الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    البرهان يفاجئ الجميع بشأن استقالة    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    منع مشاركة أي وزير في أعمال أي لجان أو مجالس أو كيانات خارج نطاق الحكومة إلا بإذن من رئيس الوزراء    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    مجلس السيادة ينعى للشعب السوداني وفاة 21 شخصا من منطقتي ديم القراي وطيبة الخواض    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محادثات سلام دارفور: مأزق الإقليم الواحد وخيار الإستفتاء ... بقلم: موسى محمد الدود
نشر في سودانيل يوم 18 - 12 - 2010

من يتتبع التطور التاريخي لتوزيع مراكز السلطة في دارفور سيدرك حقيقة جوهرية، وهي أن منطقة دارفور قبل العام1916م لم تكن في حقيقة الأمر إقليماً واحداً يخضع لسطة مركزية واحدة.بل كانت دارفور رقعة جغرافية تحكم بعض أجزائها سلطنات مستقلة عن بعضها البعض من أشهرها سلطنة قبيلة المساليت التي كانت تسيطر على أجزاء من ولاية غرب دارفور الحالية.وسلطنة قبيلة الفور التي كانت تحكم أجزاء واسعة من ولايتي شمال وجنوب دارفور.وسلطنة قبيلة الداجو التي كانت تحكم جزء كبير من الأراضي الواقعة إلى الشرق من مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور. وأما باقي مساحة دارفور الحالية،فقد كانت مناطق تقع خارج نطاق حدود سلطة هذه السلطنات وكانت تخضع لسيطرة زعماء القبائل الذين يتحكمون في أراضي ديار قبائلهم بإستقلال تام عن بعضهم البعض(مثلا:دار الميدوب، دار الزغاوة،دار الرزيقات...الخ).
مدخل أول:
قد يحاجج البعض بأن مفردات التاريخ المروي تشير إلى أن دارفور خضعت لسلطة الحكم التركي المركزية بالخرطوم بعدما دكت سنابك خيول الزبير باشا حصون الرزيقات وقتلت السلطان إبراهيم قرض في معركة منواشي.ولربما قد يكلف البعض نفسه بإعطاء دروس عصر عنوانها الرئيسي أن دارفور دانت لسلطة الدولة المهدية المركزية بأم درمان بمجهوات عثمان جانو لإخماد جذوة ثورات الثوار الدارفوريين .بيد أن القول الصريح الذي لابد من التذكير به هو أن سلطة المركز (الخرطوم ) على دارفور في فترتي التركية والمهدية كانت وقتئذٍ إسمية.لأن السلطات الفعلية لحكم الناس في دارفور ظلت في أيدي الزعماء القبليين(السلاطين والشراتي والنظار) وإلى يوم الناس المشهود.صحيح قد ينافح البعض بالقول أن سلطة المركز أياً كانت هي السلطة الأعلى على السلطات المحلية في دارفور ومع ذلك لابد من التفريق بين سلطة ترضى بقبولهاغالبية الدارفوريين كما هو الحال بعد العام1956م وحتى الآن وسلطة مركزية أخرى يعوزها السند الجماهيري.
وما لا ينكره إلا مكابر هو أن الإنتماء القومي قد ترسخ وسط الدارفوريين بعد ضم دارفور بشكل نهائي لخريطة السودان الجيوسياسية في العام1916م.بيد أ ن الإنتماء القومي قد ثبطه عدم السعي الجاد من المركز لتحقيق التوازن التنموي والتقسيم العادل للسلطة والثروة.علماً أن أخطر ما أوهن عرى التمازج القومي وسط الدارفوريين هو الإضعاف الممنهج لسلطة الزعماء القبليين حيناً وتسيسهم في أحايين كثيرة ترجيحاً لكفة السلطات المركزية من دون السعي الجاد لإجتثاث التخلف التنمويي من دارفور عند السعي لإدغامها في ا لإطار الجيوسياسي لدولة السودان القومية.بيد أن ذلك الإدغام ،الناقص في مجمله، لم يدق إسفين القطيعة بين الدارفوريين والإنتماء للمركز السوداني ،تأكيداً ونفساً، وإن لم يفلح في محوِ الإنتماء القبلي والجهوي من مخيلة التفكير الجمعي للدارفوريين على الرغم من مرور الكثير من المياه السياسية تحت الجسر.
