اتساع رقعة العنف القبلي بالجنينة وارتفاع الضحايا الى 327 .. لجنة الأطباء تطالب باعلان الجنينة منطقة منكوبة    النيابة العامة: النائب العام سيقدم خطبة الاتهام الافتتاحية في قضية الشهيد حسن محمد    تدني نسبة النجاح لطلاب الشهادة السودانية بنسبة 55 ٪ عن العام السابق    تطورات جديدة في قضية محاكمة (علي عثمان)    الهلال يسحق توتي الخرطوم.. ومروي يهزم هلال الفاشر .. هدفان أمام المريخ في مواجهة الاُبَيِّض    8 بنوك و3 شركات طيران تجار عملة .. بقلم: د. كمال الشريف    حتى لا يرتد الوهج سميكا .. بقلم: عبدالماجد عيسى    في ذكري الكروان مصطفي سيد احمد .. بقلم: صلاح الباشا    في ذكرى الاستقلال ذكرى عبد الواحد .. بقلم: جعفر خضر    "شوية سيكولوجي8" أب راسين .. بقلم: د. طيفور البيلي    مقتل مواطن سوداني في انفجار جسم غريب    الثروة الحيوانية قد لا تظل طويلا ثروة متجددة! .. بقلم: اسماعيل آدم محمد زين    أهلي شندي يسقط أمام الشرطة القضارف .. فوز هلال كادوقلي على مريخ الفاشر    ويسألونك عن العيش .. بقلم: د. فتح الرحمن عبد المجيد الأمين    المحكمة ترفض طلبا للدفاع باستبعاد الشاكي في قضية علي عثمان    البحث عن الإيمان في أرض السودان .. بقلم: محمد عبد المجيد امين (براق)    مشاهدات زائر للسفارة بعد التغيير .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    هل توجد وظيفة في ديننا الحنيف تسمي رجل دين ؟ .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    وزارة الصحة السَودانية: مابين بروتوكولات كوفيد والذهن المشتت .. بقلم: د. أحمد أدم حسن    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    التحذير من اي مغامرة عسكرية امريكية او هجمات علي ايران في الايام القادمة .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    (سلطان الكيف) !! .. بقلم: عبد الله الشيخ    الإمارات والاتفاقية الإبراهيمية هل هي "عدوان ثلاثى "تطبيع بلا سند شعبى؟ (3/4) .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    تعليم الإنقاذ: طاعة القائد وليس طاعة الرسول .. بقلم: جعفر خضر    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





رواية موسم الهجرة الى الشمال والنقد ما بعد الكولونيالي ... بقلم : عبد المنعم عجب الفيا
نشر في سودانيل يوم 15 - 06 - 2009

في كتاب " الطيب صالح عبقري الرواية العربية 1976" والذي شارك في تاليفه نخبة من طليعة النقاد العرب الذين كانوا يملاؤن الساحة النقدية في ذلك الوقت منهم الناقد المصري المعروف رجاء النقاش والدكتور محي الدين صبحي والدكتور علي الراعي وخلدون الشمعة ومحمد جلال عشري واخرون ، سئل الطيب صالح عمن تاثر بهم من الادباء. فأجاب : " نظرت في أساليب عدد من الكتاب ولا بد انني اخذت شيئا من هنا وشيئا من هنالك " .
ثم ذكر من العرب طه حسين ومصطفى صادق الرافعي والمازني واحمد زكي. ومن السودان ذكر احمد الطيب احمد وجمال محمد احمد . ومن الاجانب ذكر شكسبير وجوناثان سويفت وكنراد وفوكنر. ويعنيينا هنا بصفة خاصة Joseph Conrad جوزيف كونراد ( 1857 – 1924 ) صاحب الرواية القصيرة الرائدة:Heart of Darkness " قلب الظلام " .
