بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    توضيح لجنة المنشآت بنادي المريخ : دورنا فني فى ملف المنشآت واللجنة القانونية تتولى اجراءات الاخلاء    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    تقارير تكشف عن تحرّكات كبيرة للجيش السوداني    مسؤول الطيران المدني يعلن جاهزية مطار الخرطوم لاستقبال الرحلات الإقليمية    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    شاهد بالفيديو.. التيكتوكر "تجاني كارتا" يزور الفنانة مروة الدولية في منزلها ويطالبها بالعدول عن قرار الاعتزال: (لن أتزوج ولن أكمل ديني لو ما غنيتي في عرسي)    ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    إيلون ماسك يطعن في حكم تغريمه 2.5 مليار دولار في قضية "تويتر"    ترامب ينهى تقليدا عمره 165 عاما متعلقا بالدولار.. ما القصة؟    حتى لا نخسر ما كسبناه    الكرمك: ليس حدثاً عابراً    الأهلي يُعيد النظر في رواتب اللاعبين لإنهاء "فتنة أوضة اللبس"    هدف واحد يفصل مبابى عن لقب الهداف التاريخى لمنتخب فرنسا    اتفرج واتمتع.. جميع أهداف محمد صلاح ال50 في دوري أبطال أوروبا    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    شاهد بالفيديو.. سودانية تطلب الطلاق من زوجها على الهواء: (لو راجل كنت منعتني من الظهور في "تيك توك" واللواء ستاير أحسن منك ياريت لو أتزوجته بدلاً عنك)    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد انتشار ظاهرة "حق الملاح".. ناشطة سودانية تحصل على آلاف "الدولارات" هدية من زوجها    الهلال يختتم تحضيراته بمران خفيف استعدادًا لمواجهة "روتسيرو" غدًا لاستعادة الصدارة    رئيس لجنة المنتخبات عطا المنان يتفقد البعثة ويتحدث للجهازين الإداري والفني    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    وزير الخارجية ووالي الخرطوم يفتتحان مقر وزارة الخارجية بشارع عبدالله الطيب بالخرطوم ايذانا بعودة كامل الوزارة لممارسة عملها من العاصمة الخرطوم    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حالات الرواية، والشعر، واللوحة .. بقلم: صلاح شعيب
نشر في سودانيل يوم 14 - 09 - 2011

ينبغي أن تصاحب ظروف التدهور السوداني نوع من الأبداع الإستثنائي، ذلك الذي يعبر عن المأساة في كافة معطياتها الزمكانية. ولعل بعض هذا التعبير ما تحدثه، بالطبع، فئة من الأدباء، والكتاب، والرسامين، والمغنيين. وهؤلاء المبدعون ما كانوا إلا بطبعهم الفئة القليلة التي تهزم الفئة الكثيرة على مدار التاريخ. فليس بالضرورة أن يكون لدينا رتل من الروايات، أو زحام من الأغاني التي تباشر، وترمز، أو أشكال من اللوحات التشكيلية التي تضبط تفاصيل حيوات الناس التي أصابها البوار، والبؤس، والكدر. يكفي أن يكون بمقدور روائيين، أو تشكيليين، أو مغنيين، الإمساك بتفاصيل الخراب الذي أناء بكلكليه في القرى والمدن. وإن وجد هذا الرهط من المبدعين القلة فذاك ما يكفي. وليس في مقدور أي كاتب أن يلفت عنوة إنتباه الناس إلى موهبته الإبداعية مهما كثرت رواياته. فالكيف هو الجوهر في العمل الفني، وليس الكم.
