سودانير تعلن استئناف رحلاتها من مطار الخرطوم    الهلال ينتزع صدارة الدوري الرواندي من الجيش    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    شاهد بالفيديو.. بعد أداء العمرة.. شيخ الأمين يعفو عن كل من أساء إليه ويدافع عن الفنانين: (أحد الصحابة كان عنده "عود" يعزف ويغني عليه)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    جامعة الخرطوم تمنع لبس البنطال للطالبات والتدخين وتعاطي التمباك داخل الحرم    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    رافعًا شعار الفوز فقط... الأهلي يواجه النيل في ديربي مدينة شندي    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تخبط وطفولية الدبلوماسية السودانية في التعامل مع كينيا .. بقلم: واصل علي
نشر في سودانيل يوم 05 - 12 - 2011

أثبتت الدبلوماسية السودانية هذا الأسبوع فشلها بجدارة في التعامل مع الأزمة التي نشبت على خلفية إصدار قاض كيني مذكرة توقيف بحق الرئيس عمر البشير. وجاء التصعيد غير المسبوق من قبل الخرطوم ليضع الكثير من علامات الاستفهام حول كفاءة الطاقم الذي يعمل في وزارة الخارجية او رئاسة الجمهورية في التعامل مع هذا النوع من الأزمات التى لها تأثير حيوي على مصالح البلاد التي هي اكبر من اي شخص مهما كان موقعه. سأستعرض في هذا المقال كل الخلفيات حول هذا الموضوع خاصة من الجانب الكيني.
الأصل في هذه المشكلة التي وقعت هي زيارة مفاجئة لم يعلن عنها من قبل قام بها الرئيس البشير لكينيا في أغسطس 2010 لحضور الأحتفال الذي تم فيه تدشين العمل بالدستور الجديد الذي يقترب في نصوصه من الدستور الأمريكي واعتبر انجازا تاريخيا لبلد خرجت حديثا من نزاع دموي بعد اتهامات بالتزوير في انتخابات 2007 شهدها العالم اجمع على شاشات التلفزيون وأثارت استنكارا دوليا واسعا بعد سقوط ألاف القتلى. انتهت الأزمة باتفاق لتقاسم السلطة بين حزبي الوحدة الوطنية بزعامة الرئيس مواي كيباكي والحركة الديمقراطية البرتقالية بزعامة رئيس الوزراء رايلا اودينجا.
اثارت زيارة الرئيس البشير المطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية استنكارا دوليا واسعا والأهم من ذلك انها تسببت في خلاف علني حاد بين طرفي الحكم في كينيا. ولقد وضح بعد ذلك ان الدعوة قدمت من قبل طرف واحد في الحكومة الكينية وكانت المعرفة في اطار محدود للغاية لدرجة ان اغلب المسؤولين الكينيين لم يعرفوا بها إلا بعد ان وطأ الرئيس البشير ارض البلاد. ولقد غضب النائب الأول سلفا كير الذي تمت دعوته لتمثيل السودان في الاحتفال واضطر لإلغائها حيث انه بروتوكوليا لا يمكن ان يتواجد في مناسبة خارجية يحضرها رئيسه البشير.
خرج رئيس الوزراء رايلا اودينجا بتصريحات مفادها انه لم يكن لديه علم بالزيارة وان قائمة المدعوين المتفق عليها مع حزب الوحدة الوطنية لم يكن الرئيس البشير فيها. وشدد اودينجا على ان كينيا باستقبالها للبشير خرقت التزاماتها بموجب مصادقتها على ميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية. وذهب رئيس الوزراء الكيني الى ابعد من ذلك مؤكدا ان الرئيس البشير يجب ان يمثل امام محكمة لاهاي للدفاع عن نفسه حيال الأتهامات المنسوبة اليه بارتكاب جرائم حرب في دارفور.
