مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





جدلية الواقع والفن في أدب جابرييل قارسيا ماركيز - قراءة في مذكراته .. بقلم: عبد المنعم عجب الفيا
نشر في سودانيل يوم 21 - 06 - 2009

بعد طول إنتظار وتلهف من قبل القراء وتحت عنوان " نعيشها لنرويها " صدرت قبل بضع سنوات مذكرات الكاتب الكولومبي الأشهر جابرييل قارسيا ماركيز ، وفور صدروها تلقفها المترجمون ونقلوها الى العديد من لغات العالم ومن بينها العربية حيث يتمتع ماركيز بشعبية عريضة بين المثقفين وعامة القراء .وما أمتع قراءة المذكرات وأحلاها ، بقلم روائي مثل ماركيز ، فهو إلى جانب أنه قاص و" حكاي " لا يشق له غبار ، فانه ذو اسلوب صحفي نادر وسيناريست محترف.
وتكشف هذه المذكرات عن خاصية ذات دلالة ومغزي كبيرين وهي أن قصص وروايات ماكيز هي جزء من حياته وذكرياته وأيام طفولته حيث تجد ان كثيرا من الوقائع والحكايات التي يسردها قد وردت بحذافيرها في رواياته وقصصه. ولا ينسى ماركيز ان ينعش ذاكرتك بين الفينة والاخرى وانت تبحر معه في عوالم سيرة حياته المختلفة ، بانه قد افاد من هذه الواقعة او تلك في كتابة القصة الفلانية او الرواية العلانية ، مما يدل على ان ماركيز على وعي وادراك كامل بدلالة توظيف هذه الذكريات في أعماله السردية. الأمر الذي يفتح باب الاسئلة على مصراعيه من جديد ، عن علاقة النص الأدبي بالواقع وإلى اي مدي يمكن للفنان ان يفيد من تجاربه وذكرياته في صياغة عوالم فنه الروائي والقصصي.
اذكر انه حينما اعلن فوز ماركيز بجائزة نويل في الآداب سنة 1982 اطلق النقاد على اسلوبه السردي ، الواقعية السحرية ، لكونه يجمع بين الواقع والاسطورة في نسيج قصصي ساحر. ولكن يبدو ان ماركيز لم يروقه هذا الوصف ، فعلق على ذلك في حوار صحفي اجرى معه ونشر في مجلة الدوحة في ذلك الوقت ، بقوله :" انني لم اكتب سطرا واحدا لا يستند إلى واقع ، فأول سطر في ( مائة عام من العزلة ) تجربة حدثت لي شخصيا. فعندما كنت طفلا صغيرا قلت لجدي أنني لم أر الثلج أبدا ، فأصطحبني إلى معسكر شركة الموز الأمريكية وأمر بفتح صندوق من الفاكهة المثلجة جعلني أضع يدي فيه ، فانبثقت رواية ،مائة عام من العزلة ، من هذه الصورة " .
وبهذه الصورة التي يبدو انها قد حفرت عميقا في الذاكرة منذ الطفولة الباكرة استهل ماركيز رواية مائة عام من العزلة بهذا المشهد : " تذكر الكولونيل اوريليانو بوينديا ، وهو يقف أمام فرقة الاعدام ، عصر ذلك اليوم البعيد الذي أصطحبه فيه والده للتعرف على الثلج لأول مرة ."
لاحظ كيف انبثقت ذكرى التعرف على الثلج من لحظة اطلاق النار وتامل المفارقة البديعة في الجمع بين الضدين ، الثلج والنار ، في نقطة التلاشي : الإعدام ! انها عبقرية الاستهلال التي برع فيها قارسيا ماركيز.
ومن المعروف ان ماركيز يتخذ من قرية وهمية تدعى " ماكندو " مسرحا لاحداث عدد من نصوصه. غير ان ماكندو ليست من نسج الخيال المحض وانما لها خلفيتها في ارض الواقع فهي اسم مزرعة للموز بالقرب من اراكاتاكا مسقط راس ماركيز ومرتع صباه .
