أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ميتة الشيخ عيسى شيخ عرب القراريش: كيف تخلَّد الأسطورة التاريخ . بقلم: عبدالرحيم محمد صالح
نشر في سودانيل يوم 26 - 08 - 2011

المناصحة والستر من الفضائل عند البدو من أهل الشيخ عيسى ولكنّه تعب من مناصحة النظام الذي والاه فى عهده الأول، بل ندم علي موالاته لنظام جائر مستبد، فاستدار دورةً كاملة وصار عدواً لدوداً لنظام وعد وأخلف. وعده محمد علي باشا بقيمة عشرة في المائة من حمولة كل جمل مقابل حماية وحراسة وترحيل الصادرات السودانية إلي مصر عبر طريق المحيلة (يبدأ من الكاسنجر/كوع القراشي حتى دلقو) وقد أعطى الباشا نفس النسبة للعبابدة الذين إحتكروا طريق أبوحمد كروسكو والكبابيش الذين عملوا علي طريق بارا الأبيض القعب دراو .كان ذلك في أوائل العشرينات من القرن التاسع عشر .لم يمر على الإتفاق وقت طويل حتى أرسل الباشا إلى حاكم مديرية دنقلا التركي طالبا ًمنه تخفيض نسبة العشرة في المائة المتفق عليها مع الشيخ عيسى، شيخ عرب القراريش، إلى خمسة في المائة فقط بحجة إن طريق المحيلة آمن وقصير ويمر قريباً من النيل .فقام الحاكم بتخفيض مستحقات الشيخ وزاد من عنده ضرائب واتاوات لا قِبل للشيخ وقبيلته بها .يبدو هنا أنّ الباشا كان قد وعد وفي نيته ألا يفي بوعده وهذا أشر أنواع الخلف أو أخَذَ مِنْ واشي سُّوءٍ ما سَنَحَ .حاول الشيخ، والذي عُرِفَ، حسب روايات القراريش الشفاهية، بحسن السيرة والسريرة إقناع الباشا بالعدول عن قراره وأخذ يُرسل الخطابات والرجاءات .غضبِ الباشا واستشاطَ وجاء رده، أي الباشا، رفضاً نهائيا وفي لغة حسبها الشيخ صلفًا واستعلاء. فقد حرص الشيخ كما هومعروف على مشورة أهله وأتباعه فالنهر لا يتدفق ضد تياره كما يقال .فترك الحياة قريباً من النيل حيث كان يعيش في إِمَّةٍ من العَيْش بسلام .وجمع بعض خلصاء اعوانه وخرج إلى الصحراء وقرر قطع الطريق حتى تستجيب الحكومة وتفي بوعد العشرة في المائة المتفق عليها .وارسل رسائل تهدد وتنذر الحكومة القائمة، وتحرِّض البدو على العصيان ضد الترك الذين أتوا البلاد غزاة فاتحين. مارأه الشيخ مساواةً ورد مظالم رأه الباشا خروجاً وفتنةً يجب قطع دابرها. فقطع الطريق، في رأي الشيخ وأتباعه، ما كان حرابةً أو عن قصد لخلق معاناة للعامة، فالطرق كانت آمنة لعامة الناس وخاصة البدو منهم ولكنها يبدو إنها كانت تستهدف قوافل الحكومة وحلفائها. فأرسل الباشا منشوراً شديد اللهجة الى حاكم مديرية دنقلا يأمره فيه بالقبض على الشيخ وأعدامه. المنشور معروف ومحفوظ في دار الكتب المصرية ويبدأ بِ (أقبضوا على هذا اللص الحرامي قاطع الطريق وأعدموه على الخازوق ....إلخ) فجاء رد الشيخ علي وعيد الباشا من جملة واحدة "ال بيهدر ما بيرغي وبيننا الخلا"