وتجربتنا في السودان أكدت أن الطيب صالح هو الروائي الوحيد الذي ظل على مدار نصف القرن الماضي الأديب الذي لم يتجاوزه بعد أي روائي آخر، من حيث الإهتمام، والنقد، والإحتفاء. ومفهوم أن هناك أعمالا قيمة لروائيين سودانيين لفتت الإنتباه سودانيا، وعربيا، وعالميا، ولكن لسبب أو لآخر تعلق الناس بروايات الطيب صالح، ووجدت فرصة للتحليل. صحيح أن هناك إبراهيم إسحق الذي يليه في مرتبة الإهتمام النقدي السوداني، غير أن أسبابا كثيرة، موضوعية، جعلت إسحق يصل إلى عدد أقل من القراء بالمقارنة إلى عدد القراء المهول الذي إحتفى برويات الطيب صالح. وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن صياغات الروائيين الآخرين الذي أعقبوا، زمنيا، هذين العلمين أضعف من حيث تجويد التكنيك، والموضوع، ومواكبة الأحداث.
القضية الفلسطينية، على ما وجدت من إهتمام إنساني، لم تنجب لنا روائيين بمستوى كبير خلاف أميل حبيبي، ومن الشعراء محمود درويش، وسميح القاسم، ومحمد القيسي. أما البقية فإنهم لا محالة يلونهم في الترتيب، وحظهم من الظهور الإعلامي شحيح، أو ربما يكون إبداعهم تقاصر عن الإمساك بسر الحبكة الإبداعية جيدا. وأمريكا الجنوبية على ما تملك من قضايا عالم الجنوب، وعلى ما تحوز من نسبة بشر، أنتجت إعلاميا جورج أمادو، وماركيز، وبورخيس، وسراماغو، وإيزابيلا اللندي، هذا على سبيل المثال. وقس على ذلك بالنسبة للأدب الروسي والذي من خلال المئة سنة الماضية إبرز حفنة من الاسماء، منهم بوشكين، ومايكوفيسكي، ومكسيم غوركي، وتولستوي. أما في الحالة الأفريقية فلم يسمع الخارج إلا بنجيب محفوظ، وتشينو اشيبي، وويلي شوينكا، ونغوغو واثينقو، وآخرين، أيضا، ربما كانوا قد تجاوزوا هؤلاء. بيد أن للإعلام سحره، وللنقاد تفضيلاتهم، وللقراء أمزجتهم.
وعلى العموم وقفنا، عربيا، على آثار ثلة من الروائيين التي تكثر دور النشر من عرض أعمالها، وإعادة طباعتها أمثال عبد الرحمن منيف، حنا مينا، وحيدر الحيدر، وصنع الله إبراهيم، ومحمد شكري، وإبراهيم الكوني، وآخرين. كل هؤلاء المبدعين يتفاوتون في حجم الثراء الفني الذي نفذوا إلى تحقيقه، وبالتالي وجدت أعمالهم تحليلا، وإحالات مرجعية، كمصدر من مصادر القوة في الإبداع العربي.
وهكذا نجد أن الظروف والمنعطفات التي مرت بها هذه الأمم أوجدت عددا قليلا من الأدباء الذين يشار إليهم بالبنان. وإذا كان من الممكن الإستعانة بعلم الإحصاء كأن نقول إنه يخرج روائي من بين كل مليون نسمة، لإمتلأت صحافتنا الثقافية بعروض نقدية لآلاف الكتاب، والروائيين المجيدين. ولكن، مرة أخرى، لا يقاس الأدب بالكم وإنما بالكيف، ولا تنفع معه النسب الديموغرافية التي لها قيمتها في المحاصصات الوظيفية للشؤون السياسية، والإقتصادية، والإجتماعية.