وقد تبدى الإنتماء الجهوي للدارفوريين في العقود الأخيرة بوضوح عندما تفتقت ذهنية الحكم المايوي في ثمانينات القرن العشرين عن فكرة دمج إقليمي كردفان ودارفور في كيان واحد تجتمع سلطاته في يد حاكم واحد يأتمر بأمر المركز ألا وهو الطيب المرضي.حيث تسبب ذلك في حدوث مظاهرات عمت أرجاء دارفور تراجع على إثرها النظام المايوي عن فكرته المركزية لتعود دارفور إقليماً موحداً في ظاهره ولكن في حقيقته ظل مقسماً إدارياً إلى مديرتي شمال وجنوب دارفور وإن بدأ يهتري نسيجه الإجتماعي قبلياً بفعل تصرفات خاطئة إفترعها الحاكمون من بنيه.
مدخل ثان:
صارت القبلية في دارفور متجذرةً لأبعد الحدود على مستوى السلطة المحلية و بمباركة السلطات المركزية في فترة الديمقراطية الثالثة:1986-1989م.حيث تم حينئذٍ تقنين وترسيخ ديمقراطي لمبدأ الإستوزار القبلي بدارفور. فما أن يدخل الفرد وقتئذِ في ردهات وزارة من الوزارات الدارفورية إلا وتذكم أنفكه رائحة القبلية النتنة و التي تتبدى بجلاء في سحنة أفراد قبيلة الوزير المسيطرين على شئون الوزارة بدءاً من خفير تلك الوزارة وحتى سكرتارية مكتب الوزير.وقد تصاعدت على أثر ذلك النعوت من شاكلة:هذه وزارة قبيلة العلانية وتلك وزارة القبيلة الفلانية في تطفيف بين لمبدأ التمييز الإيجابي ودوره في خلق التوازنات السياسية.والشيء المؤسف حقاً هو أن على رأس كل وزارة من هذه الوزارات الدارفورية وزير مفروض على شعب دارفور مركزياً ضمن سيرته عبارات تفيد بتخرجه في الجامعة العلانية ومع ذلك لا يربأ بنفسه عن الغرق حتى أخمس قدميه في القبلية و التسربل بملفحة الجهوية وإن على مستوي المكونات المكانية لدارفور؟؟!. حيث لا غرو في دهر هكذا شيمة حاكميه أن تزداد في جنباته حدة الصراعات القبلية في دارفور.
مدخل ثالث:
عند مجيء حكومة الإنقاذ في العام1989م وجدت دارفور إقليماً إدارياً يتم حكمه من مدينة الفاشر بالرغم من أنه عملياً مقسماً إلى كيانين إداريين هما:مديرية جنوب دارفور وعاصمتها نيالا ومديرية شمال دارفور وعاصمتها الفاشر.حيث بشر بيان الإنقاذ الأول بمعالجة الصراعات القبلية بدارفور.وفي باديء الأمر بذلت الإنقاذ مجهودات تكللت بعقد مصالحات قبلية ناجحة وإن لم تتمكن من القضاء على المنازعات القبلية.
والصحيح كذلك هو أن تطبيق نظام الحكم الفدرالي في دارفور قد سحب البساط من هيمنة الحاكمين لإقليم دارفور من مدينة الفاشر.ونسبةً لتقسيم إقليم دارفور إلى ولايتين،جنوب وشمال دارفور،فقد صارت قبائل النخب التي ظلت تحكم دارفور لفترة طويلة موزعة بين الولايتين المذكورتين سلفاً، مما حرم هذه النخب من إمتيازات الوظيفة والإستوزاروكم أضعف ذلك من وزنها السياسي في نظر المركز(الخرطوم).