ويعد كونراد في الادب الانجليز احد الكتاب الاربعة الاوائل في تاريخ اللغة الانجليزية رغم ان الانجليزية كانت بالنسبة له اللغة الثالثة بعد لغته الام واللغة الفرنسية. فهو من اصل بولندي وتربى في فرنسا لكنه نال الجنسية البريطانية. وتعتبر قلب الظلام اشهر رواية كتبت في العهد الاستعماري وتدرس على نطاق واسع في الغرب وفي البلدان التي كانت تخضع للاستعمار الاوربي واذكر انها كانت مقررة على رصفائنا في كلية الاداب وقد بدات معهم في قرأتها ولكني لم أقوى على اكمالها في ذلك الوقت ، ربما لأنني لم اجدها مشوقة بما يكفي. وما زلت أرى انها مملة ورتيبة الايقاع رغم الطاقة التعبيرية الهائلة واللغة التأملية الغنية لكونراد .
وربما يرجع الاصرار على تدريسها الي أهميتها كوثيقة ادبية وتاريخية وريادتها في في إدانة الإستعمار الإوربي وإدخال تقنية جديدة في فن السرد الروائي ، وهي ما عرف فيما بعد بتعدد الاصوات الروائية . حيث الراوي يبدأ الحكاية ثم يترك المجال للشخصية الرئيسية استلام خيط الحكي بعد كان الراوي او الكاتب هو الصوت الوحيد السارد في الطريقة التقليدية . رغم أنه في حقيقة الامر ان الصوت السارد في قلب الظلام واحد حيث يتحكم ضمير الغائب على منظومة السرد : " قلت له ، وقال لي " وترتب على ذلك غياب الحوار المباشر وغياب التجسيد الدرامي والاعتماد على الوصف بشكل اساسي.
أين يكمن قلب الظلام ؟ :
تنبع أهمية (رواية قلب الظلام ) من انها تمثل شهادة أدبية لرجل أبيض في التشكيك في المهمة الحضارية المزعومة التي تعطى بموجبها اوربا نفسها الحق في استعمار الشعوب التي كانت تصفها بالبربرية والتوحش . فقد كان الاوربيون يعتقدون ان لديهم مهمة حضارية ورسالة انسانية تبرر حكم هذه الشعوب واخصاعها لسيطرتهم وهي اخراج هذه الشعوب من ظلام الجهل والتخلف الى نور الحضارة والمدنية. هكذا كانوا يسوغون توسعهم الامبريالي ولكن رواية قلب الظلام جاءت لتفضح زيف هذه المهمة الحضارية في افريقيا .
تبدأ (قلب الظلام ) بمجموعة من الرجال البيض يتسامرون على قارب شراعي على نهر الثيمز بلندن . يبدأ احد هؤلاء الاصدقاء بان يقص عليهم تجربة بحار يدعى مارلو سافر الى افريقيا وتحديدا الى الكنغو للالتحاق باحدي الشركات البلجيكية للعمل هنالك . في طريق وصوله الى هنالك تصادفه بعض الاحداث من قبل البلجيكيين ضد السكان المحليين تجعله يتشكك في المهمة الحضارية التي يزعم الرجل الابيض انها تعطيه الحق في اخضاع افريقيا لحكمه وسيطرته لاخراجها من الظلامات الى النور .عندما يصل مارلو الى الكنغو تكلفه الشركة التجارية بالذهاب الى اعماق نهر الكنغو لانقاذ تاجر ابيض مريض يدعى كيرتز وهو اهم عملاء الشركة واكبر المزودوين لها بالعاج ( سن الفيل ). وقد اقام ذلك التاجر محمية له لتجارة العاج هنالك ونصب نفسه سيدا وصار يتصرف كإله بين الاهالي الى درجة انه زين سياج بيته من جماجم المتمردين الذين يخرجون عن طاعته.
