وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    افراد (القطيع) والشماتة في الهلال..!!    (بيراميدز والأهلي والملعب والبقية تاتي)    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    توجيهات بحجز جميع المركبات والشاحنات المخالفة لقرار حظر تداول الحديد الخردة ونقل الحطب بالخرطوم    موعد تجربة سيري 2.0 لأول مرة على آيفون    وزير الشباب والرياضة بنهر النيل يؤكد دعمه لتفعيل العمل الشبابي والرياضي بالولاية    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    عبلة كامل حديث السوشيال ميديا رغم الغياب    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    انخفاض أسعار النفط والذهب والفضة يواصلان مكاسبهما    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    السودان.. الإعلان عن توفير 40 ألف وظيفة حكومية    السودان..تمديد فترة تسجيل طلاب الشهادة الثانوية للوافدين    ترامب يهاجم مغنيا شهيراً.. "رقصه مقزز وكلامه غير مفهوم"    وزير الشباب والرياضة يخاطب جماهير السَّلَمة الكباشي ويتكفّل برعاية البراعم والناشئين    مدير مستشفى سنار التعليمي يشيد بالمقاومة الشعبية والمنظمات لتطوير المستشفى    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    مشروب من مكونين يخفض وزنك ويحافظ على استقرار سكر الدم    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    ليفربول يخسر أمام السيتي وهالاند يعود لهز الشباك ويكسر عقدة أنفيلد    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أقبض!!، اللص العظيم ماركيز، يسطو على تراث الإنسانية ... بقلم: عبد الغني كرم الله
نشر في سودانيل يوم 07 - 10 - 2010


(الحب في زمن الكوليرا، وكتب أخرى!!)
(صورة له: ألا يبدو كاوبوي عظيم، يسرق وينفخ الروح في التراث العالمي)
في البدء:
(أن النفس لا تفقد من مضمونها شيئا، لا يوجد شئ اسمه نسيان. كل إحساس ، وكل تجربة، وكل خبرة، وكل عاطفة مهما بلغت من الهوان والتفاهة لا تفنى ولا تستحدث، وكل أسرار قلوبنا ووجداننا غير قابلة للاندثار، كل ما في الأمر أنها تنطمس تحت سطح الوعي، وتتراكم في عقلنا الباطن لتظهر مرة أخرى في أشكال جديدة)
كارل يونج/عالم نفسي
ثمة ثلاث طرق للسرقة:
اللص الوقح يسرق الكلمات، ولص يسرق الفكرة، ولص مبدع، لا يترك أثرا لسرقته،(1) فهي تناص، وروح بيت عنترة، عشيق عبلة (هل غادر الشعراء من متردم، أم عرفت الدار بعد توهم)... كما سرق البشر، صورتهم، من جدهم الاكبر، آدم، فحدث أكبر "تناص" جيني، ذات الوجه، والملامح، والشعور، والحيرة، من جيل لجيل، بل ذات مكر قابيل وهابيل، يتجلى في حروب اليوم، في تقليد آخر للماض.. وكأن الحاضر، مرآة الماضي، وليست حلم المستقبل، ومن قال الماضي كله جاف؟، ولا وزن لقصائده الدافئة؟، أيكون الفرح العظيم أن يطير الإنسان بجناحي ماض خلوق ومستقبل سعيد، (ما أكثر الأخيلة لحل الإشكال، لدى الشعراء، والفلاسفة، .. والحكام) الأشياء أسيرة نشيد العودة، يتكرر، الغروب والشروق، الشهور تمضي وتأتي، بذات الأسماء (يناير، فبراير،، مايو، ديسمبر، ... يناير فبرابر،)، وكذا الأيام، ياله من تناص كوني، يضمر بجوفه سر ما، نغم ما، فليس التناص، والتقليد، حصرا على قبيل الأدب، بل سمة حياة، وحيوان، وبشر، وإنسان، بل نجوم ومجرات، وقع حافر على حافر، ومن سار على الدرب وصل، أين نصل؟ ومن نقلد؟ أنقلد آدم؟ وآدم من قلد؟.. أقصد آدم الحكي الأول، كي نفضح السرقات العظيمة، السرقات الجميلة، فالأميرة شهرزاد، والتي سرقت الحكايات المعاصرة، أغلب سحرها، وحبكتها، هي الآخرى، أولدت بلا أم أو اب؟ الطبيعة لا تعترف بهذه الاستحالة، سوى في الحكايات، أخلقت ذاتها، بيدها لا بيد أبيها الوزير، وأمها الغائبة تحت الخمية، ألم تكن الحكايات العربية، هي إرث الفرس والهند، والعرب؟، يردد القلب، صادقا:
الناس من جهة التمثيل أكفاء، فالأب آدم والأم حواء
وأن كان في أصلهم شئ يفاخرون به، فالطين والماء.