الشيخ عيسي، حسب تاريخ القراريش الشفاهي، كان رجلاً مُتقد الذكاء طليق اللسان وذُو بَدِيهَةٍ لا يُفاجَأُ وإِذا سئل أجاب جواباً سديداً مباشراً. خبيراً ذا قلبٍ ورأي عارف بدروب الصحراء وآبارها وكهوفها ومغاراتها وقفافها وصلابها وماارتَفَعَ وما استَوى وعدّته وعتاده فيها "بندقية أب روح" وجمل يُقال له "أب غردة" وكان جملاً يسبق الخيل عندما يسمع صوت الرصاص وبوصلته نجيمات في كبد السماء يعرفها وتعرفه. وقيل أن سبب تسمية الجمل بِ "أب غردة" إنّه كان من سرعته وشدته يقطع غردة السرج كوراً كان أو باصورا ًأو حَوِيّة عندما ينهض. وتصفه أساطير القراريش بأنّه "جمل ود ريح" أي في سرعة الرياح. كان الشيخ وحده قادر على رَسْنِهِ وإناخَتِهِ وإبراكِهِ وشَدِّهِ وفي كلامهم إذا أسرع "أب غردة" لا تدركه الجمال ولا الخيل. فسير الإبل عند القراريش له سرعات مختلفة يعتمد علي وعورة الطريق ودرجة الحرارة ومزاج الراكب فمنها الرقَل، الكربتة، الزفيف، الرسيم، الزميل، القرب، وغيرها وهذا موضوع آخر. تصف أساطير القراريش الشيخ نفسه بأنه كان يملك قدرات استشعارية مثل ال"بلو توث" في عالم اليوم يستطيع أن يقرأ ما يدور في خلد الشخص صديقاً كان أو عدو. تصفه بت أحمد فتقول" كان يضوق الواطة يقول لي رفاقته دي مالحة فيها العقارب فيتركونها" "كان يلمس الرملة يقول لي رفاقته دي ترية فيها أب دفان [نوع من الثعابين] فيتركونها" وهكذا إلى أن يصل إلى المكان المناسب لمبيت القافلة (الدَّبوكة في كلام القراريش) . وكان الشيخ (إبيتر) تصغير أبتر أي ليس له ولد بل بنتاً واحدة اسمها أم النور وقد ورد اسمها "النور" في المصادر الأنجليزية. والمعروف أنّ "النور" اسم علم مذكر عند القراريش والكبابيش في شمال السودان ولكن يصعب الجزم بإن هذا الإسم كان حصراً على الرجال من دون النساء في القرن التاسع عشر.
أدناه ترجمة غير حرفية لما ذكره الفريد والس بودج (1907)عن أعدام الشيخ عيسى:
"التحقيقات اللاحقة أظهرت لي أنه ليس عيسى "النبي" ولكنه عيسى النهّاب الرجلٌ السَلاَّبةٌ، الذي أرعب شمال السودان في وقت مبكر من القرن التاسع عشر. عيسى هذا ، كما نعرف من هوسكينز (رحلات، ص 275) كان شيخ قبيلة القراريش الذي لجأ الى تمرد علني نتيجة المطالب الباهظة التي فُرِضت عليه من قبل الحاكم التركي للمنطقة. فجمع قليلا من أتباعه ثم شرع في مهاجمة قوافل في الصحراء بين كوروسكو وأبوحمد حيث مارس النهب من دون شفقة ومهاجمة القوافل والماشية التي تم إرسالها من دارفور إلى القاهرة. وقد زود الشيخ نفسه بالذخائر والأسلحة التي إستولى عليها من قوافل الحكومة المتجهة جنوباً. واعتبرعيسى كل القوافل الحكومة صيداً ثميناً، وامتدت عشرات الأيدي في جميع أنحاء البلاد لمساعدته على الاستيلاء على ممتلكات الترك المكروهين؛ وقد نُسِبت له العديد من السرقات وأعمال العنف التي كان بريئا كليا منها. عاش الشيخ لمدة خمس سنوات حياة نهّابٍ شهير بنجاح كبير، ولكن الحكومة نجحت في رشوة أحد شيوخ العبابدة لدفعه للخروج من صحراء كوروسكو، وبعد طول لجأ عيسى إلى واد بالقرب من الكُومة، التي تحدثنا عنها سابقاً. بينماكان مختبئا في هذا الوادي تعرض للخيانة من قبل أحد الأصدقاء مما أوقعه في أيدي مجوعة من الجنود حيث دلّهم الخائن إلى مكان الصخرة التي كان يختبئ عندها، فأطلقواعليه جلةً بينما كان نائما. أما ابنته النور، فقد كانت امرأة شجاعة ترافق والدها في رحلاته وغاراته، تزوجت الرجل الوحيد من الفرقة الذي لم يهرب عندما قتل والدها.
