شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    جلوس أكثر من 3500 طالب وطالبة لامتحانات الشهادة المتوسطة بمحلية الخرطوم    جوجل توسّع الترجمة الحية إلى آيفون وآيباد    الدولار يرتفع وسط توترات الشرق الأوسط    إندونيسيا تصبح أول دولة في جنوب شرق آسيا تقيد وصول الأطفال لمواقع التواصل    كل ما تريد معرفته عن نزاعات الزمالك فى الفيفا وخطة النادى لحل الأزمة    تأجيل حفل شاكيرا فى الأهرامات من إبريل إلى نوفمبر 2026    ماجد المصرى: الخلاف فى أولاد الراعى تجاوز المال إلى جوهر العلاقات الأسرية    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    الإعيسر .. حين يفعلها رئيس أكبر دولة يسقط عذر الآخرين.. الإعلام الصادق أمانة ومسؤولية وطنية    شاهد بالصورة والفيديو.. رئيس المريخ السابق يفجر مفاجأة كبيرة بخصوص المحترف الجزائري المنضم للمنتخب السوداني ويعد بضم محترفين أفارقة لصقور الجديان    شاهد بالصورة.. تيكتوكر مغربية حسناء ترد على تعليقات الجمهور بشأن علاقتها العاطفية وارتباطها بصديقها اليوتيوبر السوداني    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    مساعدات غذائية تصل آلاف المستفيدين بوادي حلفا عبر منظمة اضافة للمساعدات والكوارث والتنمية    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    هل من أمل في الكرة السودانية؟    إيطاليا تقترب من المونديال    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    تقارير تكشف عن تحرّكات كبيرة للجيش السوداني    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    توضيح لجنة المنشآت بنادي المريخ : دورنا فني فى ملف المنشآت واللجنة القانونية تتولى اجراءات الاخلاء    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحزنية الرابعة: في ذكرى رحيل الطيب العباسي.. مثلك لا يُنسى!! . بقلم: د. أبوبكر يوسف إبراهيم
نشر في سودانيل يوم 15 - 08 - 2012


بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: ( هَذَا بَلاغٌ لِلْنَّاس وَلِيُنْذَرُوْا بِه وَلِيَعْلَمُوَا أَنَّمَا هُو إِلَهٌ وَاحِد وَلِيَذَّكَّر أُوْلُو الألْبَابْ) ..الآية
هذا بلاغ للناس
*[email protected] mailto:[email protected]
- أخي الحبيب الطيب :
والأب والصديق الغالي، اليوم يبدأ العام الرابع على فراقك الأليم اليوم التاسع والعشرون من رمضان، فالفراق زاد من وهجك في وجداننا .. ومن قال بالفراق ينتهي كل شيء ؟!، وأنت لم تفعل إلا كل شيء ؛ فعطش السنين كان يراودك في شكل أحلام البرودة النائمة في أبراج الخيال ، يسقط نجم الوجع المنسي في قاع الغربة الذابلة تحت صقيع الطبقات المعزولة عن مكونات السبات الطويل؛ لا الريح قادرة على اكتشاف الألم، ولا الصمت الكوني تطاوعه دهشة الفراق ؛ ولا أنت تحمل جسدك خلف ظلك ، وينتهي بك الرحيل وحيدا عن ملامح وجهك الذي لا تعرفه أنت ونعرف قدره نحن.. كانت بساطتك وعفويتك تتجلى في تجردك عن (الأنا) وإيثار الذات ؛ ربما تتذكر تقاسيمه الشاردة مع طلوع القمر في متاهات الإحتمالات الصعبة أمام سواد الليل .