ولكن فجاة يصحو ضمير كيرتز المتجبر المتسلط ، فيصاب باضطراب نفسي ويمرض وعندما يصل مارلو اليه يجد ان المرض اخذ منه كل ماخذ ثم ما يلبث ان يموت بعد لقائه له . وكانت اخر الكلمات التي نطق يها كيرتز : "الرعب! الرعب ! " بعد موت كيرتز يعود مارلو الى بلجيكيا حيث يلتقي باقرباء واصدقاء كيرتز الذين ينظرون اليه كصاحب رسالة انسانية سامية ويتحدث كل واحد من هؤلاء عن جانب مختلف عن شخصية كيرتز. ويحكي لهم مالو عن ظروف موت كيرتز ويسلمهم بعض اوراقه الخاصة ومن ضمن من قابلهم خطيبتة كيرتز التي حزنت عليه حزنا شديدا . وحينما سالت مارلو عن اخر الكلمات التي نطق بها كيرتز لم يشاء أن يخبرها بالحقيقة ويقول لها ان آخر كلماته كانت :" الرعب! الرعب! " وانما قال لها ان اخر كلماته كانت : اسمك . وهكذا تنتهي الرواية .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا :ما المقصود بقلب الظلام : هل هي افريقيا كما يتبادر الى الذهن أول مرة ؟ ام المقصود هو قلب كيرتز الذي قاده جشعه الاستعماري الى الجنون والهلاك ؟
اضافة الى الدلالة العامة للرواية ، فان ان دلالة قلب الظلام يمكن ان تستخلص من إشارات مجازية وردت في ثنايا الرواية. يقول روبرت هامبسون في المقدمة التي كتبها للرواية في طبعة دار " بنجوين " ، في مستهل الرواية يصف مارلو نهر الثيمز بقوله انه : " كان في يوم من الايام من أكثر بقع الأرض ظلاما ". ثم يعود مرة اخرى في اخر جملة من الرواية ليصف نهر الثيمز ايضا بقوله : " وبدأ مجرى ماء النهر كانه يقود الى قلب الظلام العريض " .
وفي صلب الرواية حينما يهم مارلو بصد هجوم السكان المحليين على سفينته على نهر الكنغو يهتف له هاتف قائلا : " كن متحضرا يا مارلو " . كأنما كونراد يريد ان يقول بذلك ، أن أوربا غير متحضرة بما يكفي وانها لم تتخلص من الظلام ، بعد . و ان الظلام يسكن في قلب رسالتها الحضارية ، في قلب الانسان الغربي ممثلا في كيرتز. يريد ان يقول ان الانسان الأوربي رغم المدنية والحضارة الا انه لا يزال مسكونا بالظلام ولا يزال في حاجة الى التحضر . وهذه هي باختصار ثيمة رواية قلب الظلام.
في تصوري ان اليوت قد راى في عبارة كونراد معادلا موضوعيا للخراب الذي عبر عنه هو نفسه في قصيدته . ربما لاعتقاده ان الظلام الذي عناه كونراد ، قد قاد اوربا الى الحرب العالمية الاولى والى الخراب الذي صوره في قصيدة ( الارض الخراب) . كانما كونراد قد تنبأ بذلك الخراب في (قلب الظلام) ظلام الجشع والطمع الامبريالي والتكالب على نهب خيرات الآخرين واستعبادهم.
ومن هنا يمكن تفسير الاهتمام بهذه الرواية وتدريسها على نطاق واسع في الغرب كونه نابع من عقدة الشعور بالذنب الليبرالية ، ذنب استعباد الشعوب التي كنت توصف بالهمجية والبربرية باسم الرسالة الحضارية او ما وصفه كبلنج ب(عبء الرجل الأبيض) The white man burden
هل ثمة رابط بين الروايتين ؟ :
ولكن ما علاقة كل ذلك برواية الطيب صالح (موسم الهجرة الى الشمال)؟
سؤال لا بد انه يجول الان بالحاح بخاطر كل من قرأ رواية موسم الهجرة الى الشمال. فواضح مما تقدم ان كل شيء بين الروايتين مختلف. الشخصيات والاحداث والحبكة ومسرح الحدث والبيئة والسياق التاريخي مختلف الخ...
في رواية موسم الهجرة يولد مصطفى سعيد في ذات السنة التي هزم فيها القائد الانجليزي كتشنر جيش الدولة المهدية وأستعاد فيها إحتلال السودان. يتلقى مصطفى سعيد تعليمه الإبتدائي في المدارس التي أنشأها الانجليز ثم يسافر الى القاهرة ثم الى لندن لاكمال تعليمه الجامعي مثله مثل الكثيرين من ابناء العالم الذي كان خاضعا للاستعمار الأوربي . هنالك يتفوق في دراسته ويتخرج في اكسفورد ويتعين محاضرا في الاقتصاد وهو في سن الرابعة والعشرين. وينخرط في النشاط السياسي والفكري من خلال تاليف الكتب والتحدث في الندوات. فقد كتب: "أقتصاد الاستعمار" ، "الاستعمار والاحتكار" ،" الصليب والبارود " و"أغتصاب أفريقيا ". كما كان رئيسا لجمعية تحرير أفريقيا وعضوا في الحركة الاشتراكية الفابية الانجليزية . حتى حظي بفضل هذا التفوق الاكاديمي والنشاط الفكري باحترام المجتمع البريطاني وربطته صداقات وثيقة بعلية القوم هنالك.