عاد الرئيس البشير الى الخرطوم بعد انتهاء الأحتفال مباشرة واعتذر عن حضور مأدبة الغداء التي أقيمت للوفود نظرا لأنها كانت أيام شهر رمضان. هلل المسؤولون السودانيون للزيارة وقال وزير الخارجية علي كرتي وقتها ان كينيا التزمت بموقف الأتحاد الأفريقي و "رفضت كل الدعوات من ناشطين يقفون ضد السودان" وأضاف ان "هؤلاء خاب فألهم عندما رحبت كينيا كثيرا بزيارة رئيس الجمهورية وخاصة وأنها عضوة فى المحكمة الجنائية".
ولكن بعد شهرين من الزيارة قام الفرع الكيني للمنظمة الدولية للمحلفين (ICJ) بتقديم طلب للمحكمة العليا يطلب منها اجبار الحكومة الكينية على اعتقال البشير بموجب مذكرة التوقيف الصادرة من المحكمة الجنائية الدولية. واستندت المنظمة القانونية ايضا على قانون الجرائم الدولية لعام 2008 والمادة الرابعة فيه التي تلزم الدولة الكينية بتنفيذ أوامر القبض الصادرة من المحكمة الجنائية الدولية. ولعل الكثيرين لا يعلمون ان كينيا من الدول القلائل في أفريفيا التي ضمنت ميثاق روما كجزء من قانونها المحلي. فالمادة الثانية من الدستور الجديد في فقرتها السادسة تنص على ان اي معاهدة تصادق عليها كينيا تصبح جزءا اصيلا من قوانين البلاد.
وليس هناك اي دليل على ان الحكومة السودانية ممثلة في سفاراتها في نيروبي كانت على علم بالقضية المنظورة امام المحكمة العليا او في حالة علمها فأنها لم تبالي كثيرا بها وإلا فكان عليها ان تخطر الخرطوم وتنصحها بأن توكل محامين للوقوف ضد الطلب الذي قدمته منظمة ال(ICJ).
نزل حكم القاضي نيكولاس اومبيجا كالصاعقة على رأس الحكومة السودانية وأصدرت الخارجية بيانا اعتبره من اسوأ ما انتجته الدبلوماسية السودانية فبدلا من ان تنظر في الأسباب الموضوعية وراء هذا القرار كالت الأتهامات لمدعي المحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو اوكامبو بأنه يقف وراء قرار المحكمة العليا بعد اخفاقاته في "إقناع الدول الأعضاء في ميثاق روما بتنفيذ طلباته باعتقال الرئيس البشير حيث كانت زيارة مالاوي آخر نماذج ذلك الفشل وفشل في إقناع القيادة الليبية بتسليم رموز نظام القذافي ".
وبعد هذه البارانويا بضلوع اوكامبو في هذه "المؤامرة" على ارض كينيا ضد السودان ورئيسه و إقحام فضايا ليست لها اي علاقة بما حدث جاء البيان ليناقض نفسه بشكل صارخ ليقول "أن القرار يتصل بتداعيات الخلاف الداخلي في كينيا حول مستقبل التعامل مع المحكمة الجنائية بأكثر من اتصاله بالأوضاع في السودان". وبالتأكيد فإن القارىء لهذا الكلام لايسعه الا ان يستغرب ان تقوم جهة مسؤولة في الدولة بكتابة الكلام ونقيضه في نفس الوقت.
غير ان الفضيحة الأكبر في البيان هو تأكيده على ان "قرار المحكمة الكينية لن يؤثر على علاقات الخرطوم ونيروبي" حيث انه بعد ساعات من هذا التأكيد امرت الخرطوم السفير الكيني بمغادرة البلاد في غضون 72 ساعة واستدعت سفيرها في نيروبي ابضا. والعقاب الذي انزلته الحكومة السودانية بالحكومة الكينية جاء رغم ان الخارجية في بيانها اكدت ان "القرار قابل للاستئناف وأنه شأن داخلي تحكمه العلاقة بين الجهاز التنفيذي والسلطات القضائية الكينية". وجدير بالذكر ان الناطق الرسمي باسم الخارجية العبيد مروح صرح لصحيفة «الشرق الأوسط» الصادرة من لندن في نفس اليوم انه "من الصعب أن نقول إنه قرار من الدولة، وإنما قرار محكمة، والمدعي ليس من الجهاز التنفيذي، وإنما الدعوة من فرع كيني لمنظمة أوروبية".
