الإعيسر .. حين يفعلها رئيس أكبر دولة يسقط عذر الآخرين.. الإعلام الصادق أمانة ومسؤولية وطنية    شاهد بالصورة والفيديو.. رئيس المريخ السابق يفجر مفاجأة كبيرة بخصوص المحترف الجزائري المنضم للمنتخب السوداني ويعد بضم محترفين أفارقة لصقور الجديان    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    شاهد بالصورة.. تيكتوكر مغربية حسناء ترد على تعليقات الجمهور بشأن علاقتها العاطفية وارتباطها بصديقها اليوتيوبر السوداني    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    مساعدات غذائية تصل آلاف المستفيدين بوادي حلفا عبر منظمة اضافة للمساعدات والكوارث والتنمية    شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    هل من أمل في الكرة السودانية؟    إيطاليا تقترب من المونديال    ما حقيقة أسر العميد محمد منصور قائد اللواء 16 مشاة بالكرمك؟    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    تقارير تكشف عن تحرّكات كبيرة للجيش السوداني    توضيح لجنة المنشآت بنادي المريخ : دورنا فني فى ملف المنشآت واللجنة القانونية تتولى اجراءات الاخلاء    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الكرمك: ليس حدثاً عابراً    إيلون ماسك يطعن في حكم تغريمه 2.5 مليار دولار في قضية "تويتر"    ترامب ينهى تقليدا عمره 165 عاما متعلقا بالدولار.. ما القصة؟    الأهلي يُعيد النظر في رواتب اللاعبين لإنهاء "فتنة أوضة اللبس"    هدف واحد يفصل مبابى عن لقب الهداف التاريخى لمنتخب فرنسا    ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    حتى لا نخسر ما كسبناه    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نقد للمنهجية الغربية فى دراساتها لإنسان ومجتمعات القارة الإفريقية. بقلم: عاصم فتح الرحمن أحمد الحاج
نشر في سودانيل يوم 24 - 03 - 2011


بسم الله الرحمن الرحمن الرحيم
إفريقيا والغرب
نقد للمنهجية الغربية فى دراساتها لإنسان ومجتمعات القارة الإفريقية
إتسمت السياسات الغربية نحو القارة الإفريقية منذ مرحلة ما قبل الإستعمار الأوربى للقارة الإفريقية , او ما يتم تسميته حسب التاريخ الأوربى بمرحلة البحوث الكشفية الأوربية من أجل إستكشاف العالم الآخر غير الأوربى , والفترة التى تليها وهى الفترة التى أستعمرت فيها القارة الإفريقية , بالنزعة التوسعية النفعية الغربية نتيجة لما كانت تقتضيه الظاهرة الرأسمالية من توسع وكسب أسواق جديدة لمنتجاتها والبحث عن المواد الخام التى تحتاج إليها فى صناعاتها , وقد ظلت هذه النزعة الأوربية النفعية مستمرة إلى فترة ما بعد إستقلال وتحرر الدول الإفريقية من الإستعمار الأوربى حيث ظلت الدول الكولونيالية (الإستعمارية) تقبل بالدول الفرانكفونية المستقلة التابعة لسياساتها بينما ترفض الدول الوطنية الشعبوية المستقلة عن سياساتهاوالتى برز نفوذها بعد مؤتمر باندونغ فى عام 1955 م , ولا تزال هذه النظرة الغربية تحكم العلاقة بين الغرب وإفريقيا حتى الآن حيث أطلق مفكرى