كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أفكار حول السمات الأساسية للدستور الديمقراطي -2- .. بقلم: د. صدقي كبلو
نشر في سودانيل يوم 03 - 03 - 2011

تناول الكاتب في الجزء الاول من المقال مفهوم السيادة وطريقة ممارستها وأكد علي أن ينصالدستور الديمقراطي على مبدأ السيادة للشعب، فمثلاً يكون النص الدستوري في هذه الحالة السودان جمهورية ديمقراطية السيادة فيها »وهذا نص لا يعبر فقط عن مبدأ ديمقراطية « للشعب الدولة وإنما يشكل أساساً لمبدأ علمانيتها أيضاً، فمبدأ السيادة للشعب يشكل من ناحية دستورية المقابل الديمقراطي والعلماني لكل أشكال Divine Right السيادة القائمة على الحق الإلهي أو الحق الوراثي المطلق أو المقيد دستورياً في الأنظمة الملكية أو الديكتاتورية، فالنص لا بدّ أن يعلن بوضوح أنّ الشعب هو مصدر السلطات والتشريع؛ وفي الحقيقة لا يكفي هذا النص لمنع قيام دولة سلطوية إذ لا بدّ من النص على كيفية ممارسة الشعب لسيادته بشكل ديمقراطي وعلى أسس دستورية اضحة، حتى لا يدعي مدعي، كما فعل قادة انقلاب مايو، ممارسة السيادة نيابة عن الشعب بدون تفويض من الشعب ذاته أو كما نصت المادة الثانية من الدستور الانتقالي . فما هي الأسس الدستورية التي تقوم عليها تلك المؤسسات والتي على أساسها يمارس الشعب سيادته؟ كما اشارالكاتب الي ان الجمهورية البرلمانية هي الأكثر ديمقراطية و صيانة وتجسيد للتراث الديمقراطي البسيط والمتواضع لبلادنا منذ الاستقلال، حيث ترتبط الديمقراطية في ذلك التراث بالجمهورية البرلمانية وترتبط الديكتاتورية بالجمهورية الرئاسية وتناول بعض الامثلة لذلك.
النمط الفرنسي للجمهورية الرئاسية
ويقترح علينا بعض الناس أن نتبنى نظاماً أشبه بالجمهورية الفرنسية الخامسة التي نشأت عام 1958، عقب أزمة شبيهة بأزمة عدم الاستقرار التي تواجه السودان، ولكن ذلك مجرد تشابه وليس تطابق، فجوهر الأزمتين مختلق تماما، فبينما أزمة السودان هي نتيجة لعدم اكتمال التحول من نظام اقتصاد كولنيالي قائم على مفصلة جامدة للأنماط قبل الرأسمالية والنمط الرأسمالي المتطور والنامي، فالأزمة في فرنسا كانت تحدي للنمط الرأسمالي من قبل قوى تدعو للتحول الاشتراكي في فرنسا بعد الحرب العالمية، وتحدي آخر من قبل قوى التحرر الوطني التي تسعى لتصفية النظام الكولنيالي الفرنسي خاصة في شكله الاستيطاني، وكانت الجمهورية الفرنسية الخامسة، التي بنيت على أساس عودة الجنرال ديجول للحكم فيما وصفها ميتران حينذاك بأنها انقلاب على نمط انقلاب لويس نابليون بون بارت في عام 1851 الذي أطاح بالجمهورية الثانية، كانت تلك الجمهورية الخامسة هي الإعلان الرسمي بهزيمة برنامج التحول الاشتراكي وتصفية المستعمرات الفرنسية في نفس الوقت.
ورغم أن دستور الجمهورية الخامسة قد فصل على مقياس الجنرال ديجول ليؤدي المهام التي أوكلتها له الطبقة الرأسمالية السائدة إلا أنه حمل في نصوصه سمات كثيرة من الموروث الدستوري الفرنسي، الملكي، البرلماني والرئاسي. ومن الضروري لمن يريد أن يقلد الدستور الفرنسي للجمهورية الخامسة أن يقلد هذه السمة الهامة: الارتكاز على الموروث الدستوري للسودان.