يقول في مذكراته ، ان اسم ماكندو كان مكتوبا على باب المزرعة وقد لفت نظره منذ الطفولة في جولاته الاولى مع جده وحين كبر اكتشف وقعه الشعري ثم شيئا فشيئا اعجبه وقعه الموسيقي دون ان يدرك معناه او دلالته . ولكنه عرف فيما بعد ، بمحض الصدفة من موسوعة ان ماكندو اسم لشجرة استوائية ، ثم عرف من الموسوعة البريطانية ان هنالك سلاسة في تنجانيقا تعرف بسلالة آل ماكندو .
و ماكوندو المتخيلة هي وجه من وجوه التعبير الرمزي الفني لعالم قريته ، اتخذه كقناع لصياغة عوالم روايته وقصصه والنفاذ من خلالها لتصوير رؤيته الكونية لبلده وللعالم. وفي شيء من النوستالجيا ، يسترجع ماركيز في مذكراته صورة القرية في ايام طفولته ، فتبدو وكأنها هي ماكندو الموصوفة في رواية (مائة عام من العزلة ) حيث يقول متاملا :
" كنت أتذكرها كما هي مكانا حسنا للعيش ، الجميع فيه يعرفون بعضهم بعضا على ضفة نهر تتدفق مياهه الصافية في مجرى من الحجارة الضخمة المصقولة البيضاء كانها بيض ما قبل التاريخ . كانت جبال سييرا نيفادا في سانتا ماريا تبدو عند الغروب وخاصة في كانون الأول حين ينقضي موسم المطر ويصبح الجو ماسيا كانها تقترب بقممها البيضاء من مزارع الموز على الضفة المقابلة. وكان الهنود الاورهاكويون يهرعون وهم يجرون اكياس الزنجبيل ويمضغون كرات الكوكا يشغلون بها حياتهم .. "
وهذا الوصف يكاد يكون صورة طبق الاصل لماكندو الموصوفة في السطور الاولي من رواية مائة عام من العزلة:" .. كانت ماكوندو في ذلك الوقت قرية صغيرة تتكون من نحو عشرين بيتا من العيدان والقصب ، بنيت على حافة نهر تنساب مياهه الشفافة في مجرى حجارة ملساء بيضاء كبيرة كانها بيض ما قبل التاريخ .كانت الدنيا غضة ، وبعض الاشياء بلا اسماء ، يكتفى في التعرف عليها بالاشارة .وكانت تاتي في مارس من كل عام ، عائلة من الغجر رثة الثياب تنصب خيمتها في طرف القرية وتعرض على الناس مخترعاتها العجيبة ، وسط صخب شديد من زعيق المزامير وقرع الطبول .. "
اما قصة الحب في رواية (حب في زمن الكواليرا) التي جمعت بين عامل التلغراف وعازف الكمان الانيق ، وبين تلك الحسناء الخجول ، فهي في الواقع مستوحاة من العلاقة الغرامية التي جمعت بين والديه.
حيث كان والد ماركيز بالفعل يعمل موظفا للتلغراف وعازفا للكمان في ارتاكاتا حين وقع في غرام والدة ماركيز. وكان كل من والدي ماركيز يحكيان له قصة غرامهما الشيقة وفي كل مرة يضيفان ويحذفان . ويبدو انها كانت قصى شائقة الى الحد الذي جعلت والد ماركيز ينوي وضع كتاب عن تلك الذكريات الغرامية ، ولكنه تخلي عن الفكرة عندما علم برواية ( حب في زمن الكوليرا ) .