الغرب على عصرنا الذى نعيش فيه الآن عصر العوملة الذى يحمل بين طياته إعادة الإستعمار الغربى وفق آليات و رؤى غربية جديدة , وفى وجهة نظرى أن الإستعمار القديم لم يكن يعنى سوى مشروع الغرب للعولمة فى شكلها الأول , والعولمة التى تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وشركائها الغربيين الآخرين الآن لا تعنى سوى إعادة الإستعمار بشكل حديث وآليات تسمح بتدخل القوى الغربية للهيمنة على القارة الإفريقية ومواردها , لقد كان الغرب طيلة هذه الفترات التاريخية وحتى عصرنا الحالى تتحكم فى منهجيته لدراسة إنسان القارة الإفريقية ومجتماعاتها عوامل عديدة أسهمت فى تكوين صورة مشوهة عن إنسان ومجتمع إفريقيا كما نقل أيضاً صورة غير حقيقية عن تاريخ القارة الإفريقية لما قبل المرحلة الإستعمارية لإفريقيا , و المتابع للمنهجية الغربية فى دراساتها لشعوب ومجتمعات وإنسان القارة الإفريقية يجد أن الباحثين الغربيين فى محاولاتهم لدراسة مجتمعات وشعوب وإنسان إفريقيا كانوا منحازين لأيدلولجيتهم وثقافتهم الغربية , أى أنهم كانوا غير موضوعيين فى تحليلاتهم وتفسيراتهم لكل ما هو إفريقى , إن منهجية التحيز لثقافة الغرب وأيدولوجيته لكل متابع للمنهجية المعرفية الغربية فى دراساتها للآخر غير الأوربى هى التى كانت تتحكم فى رؤى وتحليلات وتفسيرات الباحثين ليس فقط نحو إنسان ومجتمعات القارة الإفريقية فقط بل لكل ما هو غير أوربى , ومن الملاحظ أيضاً إن الغرب فى مجمل تحليلاته وقياساته وتفسيراته لإنسان ومجتمع إفريقيا وكل المجتمعات غير الغربية الأخرى كان يتبنى وجهة نظر تخدم مشروعه الحضارى فى الداخل الأوربى و فى الخارج معبراً عن مصالحه النفعية , ولقد إتضح جليا أن الأبعاد الأيدولوجية والثقافية كان تشكل أهم العناصر التى يرتكز عليها الغرب فى دراسته لإنسان القارة الإفريقية ومجتمعاتها وكل ما هو غير أوربى فى هذا الكون المتسع , وتظهر مكونات هذا التحيز فى منهجية الغرب فى تناوله للبحوث والدراسات التى إستهدفت إنسان ومجتمعات القارة الإفريقية أولاً عبر تأكيده لإستخدام المنظور الأحادى للمعرفة الأوربية الذى إنبثق وتشكل من المدرسة العقلية الأوربية والتى تعتمد على الحس والتجريب فى تناولها لكل الظواهر الكونية , وثانيا من إعتقاد الموقف الغربى النفسى أنه هو الذى يمثل العقل وأن الآخرين ليس سوى بؤر متخلفة تحتاج للعقلية الغربية لتطويرها وهذا ما يطلق عليه بالنزعة المركزية الأوربية (Euro Centrism) , وثالثاً إستصحاب الغرب للنزعة العرقية ( العنصرية العرقية) فى تناوله لقضايا إنسان وشعوب القارة الإفريقية الشىء الذى خلق تشوهات جسيمة عن إنسان ومجتمعات القارة الإفريقية , وأخيرا نجد أن مجموعة الأفكار الإجتماعية والثقافية والسياسية والإقتصادية أو ما نسميه بأيدولوجية الغرب كانت هى التى تتحكم فى نظرة الغربى للآخر غير الغربى الشىء الذى ساهم فى إستخلاص دراسات وبحوث مشوهة عن إنسان ومجتمع القارة الإفريقية تخدم فى مجملها المصلحة الغربية النفعية التى كانت تمهد للظاهرة