ولكن رغم ذلك النبوغ العقلي والتفوق العلمي ورغم القبول الذي وجده من المجتمع الانجليزي كان يحس في دخيلته ان ذلك ليس كافيا لاستعادة احساسه بالكرامة ورد الاعتبار. فتقوده غريزته الفحولية الى الطريق الثاني ، الطريق الملتو (حسب وصف الرواية ) فينغمس في حياة بوهيمية مع الفتيات الانجليزات ظنا منه ان الثار للكرامة لا يكون الا بهتك عرض الأوربيين.
كان يقول : " لهم جئتكم غازيا .." وكان يقول : " ساحرر افريقيا ب... " اي بفحولتي . حتى قاده ذلك الطريق الى التسبب في انتحار ثلاثة فتيات منهن وقتل من يتزوجها . فينتهي الى السجن ليقضي فيه سبع سنوات. بعد خروجه من السجن يتشرد في أصقاع الارض ثم يعود الى السودان ويختار قرية في الشمال على النيل ليستقر فيها ويتزوج وينجب ويساهم في تطوير القرية وينال تقدير الناس ولكنه يموت غرقا ،أو إنتحارا ، في أحد الفيضانات. وهكذا تنتهي رواية موسم الهجرة الى الشمال.
اذن اين الرابط بين الروايتين ؟ ان كان هنالك ثمة رابط فهو مقاربة الروايتين لموضوع الاستعمار الاوربي لافريقيا. ولكنها مقاربة من قاهر ومقهور . ففي رواية كونراد نجد ان كيرتز يخوض تجربة الاستعمار كمستعمر (بالكسر ) بينما مصطفى سعيد في رواية الطيب صالح ، يخوض التجربة كمستعمر (بالفتح). واذا كان كونراد نظر الى الاستعمار كعمل بشع ولا انساني وغير حضاري ولا بد من ان ينتهي متخذا من موت كيرتز علامة على نهايته الحتمية . فان فشل مصطفى سعيد في الانتقام والثار لكرامته بذلك الاسلوب الملتو ، تمثل اشارة من الطيب صالح على ضرورة تجاوز مرارات التجربة الاستعمارية والانهماك في معركة التعمير والرقي من خلال العلم والعقل والتعايش السلمي والاحترام الثقافي المتبادل.
العلاقة المعكوسة :
في كتابه :Culture and Imperialism " الثقافة والامبريالية 1993 " ألمح ادوارد سعيد الى وجود علاقة معكوسة في مقاربة ثيمة الاستعمار بين رواية موسم الهجرة الى الشمال ورواية قلب الظلام لجوزيف كونراد. لم يقدم سعيد قراءة نقدية مفصلة في مؤلفه الضخم لموسم الهجرة ، وانما اكتفي باعطاء مؤشرات عريضة لهذه العلاقة في مساحة لم تتعدي العشرة أسطر في مؤلفه الكبير نسبيا ذلك لان كتاب " الثقافة والامبريالية" ليس كتابا في النقد الادبي أصلا وانما هو قراءات ايدلوجية انتقائية هدف سعيد من خلالها الى سبر أغوار النزعة الامبريالية في السرد الأوربي الذي كتب في العهد الاستعماري.
وهذا الصنف من القراءة عرف فيما بعد بالنقد ما بعد الكولونيالي Post-Colonial Criticism وقد أجمل ادوارد سعيد ما رآه علاقة معكوسة في مقاربة الاستعمار في القول بان هنالك نهر الكونغو في رواية ( قلب الظلام ) ، وهنا نهر النيل . وهناك هجرة من الشمال اوربا الى الجنوب اي افريقيا ، وهنا هجرة من الجنوب الى الشمال اي الى اوربا. والراوى الذي يحكي عن مارلو وكيرتز في قلب الظلام ، يقابله الراوي الذي يحكي عن مصطفى سعيد في موسم الهجرة . وان الهزيمة التي احس بها مصطفى سعيد في مناجزة الاستعمار بطريقته الملتوبة وعودته لوطنه ليموت في القرية ، تقابل انهيار ، كيرتز النفسي ، وهزيمته المعنوية وموته في افريقيا بعد ان ارتكب المذابح واقام له محميمة من تجارة العاج ونصبه نفسه سيدا على السكان المحليين في الكونغو.
