(ده ماهلالك ياهلال؟؟)    الجمعية السودانية لعلوم الفلك والفضاء: 18 فبراير أول أيام شهر رمضان    السعودية تدين بشدة الهجمات الإجرامية لقوات الدعم السريع على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية لبرنامج الغذاء العالمي    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    كباشي .. القوات المسلحة ماضية بعزم لا يلين في ملاحقة ما تبقى من "بقايا المليشيا المتمردة" والقضاء عليها    عارفين ليه ياهلالاب!!    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصور.. الشيخ محمد هاشم الحكيم يحتفل بزواج إبنته الدكتورة من زميلها بالجامعة (قلت له لا أريد منك شيئا سوى أن تتقي الله فيها وتعينها في دراستها)    الفنان محمد صبحى يعود إلى ماسبيرو بالمسلسل الإذاعى «مرفوع مؤقتا من الخدمة»    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    ترامب ينشر فيديو مسيئًا لأوباما وزوجته ثم يحذفه    الطب الشرعي الرقمي صائد جديد لمجرمي الإنترنت والذكاء الاصطناعي    دواء جديد يعيد ضبط الساعة البيولوجية ويقلل اضطراب السفر    ابتكار بخاخ أنفى يساعد على الوقاية من الإصابة بالأنفلونزا    السفارة في العمارة    ذكرى رحيله.. قصة حب نور الدمرداش وكريمة مختار وزواجهما    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    أبل تفتح CarPlay أمام تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصوتية    8 علامات تنذر بمشكلات في الأمعاء لا ينبغي تجاهلها    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    جاهزية كاملة لانطلاق بطولة «الطريق إلى القمة» بعد اجتياز مقاتلي PFL للميزان    بمشاركة واسعة بالخرطوم... الاتحاد السوداني للتربية البدنية يناقش معوقات المعلمين والبروف أحمد آدم يؤكد دعم تطوير المنهج والتدريب    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    أحمد عزمى.. "الجوكر" الذى خلع عباءة الأدوار الثانوية ليبرع فى الشخصيات المركبة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    مع اقتراب الجيش من أبوزبد والدبيبات والفولة، تبدو خيارات المليشيا وعصاباتها صفرية    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أفكار حول السمات الأساسية للدستور الديمقراطي -2- .. بقلم: د. صدقي كبلو
نشر في سودانيل يوم 03 - 03 - 2011

تناول الكاتب في الجزء الاول من المقال مفهوم السيادة وطريقة ممارستها وأكد علي أن ينصالدستور الديمقراطي على مبدأ السيادة للشعب، فمثلاً يكون النص الدستوري في هذه الحالة السودان جمهورية ديمقراطية السيادة فيها »وهذا نص لا يعبر فقط عن مبدأ ديمقراطية « للشعب الدولة وإنما يشكل أساساً لمبدأ علمانيتها أيضاً، فمبدأ السيادة للشعب يشكل من ناحية دستورية المقابل الديمقراطي والعلماني لكل أشكال Divine Right السيادة القائمة على الحق الإلهي أو الحق الوراثي المطلق أو المقيد دستورياً في الأنظمة الملكية أو الديكتاتورية، فالنص لا بدّ أن يعلن بوضوح أنّ الشعب هو مصدر السلطات والتشريع؛ وفي الحقيقة لا يكفي هذا النص لمنع قيام دولة سلطوية إذ لا بدّ من النص على كيفية ممارسة الشعب لسيادته بشكل ديمقراطي وعلى أسس دستورية اضحة، حتى لا يدعي مدعي، كما فعل قادة انقلاب مايو، ممارسة السيادة نيابة عن الشعب بدون تفويض من الشعب ذاته أو كما نصت المادة الثانية من الدستور الانتقالي . فما هي الأسس الدستورية التي تقوم عليها تلك المؤسسات والتي على أساسها يمارس الشعب سيادته؟ كما اشارالكاتب الي ان الجمهورية البرلمانية هي الأكثر ديمقراطية و صيانة وتجسيد للتراث الديمقراطي البسيط والمتواضع لبلادنا منذ الاستقلال، حيث ترتبط الديمقراطية في ذلك التراث بالجمهورية البرلمانية وترتبط الديكتاتورية بالجمهورية الرئاسية وتناول بعض الامثلة لذلك.