الإستعمارية الأولى وتروج لها بأنها ظاهرة ضرورية تهدف ليس فقط لتطوير المجتمعات الإفريقية المتخلفة وتحديثها بل لكل الشعوب الغير غربية , ومن الأمثلة التى تؤيد ما ذكرناه أن الغرب لا زال يسعى بكل جهده بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية فى عصرنا الحالى للترويج للعولمة الثانية (الإستعمار الحديث) عبر حديثه عن الثقافات الأخرى التى لا يمكنها إظهار إبداعات عقلانية من مخزونها الثقافى بالصورة التى تتناسب مع إيستعاب ثقافة المركز الغربى وأن على أصحاب هذه الثقافات الأخرى الذوبان فى ثقافة الغرب , وهذا الإتجاه يظهر فى آراء المنظر الغربى "فوكاياما" فى كتابه (نهاية التاريخ) حيث أشار فى كتابه أن العالم كان منقسماً لأيدلوجيتين هى الأيدولوجية الرأسمالية والأيدولوجية الإشتراكية وفى ظل الصراع بين هاتين الأيدولجيتن سقطت الأيدولوجيا الإشتراكية وأصبحت الأيدولوجيا الغربية هى الأيدلوجيا الوحيدة السائدة ! وأن النموذج الغربى الليبرالى هو النموذج الوحيد الصالح للتطبيق فى جميع أنحاء العالم (العولمة) (Globalization) , ونجد نفس هذ الميل للنزعة المركزية الأوربية فى بدايات المرحلة الإستعمارية فى القرن التاسع عشر عند المفكر الإشتراكى "كارل ماركس" حيث إعتبر أن الإستعمار البريطانى للهند هو دور إيجابى للرأسمالية لتطوير مجتمع أسيوى الإنتاج , وبنفس القدر إعتبر المفكر الإشتراكى "أنجلس" أن مهمة الإستعمار الفرنسى للجزائر مهمة ضرورية لتطوير المجتمع الجزائرى المتخلف ! , الشىء الذى يوضح مدى إستصحاب النزعة المركزية الغربية لدى كل من منظرى الغرب سوى كانوا إشتراكيين أم رأسماليين , وهنالك العديد من كتابات المفكريين الغربيين التى تظهر بوضوح النزعة العنصرية ضد الإفريقى ومن أمثال هؤلاء "سان سيمون" (1760 – 1825 ) والذى إحتج على رفاقه الثوريين لتطبيقهم مبدأ المساواة على الأفارقة السود حيث قال "لقد قام الثوريون بتطبيق مبدأ المساواة مع السود,فلو إستشاروا علماء وظائف الجسم لكانوا تعلموا أن الأسود بسبب حالة عضوية غير قابل لشرطٍ مساو فى التربية , حتى ينشأ على نفس مستوى الذكاء لدى الأبيض" النص مأخوذ من الإسطورة الآرية (ليون بولياكوف) , كما أن الأشكال المختلفة المعادية للعنصر الأسود الإفريقى أخذت تتطور على يد العديد من العلماء الأمريكيين أمثال (ميترون) و (نوت) الذين قادوا مناهج بحثية جديدة لدراسة قدرات الجمجمة للإفريقى حيث أظهروا فى دراساتهم المتحيزة أن قدرات الجمجمة والدماغ الإفريقى أدنى بكثير من قدرات نظيره الأبيض , وأود أن أوضح هنا آخذاً فى الإعتبار من ما أوردته من أمثلة عاليه , أن المنهجية الغربية عندما تناولت فى دراساتها إنسان ومجتمعات القارة الإفريقية عبر العديد من الحقول المعرفية كعلم الأنثروبولوجيا والنفس والإجتماع وغيرها من العلوم الإنسانية الأخرى , كانت النزعات العنصرية والعرقية تصاحب هذه المنهجية المعرفية الغربية نحو إفريقيا ومكوناتها الإجتماعية والثقافية وفى كل تفسيراتها وتحليلاتها وإستخلاصاتها عن