حاولت الخارجية السودانية ان تبرر هذا التناقض العجيب وتبدل المواقف بهذه السرعة الخرافية بالقول انها انتظرت ان تسمع تصريحا من الحكومة الكينية بخصوص هذا الحكم ولما لم يحدث فإنها اتخذت هذا الإجراء. ولو انهم انتظروا عدة ساعات اخرى لقرؤوا تصريحات وزير الخارجية الكيني موسى ويتنجولا مهاجما حكم المحكمة قائلا انه يضر بمصالح كينيا كما انه اصدر بيانا لاحقا مؤكدا على قرارات الأتحاد الأفريقي القاضية بعدم التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية ونبه الى حصانة الرؤساء بموجب المعاهدات الدولية.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف ارتأت الحكومة السودانية طرد السفير كأجراء اولي وليس كأجراء أخير حسب العرف الدبلوماسي في التعامل مع الأزمات؟ كما ان الجهاز التنفيذي في كينيا برىء من هذه المسألة باعتراف الخارجية السودانية نفسها. ثم اليست كينيا هي نفسها التي خرقت ميثاق المحكمة واستقبلت البشير من قبل وعرضت نفسها لأنتقادات ليست لها اول ولا اخر؟ فكانت المكافأة بطرد السفير وكأن السودان تنقصه عداوات جديدة مع الدول.
والعجيب ان السودان لم يحرك ساكنا ولم يغضب عندما قامت كينيا بتغيير مكان اجتماعات الأيقاد من نيروبي للعاصمة الأثيوبية في اكتوبر 2010 حتى تتجنب حرج استقبال الرئيس البشير مرة اخرى.
جاء وزير الخارجية الكيني على عجل للخرطوم وقابل الرئيس البشير برسالة من كيباكي. عاد ويتنجولا الى بلاده مبشرا بإنتهاء الأزمة وكاشفا عن ان الرئيس البشير كان قد اتخذ قرارات غير طرد السفير من بينها إبعاد جميع المواطنين الكينيين من السودان وقطع التجارة بين البلدين و غلق المجال الجوي امام جميع الرحلات المتجهة من والى كينيا. وعلينا هنا ان نسأل عن الجهة التي قررت ان مصالح السودان تكمن في اتخاذ هذه الإجراءات الانتقامية. فماذا لو قامت كينيا بإجراءات مماثلة ضد السودان وما ذنب المواطن الكيني العادي اصلا حتى يتم طرده؟ ويبدو ان من اتخذ القرار كان واقعا تحت وهم ان السودان دولة عظمى وليس دولة تمزقت حديثا وتعاني من عزلة دولية و مصاعب اقتصادية جمة جعلها تستجدي المساعدة من جميع انحاء العالم.
أبت الحكومة السودانية إلا ان تحرج ويتنجولا في نفس اليوم وتضع العقدة في المنشار لتقول انها ستمهل كينيا مدة اسبوعين حتى تسحب المذكرة في خطوة لا يفهم منها الا انها إمعان في الإذلال رغم كل الأعذار والأعتذارات التي ساقتها نيروبي.
والعجيب ان السودان ورئيسه شخصيا تعرضا لمواقف اكثر احراجا وسوءا من ماحدث في كينيا ولم يتخذ اي اجراء مماثل. ففي مارس 2009 وفي القمة العربية- اللاتينية امتنع الرئيس البرازيلي عن الجلوس في مأدبة الغداء بجانب الرئيس البشير وغادر المكان. وفي نفس القمة هددت الرئيسية ألأرجنتينة بالانسحاب من الصورة الجماعية مالم يستبعد الرئيس البشير منها وهو ماحدث. ولا يفوتنا هنا ان نذكر ان وزير الخارجية البرازيلي في مايو 2009 قال بشكل صريح ان بلده ستعتقل الرئيس البشير اذا ما حاول الزيارة.