- أخي وصديقي الشاعر الفذ والقاضي العادل الطيب العباسي، حينما أجتر ذكرياتنا معاً أشعر وكأنني ركبت صحوي في انبلاج القمر ؛ ويكفي أنني لا أستطيع توصيف أسرار الجرح الذي يعتريني لفراقك، ويشق جسدي إلى نصفين، نصف لي و آخر وهبته للذكريات ؛ كي تنثر زرع مودتنا خلف سياج فيعتريني من ألمٍ عميق لفراقك، تسقط كل مزارع الأفق في كف القدر، يمسح عن وجهه سواد حلم يراودني في كبح صهيل والرغبة العالقة في تخوم سفن الذكريات الغارقة في قاع أعماقي ؛ هناك ينجلي صوتك كضوء مرجاني على تلاشي بقية الصور أمام مساليك الصمت العتيق ؛ فتخرج أنت في هيئة صخرة على شواطيء الذكرى فتنم عن اندفاع الموج الصاخب ، يواسي عشب الذاكرة في فتح شهية الملح والحجر؛ مثل ظلك تحت خيال القمر، يقف جسدي ليواجه شبح ذكريات ناضجة في سراب صحراء تحرق نفسها انتقاما من عطش العيون لغياب قمر الشعر فيولد فينا محنة السؤال الصعب عندما يختار الله إلى جواره الأحباء الأخلاء الأصدقاء الأوفياء!!
- وفي آخر جلسة لنا في منزله بحلفاية الملوك قلت لك:«هو الشعر فالتصدح بلابله».. وأذكر في آخر يوم خميس تم اللقاء بحضور الشاعر صديق مدثر والصديقين المشترك أسامة عوض حسينوالأمين أحمد على وبعض من أقاربه فقرأ علينا قصيدا يحرّك السواكن ويحيى النفوس، وبعد ذلك تحدث عن كهولته وكبره وتعلمه فما كان مني إلا أن عقبت وقلت له: رفعت الرؤوس وأطلت الاعناق ياأبا أسعد. واليوم أشعر بفراقه أن في نفسي ألم مرير لفقده كشعلة كانت تتقد، يا شاعرا تعرف الساحات صولته إذا صدحت وغنى واد واديك لا ند يخالفه ولم يبق في الدرب ند يناديك , إن كل لقآء لنا كان لقاء المحبين للأخاء الصادق والوفاء النادر لقاء للشعر والابداع.
- اليوم وفي ذكرى رحيلك عنا إنها مناسبة تدعو الى نبش الذكريات والاعتبار مناسبة تستحق واجب التقدير والإكبار لروح الطيب العباسي. أصدقكم القول أنه منذ اللحظات الأولى لنبأ رحيله لا أقول موته، لأن الشاعر لا يموت وإنما يرحل من مدن الحبر والكتابة إلى مدن قلوب أحبته قبل الرحيل وبعده، الطيب العباسي شاعر شعلته متوهجة لا يموت، شاعر انشغل بوجدانيات الإنسان الصغيرة منها والكبيرة، لأنها لا يموت، شاعر عشقت الناس قصائد عشقه لا يموت، شاعر عاش كوتر على أهبة الحب والغناء لا يموت، شاعر تفّرد منذ قصيدة الأولى لا يموت، شاعر يزرع الجفاف بالعشب والحب لا يموت، شاعر ظل مخلصا لحريته فحين يرحل لا يموت!! نعم كأسُ الفراق مرٌّ، ولكنْ وأمّا عندما يودّع إنساناً تحت أطباق الثرى، فإنه لا أمل له في لقائه بهذه الدنيا، هذه هي الدنيا، مهما عمَّر الإنسان فيها فمصيره إلى التراب ومفارقةِ الأهل والأصحاب والأحباب. عند ساعة الفراق، كلٌّ يعبر عمّا يجيش في نفسه بطريقته، فهذا بالنحيب، وذاك بالبكاء والدموع، وغيرُه بالعويل، والآخر بالصبر والسُّلوان... أما الشعراء فتتحول دموعهم إلى مراثيَ حزينةٍ، حروفُها الأحزانُ، وسِفرها قلبٌ مُضنى، وقافيتها اللوعة والأسى، وبحرُها من فيضانات العبرات.... كلُّ واحدٍ منّا في هذه الحياة الدنيا قد تجرّع كأس الفراق، وذاق علقم الفقد، ولوعة الوداع، وسكب دموعَ القلوب قبل العيون. وكلّ واحد منا فقدَ أمًّا رؤوماً، أو أباً عطوفًا، أو أخاً شفيقاً، أو زوجاً حنوناً أو صديقاً حميماً مخلصاً. والإنسان عندما يودِّع مسافراً فإنه يعيش على أمل اللقاء به ولو بعد حين. وأمّا عندما يودّع إنساناً تحت أطباق الثرى، فإنه لا أمل له في لقائه بهذه الدنيا. نعم كأسُ الفراق مرٌّ، ولكنْ هذه هي الدنيا، مهما عمَّر الإنسان فيها فمصيره إلى التراب ومفارقةِ الأهل والأصحاب والأحباب.