حياة وشجاعة ونضال عيسى ظلت مثالا لعدة أجيال من القراريش وجيرانهم النوبين لاسيما الجانب الرومانسي في زواج ابنته، خصوصا إذا أخذنا في الإعتبار أنه عاش حراً وقاوم بنجاحٍ باهر لمدة خمس سنوات طغيان وفساد الباشا التركي الذي في عهده لقى عيسى حتفه .فلا غَرْوى إن نال النضال العنيد الزاخر بنكران الذات الذى خاضه الشيخ الصِّنْتِيتُ والذي جمع بين الفِراسة والفَراسة وقصة زواج ابنته الفارسة أم النور أعجاب شباب المنطقة".
أدناه ما ذكره الرحالة هوسكنس (1835) عن ميتة الشيخ عيسى والترجمة تقديرية تمت دون الالتزام بكلمات النص حرفيا:
"هذه المنطقة الصخرية مثيرة للاهتمام، حيث كانت مكان الاختباء اللص العربي عيسى، في هذا المكان لقي قاطع الطريق أخيرا حتقه. وكان عيسى شيخ من قبيلة القراريش. وكان حاكم المنطقة التركي هدده بالضرب بالعصا، اذا لم يدفع الطلب الباهظ الذي فُرِض عليه، فقرر الشيخ التخلي عن سعادته والسلام والهدوء في الحياة الزراعية التي يعيشها في ظل حياة القسوة و الاستبداد والكيدية والعيش في دائرة الامانى الصعبة المغلقة.
هرب الى الصحراء الواسعة مع قلة مختارة من أتباعه أمدهم بنواهِض الإِبِلِ وشِدادُها ودربهم على فنون الحرب والقتال والغارة وهناك دعا إلى تحدي سلطة الباشا.وقطع الطريق بين كوروسكو أبو حمد، كان هَجَّاماً على أَعدائه من حيث لايحتسبون وكانت "دلة الدوم "أي وادي ظل الدوم المنتجع المفضل لديه. وكان مثل أسد الصحراء أرهب جميع القوافل وكان يسمح لها بالمرور فقط عندما يلبون مطالبه وكان أكثر شراسة ضد الحكومة ونهب قوافلها المحملة بالحبوب وغيرها من المنتجات الواردة من الضرائب والأتاوات المفروضة على الأهالي وكذلك الاستيلاء على قطعان الماشية الكثيرة التي يتم إرسالها الى القاهرة كل عام وكذلك غنائم الحرب على البحر الأبيض والأزرق. كما انه نجح في كثيرٍ الأحيان في الاستيلاء على امدادات من الذخيرة والأسلحة من القاهرة، ولكن أكثر ما كان يزعج حاكم المديرية استيلائه علي قوافل الإمدادات من التبغ والبن والسكر وغيرها من الكماليات الواردة إلى المديرية. لمدة خمس سنوات تفادى بكل ذكاء كل محاولات القبض عليه وبذل الحاكم جهوداً مضنية للحصول على رأسه، وفي النهاية أغري الباشا العبابدة لاصطياده له من الصحراء النوبية الواسعة. قوات الشيخ كانت تتألف عموما من نحو عشرين شخصا، وعندما يحتاج لإداء مهمة تتطلب مزيدا من القوة فأصدقاؤه من شيوخ العرب لايحتاجون إلى حافز أبدا لنهب القوافل التركية. معظم الشيوخ لهم عدد هائل من العلاقات، وغالبا ما يكونون على اتصال بكل فرد في قريتهم، وعندما يكون شيخهم في خطر، أو يطلب خدمة ما، فأنهم يعتبرون أنفسهم ملزمين بتلبية ذلك، مهما كانت التضحيات أو المخاطر ومرد ذلك إلى تراث قديم ينشئ عليه البدو والذين يرضَون من العطيّة بالطَّفيف عادة. زوجته ، مثل زوجة روب روي(رجل أسكتلندي خارج عن القانون يُضْرَبُ به المثل)، كانت ذات شجاعة لاتخطئها العين تشارك زوجها فصارت امرأَةٌ سَلَبوت ولكنها طائعةُ لبعلها لا تعصي له أمر؛ ويقال ابنته، النور كانت امرأَةً نَجُوداً ذاتَ رَأْي، كانت شَجِيعةٌ مَغْلوبة بالشجاعة وشِدّيدة القَلْب في البأْس