كما ان رؤساء بوتسوانا و جنوب أفريقيا قالا بشكل علني ان زيارة البشير لبلادهم تعرضه للاعتقال الفوري. وألغيت زيارات البشير لتركيا, جمهورية افريقيا الوسطى و ليبيا في اخر لحظة بعد ان سحب رؤساء هذه الدول دعواتهم للرئيس البشير. والأسوأ من ذلك ان دولتين هما تركمانستان وطاجيكستان منعتا طائرة البشير هذا العام من عبور أجواءهم في طريقه للصين مما اضطره للعودة لإيران لدراسة خط سير جديد للرحلة مما اخر الزيارة الرسمية لمدة يوم كامل. والأدهى من ذلك كله ان المسؤولون الغربيين يزورون السودان ويتجنبون لقاء البشير تحت سمع وبصر الحكومة السودانية.
ورغم ان الحكومة السودانية تتشدق دوما باستقلال قضائها وانه مشهود له فإنها تريد من كينيا ان تتدخل في عمل القضاء وتسحب مذكرة التوقيف في خلال أسيوعين . ولعله من المفيد ان نذكر أن طرد السفير دفع الكثير من المراقبين والصحف في كينيا للقول بان الحكومة السودانية تتصور ان قضاء كينيا مطية في يد الجهاز التنفيذي كما هو الحال في السودان.
والغريب ان وزير العدل السوداني محمد بشارة دوسة في حديثه لصحيفة (السوداني) بتاريخ 4 ديسمبر قال ان على كينيا أن تتقدم باستئناف ضد قرار المحكمة "وأن لا يترك لينتهي بقرار تنفيذي أو سياسي". وعلينا ان نسأل كيف يتصور وزير العدل والقانوني الأول في البلاد انه قي دولة تحترم القضاء يستطيع الجهاز التنفيذي الغاء الأحكام بقرارات سياسية.
ولسوء حظ السودان ان الدستور الكيني الجديد الذي حضر الرئيس البشير اعلانه يعتبر من اعمدته الرئيسية استقلال القضاء. فالذي حدث ان النظام القضائي برمته في كينيا تم اصلاحه وتم تغيير كل القضاة المشكوك في مهنيتهم وتم تدشين محكمة دستورية جديدة. والحقيقة ان القاضي نيكولاس اومبيجا الذي امر بأعتقال الرئيس البشير ليست لديه سوابق قضائية توحي بأنه معادي لحكومته وتوجهاتها. بل بالعكس فقد قام الشهر الماضي بالغاء محاكمة في جريمة قتل عضو البرلمان موجابي ويري ايام عنف الأنتخابات. وفي نفس الشهر اوقف محاكمة وزير الصناعة هنري كوسجي في قضية فساد متعللا بأن المدعي لم يعين بطريقة صحيحة.
ولعل هذا هو ما دفع رئيس القضاء الكيني ويلي موتونجا لتحذير حكومته من محاولة الإلتفاف على أحكام القضاء او التأثير عليه قائلا ان "اختيار عدم الانصياع لأوامر المحكمة هو تقويض لدستورنا. أوامر المحكمة يجب أن تطبق كليا على المواطنين العاديين والشركات وأعضاء اللجنة التنفيذية ، والسلطة القضائية والتشريعية ، وإذا اختار بلد أن يعيش حالة من الفوضى ، يجب أن يكون مستعدا لمواجهة عواقب تجاهل القانون". وذكر موتونجا بأن القانون يوضح الأساليب الواجب اتباعها لاستئناف الأحكام المعترض عليها وأن المادة 160 تؤكد على ان "كل موظف قضائي هو مستقل ولا يخضع لسيطرة أو توجيه أي شخص أو سلطة في القيام بواجباته القضائية". وفي ختام بيانه شدد رئيس القضاء الكيني على ان "القضاء ومسؤوليه لن يتم ارهابهم لتطويع القانون".
ويبدو ان تحذير موتونجا اجبر وزير الخارجية الكيني بأن بقف موقف الدفاع قائلا ان من حق اي شخص ان ينتقد احكام القضاء وانه لهذا الغرض هناك حق الأستئناف.