إنسان القارة الإفريقية ومجتمعاتها , مما أدى إلى إغفال العديد من الحقائق عن النسيج الإجتماعى والثقافى المكون لمجتمعات القارة السمراء وتشويه وطمس تاريخ الحضارات التى أقامها إنسان إفريقيا , لقد إنطلق الباحث الغربى من قاعدة أن ثقافته ونموذجه الفكرى هو المرجع الأساس فى وصفه وتحليله لمكونات القارة الإفريقية و للآخر غير الأوربى , الشىء الذى جعل من الأنثروبولوجيا الغربية فى إتجاهاتها التقليدية والحديثة تستصحب معها وتستدعى العرقية العنصرية الأوربية والنزعة المركزية الأوربية فى دراساتها لإنسان ومجتمعات القارة الإفريقية وكل ما هو غير منتمى للحضارة الغربية , ولقد أنتجت هذه الأنثروبولوجيا الغربية العديد من المفاهيم التى تستدعى التساؤل حولها مثل (تحديثى وتقليدى) و (وثقافة منفتحة وأخرى متخلفة) و (مجتمع متقدم وآخر متخلف) , وهذه الفاهيم التى أنتجها علماء الأنثروبولجيا الغربيين إذا دققنا النظر إتجاه ما تحمل من مضامين نجد أن المقصود منها هوإسقاط الرؤى المنهجية الغربية بما تحمله من قيم حضارية خاصة بها على كل الآخر غير الغربى وبالأخص الآخر الإفريقى , وقد تمت صياغة مفهوم (الأصالة) الغربى برؤية تعمل على تكرييس حالة التخلف عن الآخر الغير الغربى , وبالنسبة لإفريقيا نجد أن هذا الفهوم تعمد على تكوين رؤية تحمل فى مضامينها أن حالة التخلف فى الإجتماعى والإقتصادى والسياسى والثقافى فى القارة الإفريقية حالة لا يمكن التخلص منها فى الحياة الإفريقية ! , كما صدر لنا السوسيولوجيون الأوربيين مفاهيم وتصورات وصيغ مثل "التغريب" و "التحضر" و "التقدم" و "الهوية" بإعتبار أن هذه المفاهيم هى المعايير الدولية للتطور والتنمية , وكل هذه الرؤي الغربية المجحفة لإفريقيا تقودنا لأن نسأل أنفسنا (نحن الأفارقة) من منطلق هذا الوصف التعميمى لنا هل نحن بالفعل ثقافاتنا غير قادرة على إنتاج المعاصرة و مواكبة التحديث (Modernaization) والتطور الذى يشهده العالم من حولنا ؟ , سوف أجيب على هذا التساؤل الذى طرحته أدناه مستصحباً معى آراء بعض المثقفين والأنثروبولوجيين الأفارقة , وفى إطار هذه الإجابة إسترجع تصوير الغرب بمثقفيه وعلمائه وساسته من خلال دراستهم لمجتمعات وإنسان القارة الإفريقية إن إفريقيا تعيش حالة من الجمود وأن لا تطوير يحدث بها وأنها قارة تجمدت فيها مواكب الحضارة منذ قرون عديدة وأنها لم تكن تعنى شيئاً مهماً للعالم من قبل الإستعمار الأوربى الغربى لها , كما تم ربط تاريخ إستكشاف القارة الإفريقية بالتاريخ الأوربى والمستكشفيين الأوربيين وكأن القارة الإفريقية كانت مجهولة الهوية ولم يكن لها إتصال مع العالم الخارجى من قبل مجىء الإستعمار الغربى الأوربى , لقد تناسى الغرب فى محاولة نفيه لتاريخ القارة الإفريقية قبل إستعماره لها ذلك التواصل القديم بين القارة الإفريقية والجزيرة العربية , والمدن الساحلية الإفريقية مع الهند والفنيقيين , وإنتشار الإسلام القادم من الجزيرة العربية فى شمال وشرق وغرب وجنوب القارة الإفريقية مشكلاً نموذجاً ثقافيا