه يعيش على أمل اللقاء به ولو بعد حين. وأمّا عندما يودّع إنساناً تحت أطباق الثرى، فإنه لا أمل له في لقائه بهذه الدنيا، ساعة الفراق، كلٌّ يعبر عمّا يجيش في نفسه بطريقته، فهذا بالنحيب، وذاك بالبكاء والدموع، وغيرُه بالعويل، والآخر بالصبر والسُّلوان...أما الشعراء فتتحول دموعهم إلى مراثيَ حزينةٍ، حروفُها الأحزانُ، وسِفرها قلبٌ مُضنى، وقافيتها اللوعة والأسى، وبحرُها من فيضانات العبرات....وأجملُ ما في الشعر في تلك اللحظة رقتُه وعذوبتُه، وصدقه وعاطفته.
 هذه رسالة من أخي أسعد العباسي
أخي أبوبكر
أعزيك وقد أُصِبت باليُتم قبلنا ؛ للفقيد الرحمة ولك الصبر وحسن العزاء.
أخي الحبيب أبوبكر يوسف
 لن أخالف الحقيقة أبداً إذا ما قلت لك إن الذي كان يجمعك بوالدي عليه الرحمة من محبة ووفاء يفوق كل ماشهدت عليه من علائق بين البشر، وهما حبٌ ووفاء بلغا بي حد الدهشة بما فيهما من صدق و صفاء وأدب وإحترام، وعندما جرت على لسان والدي قصيدته (وفاء) التي وجهها لك وصَّدرها بنثر يحكي من خلاله بعض أسرار علاقتكما الفريدة ومناسبتها دون مواربة كانت معيناته ما ذكرته من صدق وصفاء وأدب وإحترام.تقول المقدمةالنثرية لقصيدة (وفاء) للمرحوم والدي التي وجهها لصديقه الأديب أبوبكر يوسف:عرفته منذ أكثر من ثلاثين عاماً صديقاً صدوقا، وأخاً كريماً، وإبناً باراً. وإلى جانب ذلك فهو أديبٌ أريبٌ وشاعرٌ رقيق،كانت رسالاتي له تبدأ: إلى إبني وصديقي وأُخي أبوبكر، وكانت رسالاته لي تبدأ: إلى والدي وأخي وصديقي. إغترب في المملكة العربية السعودية متبوئأً مركزاً مرموقاً، وأنعم الله عليه بما أنعم، فصار يبالغ في هداياه لي، وفي أحد الأيام أرسل لي هدية عبارة عن مبلغ كبير من المال، ولكي يجعل الهدية (مبلوعة) ذكر في خطابه الرقيق الذي ترافقت معه مقتطفات من أشعاره الرائعة إنها مساهمة منه في تأسيس مكتبي للمحاماة ومقدم أتعاب لأعمال قادمة
 القصيدة : وفاء
إلى..أبوبكر يوسف إبراهيم
قصيدة للشاعر الراحل الطيب محمد سعيد العباسي
يا أبا بكرٍ صديقي يا بُني**ياأُخيْ ما أحيلى يا أُخيْ
واروِ عني فالأخُ الصالِحُ**في رأيي وفي شرعي نبيْ
ولقد كنت حنيفاًوإماماً **وصديقاً صادق الود وليْ
كنتُ أرجو يا صديقي مرةً**في غِمارِ الحب أن تقسوعليْ!!
ليس عدلاً أن توالي وتوالي**لشهيٍ بعده أشهى شهيْ
إنما يحلو لدى المرءِ بأن**يظمأُ للماء وأن يعقُبَ ريْ
نبعُ كفيك رواني وسبى**أصغراك الدهرَّ مني أصغريْ
كلما قلتُ أبوبكرٍ سرتْ**نشوةٌ عبر دمي من شفتيْ
أحرفٌ زهرٌ متى رددتها**ذقتها أشهى من الشهد الأريْ
قد أتانا ابنُ محجوبٍ ضُحىً**يا رعاك اللهُ ذيَّاك الضُحيْ
يحملُ الخير عميماً غامراً**يصحب النثر وشعراً عبقريْ
وهما أصدقك القول أخي**قد أعاداني كما كنت صبيْ
أنت يا خِلي وفيٌ ماجدٌ**أنت ظلٌ مدَّهُ اللهُ عليْ
لاتلمني يا أخي إن قصرتْ**عنك أقلامي ولُمْ دهري العتيْ
فلقد أنهكني طول السُرى**في لياليه وأدمى قدميْ
وذوى بين إهابي هيكلي**وخريفُ العمر أعشى ناظِريْ
والحسان الغيدُ صدَّتْ مثلما**صدَّ عن إسلامه إبنُ أُبيْ!!