الأمر الثاني هو أن كل مبدع، صاحب تجربة منمازة، يملك عملا أو عملين ضمن كل هذه الأعمال الكبيرة التي ينتجها في تاريخه الحافل، وليس كل ما ينتجه أديب ذائع الصيت يجد تفضيلا عند جمهرة القراء. فالنقاد يرون أن هناك عملا ما هو الذي يمثل ذروة إنتاج الكاتب، وكما قال أديبنا محمد المكي إبراهيم إن البستان يختبئ في الوردة. وهذا يعني أن الكاتب قد صب في روايته، أو روايتيه، عصارة فهمه عن كيفية البناء فوق الإرث الروائي الإنساني. ولهذا تشير جائزة نوبل للآداب لعمل، أوعملين، أو ثلاثة بالكثير، أجبرت لجنتها على إعطاء الجائزة لذاك الأديب، وحرمانها من هذا. ويصح هذا النوع من التقييم بالنسبة للعلماء الذين تقدمهم نوبل على إعتبار أنهم أضافوا للإنسانية عبر هذا الإختراع، أو تلك المبادرة التي فعلت كذا، وكذا، في مناخات السلام، أو الطب، أو الكيمياء، أو الفيزياء.
كل هذا العسر في فهم طبيعة الإبداع والمبدعين يرينا أن صناعة الآداب والفنون أمر شاق، ومكلف، وتحتاج إلى القراءة الكثيفة التي توظف للإبداع، وتحتاج، أيضا، إلى حكمة المبدع في معرفة المواضيع التي يتم الإستلهام منها فنيا، وتحتاج كذلك إلى التكنيكات، التي يتم الإضافة إليها، تجاوزا. هذه الصناعة لا مناص من ان تجد الإتقان من كل هذا العدد المهول من المبدعين النبيلين الذين يملأون صفحات الصحف، والمجلات، والدوريات، المطبوعة والإليكترونية، بهدف التغيير نحو الأفضل لإنجاز يوتوبيات الفنانين، أو بهدف تكثيف الحبكات الفنية. ولذلك يركز النقاد على المفارق في العمل الإبداعي، أي الذي يثير الدهشة، ويغطي موضوعه، ويبرز باسلوب جديد لم يتوفق السلف من المبدعين إكتشافه. وهذا العمل المفارق في خاتم المطاف هو لذة المعرفة وكفى. فكما أن المغني صوت، ولحن، وأداء، وموضوع. فالروائي يكشف عن قدرة فذة في السرد وبناء صروحه، ولغة باهرة، وموضوع مكتمل التفاصيل، ومواقف إنسانية نادرة كما يفضل البعض الذي لا يفصل آيديولوجيا الكاتب عن قصته الطويلة. وهكذا.
إذن فحالة الإبداع السوداني ضمن الحالة العالمية في أزمانها المختلفة قدمت عددا قليلا من الأدباء، والتشكيلين، والمغنيين، والشعراء، وحتى النقاد الذين يعدون على أصابع اليد، ولنا أن نحتفي بالأساتذة عيسى الحلو، وعبد القدوس الخاتم، ومجذوب عيدروس، وأحمد عبد المكرم، هؤلاء الذين أشرفوا بأمانة منقطعة النظير على تجويد الصحافة الثقافية وتقديم الأصوات الجديدة. والحال هكذا سوف ننتهي يوما إلى الإشارة إلى قلة من المبدعين فهمت تفاصيل الحياة السودانية، وبالتالي عبرت عنها بالقدر الذي يضعها في مصاف الخالدين من المبدعين، ويقد يأتي جيل ليكتشف كاتبا كان مغمورا في زمانه ولكنه لم يعثر على الذيوع.