- نعلم أن آلاف الشعراء كتبوا عبر العصور، لكن التاريخ لا يذكر سوى قلة منهم، ذلكم هم الشعراء الذين امتدت كلماتهم في عمق الأرض، فأينعت ثمرا وزهرا وشمسا، ذلك لأنهم سقوها من رحيق قلوبهم، وعندما يرحل واحد منهم كالطيب العباسي، نحس أن الزمن ليس هو الزمن، وأن الشمس فقدت شعاعا كنا نراه ونستضئ به، لكن الشعاع سرعان ما يعود متوهجا بأشد ما يكون التوهج، لأن الشاعر لم يرحل بعيدا عنا، بل رحل فينا وصار حياة في قلب كل منا.
- أخي الحبيب الطيب .. والقاضي العادل الذي يقدم الرحمة فوق العدل .. والشاعر الذي لا يشق له غبار، والأهم الخل الوفي بيننا برهة الذكرى.. ونعيد المياه إلى بحرنا ثانية.. هادئا سلسا لامعا كلجة..لماذ تعجلت يا أخي وصديقي وخلِّي الوفي.. هذا الرحيل المر نحو الأبد.. هذا الرحيل الفجائي نحو قصيدة كونية، تتغير حروفها كل حين.. بلغة فخخت أيامنا بسيل من الأسئلة التي لا تنتهي..؟ حتى أنك نسيت أن تهدي لي ديوانك الذي كنت ستعيد طبعه ، وتسألني رأيا فيه..! كنت غافلا عنك.. كنت منشغلا بأشيائي الصغيرة.. لولا أنك إتصلت بي تطلب مني محاولة المجيء ولم تشاء إرادة الله.. لمن سأجيء غدا حين أشاء أن أفضي بما في داخلي من هموم وبؤس وحزن كبير؟!.. إذا لم تكن أنت!!..من سيسمعني ؟! ومن سيصغي إلى وجعي وحنيني؟ من سيوبخني على أخطائي الكبيرة والصغيرة.. من سيغضب مني ثم يتصل محاولا استرضائي وهو يشتمني بكل ما أحب وأكره، وهي تخرج من قلبه البريء الأبيض كأنها سلالة اللغة الجديدة في مفردات المديح..! نقية بيضاء من غير سوء.. لماذا ترحل الآن باكرا يا صديقي هكذا قبل أن تبدأ الحكايات موسمها الشتائي..! لماذا؟ لم تترك لنا أية علامة.. كنت هادئا وادعا.. مطمئنا، تضحك وتهيج، من سيجمع لنا ذرات حكاياتك الآتية لكي تكون لائقة بسرد ما.. على لسان ذرب محنك..؟ ومن سيجمع لنا غدا ضحكاتك ويرتبها بأناقتها المعهودة، لكي تروي لنا نفسها من جديد..!؟ أيها الحكاء العظيم.. يا من كانت ضحكاته الأنيقة الفارهة تملأ الأمكنة.. ثم تجول في حواف الذاكرة وأنحائها نتفة .. نتفة، كأنها تتفقدها استعدادا لحكاية غريبة آتية؟ حتى وأنت بيننا جسدا وروحا.. كنا نستحضرك بمجرك أن نغادرك من البيت أو تغادرنا من بيتنا..!
- وفي آخر جلسة لنا في منزله بحلفاية الملوك قلت له:«هو الشعر فالتصدح الليلة بلابله».. وأذكر في آخر يوم خميس تم اللقاء بحضور الشاعر صديق مدثر والصديق المشترك أسامة عوض حسين وبعد من أقاربه فقرأ علينا قصيدا يحرّك السواكن ويحيى النفوس، وبعد ذلك تحدث عن كهولته وكبره وتعلمه فما كان مني إلا أن عقبت وقلت له: رفعت الرؤوس وأطلت الاعناق ياأبا أسعد أطال الله عمرك. ان في نفسي ألم مرير لفقدان شعلة كانت تتقد، يا شاعرا تعرف الساحات صولته إذا صدحت وغنى واد واديك لا ند يخالفه ولم يبق في الدرب ند يناديك , إن كل لقآء لنا كان لقاء المحبين للاخاء والوفاء وللشعر والابداع.