ولكن التغيير الجوهري هو أن تطبيق النظام الفدرالي جعل العلاقة مباشرة بين الحكومة المركزية وولايتي شمال و جنوب دارفور .حيث لم تعد لمدينة الفاشر السيطرة على باقي الأجزاء الغنية بالموارد في جنوب دارفور.بل تم تقصير الظل الإداري في ولايتي شمال وجنوب دارفور معاً بمزيد من التقسيم الإداري ،بحيث صار سكان المحليات البعيدة عن مراكز السيطرة في مدينتي الفاشر ونيالا على إتصال مباشر مع المركز(الخرطوم)، مما زاد معه الوعي السياسي بالحقوق.وقد ولد النظام الفدرالي وما خلفه من حراك إرتفاع نداءات وسط الدارفوريين ولا سيما سكان الريف تطالب بإنشاء المزيد من المحليات والولايات لتعمير القرى والأرياف التي لم تنل حظها التنموي عندما كانت دارفور إقليماً واحداً.
مدخل رابع:
يمكن القول، إجمالاً ، أن تطبيق النظام الفدرالي في دارفور إمتد أثره ليضرب البنية الوحدوية للهياكل الإدارية والكيانات الإجتماعية للدارفوريين. حيث تم تقسيم دارفور إلى ثلاث ولايات(شمال وغرب وجنوب).ونجم عن ذلك حدوث إنقسامات وسط الروابط الطلابية والجمعيات والروابط القبلية للدارفوريين.إذ تقسمت بفعلها إلى عدة روابط وكيانات أتخذت مسميات سارت حسب التقسيمات الإدارية للولايات والمحليات الجديدة وذلك ليس على مستوى ولاية الخرطوم فحسب، بل شمل كل أنحاء السودان.وقد ولدت هكذا تقسيمات المزيد من الحراك السياسي والإنكفاءات القبلية ولا سيما عندما صارت حدود المحليات الدارفورية تتطابق تماما مع حدود دار القبيلة الواحدة، مما ولد المزيد من الصراعات السياسية والقبلية.
واللافت للنظر أن الهياكل الإدارية والسياسية الناجمة عن نشوء ولايات دارفور الثلاث قد شكلت من جانب بوتقةً لتفريخ العديدة من الكوادر السياسية .ومن ناحية زادت من الوعي الشعبي بأهمية المطالبة بالحقوق والإنتماءات الواجبات الوطنية وإن يؤخذ عليها تنامي النزعة المحلية نحو تعامل الدارفوريين بالندية ليس مع المركز فحسب، بل على مستوى المجالس المحلية داخل ولايات دارفور الثلاث.
مدخل خامس:
تأسست حركة تحرير السودان في باديء الأمر بإسم حركة تحرير دارفور وبرزت على السطح في العام2003م بقيادة عبدالواحد محمد النور أحد طلائع الخريجين الذين أثمرتهم ثورة التعليم العالي.وكان بروزها قد تم في ظل واقع دارفوري معقد يمثل الإنتماء القبلي أهم مكوناته.حيث أفلح عبدالواحد في تكوين الجناح المسلح وحركته في باديء الأمر بالإستثمار في الغضب الذي تراكم وسط أفراد قبيلته الفور بفعل تداعيات الصراعات التي ظلت تدور بين المزارعين من قبيلة الفور والرعاة من القبائل العربية منذ أن أجدب الجفاف مراعي دارفور في ثمانينات القرن العشرين.وقد إزدادت هذه الحركة قوةً وزاد نعتها بالتوجهات القبلية في توجهاتها بعد إنضمام مجموعة من أفراد قبيلة الزغاوة بقيادة منى أركو مناوي إليها وذلك بعد أن خاض بعضهم مواجهات مسلحة مع بعض أفراد بوادي القبائل العربية في غرب دارفور.
وقد تزامن بروز معسكرات حركة تحرير دار فور في منطقة جبل مرة مع مواجهات قبلية بين أفراد من قبيلة المساليت وبعض أفخاذ القبائل العربية بولاية غرب دارفور.وصحب ذلك تطاير إشاعات ،هنا وهناك، في دارفور تشير إلى أن حركة تحرير دارفور إختارت لنفسها شعاراً يتكون من كلمة"مفز" كرمز لقبائل المساليت والفور والزغاوة بغية تحرير دارفور كلها أولاً من العنصر العربي الذي يشكل مخلب قط وجاسوسية لصالح سلطات الحكومة، ومن ثم تتم المواجهة العسكرية مع السلطة المركزية في العاصمة الخرطوم.و لسوء الحظ لم يصدر أي بيان من حركة عبدالواحد لنفي أو تأكيد هذه الإشاعات العنصرية في ظل تنامي المد القبلي غير العربي نحو الإنضمام لمعسكرات الحركة في وحول منطقة جبل مرة.