ولكن الطين والماء يدخل فيها حتى النبات، ذلك الكائن الحي، الأخضر، والذي يعيش بلا أرجل، بل ساق وحيدة، لا يفارقه وطنه، ويموت واقفا، هو الآخر يقتفي أثر أبيه وجده، وقع حافر على حافر، نناص أخضر، فقد سرق الموز الحالي، مذاق طعمه، من براعم موز قديم، ضارب في أديم الأرض الرطبة، سنينا عددا، تخيرت جذورة من قوت الأرض تلكم الرائحة، والمذاق الفريد للموز ، فصار طعم الموز في العصر العباسي، يشبه طعمه في طقشند، وفي داكار، أهذا تناص أدبي للحياة، أهذا تقليد للأغاني الجميلة في اللاوعي، أم هناك أصالة في كل طعم، ولو تشابه، أم حواسنا هي العمياء، عن رؤية ثراء التشابه، وثراء الاختلاف!!
رحلة تشابه، وإختلاف، أب عن جد، وهكذا سرقت غرائز الطفل، أي طفل، ما ضفرته، ملايين السنين، من خطة ذكية، خفية، مثل اللغز، يؤمن بها من يؤمن، ويلحد بها من يلحد، ولكنهم أشتركوا بأنها شاعرية الغموض، ومن محاسنها، كائن يسمى "الوراثة"، ومن محاسنها أيضا، كائن يسمى (التطور)، والطفرة، فلنعد، لحديثنا عن السرقات الأدبية الأصيلة، تلكم السرقات التي تمحد السارق والمسروق، معا، وتغني (للوراثة والترقي)، فالأرض لمن يفلحها، فهو أحق الناس بها، وكان ماركيز أحق الناس بالسحر الشرقي العجيب!!.
الشعور لا ينسى، عوالم الباطن لا تنسى، أقدم الذكريات، العقل الحادث قد ينسى، ولكن خزانة اللاشعور، مثل دولاب لا تصله يد النسيان، وفي حال "الكتابة"، ينفتح اللاشعور، والشعور، وينثال دفق من كتابة وسيل من تعبير، ونهر من حوادث، وذكريات، وقراءات، قد لا يحس بها الكاتب، لأنها أندلقت من قعر الذاكرة، وتخضبت وتزواجت، هناك، مع أحداث أقدم منها، أو أحدث في تلكم الأغوار السحيقة (ما النسيان؟ أن لم يكن أهمال وقائع حدثت)، ، واتخذت شكل، وسلالة جديدة، كأنها بلا أصل، ولا فصل، كما يتراءى في البدء، ولكن مع التفرس، تظهر السلالات، أهناك: شئ بلا أصل، ولا فصل، أليست قوانين المادة الصارمة (المادة لا تفنى، ولا تستحدث)، تسرى ععى الأدب، وعلى الفعل، والتعبير الانساني، في سائر وقائع حياته، فالهايدروجين، يحال في قلب الشمس لعنصر اوكسجين، وكلور، وينسى أنه هايدوجين أبد الدهر، يبدو أصيلا، وفي ثوبه تقليد ما، ويأتي السؤال: عن الناقة المجربة، التي خاف رجل أن تعدي ناقته، فقيل له، الناقة الأولى، من عاداها، حتى العدوى، مجهولة المدى، أين الصورة الأولى، أم الأمر تناص كوني، لا نعرف الأصل الذي نقلده، أن الصورة داخلنا، كما يقول افلاطون (المثل الآعلى، المخبوء فينا"، كل الإجابات تشبه غموض الاسئلة، وحيائها...