اليوم ذكرى رحيلك عنا إنها مناسبة تدعو الى نبش الذكريات والاعتبار وواجب التقدير والإكبار لروح الطيب العباسي. أصدقكم القول أنه منذ اللحظات الأولى لنبأ رحيله لا أقول موته، لان الشاعر لا يموت وإنما يرحل من مدن الحبر والكتابة إلى مدن قلوب أحبته قبل الرحيل وبعده، الطيب العباسي شاعر شعلته متوهجة لا يموت، شاعر انشغل بوجدانيات الإنسان الصغيرة منها والكبيرة لا يموت، شاعر عشقت الناس قصائد عشقه لا يموت، شاعر عاش كوتر على أهبة الحب والغناء لا يموت، شاعر تفّرد منذ قصيدة الأولى لا يموت، شاعر يزرع الجفاف بالعشب والحب لا يموت، شاعر ظل مخلصا لحريته فحين يرحل لا يموت!! نعم كأسُ الفراق مرٌّ، ولكنْ وأمّا عندما يودّع إنساناً تحت أطباق الثرى، فإنه لا أمل له في لقائه بهذه الدنيا، هذه هي الدنيا، مهما عمَّر الإنسان فيها فمصيره إلى التراب ومفارقةِ الأهل والأصحاب والأحباب.ساعة الفراق، كلٌّ يعبر عمّا يجيش في نفسه بطريقته، فهذا بالنحيب، وذاك بالبكاء والدموع، وغيرُه بالعويل، والآخر بالصبر والسُّلوان... أما الشعراء فتتحول دموعهم إلى مراثيَ حزينةٍ، حروفُها الأحزانُ، وسِفرها قلبٌ مُضنى، وقافيتها اللوعة والأسى، وبحرُها من فيضانات العبرات.... كلُّ واحدٍ منّا في هذه الحياة الدنيا قد تجرّع كأس الفراق، وذاق علقم الفقد، ولوعة الوداع، وسكب دموعَ القلوب قبل العيون. وكلّ واحد منا فقدَ أمًّا رؤوماً، أو أباً عطوفًا، أو أخاً شفيقاً، أو زوجاً حنوناً أو صديقاً حميماً مخلصاً. والإنسان عندما يودِّع مسافراً فإنه يعيش على أمل اللقاء به ولو بعد حين. وأمّا عندما يودّع إنساناً تحت أطباق الثرى، فإنه لا أمل له في لقائه بهذه الدنيا. نعم كأسُ الفراق مرٌّ، ولكنْ هذه هي الدنيا، مهما عمَّر الإنسان فيها فمصيره إلى التراب ومفارقةِ الأهل والأصحاب والأحباب.
- نعلم أن آلاف الشعراء كتبوا عبر العصور، لكن التاريخ لا يذكر سوى قلة منهم، ذلكم هم الشعراء الذين امتدت كلماتهم في عمق الأرض، فأينعت ثمرا وزهرا وشمسا، ذلك لأنهم سقوها من رحيق قلوبهم، وعندما يرحل واحد منهم كالطيب العباسي، نحس أن الزمن ليس هو الزمن، وأن الشمس فقدت شعاعا كنا نراه ونستضئ به، لكن الشعاع سرعان ما يعود متوهجا بأشد ما يكون التوهج، لأن الشاعر لم يرحل بعيدا عنا، بل رحل فينا وصار حياة في قلب كل منا، .