وتنائينَ فما من قُبلةٍ**من فمٍ غضٍّ ولا لثمِ ثُديْ
كنتُ إذا ناديتُ لبينَ الندا**وإذا ما غِبتُ إشتقنَ إليْ
قدرٌ سطره الدهرُ فيا**ويحي في يدِ الدهر شقيْ
هل تُرى يجمعنا الدهرُ معاً**في رياض الخير أو في تسنيْ
حيثُ نسترجع أحلام الصِبا**وننادي الدهر بالصوت القويْ
أنت ما أحرقت من أعمارنا**لست تنسينا هوى لُبنى وميْ
لست تنسينا أفاويق الصبا**والشفاه اللُّعس والكأس الرويْ
أنت لن تقوى على أشواقنا**فهي تحظى بخُلودٍ أبديْ
أنت إن كنت ترى غير ما** يا دهرُ أثبتنا هنا أنت غبيْ
في رثاء فارس الكلمة المطهم... الحَزَنَّية الأولى
في رثاء الشاعر الفحل والقاضي العادل والإنسان النقي الوفي أولاً وأخيراً الطيب محمد سعيد العباسي " أبا أسعد "..
العين تدمع والقلب يتفطر حزناً وأسىً ؛ وإنا على فراقك لمحزونون!!
الشعرُ يندبُ أَوْحد الشعراء ويُفيض دمعاً دافهٌ بدماء
و( الضاد) قد فُجِعَت وراح عويلها متهدجاً ويجوب كل فضاء
تبكي الحُماة الحافظين تراثها من شر كل مكيدة وبلاء
تبكي ( النبيغ) العبقري بحرقةٍ وبمدمع كالديمة الوطفاء
تبكي الذي صاغ القريض قلائداً وأساوراً للمجد والعلياء
وأشاد فيه بكل ما يُرضي العُلى ويقر أعين رادة النبغاء
شعرٌ تحدّر كاللهيب محرقاً جمع الطغام ومعشر اللؤماء
شعرٌ يفيض من القريحة عذباً كفيض غوارب الدأماء
والناس لو كان الوفاء شعارهم لبكوا عليك بمدمع الثكلاء
ماذا يقول الشعر في قيثاره والنعي أخرس ألسن البُلغاء
قصم الردى ظهر البيان بضربةٍٍ تركت فحول الشعر في إغماء
)فالضاد) قد فقدت بشخصك أمة لا شاعراً أودى من الشعراء
الشاعرُ الغريد نورٌ خالدٌ هيهات يطمسه دجى البلواء
والدهرُ يقبس من لآليء فكره ليضيء كل دُجْنَةٍ ظلماء
وفم الخلود يذيعُ من ألحانه سحراً يرّن بمسمع الجوزاء
مجدتُ فيك خلائقاً ومكارماً وتواضع العلماء والحكماء
أكبرت فيك شاعراً قاضياً عدلاً دون الحق كالصخرة الصماء
ولو لم أرَ الناس الذين بلوتهم يدلون بالأحكام دون حياء
لحكمت أن الشعر بعدك مرتجٌ أبداً على البلغاء والفصحاء
والمرءُ في الدنيا خيالٌ عابر مثل الطيوف بأعينِ الهجعاء
والموت خاتمة المطاف بفضلها القبر يختم آخر الأنباء
جاورت ربُك راضياً مستبشراً فأكرم جيرة وثواء
وتركت آلآم الحياة لأهلها تطغى بهم وتَضُجُّ بالأرزاء
" أبا أسعد" .." أيوب النبي " بعصرنا ولأنت كهف مصائب ورزاء
فاذهب لربك يا وفي مخلفاً عشاق شعرك في لظى البرحاء
أعزز عليك بأن أراك مجدلاً طي الثرى في الحفرة الظلماء
ديوان شعرك بعد فقدك سلوةٌ للرفقة الخلصاء والأدباء
هامش: الطيب، ستظل معي حتى ألتقيك عند مليك مقتدر.
abubakr ibrahim [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.