النمط الفرنسي للجمهورية الرئاسية
ويقترح علينا بعض الناس أن نتبنى نظاماً أشبه بالجمهورية الفرنسية الخامسة التي نشأت عام 1958، عقب أزمة شبيهة بأزمة عدم الاستقرار التي تواجه السودان، ولكن ذلك مجرد تشابه وليس تطابق، فجوهر الأزمتين مختلق تماما، فبينما أزمة السودان هي نتيجة لعدم اكتمال التحول من نظام اقتصاد كولنيالي قائم على مفصلة جامدة للأنماط قبل الرأسمالية والنمط الرأسمالي المتطور والنامي، فالأزمة في فرنسا كانت تحدي للنمط الرأسمالي من قبل قوى تدعو للتحول الاشتراكي في فرنسا بعد الحرب العالمية، وتحدي آخر من قبل قوى التحرر الوطني التي تسعى لتصفية النظام الكولنيالي الفرنسي خاصة في شكله الاستيطاني، وكانت الجمهورية الفرنسية الخامسة، التي بنيت على أساس عودة الجنرال ديجول للحكم فيما وصفها ميتران حينذاك بأنها انقلاب على نمط انقلاب لويس نابليون بون بارت في عام 1851 الذي أطاح بالجمهورية الثانية، كانت تلك الجمهورية الخامسة هي الإعلان الرسمي بهزيمة برنامج التحول الاشتراكي وتصفية المستعمرات الفرنسية في نفس الوقت.
ورغم أن دستور الجمهورية الخامسة قد فصل على مقياس الجنرال ديجول ليؤدي المهام التي أوكلتها له الطبقة الرأسمالية السائدة إلا أنه حمل في نصوصه سمات كثيرة من الموروث الدستوري الفرنسي، الملكي، البرلماني والرئاسي. ومن الضروري لمن يريد أن يقلد الدستور الفرنسي للجمهورية الخامسة أن يقلد هذه السمة الهامة: الارتكاز على الموروث الدستوري للسودان.
ولعل أحد أهم سمات الجمهورية الخامسة أن نهوضها أو إنشائها لم يكن مثل مثيلاتها السابقات (ومثل إقامة الأنظمة الديمقراطية في السودان) أي نتيجة لإسقاط نظام متسلط، فالجمهورية الأولى كانت نتيجة لإسقاط النظام الملكي التقليدي المطلق (1792)، بينما الجمهورية الثانية كانت نتيجة لثورة 1848 وإسقاط النظام الملكي المعروف بنظام يوليو أو ملكية يوليو (أنظر سرفان 1998 ص 13)، وقد كانت الجمهورية الثالثة نتيجة مباشرة للهزائم العسكرية لنابليون الثالث والهزيمة الدموية لكميونة باريس، وكانت الجمهورية الرابعة لاستبدال نظام فيشي المتعاون والمستسلم للفاشية وهي الجمهورية التي نشأت بعد تحرير فرنسا بقيادة ديجول نفسه. بينما الجمهورية الخامسة نشأت في أحضان الجمهورية الرابعة ومثلت انتقال سلمي وتغيير للدستور عبر استفتاء شعبي في جو ديمقراطي تسود فيه الحريات العامة وحكم القانون وتوجد فيه الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني المختلفة. وهذا وضع مختلف تماما عما نحن بصدده الآن: استعادة الديمقراطية. فلنستعيد الديمقراطية البرلمانية أولا ثم تتناقش حول أشكالها في جو ديمقراطي.
أن الجمهورية الخامسة الفرنسية بنظامها الرئاسي قد واجهت زمناً قاسياً عند استقالة الجنرال ديجول وأزمة 1968 الشهيرة بل أن النظام الرئاسي الفرنسي لم يخل من الأزمات منذ نشأة الجمهورية الخامسة، فميتران حكم عدة مرات بينما الحكومة المنتخبة من البرلمان معادية له، مما جعل من رئاسته رئاسة عاجزة عن تحقيق برنامجها ويمكن فعلاً أن تواجه الجمهورية الفرنسية مشاكل عدم استقرار كما حدث قبل حل البرلمان وإجراء الانتخابات في عام 1998 عندما بدأت النقابات حركات احتجاج نسبة لاعتراضها على سياسة الحكومة اليمينية، رغم وجود ديستان رئيساً للجمهورية وكانت النتيجة انتخابات جديدة أتت بحكومة من حزب غير حزب رئيس الجمهورية بل حكومة اشتراكية وليتخيل الشخص السيد الصادق المهدي رئيس لجمهورية وحكومتها يرأسها الشريف زين العابدين أو السيد سيد احمد الحسين مثلاً فهل سيكون هناك استقرار سياسي؟
النظام البرلماني في أوربا
وفي المقابل نجد استقرار أكبر في النظامين البرلمانيين في بريطانيا وألمانيا، بل ومعظم الدول الصناعية الرأسمالية المتقدمة عدا إيطاليا ما بعد الحرب والتي لعبت المافيا وتدخل المخابرات الأمريكية في سياساتها الداخلية وعدم قدرة الرأسمالية كطبقة على بسط (هجمنتها) دوراً في عدم الاستقرار السياسي.