يقول ادوارد سعيد ".. هكذا تقلب رحلة إلى قلب الظلام إلى هجرة مقدسة من الريف السوداني الى قلب أوربا حيث يطلق مصطفى سعيد وهو صورة مرآوية لكيرتز - في قلب الظلام - عنان عنف طقوسي ضد نفسه وضد النساء الأوربيات وضد فهم الراوي.وتختتم الهجرة بعودة سعيد الى قريته الأصلانية وإنتحاره فيها ".
هذا جملة ما قاله ادوارد سعيد عن رواية موسم الهجرة الى الشمال في هذا السياق. وهو قول لا يمكن ان يفهم منه باية ان الطيب صالح بنى روايته استنادا الى رواية جوزيف كونراد . لكن البعض اساء فهم قراءة سعيد للرواية واستنتج خطأ ان سعيد يقلل من اصالة الطيب صالح ومن القيمة الفنية والابداعية للرواية وراح يطالب الطيب صالح بدون فهم برد الدين لكونراد. بل ان هنالك من ذهب الى القول ان موسم الهجرة هي اعادة كتابة لرواية قبل الظلام!!!
كتب الناقد فخري صالح بجريدة الحياة اللندنية بتاريخ 9/3/2005 يقول :" تريد هذه المقالة ان تسلط الضوء على دين الطيب صالح للروائي جوزيف كونراد " ثم يضيف " يمكن القول ان موسم الهجرة الى الشمال هي بمثابة إعادة كتابة مبدعة لرواية قلب الظلام .. اذ يعكس الطيب صالح مسار الرحلة من الجنوب الى الشمال ويعيد تأويل رسالة كونراد .. " .
كتب فخري صالح ذلك عشية فوز الطيب صالح بجائزة ملتقى القاهرة للرواية العربية وكأنه يتكثرها على الطيب صالح . وأرى ان الطيب صالح تواضع كثيرا عندما قبل الجائزة في دورتها الثالثة. الا ان الملاحظة الجديرة بالوقوف عندها هي أنه على الرغم من أن فخري صالح بنى مقالته كلها استنادا على قراءة خاطئة لافكار ادوارد سعيد او قل ان مقالته هي اعادة كتابة لافكار ادوارد سعيد الا انه أضرب أضرابا كاملا عن ذكر ادوارد سعيد او الاشارة اليه. فتأمل !
ولكن يحمد لفخري صالح انه عاد وصحح موقفه ، وأكد على مكانة الطيب صالح الرفعية والرائدة في فن الرواية . حيث كتب بصحيفة الدستور الأردنية 19/2/2009 عشية رحيل الطيب صالح : " على قلة ما أنجزه الطيب صالح الا انه ظل علامة أساسية في المنجز الروائي العربي طوال ما يزيد على نصف قرن .. هذا العدد المحدود من الروايات بوأ الطيب صالح مكانة رفيعة في تاريخ الكتابة الروائية العربية المعاصرة ولفت الانتباه اليه بوصفه واحدا من روائيين قلة طوروا النوع الروائي في القرن العشرين وفتحوه على اسئلة وجودية مصيرية .. " .
لذا أعود وأقول أن الزعم بان موسم الهجرة الى الشمال ، إعادة كتابة لقلب الظلام ، استنتاج خاطيء ومتعجل ولا تسعفه إشارة سعيد السريعة الي الرواية . ولعل ما يؤكد خطا هذا الاستناج المتعجل ان ادوارد سعيد نفسه ذكر ان رواية موسم الهجرة الى الشمال تعد بين افضل ست روايات عربية. وبالطبع لا تستقيم هذه المكانة التي وضع فيها سعيد هذه الرواية العظيمة مع توهم البعض ان الرواية هي اعادة كتابة لرواية كونراد .