ولعل أحد أهم سمات الجمهورية الخامسة أن نهوضها أو إنشائها لم يكن مثل مثيلاتها السابقات (ومثل إقامة الأنظمة الديمقراطية في السودان) أي نتيجة لإسقاط نظام متسلط، فالجمهورية الأولى كانت نتيجة لإسقاط النظام الملكي التقليدي المطلق (1792)، بينما الجمهورية الثانية كانت نتيجة لثورة 1848 وإسقاط النظام الملكي المعروف بنظام يوليو أو ملكية يوليو (أنظر سرفان 1998 ص 13)، وقد كانت الجمهورية الثالثة نتيجة مباشرة للهزائم العسكرية لنابليون الثالث والهزيمة الدموية لكميونة باريس، وكانت الجمهورية الرابعة لاستبدال نظام فيشي المتعاون والمستسلم للفاشية وهي الجمهورية التي نشأت بعد تحرير فرنسا بقيادة ديجول نفسه. بينما الجمهورية الخامسة نشأت في أحضان الجمهورية الرابعة ومثلت انتقال سلمي وتغيير للدستور عبر استفتاء شعبي في جو ديمقراطي تسود فيه الحريات العامة وحكم القانون وتوجد فيه الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني المختلفة. وهذا وضع مختلف تماما عما نحن بصدده الآن: استعادة الديمقراطية. فلنستعيد الديمقراطية البرلمانية أولا ثم تتناقش حول أشكالها في جو ديمقراطي.
أن الجمهورية الخامسة الفرنسية بنظامها الرئاسي قد واجهت زمناً قاسياً عند استقالة الجنرال ديجول وأزمة 1968 الشهيرة بل أن النظام الرئاسي الفرنسي لم يخل من الأزمات منذ نشأة الجمهورية الخامسة، فميتران حكم عدة مرات بينما الحكومة المنتخبة من البرلمان معادية له، مما جعل من رئاسته رئاسة عاجزة عن تحقيق برنامجها ويمكن فعلاً أن تواجه الجمهورية الفرنسية مشاكل عدم استقرار كما حدث قبل حل البرلمان وإجراء الانتخابات في عام 1998 عندما بدأت النقابات حركات احتجاج نسبة لاعتراضها على سياسة الحكومة اليمينية، رغم وجود ديستان رئيساً للجمهورية وكانت النتيجة انتخابات جديدة أتت بحكومة من حزب غير حزب رئيس الجمهورية بل حكومة اشتراكية وليتخيل الشخص السيد الصادق المهدي رئيس لجمهورية وحكومتها يرأسها الشريف زين العابدين أو السيد سيد احمد الحسين مثلاً فهل سيكون هناك استقرار سياسي؟
النظام البرلماني في أوربا
وفي المقابل نجد استقرار أكبر في النظامين البرلمانيين في بريطانيا وألمانيا، بل ومعظم الدول الصناعية الرأسمالية المتقدمة عدا إيطاليا ما بعد الحرب والتي لعبت المافيا وتدخل المخابرات الأمريكية في سياساتها الداخلية وعدم قدرة الرأسمالية كطبقة على بسط (هجمنتها) دوراً في عدم الاستقرار السياسي.
والنظام الديمقراطي البريطاني رغم وجود الملكية وعدم وجود دستور مكتوب، فهو نظام قائم على سيادة البرلمان Parliament is sovereign)) والتي تعني ببساطة أن قرارات البرلمان هي ممارسة السيادة وهي قانونا ملزمة حتى ولو تعارضت مع قرارات سابقة للبرلمان أو القانون العام. وبالطبع هذا مختلف عن تراثنا الدستوري، رغم ترديد العامة والساسة في بلادنا لديمقراطيتنا كديمقراطية ويست منستر، فالبرلمان عندنا محكوم بالدستور ولا يستطيع أن يشرع أي قوانين مخالفة للدستور إلا بعد تعديله، بل أن التعديل نفسه يجب ان يتم وفقا لما ينص عليه الدستور. ومثل حالنا معظم الدول التي لها دساتير مكتوبة وبها اما محاكم دستورية (مثل مجلس الدستور في فرنسا الذي يشكل من تسعة أعضاء بموجب المادة 56 من الدستور الفرنسي، ويتجدد ثلث الأعضاء كل ثلاث سنوات) أو المحكمة العليا كما هو الحال في الولايات المتحدة.