ويحكي ماركيز عن ذلك في مذكراته قائلا: " ..بعد ستين عاما سألت أبي حين حاولت ان اسطو على هذه الذكريات لروايتي الخامسة (حب في زمن الكوليرا ) عما اذا كان يوجد في لغة التلغراف الاصطلاحية كلمة محددة لعملية الربط بين مكتب واخر . لم يحتج الى التفكر فاجاب التعشيق . فالاتصال بين مكتب واخر كان يتم من خلال مفتاح موجود على لوحات الطرفيات البرقية . لكني لم أناقش ذلك مع والدي و حين سالوه في مقابلة صحفية قبيل وفاته عما اذا كان بوده لو كتب رواية ، أجاب : نعم ! ولكنه تراجع حين سألته عن كلمة التعشيق فقد اكتشف ان الكتاب الذي كنت اكتبه هو ذاته الذي فكر بكتابته . "
وفي مفارقة تراجيدية يمزج ماركيز بين الحب والموت ، بين الايروس والناتوس ، في رواية( الحب في زمن الكوليرا ) حين يفتتح الرواية بمشهد انتحار المحارب القديم الذي وضع حدا لحياته للتخلص من ذكرياته الأليمة حيث تبدا الرواية هكذا :
" لا مناص : ان رائحة اللوز المر كانت تذكره دوما بمصير الغراميات غير المواتية. ذلك ما أدركه الدكتور خوفينال اوربينو منذ دخوله البيت الذي مازال غارقا في الظلام ، فاللاجيء الانتيلي جيرمادي سانت امور ، مشوه الحرب ومصور الاطفال واكثر خصومه في لعبة الشطرنج ، قد تخلص من عذابات الذكرى باستنشاقه ابخرة سيانور الذهب "
هذا المشهد هو في الواقع قصة حقيقية وقعت في القرية وهو احد شهودها حين كان طفلا يافعا يجرى من تحت جده .
ذلك الشخص البلجيكي في الواقع كما يقول ماركيز في مذكراته جندي سابق في الحرب العالمية أصيب في الحرب وبترت ساقه وعاد للتقاعد والعيش في القرية والتكسب بادرة استديو للتصوير الفوتغرافي . وكان ذلك الرجل صديقا لجد ماركيز الذي كان كثيرا ما يصطحب معه الطفل ماركيز الى استديو ذلك الشخص للعب الشطرنج . و كان اللعب يستمر دائما الى وقت متاخر من الليل وطوال هذه الساعات يظل الطفل منتظرا فيصاب بالملل والنعاس حتى صار ينفر من ذلك الرجل العجوز .
حين علم الطفل ماركيز بخبر انتحار الرجل وذهب مع جده لمشاهدة جثته ، خاطب جده بكل عفوية وبراءة : " اذن ان البلجيكي لن يلعب الشطرنج ثانية " . فصارت هذه الجملة مصدرا للضحك والتندر بين أفراد أسرة ماركيز. ويقول ماركيز ان هذا التعليق رغم بساطته قد أعطى الاشارة الأولى على عبقريته الروائية .
وكان الجد قد حمل الطفل ماركيز حملا الى بيت البلجيكي لمشاهدة واقعة الانتحار التي يتذكر تفاصيلها كما انها وقعت بالامس: " هنالك كانت الجثة مغطاة ببطانية على سرير عسكري فردي والعكازان تركهما صاحبهما قريبا منه قبل ان يستلقي ليموت والى جانبه وعلى مقعد صغير السطل الذي بخر فيه السيانيد وورقة كتب عليها بحروف كبيرة مرسومة بالقلم لا تتهموا احدا قتلت نفسي لانني أحمق ."
وبعد سنين طويلة يسترجع هذه التفاصيل في مخيلته عند عودته الى قريته في صحبة امه فيصفها في مذكراته بقوله: " مررنا بالدار التي كان يعيش فيها دون اميلوا المعروف اكثر بالبلجيكي الجندي المحنك في الحرب العالمية الاولى الذي فقد ساقيه في حقل للالغام في النورماندي ونجا ذات احد من آحاد العنصرة من عذاب الذاكرة باستنشاق بخار حمض الذهب . لم اكن قد تجاوزت الست سنوات ومع ذلك اتذكر الهرج والمرج الذي احدثه الخبر في السابعة صباحا كأنه البارحة."