والنظام الديمقراطي البريطاني رغم وجود الملكية وعدم وجود دستور مكتوب، فهو نظام قائم على سيادة البرلمان Parliament is sovereign)) والتي تعني ببساطة أن قرارات البرلمان هي ممارسة السيادة وهي قانونا ملزمة حتى ولو تعارضت مع قرارات سابقة للبرلمان أو القانون العام. وبالطبع هذا مختلف عن تراثنا الدستوري، رغم ترديد العامة والساسة في بلادنا لديمقراطيتنا كديمقراطية ويست منستر، فالبرلمان عندنا محكوم بالدستور ولا يستطيع أن يشرع أي قوانين مخالفة للدستور إلا بعد تعديله، بل أن التعديل نفسه يجب ان يتم وفقا لما ينص عليه الدستور. ومثل حالنا معظم الدول التي لها دساتير مكتوبة وبها اما محاكم دستورية (مثل مجلس الدستور في فرنسا الذي يشكل من تسعة أعضاء بموجب المادة 56 من الدستور الفرنسي، ويتجدد ثلث الأعضاء كل ثلاث سنوات) أو المحكمة العليا كما هو الحال في الولايات المتحدة.
أنظمة الحكم قي العالم الثالث
وإذا نظرنا لبلدان العالم الثالث فإننا نجد أن معظمها يواجه مشاكل الجمهورية الرئاسية وتتقلص فيها الديمقراطية والحقوق الأساسية، ولعل خير مثال ما يحدث في كينيا منذ الاستقلال والذي انتهى بها إلى حكم ديكتاتوري مدني. وعلى العكس من ذلك نجد أكبر ديمقراطية في العالم، توجد في العالم الثالث وهي جمهورية الهند، حيث الديمقراطية البرلمانية تعيش لأكثر من نصف قرن وتمثل الإطار المؤسسي الذي تحاول الهند عن طريقها حل مشاكلها السياسية والاقتصادية والدينية والقومية.
الديمقراطية والشكل الدستوري
والمسالة ليست مسألة شكلية دستورية وإنما تتعلق بقضية ممارسة الشعب للسيادة من ناحية ومسالة وضع سلمية الصراع الطبقي والاجتماعي والسياسي في البلاد من ناحية ثانية، ومسألة إرساء القيم والمثل الديمقراطية التي تساعد في تحقيق إنسانية الإنسان من ناحية ثالثة. لذا يصبح نضال السودانيين من أجل جمهورية برلمانية أحد أهم عناصر نضالهم من أجل الديمقراطية.
أن الحديث عن عدم الاستقرار السياسي في فترات الديمقراطية الثلاثة يتجاهل السبب الرئيس وهو عدم قدرة النادي الحاكم في السودان على بسط هجمنته، (والهجمنة تعبير نستعمله للتعبير عن الهيمنة المرتبطة بالمشروعية المقرونة بالقبول من قبل الجماهير والبرنامج الذي يحقق المصالح المشتركة إلى جانب المصلحة الفئوية للقيادة) على مجمل الشعب. وعملية بسط الهجمنة كما اوضحها غرامشي ولاكلاو وهابرماس ( والاخير اسماها المشروعية) عملية معقدة تشمل خطاب السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي والبرامج العملية التي يعبر عنها ذلك الخطاب وقدرة المجموعات الحاكمة على التعبير عن نفسها كممثل لكل الشعب والمسالة لا تتعلق "بتغبيش" الوعي أو الوعي الزائف بقدر ما تتعلق بالقدرة على التركيب والاستلاف والتنازلات والمساومات الاجتماعية. وعلى وضع قوانين للعبة يقبل بها الجميع بينما هي تعيد إنتاج التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية لصالح الفئة أو مجموعة الفئات أو الطبقة أو الطبقات الحاكمة.