مداخل سادس:
تسببت الإشاعات التي صاحبت نشوء حركة تحرير دارفور في بلبلة قادت إلى تململ القبائل العربية في دارفور ولا سيما في ولايتي شمال وغرب دارفور.وفي هذه الأثناء حاول بعض أعيان القبائل العربية بشمال دارفور وفي مقدمتهم ناظر المحاميد موسى هلال تنبيه والي ولاية شمال دارفور(الفريق إبراهيم سليمان) بخطورة تنامي الحركات المسلحة.ولكن الوالي ضرب عرض الحائط بتلك التنبيهات مما قاد لسوء فهم بينهم وبين هؤلاء الأعيان تواترت على أثرها تقارير من الفاشر للسلطة المركزية بالخرطوم تفيد بتهديد هؤلاء الأعيان للسلام الإجتماعي بدارفور.وقد نجم عن ذلك قيام السلطات بإعتقال الأعيان وترحيلهم من دارفور للحبس في سجن مدينة بورتسودان.
وفي هذه الأثناء تواصلت هجمات حركة تحرير دارفور على نقاط ومراكز الشرطة في دارفور إلى أن دخلت مدينة الفاشر.وعليه،فقد جاء رد فعل الحكومة المركزية على ذلك الهجوم قوياً.فمن ناحية تم إعطي الحل العسكري الأولوية لحسم التمرد ومن ناحية أخرى تم التحري من جديد مع الأعيان المسجونين في بورتسودان وتم إطلاق سراح هؤلاء من الأعيان بعدما تبين للحكومة صدق حدسهم تجاة تصرفات حركة التمرد الجديدة.
وقد رجع الأعيان لبواديهم وعبأوا أفرادها للدفاع عن أنفسهم ، بل أنخرط بعضهم في مواجهات مسلحة مع حركة تحرير دارفور.وقد تم تضييق الخناق بفعل ذلك على هذه الحركة في معاقلها في منطقة جبل مرة وولايتي شمال وغرب دارفور.وكاد مؤسسها عبدالواحد أن يلقي حتفه حينها لولا تدخل الحركة الشعبية لتحرير السودان لإنقاذه.ومن الإفرازات التي صاحبت توسيع نطاق المواجهات العسكرية في دارفور ظهور اللاجئين الدارفوريين في خارج السودان ومعسكرات النازحين حول مدن دارفور الكبرى ،مما نجم عنه تدخل أوسع من المجتمع الدولي لإغاثتهم.
مدخل سابع:
جاء رد فعل حركة تحرير دارفور على تعامل الحكومة العسكري معها عقب هجومها على مدينة الفاشر مرتكزاً على العديد من الإتجاهات.فمن جانب قامت الحركة بتسويق الصراع في دارفور إعلامياً بحسبانه حرب بين الجنجويد(الدارفوريين العرب) الذين تساندهم الحكومة والدارفوريين الأفارقة(الزرقة) الذين لا حول لهم ولا قوة.ومن ناحية أخرى تم تحوير إسم حركة تحرير دارفور لتصبح حركة تحرير السودان لتنفي عنها صفة العنصرية. ولكن على الصعيد الإجتماعي إذدادت هوة عدم الثقة بين الدارفوريين العرب والدارفوريين غير العرب مما زاد من التشرزم والشروخ في جدار البنية الإجتماعية لللمجتمع الدارفوري.
وقد زادت وتيرة العنف في دارفور عقب الإنشقاق الذي حدث في صفوف الإسلاميين في العام2004م.حيث أنضم معظم الدارفوريين في باديء الأمر إلى المؤتمر الشعبي.ومن ثم أتجه جلهم إلى دارفور وخارج السودان للإعلان عن نشوء حركة العدل والمساواة كفصيل مسلح لمحاربة الحكومة المركزية.ولكن من المفارقات أن الإسلاميين في قيادة حركة العدل والمساواة قد إرتكبوا نفس الخطأ الذي وقعت فيه حركة تحرير السودان بتصويرهم للصراع في دارفور إعلامياً بحسبانه حرباً عنصرية وإبادة جماعية يرتكبها الدارفوريين العرب (الجنجويد) الذين يهاجمون الدارفوريين الأفارقة لقتلهم بالوكالة عن الحكومة السودانية.وقد كانت المحصلة النهائية لذلك تدخل المجتمع الد ولي بذات الفهم الخاطيء في أغلبه من جهة ومن جهة أخرى تسبب الطرق الإعلامي الإثني في حدوث فرز إثني حقيقي وسط المجتمع الدارفوري المنهك أصلا ً بالصراعات القبلية.