أنظمة الحكم قي العالم الثالث
وإذا نظرنا لبلدان العالم الثالث فإننا نجد أن معظمها يواجه مشاكل الجمهورية الرئاسية وتتقلص فيها الديمقراطية والحقوق الأساسية، ولعل خير مثال ما يحدث في كينيا منذ الاستقلال والذي انتهى بها إلى حكم ديكتاتوري مدني. وعلى العكس من ذلك نجد أكبر ديمقراطية في العالم، توجد في العالم الثالث وهي جمهورية الهند، حيث الديمقراطية البرلمانية تعيش لأكثر من نصف قرن وتمثل الإطار المؤسسي الذي تحاول الهند عن طريقها حل مشاكلها السياسية والاقتصادية والدينية والقومية.
الديمقراطية والشكل الدستوري
والمسالة ليست مسألة شكلية دستورية وإنما تتعلق بقضية ممارسة الشعب للسيادة من ناحية ومسالة وضع سلمية الصراع الطبقي والاجتماعي والسياسي في البلاد من ناحية ثانية، ومسألة إرساء القيم والمثل الديمقراطية التي تساعد في تحقيق إنسانية الإنسان من ناحية ثالثة. لذا يصبح نضال السودانيين من أجل جمهورية برلمانية أحد أهم عناصر نضالهم من أجل الديمقراطية.
أن الحديث عن عدم الاستقرار السياسي في فترات الديمقراطية الثلاثة يتجاهل السبب الرئيس وهو عدم قدرة النادي الحاكم في السودان على بسط هجمنته، (والهجمنة تعبير نستعمله للتعبير عن الهيمنة المرتبطة بالمشروعية المقرونة بالقبول من قبل الجماهير والبرنامج الذي يحقق المصالح المشتركة إلى جانب المصلحة الفئوية للقيادة) على مجمل الشعب. وعملية بسط الهجمنة كما اوضحها غرامشي ولاكلاو وهابرماس ( والاخير اسماها المشروعية) عملية معقدة تشمل خطاب السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي والبرامج العملية التي يعبر عنها ذلك الخطاب وقدرة المجموعات الحاكمة على التعبير عن نفسها كممثل لكل الشعب والمسالة لا تتعلق "بتغبيش" الوعي أو الوعي الزائف بقدر ما تتعلق بالقدرة على التركيب والاستلاف والتنازلات والمساومات الاجتماعية. وعلى وضع قوانين للعبة يقبل بها الجميع بينما هي تعيد إنتاج التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية لصالح الفئة أو مجموعة الفئات أو الطبقة أو الطبقات الحاكمة.
ولو ترجمنا هذا لما حدث في السودان منذ الاستقلال فإننا نجد المجموعات الحاكمة قد فشلت في وضع وتطبيق برنامج سياسي واجتماعي واقتصادي يتناول ويقدم الحلول لمشاكل ما بعد الاستقلال في التنمية المتوازنة وفي تقسيم السلطة والثروة بشكل يراعي التعدد الإثني والقومي والتفاوت الإقليمي وبشكل يحفز الجميع للإسهام في الإنتاج المادي والثقافي وبتقديم الخطاب الذي يوحد الجماهير ويلهمها ويعطيها أملاً في المستقبل وفي قدرتها على ممارسة حقوقها السياسية والاجتماعية والاقتصادية وأهمها حقها في اختيار وتغيير حكامها بما يعرف بالتداول السلمي للسلطة. ببساطة فشلت المجموعات الحاكمة في طرح وتنفيذ برنامج للنهوض الوطني الديموقراطي للسودان كوطن ديموقراطي موحد بإرادة أهله وقرارهم . وفي تقديري هذا هو جوهر الأزمة ولا يحلها شكل للحكم رئاسياً كان أو برلمانياً بدون برنامج واضح. وهذه لا يكون رمزها شخص واحد وإنما حركة نهوض قومي شامل.