بوصفي أحد القراء المتابعين للإبداع السوداني، ولا أملك كل أسرار النقاد في تحليل الإبداع فنيا، لاحظت أن هناك إنتاجا كثيفا للمبدع السوداني قد خرج للوجود. ولم يكن ذلك متاحا قبل عقد تقريبا. ولعل وجود الأنترنت هو العامل الأساسي في إظهار هذه المواهب، وفي دعم الذين أصلا كانوا يبدعون قبل ظهور أشكال الميديا الحديثة. وكانت لدي تجربة قصيرة في الإشراف على بعض الملاحق الثقافية، وكانت المعاناة كبيرة إزاء مجاملة الأدباء في نشر إنتاجهم. ولكن بدا أن الأنترنت أزال هذا الحرج، وأصبح كل مبدع قادرا على الوصول إلى القراء بشكل سهل وميسور. فيكفي أن تكون روائيا معروفا في ظرف عام إذا تمكنت من الدفع بروايتين للقراء، ويمكنك ايضا أن تصبح مغنيا من خلال مجموعة الأعمال المبثوثة هنا وهناك في مغارة اليوتيوب الساحرة، وكذلك نستطيع أن نقف على إبداعك النقدي إذا تمكنت من تقديم بعض الدراسات النقدية في عام واحد. كما يمكن للمشرفين على الصحف الثقافية أن يجروا معك حوارا للصفحة الثقافية تظهر فيه ما خفي إذا تمكنت، عبر الانترنت، أن تنشر ديوانا واحدا فقط وأبنت فيه موهبتك الشعرية.
هذا التحول في طريقة التلقي أمر جميل، وطيب، وضروري، خصوصا وأن النشر الثقافي، قبل ظهور الأنترنت، كان متأثرا بأهواء، ومواقف آيديلوجية، وسياسية، وعشائرية، وجيلية، وشللية، وكان هذا النوع من النشر يحتم إعلاء قيمة كتاب، والحط من قيمة آخرين. أما الآن فالتنوع الإعلامي صار شرطا من شروط نجاح النشر الثقافي رغم أن هناك مؤسسات لم تفهم بعد طبيعة المرحلة التي نعيشها، وتحاول أن تعاكس حركة التاريخ. فالواقع أنه كلما كانت هناك مؤسسات ثقافية حريصة على إبراز الأصوات الإبداعية المتباينة وجدت حصيلة إنتاجها قدرا من إهتمام القراء. كما أن زمان إحتكار الإعلام، وتوجيهه، قد ولى بغير رجعة رغم أن هناك جهات تستميت لمخالفة هذه الحقائق العصرية. بإختصار وجدنا أن الميديا الجديدة، والتي سترث النشر الثقافي، ستقوم على عنصر التنوع في العرض، ولا مجال لنجاحها في حال إصرار المشرفين عليها على كبت أصوات حرة تريد أن تقول كلمتها وتمضي.
من خلال الملاحظات النقدية التي تعهدها كبار النقاد في الساحة الأبداعية عموما، لاحظنا وسط هذا الضجيج أن هناك إشراقات لمبدعين في كافة مناحي الإبداع. وبغير ذلك نهضت المؤسسات الثقافية لتكريم المبدعين من خلال المسابقات التي تقيمها سنويا. ففي الرواية برزت أسماء من الجيل الذي تلى الطيب صالح وإبراهيم إسحق والأمر نفسه على مستوى القصة القصيرة، والشعر، وفن التشكيل، والأغنية والدراسات النقدية، والحقيقة أن أضعف الحلقات الإبداعية تمثلت في الأغنية والسبب يعود في تقديري إلى أن إنتاجها لا يرتبط بمبدع واحد وإنما بالشاعر، والملحن، هذا برغم أن تجربة مصطفى سيد أحمد أكدت حقيقة أن الزمان للمغني الملحن، وأنه هو الأنسب في رسم هالة ثقافية تتمظهر فيها قدراته الصوتية واللحنية، كما كان الحال مع المغنيين الملحنيين أمثال عبد الحميد يوسف، وإبراهيم الكاشف، وعثمان حسين، ومحمد الأمين، ومحمد وردي، وأبو عركي البخيت، وآخرين.