مدخل ثامن:
لقد تدخل الجيتمع الدولي في المسألة الدارفورية منذ العام2004م وحتى تاريخه لإيجاد حلول مرضية لأطراف الصراع الدارفوري دون جدوى على الأقل حتى زماننا هذا.ومن خلال هذا التدخل أصبح طريق التفاوض سالكاً بين أطراف النزاع.وقد كان القاسم المشترك الأعظم خلال جولات التفاوض بدءاً من محادثات أبوجا/2006 وحتى محادثات الدوحة/2010،من ضمن أشياء أخرى،هو الدعوة إلى نزع سلاح الجنجويد( قبائل دارفور العربية) وإلغاء ولايات دارفور الثلاث لتصبح دارفور إقليم واحد.ولكن من حيث العمل بمبدأي الواقعية والظرفية، من الصعوبة بمكان نزع السلاح من أيدي المواطنين في دارفور عموماً وخاصةً السلاح الذي يمتلكه أفراد قبائل دارفور العربية تحديداً في ظل وجود حركات دارفورية مسلحة لم تجنح للسلم وتصر على الإستمرار في رفع السلاح.وذلك لأن تسويق الحركات الدارفورية المسلحة للصراع الدائر في دارفور إعلامياً بحسبانه صراع يدور بينها من جهة والحكومة السودانية والجنجويد(عرب دارفور) من جانب آخر قد زاد من هوة عدم الثقة بين هذه الحركات و أفرد القبائل العربية في دارفور، مما يصعب معه جمع الأخيرين لسلاحهم دون تجريد الحركات الدارفورية من سلاحها في نفس الوقت. وشرط التزامن الموحد لجمع السلاح من دارفور لا يتحقق إلا بتوقيع كل حركات دارفور المسلحة على إتفاقية سلام شاملة تراعي مصالح جميع مكونات المجتمع الدارفوري.
مدخل تاسع:
بحسابات الواقعية السياسية، من الصعب للغاية إقناع الدارفوريين جميعهم وخاصةً الساكنين منهم في ولاية جنوب دارفور بإلغاء ولايات دارفور الثلاث والرجوع لنظام الإقليم الواحد الذي تنادي به حركات دارفور المسلحة.حيث يعز عليهم التخلي عن الفوائد التي جنوها جراء تطبيق الحكم الفدرالي الذي جعلهم يمارسون سلطات جوهرية حرموا منها عندما كانت دارفور إقليماً واحداً يحكم مركزياً من مدينة الفاشر. مع العلم أن هنالك قطاع عريض من المجتمع الدارفوري قد أصبح مزاجه السياسي متسايراً مع المزاج العام في السودان الرافض لهيمنة جهة إدارية مركزية واحدة. لأن التخلي عن حكم دارفور عبر نظام الإقليم الواحد والإنتقال لنظام الولايات قد أتاح لسكان الريف الدارفوري تحديداً المزيد من منافع الحكم الإتحادي التي تنزلت عليهم ومن أهمها نيل عضوية المجالس التشريعية ليس فقط على المستوى المحلي والولائي بل مكنهم ذلك من المشاركة على الصعيد القومي.حيث تخرج في هذه المجالس جيش جرار من القيادات والسياسيين الذين يصعب إقناعهم لركل نظام الولايات الثلاث المطبق في دارفور حالياً.