لقد تحولت العلاقة الضدية التي اشار اليها ادوارد سعيد ، بقدرة قادر ، الى دين على الطيب صالح لدى اؤلئك الكتاب . ولكن هنالك من النقاد الحاذقين من أحسن التقاط اشارة ادوارد سعيد ومن هؤلاء الناقد والمفكر العراقي المتميز دكتور عبد الله ابراهيم حيث كتب بجريدة الرياض بتاريخ 26 فبراير 2009 قائلا :
" لاحظ إدوارد سعيد أن مصطفى سعيد يقوم بدور معاكس لما قام به «كورتز» في رواية ، قلب الظلام، لجوزيف كونراد ، وهذا ليس الفارق الوحيد بينهما، إنما الفارق المهم هو أن الأول .. يرمز إلى الرجل الأبيض الذي يؤمن بنسق من القيم الفكرية والدينية والأخلاقية التي توظف لإنقاد الآخر من خموله وتخلفه، وتحت الوهم الخادع بتغيير وضعية الآخر يتم تطبيق برنامج السيطرة الاستعمارية بوجوهه الثقافية السياسية والاقتصادية، أما الثاني فلا يسكنه هاجس التفوق، إنما هو يدفع بالعنف عنفاً كان اختزله إلى كائن سلبي، فرحل طالباً بالثأر في عقر دار الغازي الأصلي، كان يريد أن يرد على أولئك الذين أرادوا مسخه حينما علّموه كيف يذعن لهم ليقول :نعم ، بلغتهم. "
وهكذا تكون رؤية الناقد الواثق من نفسه غير المنساق انسياقا مجانيا مع ما يردده الآخرون دون ادراك كاف. بل ان بعض الذين أساوا فهم قراءة ادوارد سعيد ذهبوا أبعد من ذلك بكثير وجعلوا من قلب الظلام ينبوع الادب الافريقي !! فزعموا مثلا ، ان اشنوا اشيبي في رواية (الاشياء تتداعي) وآرماه في رواية ( الجميلون لم يولدوا بعد ) خرجوا من رواية قلب الظلام (علي بدر - الدستور الاردنية 29/2/2009 ). ولعمري هذه نظرة أشد بشاعة من نظرة الاوربي المستعمر للأفريفي. اذ تصور الافريقي ، أنه في حاجة ، حتى لمن يعلمه كيف يعبر عن شكواه وتظلماته وآلامه !!
لذلك لم اتفق مع ادوارد سعيد حينما أيد اشنوا اشبيبي في رميه كونراد بالعنصرية. ذلك ان كلا من اشيبي وسعيد قد حاكما كونراد بعبارات حمالة أوجه ، صدرت عن مارلو في الرواية. الحقيقة ان ادوارد سعيد ذهب أبعد في التشنيع بكونراد الى حد تحميله وزر النظرة الاوربية الاثنية للاخر الثقافي رافضا تقبل الدور الريادي لرواية، قلب الظلام ، في زعزعة تلك النظرة متحججا بان كونراد لم ينادي صراحة بضرورة انهاء الاستعمار الاوربي غافلا ان في جنون كيرتز وموته ، رسالة رمزية بليغة على النهاية الحتمية للاستعمار الأوربي والتوسع الامبريالي .
مأزق النقد ما بعد الكولونيالي :
أعود وأقول في تقديري ان المشكل يكمن في منظور ما عرف بالنقد ما بعد الكولونيالي. وهو منظور يكتفي بتصنيف النصوص الأدبية حسب التحقيب الزمني وحسب اشتراكها في الاشتغال على قضايا الاستعمار والصراع الثقافي . وهذا تصنيف يمكن ان يصلح لتأريخ الادب أو الدراسات الثقافية ، لكنه لا يصلح في النقد الادبي الذي يجب ان ينصرف الى دراسة الخصائص الفردية للنص المعين. أما حشر كل النصوص في سلة واحدة لمجرد اتفاقها في معالجة موضوعة الاستعمار، مهما اختلفت طريقة المعالجة وزوايا النظر ، فهذا عمل لا طائل من ورائه ، ولا يعدو ان يكون تفسيرا للماء بالماء . الاكثر من ذلك انه يقضي على فرادة وخصوصية الكتابة الادبية ومحو التمايز الابداعي . فهل يكفي ان تقول مثلا ان موسم الهجرة الى الشمال ، تنتمي الى أدب ما بعد الاستعمار ؟!