كوالدها، وكانت لها قَوْسٌ رَمَّاحَةٌ إي شَديدَةُ الدَّفْعِ. ولها القدرة في رمي الرمح كأي رجل عربي من قبيلتها. لمدة خمس سنوات عاشت الزوجة والابنة مخاطر حياة السلب والنهب ومواجهة الصعاب والكروب، ولكن تم طرد الشيخ عيسى من صحراء العبابدة، وتعرض للخيانة من قبل شيخ عربي صديقه له ومن جيرانه . هذا الرجل فعل ذلك إما من الخوف من غضب الباشا، أو أملا في الحصول على سلطة وثروة إضافية عن طريق تقديم خدمة من هذا النوع، فهو الذي اصطحب كتيبة من الجنود إلى الوادي حيث كان يختبئ الشيخ عيسى، وقُتل الشيخ رميا بالرصاص بينما كان نائماً تحت ظل صخرة . فكانت وفاته فورية، ويقال إنّ عشرين رصاصة اخترقت جسمه. هرب أتباعه، ولكن في النهاية كانت مكافأة إخلاص واحد منهم، لم يهرب، يد ابنته النور."
الأسطورة هي أساس للوعي الشعبي كرستها خيالات الثقافات البدوية للقراريش لتتماشى مع الذوق العام لثقافتها الشفاهية لتسهل على الإنسان البدوي وبأسلوب سلس وجذاب فهم الصراع بين قوى الظلام والنور، أو الخير والشر، أو الفضيلة والرذيلة دون الأشارة للأحداث بأنها أسطورة أم حقيقة .فتم تحوير الحدث التاريخي من معلومات تاريخية جافة الى حكاية شعبية شيقة وممتعة لتحكي للأطفال في سن باكرة فترسخ في أذهانهم ماعاشوا. بت أحمد كانت هي مكتبة التاريخ الشفاهي المتحركة (موبايل) في لغة العصر التي تشكل الوعي الشعبي وصبية الحي كانوا رواد هذه المكتبة ومشتريكيها. دون الحاجة الى كتب ومعاجم وطاولات وغيرها كما هو الحال في المكتبات الحديثة.
وفي بيت "عويش" في بلدة الدوم أحدي قرى القراريش على تخوم منطقة دنقلا كانت تبدأ بت أحمد برنامجها اليومي من الأحاجي والقصص بعد صلاة المغرب وينتهي عندما يُؤذن لصلاة العشاء. تجلس على "تبروقة" من سعف الدوم وفي يدها قفة أو ضفيرة تصنعها ونجلس نحن الصبية أمامها على بُرش آخر. وتبدأ بِ أعرفوا لي وتنطقها بت أحمد (اعرفوا ليّا) "عمي في دكانه يأكل في مصرانه" فيصيح أحد الصبية واقفا: "لمبة بِنيّة، المسرجة ياحبوبة بت أحمد " فينال الأطراء و الشكر. ثم تعيد الكّرة ياجِنْيات اعرفوا ليّا "حبوبتي "فستا جدي كفتا" يحاول الصبية كثيراً وعندما يعجزون عن الإجابة تجاوب هي: "حركة المفراكة في العصيدة عندما تكون على النار" ثمّ تبدأ مايُعرف عند بت أحمد بالتركيب. وقبل أن تبدأ التركيب الذي يكرهه الصبية بإطلاق ضحكتها المميزه المعروفة ضحكة بت أحمد لاتُخطئُها الأذن! وأحياناً تعقبها بسفّة من التمباك الأخضر بعد خلطها بعطرونة و يعلو صوتها
ركَّبْتَك ما ركَّبْتَك، ركَّبْتَك الجِن اليكسر رقبتك
ركَّبْتَك فوق عتودي الما قرم اليشيلك يقع السَّلَم
ركَّبْتَك فوق هَيبة هَيبة أم جعبةً قدر القسيبة
الناس يشردو من ريحتا و إنتَ تلحس عفنتا
ثم تبدأ بت أحمد بالأحاجي مثل "مُحُمَّد صادق القول" و "أم ذِميِّم" وشِبر شبرين" وغيرها وكانت كلما انتهت من إحدى الأحاجي حتي صاحت بالعبارة المعروفة "عمرت و دمرت في .. الصغييِّر فيكم" و كانت عندما تحكي عن "الشيخ وابنته والخائن والملك الجائر" لا تعرف إنها تحكي عن واقعة تاريخية مثبتة في كتب التاريخ! وما كان الصبية حين يستمعون إليها يعرفون عن الواقعة الحقيقية شيئا.