عبر أمد عظيم، ودهير دهير، فهل غادر الشعراء متردم،؟ فهل يكتب الكتاب اليوم، لما حكاه وحواء،؟ و يد الشك تطال آدم نفسه، كيف عبر، وحكى لأمنا الأولى، الجميلة حواء، أكان يصغي لفؤاده، الغني، بحكايات الجنة الأولى، ووقائع العرش والفرش، أنحن، نصغي للجنة والفرودس والنار، حين نحكي، تقليدا لآدم الآول، فينا (الهندسة الوراثية أثبت ضمور الحيوات والتجارب القديمة في غرائز الإنسان) وآدم يصغي للعرش، الذي هوى منه، ولكن لا شعوره مثخن بكل خطوة خطاها في عشب لا يموت، وحقول تغني، وسحب تنشد؟، الحكايات في القلب، لا تموت، ولا تستحدث، ولكنها تتقلب في صور داخلية في رحم المخيلة البشرية...
(ما أشبه الليلة بالبارحة)، حتى الليالي، أدمنت التذكر، أيعتبر التقليد هو تذكر، ولكنه تذكر كامل، لا ينسى لحظة، فيعود الماضي هو الحاضر، وكأننا يازيد لا رحنا، ولاجينا، الديكاميرون، تلكم الححكايات،تشبه في صياغتها ليالي العرب، ألف ليلة، وألف ليلة بأسماء فارسية وهندية (شهزاد، شهريها، خاتون)، كأن الأدب يعري الهويات القاصرة، ويقمز ببتشابه الفطرة، فأميرة الحكي الإنساني شهرزاد، سحرت الكون كله، السنوات الغابرة، والسنوات التي ستصحو في الغد، وتأتي بفضول لمقام "الحاضر"، كأن الحاضر هو المسرح الذي يمضي الماضي لداره، بعد أن تفرج عليه، ثم يترك الكراسي شاغرة للمستقبل، فهو "الأصل والفصل، أي الحاضر"، فلم نلوثه بالماض؟ أو حلم الغد؟ أم هو كلاهما؟ تلكم اسئلة الأدب، قديمه، وعريقه، وحديثه، الحكاية، كالنظرية وكالقانون، ..
***
كنت أقرأ في "الحب في زمن الكوليرأن وأنا فتى في الثانوي العام، إنه لا يوزع نظراته بالتساوي، هذا ما يفعله ماركيز، لهذا امتعض القلب في البدء، فقد نشأت علاقة، ومن أول سبعة أسطر، مع اللاجئ الانتيلي (جيري سان مور)، وهذا الحب المبكر، سببه، بل اسبابه، ولع سان مور بالشطرنج، والسبب الثاني، انه لاجئ، والسبب الأساسي، هو (عذابات الذكرى)، فالفتى كل ماضيه، عبارة عن وحش يطارده حتى أفق الغد، لم نجري خلف الكتاب كما يريد هو، وليس كما نريد نحن؟ كنت أحسب القراءة هكذا، أن يطيع الكاتب خيالي الفتى، الصغير، وغضبت من ماركيز، كنت أحسبه حرا، هو الآخر، حتى علمت بعد حين، أن هناك "قدر درامي"، يحكمه هو الآخر، بلا حول أو قوة...
لم قتلته عزيزي ماركيز؟!!،
أقصد الكولونيل في مائة عام من العزلة، حكى ماركيز بأنه بكى ساعتين لقتله أحد شخوصه، كان بمقدروك، أن تجعله يعيش، عام او بعض، بل بمقدروك أن تنفخ فيه الروح مثل نوح، بل يخلد، هل الإلهام جرى بك هنا وهناك، بعيدا عنه، أم تخلصت منه، كي تتفرغ لفلورنتيو، (الهامش والمركز)، تباً!!، هذا الصراع، حتى في النصوص، أتكتب بعقلك ام قلبك، (فالقلب كالشمس، لا ينسى شئ على الإطلاق)، أم تميل للإثارة، كنحر النساء وتويجات الزهور، أم كنت تحت تأثير سلطان اللاشعور، فأملىء عليك خطابة (يالك من أسير لموهبته)، يقال بأن (نساك الهند لهم القدرة على التحكم في عالم اللاشعور، في ضربات القلب، وتسريح الشعر بلا مشط)، شفاء ذاتي، فاللاشعور، صار شعوريا، كحركة اليد..(هل قمت بتمارين بتقليدهم، كي لا يسقط شي سقط متاع)...حتى روح الدودة، تحلم بالإنسان الكامل، من هوان حياتها، وكي تقرأ شكسبير، وتسعد بمذاق الشعر، بدلا عن مذاق العشب المر..