ان المفاضلة والمقارنة بين النصوص الادبية لا تتم من خلال وحدة الفكرة او الموضوع وانما تتم على أساس طريقة التناول (الرؤية ) وأسلوب المعالجة الفنية للفكرة او الموضوع. وهذا هو شغل النقد الادبي لا القراءات الايديلوجية .
ولو قصرنا تقييم الابداع على الموضوع او فكرة العمل الادبي لخرج أعظم الادباء من ساحة الادب. خذ مثلا شكسبير. معظم ، ان لم نقل ، كل مسرحياته الكبيرة مأخوذة من التاريخ الأوربي والتراث الاغريقي والروماني والأثار الادبية القديمة . مسرحية (عطيل ) التي نجد اصداءها تترد في موسم الهجرة الى الشمال ، ماخوذة من قصة " القائد المغربي " لكاتب ايطالي يدعي جيوفاني جيرالدو شينثو . ولكن ذلك لم يكن في يوم من الايام مدعاة للتشكيك في أصالة شكسبير وفي عبقريته الادبية كما ان ذلك لم يقلل من مكانة وقيمة المسرحية فنيا بحجة انها مأخوذة من قصة اخرى.
ولو كان مجرد التشابه في الموضوع يكفي لاثبات نفي الاصالة في الابداع ، فالاولى ان نقول مثلا ان موسم الهجرة هي اعادة كتاية لمسرحية عطيل وليس لرواية قلب الظلام . فقد شبه مصطفى سعيد نفسه بعطيل قال : " أنا مثل عطيل . عربي أفريقي " ثم نفى ذلك وقال أمام المحكمة : " أنا لست عطيل . عطيل كان أكذوبة " . قطعا هناك أكثر من وجه شبه بين الاثنيين. كلاهما أسود من افريقيا وكلاهما جاء الى اوربا وحظي بقبول من المجتمع الاوربي. !!
أما كون ان الطيب صالح قد تأثر باسلوب كونراد ، فهذا وارد ، وقد أعلن هو نفسه عن ذلك منذ ايامه الاولى في مشوار الشهرة وقبل ان يلتفت أحد الى ذلك . فقد قال في حديثه الذي أشرنا اليه في بداية هذه المقالة :" نظرت في أساليب عدد من الكتاب ولا بد إنني أخذت شيئا من هنا وشيئا من هنالك ". ولكن التاثر أمر مشروع و لا يعد خصما من الأصالة يايةٍ حال . اذ لا يوجد كاتب في الدنيا لم يتاثر بمن سبقه من الكتاب . بل ، ما بعد الحداثة ، تمضى أبعد من ذلك حينما تجعل من الابداع كله تناصص اي اخذ واستلاف لتنتهي بنا الى انه لا يوجد شيء يسمى ابداع وانما تكرار في تكرار وأخذ في أخذ . ولكنا لا نريد ان نمضي في هذا الطريق العدمي.
حسبنا القول ان الاصالة لا تعني باية خلق شيء من العدم. هذه نظرة غير علمية وغير واقعية لذلك لا عجب ، ان وجدنا أصداء لبعض التعابير والتشبيهات والاستعارات التي ربما يكون الطيب صالح قد استلهمها من رواية (قلب الظلام ) .
من ذلك انني لحظت ان الطيب صالح يشبه النهر بالأفعى في قوله : " النيل ، ذلك الإله الأفعى قد فاز بضحية جديدة " وهو تشبيه ، يبدو انه في ظاهره ، مستلف من قول كونراد: " يتلوى النهر كالأفعى " . إلا ان تشبيه الطيب صالح مستمد من عقيدة الفراعنة في النيل بوصفه إلها تقدم له الفتيات الجميلات كضحايا وقرابين ".
كذلك نجد هناك تشابه في تصوير الظلام ، في كل من الروايتين. وربما يلحظ البعض أيضا ، تشابه بين مشهد لقاء مارلو مع خطيبة كيرتز في قلب الظلام ، ومشهد لقاء الراوي في موسم الهجرة مع أرملة مصطفى سعيد وسؤاله عن هل ربطتها علاقة حب حقيقية بمصطفى سعيد . مجرد تشابه في المشهدين لا أكثر.