- أخي الحبيب الطيب .. القاضي العادل والشاعر الذي لا يشق له غبار، والأهم الخل الوفي بيننا برهة الذكرى.. ونعيد المياه إلى بحرنا ثانية.. هادئا سلسا لامعا كلجة..لماذ تعجلت يا أخي وحبيبي هذا الرحيل المر نحو الأبد.. هذا الرحيل الفجائي نحو قصيدة كونية، تغير حروفها كل حين.. بلغة فخخت أيامنا بسيل من الأسئلة التي لا تنتهي..؟ حتى أنك نسيت أن تهدي لي ديوانك الذي كنت ستعيد طبعه ، وتسألني رأيا فيه..! كنت غافلا عنك.. كنت منشغلا بأشيائي الصغيرة.. لولا أنك إتصلت بي تطلب مني محاولة المجيء ولم تشاء إرادة الله..لمن سأجيء غدا حين أشاء أن أفضي بما في داخلي من هموم وبؤس وحزن كبير.. إذا لم تكن أنت!!..من سيسمعني ؟!ومن سيصغي إلى وجعي وحنيني؟ من سيوبخني على أخطائي الكبيرة والصغيرة.. من سيغضب مني ثم يتصل محاولا استرضائي وهو يشتمني بكل ما أحب وأكره، وهي تخرج من قلبه البريء الأبيض كأنها سلالة اللغة الجديدة في مفردات المديح..! نقية بيضاء من غير سوء.. لماذا ترحل الآن باكرا يا صديقي هكذا قبل أن تبدأ الحكايات موسمها الشتائي..! لماذا؟ لم تترك لنا أية علامة.. كنت هادئا وادعا.. مطمئنا، تضحك وتهيج، من سيجمع لنا ذرات حكاياتك الآتية لكي تكون لائقة بسرد ما.. على لسان ذرب محنك..؟ومن سيجمع لنا غدا ضحكاتك ويرتبها بأناقتها المعهودة، لكي تروي لنا نفسها من جديد..!؟ أيها الحكاء العظيم.. يا من كانت ضحكاته الأنيقة الفارهة تملأ الأمكنة.. ثم تجول في حواف الذاكرة وأنحائها نتفة .. نتفة، كأنها تتفقدها استعدادا لحكاية غريبة آتية؟ حتى وأنت بيننا جسدا وروحا.. كنا نستحضرك بمجرك أن نغادرك من البيت أو تغادرنا من بيتنا!!
- عرفت الطيب العباسي وتعرفت أن جلبابه يتلحف من العمر بعد السبعين سنوات ، كان مشدود القامة ومن جلبابه تنبثق رقبة طويلة ورأس كطير على كتفين ، هذا الرأس مثقل بحمل الكتفين ، قصرت الخطى كى أتأمل من القرن ثلاث أرباعه يمشى في مبتدأ قرن آخر في ألفية ثالثة . كان يتقدمنى في المكان والزمان ولكن بتريث ؛ يستنشق الاكسجين بتؤدة حكيم وينساب في الشارع جاسا الارض متحسسا نبضها : ولدت عند النصف الأول من القرن العشريني العجول حيث كل عشريني عجول. خلته يخالج النيل الساكن عنه في عشية رمضانية ، في ذلك المطلع ، تلفت ؛ هو يغرس القدم الامامية بين شجرتي سرو معمرتين أمام بيت جده لأمه الزبير باشا رحمة الذي كان يقيم فيه بقرية الجيلي ، كان يصعد الرصيف المحشور بينهما أخذا نفسا من هواء نقي، كان مثقلاً بالشعر كما النخلة العالية وجرحها حليب ناصع أبيض في مذاق العسل ، مثقل بالوطن كالكرمة التي تعرش لتقي كل بيت بظلها ، مثقل بالنفس الأبية والنفس اللوامة ، مثقل بهذا كما بمعاش اليوم الصعب . مثقل بالدهر ودبيب الكائنات وشعاع الشمس وبالأمل البعيد . الطيب العباسي قامة إبداعية سامقة تركتنا فجأة وغادرت .. وجع في الصدر ألم به فجأة .. وأخذه بعد زمن قصير فجأة آخر إلى العالم الآخر .. كل عشاق هذا الشاعر ومريديه وأصدقائه ما والوا حتى اليوم يعيشون صدمة الفراق.
أيها الطيب، الطيب إنا لفراقك لمحزونون فمثلك لا ينسى ولا يغطي الران ذكراه.. وإلى اللقاء عند مليك مقتدر حين تحين الآجال ولقد أحسن أبو العتاهية في نظمه معنى هذا الحديث حيث يقول :
اصبر لكل مصيبة وتجلد واعلم بأن المرء غير مخلد ... أوما ترى أن المصائب جمة وترى المنية للعباد بمرصد من لم يصب ممن ترى بمصيبة؟هذا سبيل لست فيه بأوحد ...فإذا ذكرت محمدا ومصابه فاذكر مصابك بالنبي محمد
ولا أرى الله أحداً مكروهاً في عزيز لديه...


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.