أم خفت ان تطول الرواية، إن تطرقت لكل شخوصها ولكنك (تضع الحياة بين قوسين)، كقشرة موز، تحيط بثمرته الجميلة، أساور بمعصم، فالحياة دخلت هذا النص الجميل، كما أدخل الطوفان شعب نوح، وهكذا انطلقت (الحب في زمن الكوليرا)، تحمل على ظهرها ما تبقى من أحياء، من طوفان الكوليرا، رفعنا علم النكبة، ولا حمامة ترصد اليابسة، (أليست الاشياء الرخوة خير من اليابسة)، نحن نثق في البحر أكثر من الأسماك، وأكثر من اليابسة، فلندم في البحر، هو أمنا الأولى، وخلقنا من الماء كل شئ حي، حتى الشعر...
445 صفحة، حقل أخضر، ألم تصاب بالإنهاك، بفتور العاطفة، بالتكلف، بالتبلد، وكأنها مكتوبة بنفس واحد، فترة لم يتخللها نوم أو استراحة أو قوت (أتأكل الملائكة، أحس بأنك كنت ملاكا شاعريا، ولكن ملاك مرئي، وذو شارب كث)، أم انك تكسر عادة الملائكة، وتسير في شوارع كولمبيا والمكسيك، وتتزوج من نساء الأرض (مرسيدس)، يقال بان جبريل (جاء في شكل بدوي، شديد سواد الشعر، وشديد بياض الثياب، ولا اثر لسفر عليه)..
لا اشك انك كتبتها في ساعة واحدة، بل أقل، ولكن في وقت خاص، أشبه بوقت الحلم (يقال بأن الأحلام تحدث في جزء من ثوان، أو دقائق تمر كشريط بسرعة الضوء)، وحين تحكى في عوالم اليقظة، خارج النوم، تحتاج لسنوات، وسنوات، فما أكثر الحيوات، وطرائقها، وزمنها الخاص..
حزن الفتى، لأن ماركيز نظره سريعة على (سان مور)، ثم مضى لشخوص أخرى، أقل إثارة منه، كما يرى الفتى، أو كما يقول له هذيانه، ولكن ليس هذا ديستوفيسكي، أو فوكنر، كي يصوروا لك كل شئ أيتها الفتى، كي تملأ فارغ عريض بقريتك الساكنة كالقبور، يمكنك ان تجد ضالتك، في (دون كيشوت)، فسرفانتس يحكي عن دون كيشوت، ودي كيشتوت يحكي عن راعي، والراعي يحكي عن فارس وتابعه، يدعيان تحرير العالم من الظلم، أحدهما يركب حصان نحيف، وبيده سيف خشب، والآخر يركب حمار سمين، ولا يجيد سوى الإصغاء، والتسليم لهذيان سيده العظيم، فأمضي له، إن كنت تريد زخرفة وقت فراغك العظيم، إلى سيدة الحكي، الأميرة شهرزاد..
في عوالم ماركيز، تحس بأنك عشت هذا الواقع، أو قرأته، أو حلمت به، ولا فرق بين هذا الثالوث، "الناس نيام، أذا ماتو انتبهوا"، الحياة تعلن كل يوم أنها غريبة، غامضة، أكثر من الأمس، كأننا نكتشف غربتنا الشاعرية كل يوم، كأننا نكتشف دفء رحم بلا ضفاف، يغذي بحبه السري الخيال والذاكرة البشرية، في عشرة تحس بأن أحلام الناس، وأقلامهم تحكي عنك، "أنت بطل المسرح"، تلكم القضية الخاسرة اليوم في أصابير الفكر والسياسة، هيي أس الادب والفنون، هي تنصيب "الفرد/القارئ/المتلقي" كبطل عظيم، كذات عظيمة، أهذا هو أس التشابه الداخلي، بين القارئي، والمقروء، والقراءة؟..
بين شخوصة تتعجب ذاكرة النسيان فيك؟ أين سمعت هذا؟ متى؟ من فم حبوبتي، من حداء قافلة في صحاري الشرق؟ أهو ذاكرة للحلم والخيال الجانح، ثم يهمس لي خيالي، شخوصه سمعها من أميرة الحكي، الأميرة شهرزاد، فأسرع للمكتبة، وأغرق في الليالي "الكلومبية"...