وهكذا كل هذه المشاهد الواقعية لحادثة انتحار ذلك الرجل ، نقلها ماركيز بحذافيرها في مفتتح رواية الحب في زمن الكوليرا. هذا اضافة الى روايات وقصص قصيرة اخرى يقول ماركيز انها انبثقت عن تجارب حقيقية حدثت له وعايشها مثل رواية (ساعة نحس) وقصة ( الاوراق الذابلة ) وغيرها. وكان ماركيز قد ذكر في الحوار الصحفي المشار اليه ، أن رواية ( قصة موت معلن ) قصة حقيقية وقعت أحداثها سنة 1951م وأنه لم يكتبها إلا في سنة 1981م وأن بعض شخصياتها هم أقربائه وأصدقائه .
كذلك تضمنت المذكرات العديد من الوقائع التاريخية والحوادث السياسية والاجتماعية الاخرى التي نجدها معالجة فنيا في نصوص ماركيز الابداعية مثل حرب الالف يوم ، ومذبحة مزارع الموز ، وقصة صعود وانهيار شركة الموز المتحدة الضخمة (ينايتد فروت كومبني ) والانقلابات العسكرية وحكم الجنرالات والحروب بين دول امريكيا اللاتينية وغيرها.
ان هذا التشابك بين الواقع وعالم الفن المتخيل على النحو الذي بسطه ماركيز في مذكراته يعيد من جديد طرح مكانيزم العملية الابداعية ويجعلنا نعيد النظر في مقولات تم التعامل معها في الماضي كمسلمات نهائية مثل مقولة (موت المؤلف ) مثلا . فمع التسليم باستقلالية النص الادبي وبانه ليس سجلا لسيرة الكاتب ولا ينبغي له أن يكون .الا ان النص الأدبي لدى التحليل الأخير هو محصلة لتفاعلات الكاتب الذاتية في جدله مع المحيط التاريخي والاجتماعي الذي يتحرك ويكتب فيه فتجارب الكاتب وذكرياته وعلاقته الاجتماعية ونزعاته الفكرية والفنية ، تشكل المادة الخام التي يستمد منها الكاتب رؤاه وعوالمه القصصية والروائية . وذلك بخلاف ما روجت له بعض نظريات ما بعد الحداثة في مسعاها الى عزل النص الأدبي عن كاتبه إلى حد التضحية بالكاتب والإعلان عن ( موت المؤلف ) إمعانا في نفي الغائية والقصدية وكل ما له علاقة بمكتسبات الكاتب ومقدراته الفردية كما ذهب إلى ذلك الأديب والناقد الفرنسي رولان بارت .
وكان رولان بارت قد اتخذ مما ، عرف في الخمسينات والستينات في أوربا (بالرواية الجديدة ) نموذجا لتجسيد مقولة(موت المؤلف) حيث يجرد السرد الروائي من تأثير العنصر الإنساني وتصور الأشياء والأحداث كأنها تحدث بمعزل عن إرادة الفرد. حتى الشخصيات ينظر إليها كأشياء وأدوات وأفعال وليست كذوات فاعلة .
ولكن آلن روب رائد ما عرف بالرواية الجديدة ، ينكر ما قيل عن حكاية موت المؤلف في رواياته ، ويقول في الحوار الذي اجرته معه مجلة (الكرمل ) العدد 30/1988 أن الأمر لا يعدو أن يكون " خدعة سببها رولان بارت وشارك هو نفسه فيها ." ويضيف : " أنني لم أكتب يوما أي شئ إلا عن نفسي " حتى أشهر رواياته ( الغيرة ) التي اتخذت كمثال على مقولة موت المؤلف يقول عنها : " البيت الموصوف بدقة هو نفسه إلى حد ما ، ذلك الذي أقمت فيه في فورد دوفرانس ، والرواية كلها تجربة حقيقية عشتها . ولكنى كنت الجار لا الزوج ،.. فالعناصر الواقعية تضاف إلى الأخرى المتخيلة وتتحول إلى شئ مختلف تماما " .
ويكاد يجمع كبار كتاب القصصص والروايات ان ذكرياتهم هي الرصيد والمعين الذي يصدرون عنه ويصيغون منه ، عوالم فنهم . ويعدون مرحلة الطفولة المكون الاعظم لذلك الرصيد والمعين . فالطيب صالح مثلا يعلق أهمية خاصة على مرحلة الطفولة في صياغة عوالمه الإبداعية إلى حد انه يقول : " .. أعتقد أن الشخص الذي يطلق عليه لفظ كاتب أو مبدع يوجد طفل قابع في أعماقه ، والإبداع نفسه ربما فيه البحث عن هذه الطفولة ، والأدب برمته بحث عن فردوس ضائع .. كان عالم الطفولة بالنسبة إلى فردوسا ، ااا " .