مدخل أخير:
ذروة سنام الخلافات الرئيسية بين حركات دارفور الحكومة المركزية تتجسد في مناداة الحركات بأن يكون إقليم دارفور واحداً ورفض الحكومة لذلك مبدئياً لتعارضه مع الرغبة الجماهيرية في ولايات دارفور الثلاث.حيث تدافع الحكومة عن موقفها بأن خيار الإقليم الواحد غير مجمع عليه من أغلب سكان دارفور إستئناساً بتجربة الحكم الولائي.وبينما ترى حركات دارفور أن مطالبتها بالإقليم الواحد تتماشى وفكرة الإقليم الواحد تتماشى مع إتفاقية نيفاشا التي تشكل جزء لا يتجزأ من الدستور ساري المفعول والمطبقة عملياً في جنوب السودان. ويساند الحركات المسلحة في هذا الزعم نفر غير قليل من الفاعلين السياسيين.
ولكن فكرة الإقليم الواحد تشوبها العديد من الإستفهامات حول كيفية نظام الحكم .فإذا كانت المناداة بالإقليم الواحد ترجع دارفور لتحكم بالسيطرة من الفاشر كما الحال قبل تطبيق الحكم الإتحادي ،فهكذا مناداة لا محل لها من الإعراب ليس لكونها سباحة عكس المزاج العام في دارفور بل يضعفها التشرزم والإنتماء الجهوي لسكان دارفور ويفضحها التكوين القبلي لحركات دارفور.ولكن قد يحاجج البعض أن هكذا مسالب يمكن تجاوزها بالتأمين على بقاء الولايات الثلاث الحالية وتكوين الإقليم كجهة مهيمنة تقف في وجه المركز لنيل الحقوق.بيد أن هذا الطرح رغم وجاهته يصطدم مباشرة بتطلعات السواد الأعظم من جماهير في الولايات الدارفورية الثلاث الذين تسبب طرح الحركات الإثني لقضية دارفور في بزور ملامح عدم الثقة بينهم.
صحيح أن بعض الحركات الدارفورية المسلحة وفي مقدمتها حركة العدل والمساواة قد إتبهت للأثر السلبي المستقبلي لتكوينها العرقي والطرح الإثني لقضية دارفور ومازالت تعمل على الإلتفاف على ذلك بتطعيم مكاتبها السياسية بأفراد تنحدرون من قبائل دارفور العربية من جانب ومن جانب آخر تسعى جاهدة لنفي صفة العرقية عنها بتكوين إتحاد من الحركات المسلحة الرافضة لمحادثات الدوحة لسلام دارفور.ولكن الهوة المجتمعية التي خلفها النزاع المسلح والتسويق الإعلامي الإثني للصراع وسط المجتمع المحلي بدارفور يصعب ردمها.وصحيح كذلك أن طرح حركة العدل والمساواة أقرب للواقع الدارفوري بإبقائه للولايات الحالية ظاهرياً.بيد أن فكرة الإقليم الواحد ترجمتها العملية هي هيمنة الحركات الدارفورية على مقدرات الولايات وهذا ما يتعارض وتطلعات جل ناس دارفور.
ولربما قد يحاجج البعض بأن رد الأمر لأهل دارفور للتقرير بشأن الإقليم الواحد من عدمه من خلال إستفتاء عام يجرى في ولايات دارفور الثلاث هو عين الصواب.وقد قطعت الوساطة القطرية في ذلك شوطاً بعيداً.ولكن من المتوقع أن تعترض على ذلك حركات دارفور المسلحة لعلمها أن الإستفتاء سوف تكون نتيجته الإبقاء على نظام الولايات الحالية.والدليل على ذلك أن المزاج العام في ولايات دارفور الثلاث مع المزيد من التقسيم لإنشاء المزيد من المحليات والولايات لأن الكثير من الدارفوريين بأن الولايات الحالية وإن خلصتهم من هيمنة المركزية الإقليمية إلا أنها لم تشف غليلهم التنموي في النجوع والأرياف الدارفورية البعيدة عن مراكز إتخاذ القرار.
مما تقدم نخلص إلى أنه لا مناص من إستفتاء سكان دارفور بين الرجوع لنظام الإقليم الواحد أوإبقاء النظام الولائي.ومن الحيثيات سالفة السرد ومن خلال معايشتنا اليومية للدارفوريين وقراءتنا لأفكارهم يمكننا القول،بحسباننا من غمار أهل دارفور، أن الشعب سقول كلمته بالمناداة بالمزيد من الولايات والصلاحيات والسلطات حتى ينعم بالإستقرار والتنمية
والله المستعان.

([email protected])


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.