وإجتماعيا وسياسياً حضارياً حيث قامت العديد من الممالك الإفريقية المتحضرة مثل مملكة غانا التى إمتد نفوذها فى ذلك الوقت إلى نيجريا ودولة غانا الحالية وأسست مدناً عريقة فى القرن الرابع عشر ميلادى مثل مدينة (تمبكتو) و (جاو) و (جنى) , والتى كتب عنها الرحالة العربى إبن بطوطة فى ترحاله بين ثنايا القارة الإفريقية , كما أشدد هنا على ذكر مملكة السنغاى التى تأسست فى القرن الخامس عشر ميلادى تلك المملكة المتفردة فى حضاراتها التى تشكلت فى الفضاءات الصحراوية الغربية من القارة الإفريقية والتى شكلت حضاراتها عنصر إندهاش فى التاريخ القديم والحديث للعالم ككل لكونها نشأت فى الصحراء التى غالبا ما تتهم بالجدب وعدم العطاء , لقد مثل نشؤ مملكة السنغاى فى تلك الصحراء الجدب قمة الإبداع الحضارى الإفريقيى الذى خاطب العالم الغربى الذى ينكر ثقافته وتاريخه أن مجتمعات إفريقيا لها إرث ضارب الجذور فى أعماق التاريخ القديم والحديث وأنه حتى الصحراء القاحلة فى الشمال والجنوب الإفريقى أنتجت حضارات بالرغم من بئيتها المجدبة , وبين ثنايا الصحراء الكبرى فى إفريقيا كانت تنشط الحركة التجارية والتواصل بين شمال وجنوب القارة بل أن بعض أسلاف الملك منسى موسى (ملك غانا) سعوا إلى عبور المحيط الأطلنطى عن طريق مخرج نهر سنجامبيا على المحيط الأطلمطى فى عام 1323 م مستبقين محاولة ملك أسبانيا وكولومبس لعبور الأطلنطى فى القرن الخامس عشر ميلادى , حيث أشار بعض المؤرخين فيما بعد أن منطقة مخرج نهر سنجامبيا على المحيط الأطلنطى هى المنطقة التى فضلها كولومبس للوصول إلى الشط الأمريكى , كما أننا فى هذا الصدد لا بد أن نشير إلى دور الحضارة الإفريقية فى ساحل الأطلنطى وإسهاماتها الحضارية المتمثلة فى ممالك بنين وداهومى واليوربا , وكيف قاومت مملكتى بنين واليوربا ببسالة تجارة الرقيق الأوربية , كما تحكى لنا حضارات حوض نهر الكنغو حركة التطور الحضارى فى الوسط الإفريقيى وينعكس ذلك جلياً فى مملكة الباغندا وأثار زمبابوى القديمة ,
وفى الجنوب الإفريقيى كشفت نضالات ممالك الزولو والميتابلى و الشونا ضد الإستعمار الغربى فى القرن السادس عشر والسابع عشر عن تلك المنظومة الإفريقية ذات التكوين المرتب سياسيا وإجتماعيا وإقتصاديا التى حرص الإستعمار الغربى على كسر هيبتها وتفتيتها ثقافيا وإقتصاديا وإجتماعيا فى محاولة مقصودة من طرفه تستهدف القطع التاريخى لمنظومة هذه الشعوب الإفريقية , وكانت مملكة الزولو فى الجنوب الإفريقيى مملكة عسكرية منظمة إمتد نفوذها من ناتال إلى ليسوتو وسوازى وهى مثال متفرد للممالك الإفريقية ذات النظام الإجتماعى المنتظم الذى تكون فى الفترة ما بين القرن الخامس عشر ميلادى والقرن الثامن عشر ميلادى , كل هذه النماذج التى ذكرتها فى سردى المطول هذا عن الحضارة الإفريقية وتكويناتها الإجتماعية والثقافية أعتبرها كافية للرد على وصف الأنثروبولجيا الغربية لإنسان ومجتمعات إفريقيا بالتخلف وعدم التطور , وللمزيد من الرد على الأنثروبولوجيا الغربية التى نقلت صورة