ولو ترجمنا هذا لما حدث في السودان منذ الاستقلال فإننا نجد المجموعات الحاكمة قد فشلت في وضع وتطبيق برنامج سياسي واجتماعي واقتصادي يتناول ويقدم الحلول لمشاكل ما بعد الاستقلال في التنمية المتوازنة وفي تقسيم السلطة والثروة بشكل يراعي التعدد الإثني والقومي والتفاوت الإقليمي وبشكل يحفز الجميع للإسهام في الإنتاج المادي والثقافي وبتقديم الخطاب الذي يوحد الجماهير ويلهمها ويعطيها أملاً في المستقبل وفي قدرتها على ممارسة حقوقها السياسية والاجتماعية والاقتصادية وأهمها حقها في اختيار وتغيير حكامها بما يعرف بالتداول السلمي للسلطة. ببساطة فشلت المجموعات الحاكمة في طرح وتنفيذ برنامج للنهوض الوطني الديموقراطي للسودان كوطن ديموقراطي موحد بإرادة أهله وقرارهم . وفي تقديري هذا هو جوهر الأزمة ولا يحلها شكل للحكم رئاسياً كان أو برلمانياً بدون برنامج واضح. وهذه لا يكون رمزها شخص واحد وإنما حركة نهوض قومي شامل.
ج- الحقوق الأساسية وحق المواطنة
ولكن هذه الجمهورية البرلمانية لا تصبح ديمقراطية ولا يمكن للشعب فيها أن يصبح ممارسا للسيادة فيها ومصدرا للسلطات وللقانون دون أن يكون ذلك الشعب يتمتع بحقوقه الأساسية خاصة الحقوق المدنية والسياسية. وفي هذا الصدد يصبح إعلان نيروبي الذي وقعته الأحزاب السودانية والحركة الشعبية وتم التأكيد عليه في مقررات أسمرا عام 1995، وما تم التوصل له في إتفاقية نيفاشا 2005 وإتفاقية القاهرة 2005 ودستور السودان المؤقت ل 2005 مرتكزا أساسيا لأي فصل حول الحقوق الأساسية في الدستور. والمهم في هذه الوثائق انها جعلت من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية جزء لا يتجزأ من الدستور السوداني. وبالطبع هذا مهم لأنه بديل واضح للنصوص في الدساتير السودانية السابقة التي تقيد هذه الحقوق بإلحاق جملة ‘‘في حدود القانون'' أو أي نص آخر يعطي المشرع الحق في تقييد الحقوق الأساسية والمدنية.
وترتكز هذه الحقوق جميعها على حق المواطنة والذي يتطلب النص بوضوح أن السودانيين متساوون أمام القانون ويتمتعون بحقوق دستورية متساوية ولا ينبغي التفرقة بينهم على أساس اللون، أو العرق والأصل الاثني أو الدين أو الجنس (النوع Gender) أو الانتماء الثقافي أو السياسي. والنص على وجه الخصوص على الحق المتساوي في التنافس على وشغل المناصب الدستورية العامة والوظائف في الخدمة المدنية والعسكرية والقضاء والسلك الدبلوماسي. وعلى حق المجموعات العرقية والقومية المتعددة في البلاد في تطوير ثقافاتها القومية ولغاتها، وحق أصحاب الديانات والمعتقدات في ممارسة شعائر دياناتهم ومعتقداتهم على وجه لا يشكل اعتداء أو انتهاكا لحقوق الآخرين.
وترتكز هذه الحقوق جميعها على مبدأ الحرية الشخصية فلا يصح اعتقال شخص أو تحديد إقامته لفترة لا تزيد على 72 ساعة بدون أمر قضائي، كما لا يجوز مصادرة أو حرمان أي شخص من حقوقه أو ممتلكاته إلا وفقا لقرار محكمة ذات اختصاص وبموجب قانون ساري المفعول. ويتمتع الشخص في السودان بحرية الاعتقاد والضمير والتعبير، وبالحق في التنظيم والتجمع والتظاهر والتصويت والترشيح والعمل والمساواة أمام القانون والتنافس على المناصب العامة. والحق في التقاضي واللجوء للمحاكم لحماية حقوقه ولدرء الظلم عنه، والحق في الدفاع والاستعانة بمحامي وفي المحاكمة العادلة في حالة اتهامه بارتكاب جريمة أو نشوب نزاع مدني بينه وجهة أخرى.
وخلافا للأحزاب الأخرى فنحن ندعو لتمتع المواطنين بحقوق اجتماعية واقتصادية كالحق في التعليم والرعاية الصحية والحق في العمل وفي التقاعد وفي الأجر العادل والأجر المتساوي للعمل المتساوي. مما ينبغي أن يجعلنا نهتم أكثر مما هو عليه الآن بالعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، و بالنضال من أجل أن تحترمه وتتقيد بنصوصه الدولة السودانية ومن أجل تضمين مواده في دستور السودان الديمقراطي.