هناك جدالات نقدية منذ حين حول روايات الأساتذة الحسن البكري، وأمير تاج السر، ومحسن خالد، و عبد العزيز بركة ساكن، وخالد عويس، وهشام آدم، وطه جعفر، وبعض هذه الروايات اثار جدلا وأعلن عن ميلاد روائيين جدد، وبعضها الآخر إنتزع تقديرا، وإعترافا، من لجان تحكيم ضمت نقادا متخصصين في العملية النقدية. وبرغم ما في هذه الجدالات من إسقاط للآيديولوجي، والسياسي على النص، فهي إنما أدت غرضها ما دام أن جانبا من مهمة الرواية أن ترصد التحولات المجتمعية وليس من مهمتها أن ترضي العقل الجمعي. ولعل الدكتور جابر عصفور قد فصل في كتابه (زمن الرواية) قدرة الراوي، وليس الشاعر، في الإلمام بتفاصيل الحياة العصرية، ذلك بوصف أن الرواية حامل لكل التناقضات الإجتماعية. ولقد تابعت ما كتبه الأستاذ حاتم إلياس عن رواية الاستاذ طه جعفر (فركة) ولقد حركت تلك الكتابة راكد النقد السوداني في تلمسه للأعمال الروائية السودانية الحديثة، وكنت تمنيت لو أن الأستاذ طه جعفر، والذي يكفيه تقييم النقاد المتخصصين الذين أعترفوا بموهبيته قد تلقى نقد إلياس لروايته بصدر رحب، برغم رده الغاضب بأن الاستاذ حاتم ألقى إسقاطات آيديولوجية على فكرة الرواية التي عدها آيديولوجية التوجه، وقاتلة لأشواقه الفكرية. أعتقد أنه ليس هناك ما يعيب أن يعالج الاستاذ طه موضوعا آيديولوجيا عبر روايته، وليس من العيب، أيضا، أن يجد الأستاذ حاتم من موقعه كناقد ما يحفز لنقد الرواية، آنفة الذكر، من زاوية قناعاته الفكرية. فالراوي تنتهي مهمته بعد كتابة الرواية وليس من مهامه ملاحقة الكتاب والقراء التي ينبشون مضمونها بمنهجيات متباينة، وهناك نقد كثيف ألقى بحمولات آيدلوجية وفنية متعددة على روايات الطيب صالح، ولكنه كان يعرف دوره تماما، وكان يفضل الصمت ليتيح للقراء جمال إختلافهم، وهل يبدو العمل الثقافي عموما إلا مجرد مجال للإختلاف الذي يثريه ويضعه في دائرة الضوء؟.
والإعتقاد الثاني حول هذا الموضوع أن من منتهى نجاح الرواية أن تثير الاسئلة حول مضامينها الفكرية، والفنية، ولقد نجح طه جعفر مرتين: حين أجبر النقاد على تقدير النقاد المحكمين لروايته، وحين قدر للاستاذ حاتم إلياس أن يتناولها، دون غيرها، من الزاوية الآيديولوجية كما ظن، وهي زاوية نظر أساسية ومطلوبة إذا فهمنا أن الفكرة الآيديولوجية للنص هي جزء من إهتمامات بعض الروائيين، وكذلك النقاد، والقراء.
تلك الجدالات النقدية المفقودة، وعلى ما تخلفها من مرارات شخصية لا مبرر لها، توضح لنا جانبا من أهمية دور النقد في مجمل حركة الإبداع السوداني فقد ظل النقد، وهو الساق الثانية للإبداع، مغيبا لأسباب موضوعية لا يدركها إلا الذين تابعوا كيفية صدور الملاحق الصحف والمجلات الثقافية في بلادنا طوال الثلاثة عقود الماضية. فالنقد لا يجد الإهتمام الكافي من المعنيين بأمر الصحف، كما أن المجلات الثقافية التي كانت متخصصة للإبداع مثل مجلة (الخرطوم) و(الثقافة السودانية) لا تصدر إلا لتتوقف، وإلى الآن لم تصدر مجلة معنية بالنقد فحسب، بل ولا نعثر حتي على مجلات ثقافية منتظمة في الصدور مثل المجلات المصرية، والخليجية، مثالا. ولعل الدراسات النقدية تأخذ، تقريبا، عشر حيز هذه الإصدارات. فطبيعة الملاحق الثقافية أن تهتم بكل ضروب الإبداع من شعر، وموسيقى، وتشكيل، ومسرح، ورواية، وقصة، ولا بد أنك تجد أن معظم المنشور في الملاحق والمجلات الثقافية إنما هو نصوص إبداعية، وليست نقدية.