***
قراءة ألف ليلة وليلة، بل قراءات، لا تنتهي، مثل نهاية الارقام، إن كان للأرقام نهاية، ولكن شبح ماركيز فراشة زاهية، ملولة، تحلق من زهرة لأخرى (بين حكايات شهرزاد)، ويجري السرد بصورة حلزونية، ونحو الأعلى دوما، نحو الإثارة والجاذبية السماوية المقدسة، إعصار اخضر، يطفو بالاشياء، حتى الجبال تبدو كفلينة حقيرة الوزن، تشعر بأنه كان يصغي مع شهريار، في ذات الخيمة الملكية، وفي ذات السجاد الاحمر، والبخور العماني.
لايشبه ديستوفسكي، عالم كميائي عجوز، يمسك شخصياته بيده المعروقة، ثم يضعها تحت شريحة المايكروسكوب، مثل قطرة دم مصابة بالملاريا والحب والهوان، ثم يشرح الجسد، والخطوات والأحلام، بصبر الناسك، والعالم معا، فهو مثل ذبابة، تحوم وتلف حول هدفها، متجاهلة تهديد القارئ، تذب وتؤب، وماركيز (غراب ذكي)، نفور، متربص، لا يأتى على غرة، لاتقارن بينهم، (فالاشياء كلها لا تتشابه)، أحيانا ينسى ماركيز شخصايته (ذكر ذلك في مقال له)، ينسى ابنائه، خالق قاس، يخلق (ثم يصم اذنيه، ويغمض عينيه لشخوصه)، تئن الارض، وتلوذ سماء ماركيز بالصمت، مخلوق سقط سهوا من ذاكرة الإلهة، استفاد من ألف ليلة وليلة، أكثر من أهلها (الكوني، وغائب طعمة، وغالب هالس)، حيث الإميرة تجلس في خلوتها، كسولة، ريانة، تأكل الحب بكسل، وبشبع، وترمي بذرته، فتصيب البذرة قلب جني صغير، فتقتله، فتثور امه الجنية الكبيرة، ويجري ما يجري، مما لا يمكن تصوره، إلا في ألف ليلة وليلية، وأدب ماركيز، سرق وبجدارة مناخات التداخل بين الواقع والخيال، والذاكرة والاستشراف، سطا على ليال هندية وفارسية وبغدادية، خير سلف، لخير خلف، بل (حوار غلب شيخو، بإقتدار، ومعاصرة)، يميل للمبالغات، كشيوخ وأمراء الدولة العباسية والاموية (أعطى الفرزدق خمسون أ لف بعير محملة بالذهب، وعشرة ألف إبل محمولة بالياقوت، نظير قصيدة مدح،، فطوفان نوح، كان سببه دموع (فلورنيتيو).
أتحب سرفانتس، لأنه يتحدث عن الرجل وهيئته، وعن قلبه وجوائشه، وعن حذاءه وضحاياه، من الحشرات والنمل، وعن النمل وقوتها من السكر، وعن السكر وبلورة طمعه من الطين الصلصال، وعن الطين وهوانه وعظمته.. أتريد ان يمتد طرف الرواية للوراء والخلف، كي توازي نهر الزمن، ولكن من وصل للرقم الاخير في سلسلة الارقام؟ أعتى ميزانية لآله الحرب في العالم لم تصل لذلك..أهناك رقم أخير، بعد تتوقف الأرقام، (كم يسخر الإطلاق من خيالاتنا، وذاكرتنا)، ....
حين تنتهي الارقام ماذا بعدها؟ حين ينتهي الفضاء، ماذا بعده؟...
كل شئ ممكن مع ماركيز، فحين تكسر حبة فول سوداني، في نصوصه، تجد بداخلها جبل، وتطير منها فراشة مذعورة، وخلفها أسد يزأر، جائع، كل هذه الاشياء جزء من أحشاء حبة الفول السوداني، والباقي، والشاغر من بطن الفولة يحتله المكان المطلق، الذي تبحث عنه التلسكوبات والاقمار الصناعية، وهو مخبوء في حبة فول،.. الحروف السوداء لقلمه، تحمل كل هذا الهذيان الجميل، المثير..نذكر الفتى، عبارة (تفيض البحار بدموعي) قالها العاشق، ألم نقل بأنه وريث شعري للحلم الكوني، والخيال الخلاق..
وحين خلصت من الرواية، ووضعتها تحت مخدتي شعرت، بل أدركت، بأنني قد خرجت من الجنة للتو، ووضعتها، تحت مخدتي، بكل إطلاقها، وجبروتها الجميل!!..