ففي رواية ، عرس الزين " الشخصيات هي أهلي كما عرفتهم إلى حد كبير . بيد أن في هذا العمل طبعا عنصر الفن المتعمد ، أي الدفع بالشخصية إلى أقصي مدى ممكن ، أقصي حدود تحملها " .
ونحن نرى ان عبارة : الفن المتعمد ، هنا ، تلخص العملية الابداعية كلها حيث يعمد الفنان الى اعادة انتاج وتشكيل الوقائع والاحداث لتكون المحصلة مخلوقا جديدا وفق رؤيته الفنية .ويفصح الطيب صالح اكثر عن سر ذلك التخلق الفني بقوله : " تجدني دائما أقول أنني أعتمد على إنصاف الحقائق والأحداث التي يكون جزء منها صحيحا والآخر مبهما .. هذا يلائمني تماما .. بمعني آخر تكفيني جملة سمعتها عرضا في الشارع لاستوحى منها جملة واحدة أسمعها قد تثير في نفسي أصداء لا حدود لها " .
ويؤكد الروائي صنع الله ابراهيم على ذلك في الحوار الذي اجرته معه الدوحة ونشر بعدد ديسمبر 2008 ويقول : " النقطة المهمة في الموضوع انني اعتبر ان اي عمل يقوم به كاتب او فنان في اي مجال من الفنون به عنصر مهم جدا من السيرة الذاتية سواء كان ذلك بشكل مباشر او غير مباشر فاحساس الفنان مثلا بالون معينة مرتبط بالطفولة واحساس الموسيقى بنغمة معينة مرتبط بالطفولة والمواقف التي يلجا لها الكاتب في اعماله اذا كانت مواقف اصلية غير مفتعلة تكون نتاج تجربة اصلية اما حدثت له او عايشها. "
غير انه يجب ان نكون حذرين حتى لا نقع في الخلط بين ذكريات الكاتب وهي موجود كمادة خام على ارض الواقع وبين وجودها وهي ممثلة ومعاد انتاجها على المستوى الفني في جسد النص الروائي. بلا شك ، ان القاريء المتمرس ، العالم بطبيعة هذه العلاقة الجدلية لا يقع في مثل هذا الخلط .فهو يتعامل مع النص الروائي كعالم متخيل مستقل بذاته بغض النظر عن العناصر الواقعية التي ساهمت في تشكيله.
ان معرفة السياق التاريخي والاجتماعي والذاتي يعيننا بلا شك على اضاءة وتذوق اعمق للنص ولكن لا ينبغي ان تكون هذه السياقات التي تشكل الاطار الخارجي او الزمان المرجعي بديلا للنص. فالاصل ان نتذوف النص ونتفاعل معه كفضاء ابداعي له استقلاليته من غير ان يقود ذلك بالضرورة الى الحكم بموت المؤلف او إهدار الزمان المرجعي لكتابة النص.
مصادر :
نعيشها لنرويها – جابريل قارسيا ماركيز – ترجمة رفعت عطفة – ورد للطباعة والنشر – سورية – طبعة اولى 2003
حوار جابرييل قارسيا ماركيز – مجلة الدوحة - عدد نوفمبر 1982.
مائة عام من العزلة – جابرييل قارسيا ماركيز- دار العودة - بيروت .
الحب في زمن الكوليرا – جابرييل قارسيا ماركيز- ترجمة صالح علماني – دار المدى – طبعة اولى 1998
حوار مع آلن روب غرييه – مجلة الكرمل – عدد 30 /1988.
الطيب صالح – عبقري الرواية العربية – دار العودة بيروت- الطبعة الثالثة 1981 .
على الدرب .. مع الطيب صالح – طلحة جبريل – مركز الدراسات السودانية 1997


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.