ج- الحقوق الأساسية وحق المواطنة
ولكن هذه الجمهورية البرلمانية لا تصبح ديمقراطية ولا يمكن للشعب فيها أن يصبح ممارسا للسيادة فيها ومصدرا للسلطات وللقانون دون أن يكون ذلك الشعب يتمتع بحقوقه الأساسية خاصة الحقوق المدنية والسياسية. وفي هذا الصدد يصبح إعلان نيروبي الذي وقعته الأحزاب السودانية والحركة الشعبية وتم التأكيد عليه في مقررات أسمرا عام 1995، وما تم التوصل له في إتفاقية نيفاشا 2005 وإتفاقية القاهرة 2005 ودستور السودان المؤقت ل 2005 مرتكزا أساسيا لأي فصل حول الحقوق الأساسية في الدستور. والمهم في هذه الوثائق انها جعلت من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية جزء لا يتجزأ من الدستور السوداني. وبالطبع هذا مهم لأنه بديل واضح للنصوص في الدساتير السودانية السابقة التي تقيد هذه الحقوق بإلحاق جملة ‘‘في حدود القانون'' أو أي نص آخر يعطي المشرع الحق في تقييد الحقوق الأساسية والمدنية.
وترتكز هذه الحقوق جميعها على حق المواطنة والذي يتطلب النص بوضوح أن السودانيين متساوون أمام القانون ويتمتعون بحقوق دستورية متساوية ولا ينبغي التفرقة بينهم على أساس اللون، أو العرق والأصل الاثني أو الدين أو الجنس (النوع Gender) أو الانتماء الثقافي أو السياسي. والنص على وجه الخصوص على الحق المتساوي في التنافس على وشغل المناصب الدستورية العامة والوظائف في الخدمة المدنية والعسكرية والقضاء والسلك الدبلوماسي. وعلى حق المجموعات العرقية والقومية المتعددة في البلاد في تطوير ثقافاتها القومية ولغاتها، وحق أصحاب الديانات والمعتقدات في ممارسة شعائر دياناتهم ومعتقداتهم على وجه لا يشكل اعتداء أو انتهاكا لحقوق الآخرين.
وترتكز هذه الحقوق جميعها على مبدأ الحرية الشخصية فلا يصح اعتقال شخص أو تحديد إقامته لفترة لا تزيد على 72 ساعة بدون أمر قضائي، كما لا يجوز مصادرة أو حرمان أي شخص من حقوقه أو ممتلكاته إلا وفقا لقرار محكمة ذات اختصاص وبموجب قانون ساري المفعول. ويتمتع الشخص في السودان بحرية الاعتقاد والضمير والتعبير، وبالحق في التنظيم والتجمع والتظاهر والتصويت والترشيح والعمل والمساواة أمام القانون والتنافس على المناصب العامة. والحق في التقاضي واللجوء للمحاكم لحماية حقوقه ولدرء الظلم عنه، والحق في الدفاع والاستعانة بمحامي وفي المحاكمة العادلة في حالة اتهامه بارتكاب جريمة أو نشوب نزاع مدني بينه وجهة أخرى.
وخلافا للأحزاب الأخرى فنحن ندعو لتمتع المواطنين بحقوق اجتماعية واقتصادية كالحق في التعليم والرعاية الصحية والحق في العمل وفي التقاعد وفي الأجر العادل والأجر المتساوي للعمل المتساوي. مما ينبغي أن يجعلنا نهتم أكثر مما هو عليه الآن بالعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، و بالنضال من أجل أن تحترمه وتتقيد بنصوصه الدولة السودانية ومن أجل تضمين مواده في دستور السودان الديمقراطي.