ورغم ان وزير الخارجية الكيني حاول التلميح بأن الحكومة لن تلتزم بحكم القاضي فإن وزير العدل وتولا كيلونزو صرح بأن الحكومة ليس لديها خيار سوى الانصياع لهذا الحكم واعتقال البشير. كما ان مصدر اخر في الرئاسة الكينية اكد على هذه المسألة قائلا "كما تعلمون الرئيس لا يستطيع أن يفعل شيئا، لأن ذلك أمر من المحكمة في المؤسسة القضائية التي تم إصلاحها وهناك فصل للسلطات بين الأذرع الثلاثة للحكومة والجهاز التنفيذي لا يمكن أن يتدخل".
ويجب ان تعلم الحكومة السودانية ان القضية الأن أصبحت اكبر من موضوع الرئيس البشير وان كثير من الجهات في كينيا تعدها اختبارا حاسما لمبدأ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء. كما ان كينيا تقترب من استحقاق انتخابي وهذا الموضوع سيستخدم بلا شك ككرت انتخابي بين الحزبين وسيحاول كل طرف تأكيد احترام حزبه لأستقلال القضاء واحترام قراراته حتى لو جاء ضد مصالحهم. والأكثر من ذلك ان الدول الغربية التي ضغطت على كينيا لأجراء إصلاحات سياسية وقضائية شاملة ومحاربة الفساد ستراقب بإهتمام شديد تداعيات هذا الموضوع ومدى التزام الدولة بدستورها.
ثم انه لا يمكن بأي حال من الأحوال ان يتم تقديم استئناف والبت فيه في أسبوعين خاصة في قضية معقدة كهذه تتشابك فيها مواد دستورية مع معاهدات دولية وقوانين محلية. وهذا الأمر اكده مسؤول رفيع في الخارجية الكينية باتريك واموتو الذي قال ان عملية ألإستئناف ستسغرق عاما او اكثر. ولقد اخبرني مسؤول حقوقي افريقي هذا الأسبوع ان عددا كبير من المحامين المتخصصين في القانون الدولي الجنائي داخل وخارج كينيا اخذوا يجهزون انفسهم لمعركة الأستئناف.
وبيدو ان الحكومة السودانية تتصورها قضية سهلة بتأكيدها على ان الرئيس البشير يتمتع بحصانة اقرتها اتفاقية فينا الصادرة عام 1961م.
ولكن هذه الحجة يضعفها حكم صادر من محكمة العدل الدولية في عام 2000 في قضية الكونغو ضد بلجيكا حيث اكد القضاة ان مبدأ الحصانة ينتفي عن المسؤول "إذا كان مطلوبا في اجراءات جنائية أمام بعض المحاكم الجنائية الدولية ، حيث لديهم الاختصاص. وتشمل الأمثلة المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة (ICTY) ، والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا... والمحكمة الجنائية الدولية (ICC) المستقبلية".
واذا كانت الحكومة مصرة ان قرار مجلس الأمن الذي احال قضية دارفور للمحكمة الجنائية معيب فعليها ان تتقدم بطلب استشاري من محكمة العدل الدولية حول هذه القضية. وقد ذكرت بعض التقارير الصحفية قبل عدة اعوام ان الخرطوم كانت بصدد اتخاذ هذه الخطوة ولكن يبدو انها خشيت ان يأتي الحكم في غير صالحهأ.
وأما قرار الاتحاد الأفريقي بخصوص الرئيس البشير فهو قرار سياسي لا يعفي الدول الأعضاء من التزاماتها الدولية وهي المسألة التي اكد عليها القاضي الكيني وأكدتها وزارة الخارجية في جنوب أفريقيا من قبل.
هذه الأزمة ما كانت لتنشب لولا ان الرئيس البشير قرر زيارة كينيا العام الماضي في محاولة جديدة لكسر الحصار المفروض عليه بعد اصدار مذكرة التوقيف الصادرة بحقه. ولعل وزير الخارجية الكيني موسى وتنجولا أدرك ان دعوته التي قدمها للرئيس السوداني العام الماضي وضعت حكومته في موقف حرج داخليا وخارجيا ولذلك على الخرطوم ان لا تضع الملح على الجرح.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.