ولأن للفتى، فراغ قروي عظيم، كان يحب ألف ليلة، وبدائع الزهور في وقائع الدهور، فقد شاهد، فقد شاهدت بأمي عنيني، كييف يقفز اللص العظيم ماركيز، من فوق سور الكتب القديمة، والملاحم الانسانية، وكيف يسرق العظيم، جزء عزيز، من بذر حكايته، من شرقنا الحبيب، فحكاية الغجر والمغناطسي، الذي سحر ماكندو، وحكاية الفتاة التي يطول شعرها، صورة طبق الأصل، من كتاب وقائع الدهور، (أن في بحر الهند جبلا، إذا قربت السفن من هذا الجبل، تناثرت مسامير الحديد التي فيها جميعا، وتأتي لتلتصق بهذا الجبل، حجر المغناطيس)(2)..
حكاية البنت التي يطول شعرها، يحكي ابن أياس (أن هناك مغارة بها رجال ونساء، ماتوا قبل دهور طويلة، وهناك أمرأة على حجرها طفل ترضعه، وذكر أن أهل تلك الناحية، القريبين من المغارة، يكسونهم الثياب، ويحلقون رؤوسهم، ويقلمون أظافرهم، وهم عظام عليها، جلود ولا أرواح عليها) (3)...
ثم تلك الرياح، التي تقلع الشجر، وتحلق بالأبقار، كأكياس النايلو، وبقايا الجرايد، فقد ذكر عالم الأرصاد الجوي، ابوعبدالله بن زكريا القزويني، في القرن السابع الهجري 605 ه (فتحدث بسيل ريح مستديرة، تشبة منارة، وتلف ذيلها كلب، ورفعته، والكلب ينبح في الهواء)، من كتاب: عجائب المخلوقات، وغرائب الموجودات، فصل (الرياح ودورانها، وكرة الماء)(4).
ماركيز، بطل الإرث الكوني، وراث للعقل والقلب الكوني، طوبى له، ولنا، بعقل وثاب، يدرك التناص، ويبتكر، من الإرث، نضارة، كما فعل مع الجميلات النائمات، (فهل غادر الشعراء من متردم، أم هل عرفت الدار بعد توهم)... التاريخ لولبي، الأنسان، واحد، ولكن زاوية الرؤية، هي ا لبكر، (ما جئت لأهدم، ولكن لأضع لبنة)، (ذكر ماركيز،وبورخيس)، أن كتاب "الف وليلة ولية)، موضوع قرب سرير النوم..
كما ان تحليق شمسه، التي سرقتها الرياح، في الهواء، يماثل تحليق ريمديس، وذوبانها في الاثير،
ومن أرق التناص، والتأسي، كتاب (الجميلات الجميلات)، وذكر غانياتي الحزينات، للعظيم ماركيز، والذي يجسد الثقافة الكونية، واحتفائه بتراثنا، أكثر منا، فقد حكى في "عشت لأروي"، بأنه عاش بين الكتب، ولا نسيان في لا شعور بني آدم، ولكن مخاض متجدد، ويعود السبت بعد الجمعة، وتغرب الشمس، وفي ذات الوقت، تشرق في بلدان أخرى..
وطوبى لنا، بسارق عظيم، للوعي الجمعي، يهضم، ويتذكر، أدق خلجات النفس البشرية، بمخيلة عبقرية، يعيد تعريفنا بحكاياتنا، وسوالفنا، ويضيف، ويهذب، ويصهر في خياله الخلاق، ويضيف ألقا، وسعة، وبركة في صدر القارئ، أنى كان، فتاريخ الإنسان، هو تاريخ الفنان الشخصي، يتعامل معه، كتجارب شخصية، بل ذاتية....
هوامش:
1. كتاب (فن الكتابة)، تعاليم شعراء الصين، ص 112 توني بارنستون/وتشاوبينغ
2. كتاب: بدائع الزهور، في وقائع الدهور، أبن أياس. باب ذكر أخبار الجبال
3. كتاب: بدائع الزهور، في وقائع الدهور، ص 31
4. كتاب: عجائب المخلوقات، وغرائب الموجودات، فصل الرياح ودورانها.
5. حكاية شمسة (حكاية الليلة والثلاثة والثلاثين في المائة الخامسة)، ألف ليلة وليلة.
6. ححكاية حج الراعي للكنز، ألف ليلة (الخميائي)، الزهير، ومقدمة الخميائيي بعد مرور اربعين عام على نشره. كويلهو.
بقلم: عبدالغني كرم الله
عبدالغني كرم الله [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.