د- سيادة حكم القانون واستقلال القضاء والمبادئ العامة للعدالة
ولكي يتمتع السودانيون بحقوقهم المتساوية فلا بد من سيادة حكم القانون في البلاد، بمعنى أن الدولة والجماعات والأفراد والأشخاص الحقيقيون والمعنيون يخضعون دائما وجميعهم لحكم القانون، الذي ينظم الحقوق والواجبات والعلاقات بينهم جميعا ويقوم القضاء المستقل بالإشراف على سيادة حكم القانون.
إن مفهوم استقلال القضاء يفقد معناه إذا لم يكن يشمل الاستقلال الإداري والمالي، وما لم تكن قرارات المحاكم ملزمة التنفيذ حتى يتم إلغائها أو تعديلها من قبل محاكم أعلى في نفس النظام القضائي. وهذا يعني بالضبط أن يودع السودان بلا عودة عهود المحاكم الاستثنائية وتقاليد رجعية القوانين، ويجب أن يسود مفهوم ألا يعتبر الفعل جريمة إذا لم يكن هناك قانون يجعل منه جريمة لحظة حدوثه ولا عقاب بلا قانون.
وبما أن المحاكم تطبق القانون فإن وضع القوانين الجنائية والمدنية والقوانين الإدارية وكافة القوانين التي تنظم حياة الناس، هو الخطوة الأولى في وضع أسس العدالة ولا بد أن تنسجم القوانين مع الأسس الدستورية التي تصون الحقوق الأساسية للناس، ولا بد هنا على النص الواضح بحق أي شخص حقيقي أو معنوي في اللجوء للقضاء لحماية حقوقه الدستورية من تغول السلطة التنفيذية السياسية أو الإدارية والسلطة التشريعية أو أي فرد أو جماعة تعتدي على الحقوق الأساسية التي ينص عليها الدستور. ولا بد أن نستفيد من تجربة حل الحزب الشيوعي والنزاع القضائي حولها بالنص بوضوح أن قرارات المحاكم ليست تقريرية وإنما ملزمة التنفيذ وأن جهاز الدولة ملزم بتنفيذ قرارات المحاكم.
وإذا كانت حماية الحقوق على المستوى القانوني والدستوري هو اختصاص أصيل للمحاكم، إلا انه مرتبط أيضا بأمن الناس وبإجراءات حماية أرواح وممتلكات ونشاطات وحركة المواطنين في الدولة السودانية، وبإجراءات منع الجريمة ومعاقبة مرتكبي الجرائم، ولهذا لابد من تنظيم العلاقة بين القضاء والنيابة العامة والمحامين والشرطة والسجون باعتبار انها أجهزة متكاملة في تطبيق القانون. وبالطبع هنا تكمن الإشكالية التاريخية الناتجة من فصل السلطات حيث أجهزة السجون والشرطة، والنيابة العامة خاضعة للسلطة التنفيذية، بينما القضاء والمحامون مستقلون عن السلطة التنفيذية. ولكن التراث القضائي والإداري في السودان ما قبل نميري وسلطة الجبهة الإسلامية يمدنا بخبرات وتجارب واسعة، حيث خضوع الشرطة والسجون في تطبيق القانون للأوامر والإذن القضائي، وخضوع السجون نفسها في حفظها للمنتظرين والسجناء للتفتيش القضائي، رغم وجود لائحة منفصلة تحكم عمل السجون.
ولعلنا من خلال تجاربنا الواسعة والغنية في سجون ومعتقلات السودان والتقائنا بالمسجونين والمنتظرين نستطيع الآن أن نقدم مقترحات حول كيفية معاملة السجناء والمنتظرين في سجون السودان في سبيل إصلاح السجون وإزالة الظلم والمعاملة القاسية، صحيح أن جزء كبيرا من ذلك قد يأتي في شكل مقترحات حول قانون السجون وقانون الإجراءات الجنائية، جزءا منها يأتي في صلب لائحة السجون إلا أن هناك مسالتين لهما علاقة مباشرة بالحقوق الدستورية للمواطنين وهما فترة الانتظار للمحاكمة في السجون وكيفية معاملة المنتظرين من جهة وعمل المساجين والمنتظرين في السجون من جهة أخرى.
Sidgi Kaballo [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.