فتقول الأسطورة أنّه عندما جُرِحَ الشيخ طارت منه عشرون نقطة دم ولعل كل نقطة دم تمثل رجلا من رجال الشيخ عيسى ليتحمل مسئوليتها الغادر الواشي. أو لعلها ترمز إلى العشرين طلقة التى وُجِدت في جسده .وكل ما وقفت ابنته أم النور أمام نقطة دم صاحت نقطة الدم "ود فلان وين؟" فتجيب أم النور "رقد يا أبوي" فترغي ناقة الواشي وترمي بعرة كنايةً عن تورط الواشي في دم وهكذا إلى أنّ وصلت الرجل الأخير من مرافقيه فصاحت نقطة الدم "ود فلان وين؟" فأجابت أم النور هذه المرة "واقف جنبي يا أبوي" فوصتها نقطة الدم الأخيرة بزواجه على سنة الله ورسوله.ويقال إنّه طلب بأن يسمح له لينظر إلى الواشي المُغِلّ المُسِلّ في عينينه فأُخبِرَ بأن الواشي فقد بصره من شدة الخجل والندم.
ويعتقد البعض أنّ أَلْس ووشاية أحد شيوخ العبابدة بالشيخ عيسي ومساعدة بعض العبابدة المليكاب للباشا التركي دقّت إسفيناً بين بين القراريش وأبناء عمومتهم العبابدة. والمعروف أن زعامات القراريش تدخلت أكتر من مرة في نزاعات زعامة العبابدة وكان أشهرها إيواء مساندة القراريش للشيخ الجبران بك بشير شيخ العبابدة العشاباب ،وهو شيخ مشهور من أَهْلِ المَحاشِد والمَحافل والمَخاطِبِ، في حروبه وجهوده لأنتزاع السلطة من المليكاب. لكن رغم ذلك ظلت علاقات القراريش متينة بزعمات العبابدة المليكاب الفقرا منهم تحديدا. فقد أكد متانة وخصوصية هذه العلاقة الرحالة بروكهارت في رحلاته إلى بلاد النوبة في عام 1813م أي قبل هذه الحادثة وإعاد ماكمايكل تأكيدها في عام 1896م وقد أكدت ذلك تقارير المخابرات الإنجليزية في أكثر من مرة وأيضاً ورد ذلك صراحةً في كتاب "حياة اللورد كتشنر" كما هو معروف.
وفي الختام من الأهمية بمكان أنْ نُذكِّر أن الروايات الشفاهية، بحكاياتها واساطيرها، هي الأهم فهم الكثير من المجتمعات وخاصة البدوية منها لماضيها، وأنّ البعض من القراريش يرونها بأنها التاريخ "الحقيقي". فروايات القراريش الشفاهية تصف الشيخ بأنه صاحب حق، صريح القول وصادقه، قوي الشكيمة والعزم ولا تصف الشيخ أبدا باللص النهّاب كما فعل الباشا وأخذ منه الرحالة هوسكنس بل العامة من القراريش لايهمهم ما قاله الباشا أو دونه الرحّالة.
المراجع:
1-Burckhardt John Lewis Travels in Nubia, London 1819 page 30
2-MacMicahel Harold Alfred: , A History of the Arabs in the Sudan and some account of the people who preceded them and of the tribes inhabiting Darfur, London 1922: Page 338
3- Budge Sir Ernest Alfred Wallis The Egyptian Sudan: its history and monuments, Volume1, London 1907, page 498.
4- Hoskins George A,: Travels in Ethiopia, above the second Cataract of the Nile, London 1835, page 275


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.