متشوهة عن إنسان ومجتمعات القارة الإفريقية نستصحب معنا هنا نموذجا للحضارات الإفريقية قبل التاريخ مثل حضارة حوض وادى النيل المتمثلة فى الحضارة الفرعونية ومملكة مروى ونبته وحضارة مملكة أكسم التى شيدت الإهرامات والمسلات وإستخدمت الحديد , والتواصل التجارى بين الفراعنة وبلاد بنط فى السواحل الشمالية الغربية لإفريقيا , والتواصل التاريخى لمملكة أكسم مع مملكة مروى واليمن و الجزيرة العربية عبر محاولة أبرها لغزو الكعبة وإتصالها بالهند و ببقيةالعالم الخارجى عبر موانى عدولويس و زيلع فى الساحل الصومالى , وكيف تشهد قصور ومعابد منطقة البجراوية والنقعة والمصورات بالقرب من مدينة شندى السودانية التى تقع على بعد مائة وثمانون كيلو متراً شمال العاصمة الخرطوم أن أرضيتها تغطيها طبقة من الرخام الملون الذى يثير الدهشة لكل من يراه ممزوجاً بذلك الفن الرائع من العمارة الإفريقية كما تحتوى هذه القصور على حمامات البخار التى تستمد المياه من النهر عبر (الساقية) و (الشادوف) وهى أدوات قديمة لإستخراج الماء من نهر النيل بطريقة شبه آلية يستخدم فيها الإنسان أوالحيوان أو الإثنان معأ , إن كل هذا يدل على أن إفريقيا هى ليس كما وصفها المؤرخ وعالم الأنثروبولوجيا الغربى بأنها جامدة وغير متصلة بالآخر , بل العكس هو الصحيح حيث يدل التاريخ الإفريقيى القديم والحديث على تطور و إنفتاح القارة الإفريقية وتفاعلها مع العالم الآخر الذى يحيط بها , وما إنتشار المسيحية فى مصر ومنها إلى الممالك السودانية كعلوة والمغرة ومنها إلى الهضبة الإثيوبية , ودخول الإسلام لأرض الحبشة عبر الهجرة الأولى بأمر من سيدنا محمد (ص) ومن ثم إنتشار الإسلام من الجزيرة العربية عبر مصر فى الشمال الإفريقيى وباب المندب والغرب الإفريقيى إلا دليلاً قاطعاً لهذا التفاعل الإفريقى مع محيطه العربى والأسيوى وكل العالم الآخر , كما أضيف أيضا دليلا قاطعا على أن إنسان إفريقيا ومجتمعاتها كانت فى تطور مستمر حتى أن صحروات القارة فى الشمال والجنوب الإفريقي كانت ولا زالت منتجة لنماذج حضارية متطورة , نتيجة لكل هذا الرفض والنفى الأوربى لهذا التاريخ والواقع الحالى لإفريقيا خرجت بعض المفاهيم الإفريقية الحديثة لتعبر عن رفضها بقوة للتفسيرات والتحليلات والإستنتاجات الأوربية عن الشواهد والظواهر الإجتماعية والثقافية المتصلة بدراسة إنسان ومجنمعات القارة الإفريقية من أجل تحرير العلوم الإجتماعية الإفريقية من النظرة الإستعمارية الغربية أو بما يسمى ب (Decolonization) , ومثلت هذه المفاهيم الإفريقية الحديثة الضربة الأولى لمفهوم الأنثروبولوجيا الغربى , حيث قادة إتجاهات بحثية خرجت فيه عن النص الأوربى المتحيز فى تفسيراته وتحليلاته لإنسان ومجتمعات إفريقيا بغرض توطين العلوم الإجتماعية وفق قراءآت إفريقية أو يصطلح بتسميته بال (Indigenization) , وبدأ العديد من الأنثروبولوجيون الأفارقة رفضهم لمفاهيم أثروبولوجيا الغرب كمفهوم (القبيلة) و مفهوم (خصائص الأجناس البشرية) والتى تم ربطها من قبل الأنثروبولوجيا