القيمة الفنية :
من حيث التقييم الفني ، فان (رواية قلب الظلام ) لا تصمد امام المقارنة مع موسم الهجرة الى الشمال في اي قراءة نقدية حقيقية . فاذا سلمنا ان الطيب صالح قد أفاد من تقنية تعدد الاصوات اي وجود اكثر من صوت ، فاننا نجده قد طور ووظف هذا التكنيك بشكل لم يخطر على بال جوزيف كونراد وفتح بذلك للرواية العربية آفاقا عالمية لم ترتادها من قبل . اما كونراد فقد استخدم الفكرة في ابسط صورها حيث لم يكن هنالك تعدد اصوات بالمعنى المقصود بالمصطلح وانما هنالك سارد وحيد هو مارلو الذي تجري على لسانه الحكاية ، وان الراوي لم يتدخل الا في بداية الحكاية في اشارة لبدئها وفي ختام الحكاية في اشارة الى انتهائها .
بخلاف ذلك نجد ان الراوي في ، موسم الهجرة الى الشمال ، شخصية أساسية وليس مجرد مراقب خارجي لمجريات الحكي. نجد ان نسيج السرد مجدولا ببراعة لا تضارعها براعة في التناوب السلسل بين كل من الراوي ومصطفى سعيد على طول النص وعرضه. وفي الانتقال الانسيابي المتدفق الذي لا يكاد يحسه القاريء بين أزمنة القص ؛ الماضي والحاضر وزمان الذكريات والاحلام ، وذلك عبر تقنية الفلاش باك او الاسترجاع وذلك في اسلوب حاذق وساحر غر مسبوق . دعك عن عناصر التشويق والمتعة التي تضج بها موسم الهجرة والتي تحمل القاريء حملا ان يعيد قراءة النص مرات ومرات. وفي كل قراءة تتكشف له طبقات من المعاني والدلالات لم تخطر له من قبل . وهذه خاصية يندر ان تتوفر في نص روائي اخر عربي كان، أم اجنبي.
ميزة اخرى هي ان الطيب نجح في ان يخلق من بطله مصطفى سعيد شخصية مقنعة جدا ، حتى صار أشهر شخصية روائية في الادب العربي الحديث. أما كونراد فلم ينجح في تقديري في تقديم كيرتز في صورة مقنعة فنيا للقاريء . اذ ان التحول المفاجيء في شخصية كيرتز من شخصية استعمارية بشعة الى شخص "انسانوي " الى درجة اصابته الجنون ثم موته لاحساسه بفظاعة ما كان يقوم به من عمل لا انساني ، غير مبرر فنيا داخل الرواية. فضلا على ان كيرتز لم يكن له وجود مباشر فاعل في مسرح الاحداث وانما ياتي الاخبار عنه من خلال مارلو باستخدام ضمير الغائب .
أفضل رواية عربية :
صفوة القول ان قناعتي النقدية كانت ولا زالت هي ان موسم الهجرة الى الشمال، الرواية الاولى عربيا. و في حدود ما قرأت من الادب العالمي استطيع ان اقول انها الاولى عالميا كذلك . وأظنها ستظل كذلك لاجيال .وان صدور قرار الاكاديمية العربية بدمشق باعلانها أفضل رواية عربية واختيار الاكاديمية الادبية بالنرويج لها كواحدة من أفضل مائة أثر أدبي في التاريخ مطلقا وليس أفضل مائة رواية في القرن العشرين كما يرد احيانا خطأ - سوف لن تكون الشهادات الاخيرة في حق هذه الاسطورة .
المصادر :
الطيب صالح - عبقري الرواية العربية – اعداد مجموعة من النقاد العرب– دار العودة بيروت – الطبعة الثالة 1981.
قلب الظلام – جوزف كونراد - دار البحار – بيروت 2009 .
موسم الهجرة الى الشمال – الطيب صالح – دار العودة بيروت –الطبعة الرابعة عشر 1987 .
الثقافة والامبريالية – ادوارد سعيد – ترجمة كمال ابو ديب – دار الاداب -بيروت – الطبعة الرابعة 1997
Heart of Darkness, Joseph Conrad, Introduction by Robert Hampson, Penguin Books, 1995
An Image of Africa, Chinua Achebe. The Massachusetts Review, vol.18, no.4 (Winter 1977), pp.782-794.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.