د- سيادة حكم القانون واستقلال القضاء والمبادئ العامة للعدالة
ولكي يتمتع السودانيون بحقوقهم المتساوية فلا بد من سيادة حكم القانون في البلاد، بمعنى أن الدولة والجماعات والأفراد والأشخاص الحقيقيون والمعنيون يخضعون دائما وجميعهم لحكم القانون، الذي ينظم الحقوق والواجبات والعلاقات بينهم جميعا ويقوم القضاء المستقل بالإشراف على سيادة حكم القانون.
إن مفهوم استقلال القضاء يفقد معناه إذا لم يكن يشمل الاستقلال الإداري والمالي، وما لم تكن قرارات المحاكم ملزمة التنفيذ حتى يتم إلغائها أو تعديلها من قبل محاكم أعلى في نفس النظام القضائي. وهذا يعني بالضبط أن يودع السودان بلا عودة عهود المحاكم الاستثنائية وتقاليد رجعية القوانين، ويجب أن يسود مفهوم ألا يعتبر الفعل جريمة إذا لم يكن هناك قانون يجعل منه جريمة لحظة حدوثه ولا عقاب بلا قانون.
وبما أن المحاكم تطبق القانون فإن وضع القوانين الجنائية والمدنية والقوانين الإدارية وكافة القوانين التي تنظم حياة الناس، هو الخطوة الأولى في وضع أسس العدالة ولا بد أن تنسجم القوانين مع الأسس الدستورية التي تصون الحقوق الأساسية للناس، ولا بد هنا على النص الواضح بحق أي شخص حقيقي أو معنوي في اللجوء للقضاء لحماية حقوقه الدستورية من تغول السلطة التنفيذية السياسية أو الإدارية والسلطة التشريعية أو أي فرد أو جماعة تعتدي على الحقوق الأساسية التي ينص عليها الدستور. ولا بد أن نستفيد من تجربة حل الحزب الشيوعي والنزاع القضائي حولها بالنص بوضوح أن قرارات المحاكم ليست تقريرية وإنما ملزمة التنفيذ وأن جهاز الدولة ملزم بتنفيذ قرارات المحاكم.
وإذا كانت حماية الحقوق على المستوى القانوني والدستوري هو اختصاص أصيل للمحاكم، إلا انه مرتبط أيضا بأمن الناس وبإجراءات حماية أرواح وممتلكات ونشاطات وحركة المواطنين في الدولة السودانية، وبإجراءات منع الجريمة ومعاقبة مرتكبي الجرائم، ولهذا لابد من تنظيم العلاقة بين القضاء والنيابة العامة والمحامين والشرطة والسجون باعتبار انها أجهزة متكاملة في تطبيق القانون. وبالطبع هنا تكمن الإشكالية التاريخية الناتجة من فصل السلطات حيث أجهزة السجون والشرطة، والنيابة العامة خاضعة للسلطة التنفيذية، بينما القضاء والمحامون مستقلون عن السلطة التنفيذية. ولكن التراث القضائي والإداري في السودان ما قبل نميري وسلطة الجبهة الإسلامية يمدنا بخبرات وتجارب واسعة، حيث خضوع الشرطة والسجون في تطبيق القانون للأوامر والإذن القضائي، وخضوع السجون نفسها في حفظها للمنتظرين والسجناء للتفتيش القضائي، رغم وجود لائحة منفصلة تحكم عمل السجون.
ولعلنا من خلال تجاربنا الواسعة والغنية في سجون ومعتقلات السودان والتقائنا بالمسجونين والمنتظرين نستطيع الآن أن نقدم مقترحات حول كيفية معاملة السجناء والمنتظرين في سجون السودان في سبيل إصلاح السجون وإزالة الظلم والمعاملة القاسية، صحيح أن جزء كبيرا من ذلك قد يأتي في شكل مقترحات حول قانون السجون وقانون الإجراءات الجنائية، جزءا منها يأتي في صلب لائحة السجون إلا أن هناك مسالتين لهما علاقة مباشرة بالحقوق الدستورية للمواطنين وهما فترة الانتظار للمحاكمة في السجون وكيفية معاملة المنتظرين من جهة وعمل المساجين والمنتظرين في السجون من جهة أخرى.
Sidgi Kaballo [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.