الغربية بالعملية الإستعمارية وخدمة المستعمر الغربى وميوله النفعية , ومن ضمن هؤلاء المفكرين الأنثروبولوجيين الأفارقة نذكر على سبل المثال "أرشى مافيجى" "Archie Mafeje" عالم الأنثروبلوجيا الجنوب أفريقى الذى توفى فى العام 2007 تاركاً العديد من الكتابات أبرزها (الثقافة والعولمة) حيث أوضح "أرشى" أنه يصعب تطهير العلوم الإجتماعية والإنسانية من إرتباطاتها الأيدلوجية , ويقول إن الإفريقين لو هم الذين كتبوا تاريخهم بانفسهم لكانت النتيجة مختلفة , لذا واجب البحث عن أسباب هذه الكتابة أو تلك , كما تناول الباحث النيجيرى "تادى إينا" (Tade Aina) تأثيرات العولمة على السياسية الإجتماعية فى إفريقيا فى كتاب بعنوان (العولمة والسياسة الإجتماعية فى إفريقيا) , كما تناول مثقفون أفارقة آخرون كالمثقف البارز الملاوى "تاكينا ماكيندويرى) (T. Makandawire) فى كتابه (قارتنا مستقبلنا – رؤى إفريقية عن التكيف الهيكلى ) مجمل القضايا التى عانت منها إفريقيا بعد الإستقلال والتحرر من الإستعمار وكيف أن المؤسسات الدولية كانت تعمل على تزييف الحقائق عن دولة ما بعد الإستقلال فى القارة الإفريقية كما يعالج ماكيندويرى أزمات القارة الإفريقية مستخدما إسلوب عرض وجهتيى النظر حولها حسب رؤية وقراءة إفريقية للواقع الإفريقيى المراد معالجته , ومن خلال دور هؤلاء الأنثروبولوجيين الأفارقة الرافضين للمنهجية الغربية المتحيزة فى وصفها لإنسان ومجتمعات إفريقيا تأسست تنظيمات إفريقية متخصصة من أجل إيجاد بدائل للنظرة المنهجية الغربية المتحيزة نحو إفريقيا والتى أسهمت فى نقل صورة مشوهة عن تاريخ وثقافات الإنسان والمجتمع الإفريقى منذ العصر الإستعمارى وحتى تاريخنا المعاصر , ومن هذه التنظيمات على سبيل المثال (المجلس الإفريقى لتنمية البحوث الإجتماعية) (CODESRIA) , و (منظمة العلوم لجنوب وشرق إفريقيا) (OSSREA) , و (الجمعية الإفريقية للعلوم السياسية) (AAPS) وغيرها من تنظيكات المثقفين الأفارقة المنتشرة على إمتداد القارة الإفريقية.
ختاما أود أن أوضح أن نظرة العديد من الباحثين الأفارقة ومن بينهم شخصى وبعض القلة من المفكريين الأوربيين الذين لم يحتيزوا لمنهجهم يرون فى المنهجية الأوربية فى دراستها لإنسان ومجتمعات إفريقيا نموذجاً متحيزا تحكمه الأيدلوجيا والثقافة الغربية وأن المعايير الغربية المتحيزة هى معايير غير أخلاقية سعت لنفى تاريخ وحضارة الشعوب الإفريقية من أجل تبرير الظاهرة الإستعمارية للآخر بل إمتدت لأكثر من ذلك فى محاولة الغرب المستمرة لحرمان الشعوب الإفريقية من التعبير عن رأيهم والمشاركة فى الحكم منذ كان هذا الإستعمار قابضاً على مقاليد السطة فى القارة الإفريقية وحتى وقتنا الراهن الذى يدعم فيه الحكومات الغير متصالحة مع شعوبها للحفاظ على مصالحه على حساب مصالح الشعوب الإفريقية.
عاصم فتح الرحمن أحمد الحاج
باحث وخبير إستراتيجى فى شؤن القارة الإفريقية و متخصص فى شؤن القرن الأفريقى
E-mail: [email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.