منذ أن دشن مسجل الأحزاب والتنظيمات السياسية إجراءات تسجيل الأحزاب السودانية لا سيما الأحزاب التاريخية منها ما زلت أحاول أن أجد منطقا استطيع من خلاله تقبل الفكرة. فما زلت أفكر وأتأمل وأتبصر وفي كل محاولة ينقلب إلّي البصر خاسئا وهو حسير. فتسجيل الأحزاب أصابني بذخات من الحيرة بعضها فوق بعض خاصة أن التسجيل طال الأحزاب التاريخية والتي سبق وجودها وجود المسجل نفسه وعندما يسجل اللاحق السابق لإعطائه الشرعية لا يجد الناظر إلى ذلك إلا أن يندهش. ومبعث حيرتي أن الأحزاب التاريخية موجودة في الحياة السودانية قبل المسجل نفسه. كما أن لهذه الأحزاب ملايين المؤيدين علي طول البلاد وعرضها . فهل ممارسة دورها السياسي لا يتم إلا بتسجيلها لدي المسجل؟ ومعني ذلك أن تاريخها السابق لا يعطيها هذه الشرعية ؟ لا سيما أن هذه الأحزاب قد مارست هذا الدور من قبل من خلال ثلاثة ديمقراطيات سابقة قبل أن يكون المسجل مسجلا والحزب الحاكم مسيطرا . وهذا لعمري شبيه بمن يمتلك شهادة ميلاد وتطالبه بشهادة تسنين . الجدير بالذكر أن عدد الأحزاب السودانية المسجلة بلغ 52 حزبا سياسيا بالكمال والتمام . ولك عزيزي القارئ أن تتأمل في هذا الرقم الفلكي للأحزاب السياسية في وطن لم يبلغ عدد سكانه ال40 مليونا حسب التعداد السكاني الأخير. قد يقول قائل بأن عدد كبير من هذه الأحزاب لا يمتلك الجماهيرية التي تؤهله ليكون حزبا سياسيا وهذا وارد ولا يحتاج منا إلى توضيح وسيتضح بعد الانتخابات القادمة . ولكن لا بأس من أن نتساءل عن السبب الذي أدي إلى كل ذلك وجعل الأحزاب السياسية بهذا الرقم ؟ ونقول أن ذلك تم بسبب الزلازل التي ضربت ارض السياسة السودانية في الفترة الأخيرة وجرت بفعلها مياه كثيرة من تحت جسر الوطن كما حدثت انشطارات لعدد من الأحزاب فولدت بعض الأحزاب أحزابا وعقمت أخري وذهبت بعض الأحزاب بلا رجعة . واعتقد أن وجود هذا العدد الكبير من الأحزاب علي الساحة اليوم حدث كنتيجة لما يسمي بقانون التوالي السياسي المثير للجدل . وحتي تتضح الصورة انظر إلى القانون في فقرته الثالثة تحت عنوان الأهلية والتأسيس للتنظيم التي جاء فيها مايلي: يجوز لأي عدد لا يقل عن مائة من المواطنين المؤهلين لحق الانتخاب وفق القانون ولقيادة تنظيم وفق المادة 11، تأسيس تنظيم واحد وتقديم طلب لتسجيله وفق أحكام هذا القانون . وبناء علي ما سبق فقد شرّع قانون التوالي لتعدد الأحزاب وفتح الباب أمام الجميع لإنشاء الأحزاب بما تيسر من أعضاء وهذا اوجد بدوره شرخا في الجدار الوطني وهيأ الساحة السياسية للتفتيت والتشرذم وفقا للقانون واكسب الأحزاب الصغيرة الشرعية لا سيما أن القانون أعطي الحق لكل مائة شخص بتكوين حزب سياسي و تسجيل الأحزاب الحالي ما هو إلا امتداد لقانون التوالي السياسي . وقد أثير الكثير من الجدل في شان قانون التوالي السياسي وتعريفه و ما وجدت تعريفا دقيقا لقانون التوالي كقول شاعر الحقيبة عبدالرحمن الريح في وصفه لغزال المسالمة عندما قال : إن شافه الغزال مع نفرته يواليه- وان شافه القمر أنواره تخجل ليه- ووفقا لقانون التوالي فقد والت عدد من الأحزاب الإنقاذ في نفورها عن الديمقراطية والتصقت بها كلمة (المسجلة) و نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر الحزب الاتحادي "المسجل".