ولأن مرجعيتنا في العمل الإعلامي الثقافي تعود إلى العالم العربي فإننا لم نتخيل أنه يمكن أن تكون هناك مجلات متخصصة في الدراسات النقدية كما هو مأمول به في الدول المتقدمة، وكما هو حال المبادرة الفريدة التي قدمها الاستاذ عثمان علي نور حين أصدر في الستينات مجلة متخصصة في القصة. كما أن الجامعات التي تضم كليات آداب لا تولي أمر النقد الموسيقي، والمسرحي، والأدبي، إهتماما بحيث أن تخرج أقسام فيها نقادا يضيفون لسوق العمل النقدي، إن وجد. ولذلك قل حجم النقد المتخصص، وكما تعلمون هناك اسباب أخرى جعلت النقاد، على قلتهم، يقومون بهذا العمل تطوعا. فالنقاد الموسيقيون، والمسرحيون، والأدبيون، لا يجدون الإحتفاء كما ثلة المبدعين الآخرين. وغالبا ما يبادر أفراد لملأ هذه الفجوة دون أن يجدوا تقييما ماديا لما يقومون به. فالصحف لا تدفع إلا لنقاد الرياضة، ومحرري الصفحات الفنية، بل ومن خلال التجربة لا تتعامل مع مشرفي الملفات الثقافية إلا كمحررين للصفحات، وهم في المبتدأ والخبر موظفون لنشر كوكتيل من القصيدة، والقصة القصيرة، والحوارات المشوقة مع المبدعين، أي أنها صفحات منوعة بحيز ضيق يهجم عليه أحيانا الإعلان فيلغي صدور الصفحة.
وأذكر أننا كنا نسعى على مدار الاسبوع إلى إعداد هذه المنوعات الصحافية. نذهب للملتقيات الثقافية لإعداد تقرير عنها، ونقوم بزيارة المبدعين في منازلهم البعيدة لعمل مقابلة، ثم نأتي للسهر في إخراج الصفحة، وأحيانا نعود إلى منازلنا في آخر الليل بطريقة تؤكد إهمال دور المحرر الثقافي، وحين نأتي صباحا إلى أكشاك توزيع الصحف فرحين إلى المكتبة لنسعد بأن جهدنا قد وصل القارئ تلجمنا الدهشة بأن إعلانا كاملا إحتل الصفحة الثقافية. ليس ذلك فحسب وإنما نفهم تلقائيا من ذلك أن علينا أن ننتظر اسبوعا كاملا لتصدر الصفحة الثقافية في يومها المحدد وليس اليوم الذي يلي سحبها بواسطة محرر السهرة الذي رأى أن وجود الإعلان هو الأفضل للصحيفة من نشر كلام مثقفاتية لا يساعد كثيرا في توزيع الصحيفة، كما يسمعنا بعض رؤساء التحرير هذه العبارات. فتأمل!
منتهى القول: هذا هو واقعنا الثقافي، بما فيه من إبداعات قصصية، وشعرية، وتشكيلية، ودرامية، إلخ. ونرجوا ألا نحلم بوجود فرص كثيفة للمبدعين للتعبير عن هذا الواقع. ونأمل أن تضيف هذه الشذرات المهمومة بحالات الإبداع السوداني شيئا للجدل حول الإبداع السوداني. وربما كل شذرة تحتاج إلى مقالات مفصلة برؤى مختلف المهمومين بالعملية الثقافية في البلاد التي تتجاذبها أهواء، وأنواء، التدهور السياسي ونأمل أن نعود يوما لتفصيل حالات كل حقل إبداعي بإستفاضة، وبشكل أكثر
منهجية.
Salah Shuaib [email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.