مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    شاهد بالصورة والفيديو.. سودانية تحكي قصتها المؤثرة: (أبوي وأمي اتطلقوا وجدعوني ودمروا حياتي)    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    البنزين الأوروبي والأميركي يتجه إلى آسيا    دراسة تحذر: الذكاء الاصطناعي يميل إلى "مجاملة" المستخدمين على حساب الدقة    رئيس الوزراء الباكستاني: نعرب عن تضامننا الكامل مع الشعب الإيراني الشجاع في هذه الظروف الصعبة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    جاهزية متكاملة واعتماد حكام دوليين لبطولة العرب للشباب في ألعاب القوى بتونس    حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المنصوري يا مكنة    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المطلوب والمفقود في جدليات الربيع العربي .. بقلم: البروفسور امباي بشير لو

حين تطل علينا سنة جديدة من اندلاع الربيع العربي، تجدر بنا مراجعة الأحداث في ضوء الأفكار التي تكتنفها. ومجمل قراءتنا للأدبيات الفكرية التي تؤرخ لهذه الأحداث أو توجه عناصرها أنّها قصرت في استنارة واقع الدولة المعاش أو الاستلهام بالثورات المماثلة التي واكبت عصر النهضة الحديثة في كثير من أرجاء المعمورة. إنّ أزمة تشخيص تشكيلة مركز السلطة واطاحتها كما في مصر، وإشكالية الموازنة بين الانتماء القبلي والواجب الوطني كما في ليبيا بعد حكم القذافي، وتلابس العنف الشرعي والعنف اللاشرعي كما في اليمن، وتسربل المعارضة في الحركتين السلمية والعنفية كما في سوريا، إنّما يعكس واقع أدبيات الربيع العربي وعجز المفكرين في فرز فرضيات تقدميّة توازن بين الموضوعية الفكرية والموضوعية الجهوية. سواء أكانت هذه الجهوية بدافع جاه أو مال أو معتقد.
في مسحنا لما يزيد على خمسمائة مقال في الصحف العربية المحلية منها والدولية منذ بزوغ فجر الربيع العربي قرابة عام مضى، لم ألف سوى بضع مقالات خرقت حاجز الجهوية الفكرية لقراءة تداعيات مطالب الشارع العربي للتغيير في ضوء المفقود فكريا و المطلوب عمليا في المنطقة. أقصد هنا أن القدر الأعظم من كتّاب الثورات العربية لم يبدو في تحليلاتهم للأحداث أنهم أحرار وعتقاء المتردّم في عطائهم الفكري، ممّا يثبطهم عن تحليل الأوضاع تحليلا موضوعيا وفي صالح المواطن العادي. إن التأييد اللاشرطي للحرّية بكلياتها هو نفسه ثورة ذاتية لا يقدر عليها إلا الأحرار الطلقاء. إنّ الثورات لا تعتمد على رجالاتها المشاة بقدرما تستلهم من كتابها المخلصين. أنجع ثورات التاريخ الحديث أنتج فكرا نقديا بئيرا وذا طابع إنساني لا يقل أثرا في التاريخ الفكري من تضحيات الثوّار أنفسهم. وفي هذا يذكر الفيلسوف والشاعر البريطاني المولد جلبرت كيث أنه "من المستحيل صناعة الديموقراطية من الثورة لا بد من ديموقراطية أولا لصناعة الثورة". وهو هنا يعبر عن ضرورة بثّ أدبيات الحرية وأفكار ديموقراطية يحتكم إليها الثوّار بمختلف اتجاهاتهم وتناقضاتهم لتمكنهم من خلق واقع ثوري ايجابي. طبيعة الثورة هي التناقض وخلق جوّ مفعّم بالفتنة من أجل تفنيد شرعية الواقع المهيمن. بهذه المعادلة يفترض أنّ التكالب على السلطة والضرب في غياهب تغييرها مغامرة في عالم الاحتمالات. ممّا يعني في علم الاحتمالات probabilities أنّ العائد الأوفر من الثورة يكون بقدر التضحيات التي تزهق في سبيلها.
في محاولته لتفسير تخلّف الدول الافريقية والإسلامية مقارنة بالدول الغربيّة، كان العالم السنغالي شيخ أنتا جوب قد طرح نظريّة الثورات كفرضية لهذا التباين. وهو يعني أن تقدّم الدول الغربيّة بعكس دول الجنوب جماع لمعطيات ثوراتهم وتضحياتهم في سبيل التحرر بعكس واقعنا المستعيذ من الثورات. ويذكر الزعيم الكوبي الثوري فيديل كاسترو أنه، "بدأت الثورة مع 82 "اثنان وثمانون" نفرا. ولو قدرت لي إعادتها لفعلت مع عشر أو خمسة عشر نفرا ذوي همم وارادة، إذ المهم ليس العدد بل الهمم والعمل."
وقد كان الزعيم الصيني ماووتسي تنع صائبا حين ألمح إلى أنّ الثورة "ليست بمثابة حفلة عشاء، ولا بمقالة، أو لوحة تصوير، وليس غرفة للتجميل. مستحيل هو إدارة الثورة عن كثب أو بالتدرج أو بحذر أو بالتحسب أو احترام أو بتأدب أو حتى بمصارحة أو تواضع."
الثورة إذا سنة من سنن التقدّم السياسي، وإن عظمت تكاليفها فإنّ معطياتها في تقدم الشعوب وتحررها يجعل ثمنها بخسا والمتاجرة فيها تجارة قلما تبور. ويرى إزايا برلين، أحد أكابرة فلاسفة الثورة في القرن العشرين، أنّ أزمة الثورات تكمن في تحديد ماهية الحريّة بكفيها السلبي والايجابي. فبينما يطالب الثوار في شوارعهم للحريّة السلبية، وهي الحرية من استبداد واستعباد الحكام بهم شتان ما توافق الحكام على هذا المطلب لكن الحكام يتبنون الحرية الايجابية: وهي الحوجة إلى تدريب الثوّار والشوارع على ترنّمات المسؤولية ومدارج النضج وبلوغ المواطنة حتى تتسنى لهم المعاملة مع الحرية بمسؤولية. ويرى برلين أنّ هذا التمايز في تاويل الحريّة هو سبب الأزمة في كل ثورات العصر الحديث محلّلاً المواجهة في الثورة الفرنسية والروسية بين ما أسماه بجبهة الباشوات وجبهة الفلاحين. وبما أنّ الأزمة تكمن في إشكالية ماهية الحرية، فالتهالك على الموت والاقتتال باسم هذه الحرية، تبقى سمة ملازمة لطبيعة الثورات. و هذا جلي في أعظم ثورات العصر الحديث: الثورة الأمريكية، الثورة الفرنسية، الثورة الروسية، الثورة الصينية، الثورة الكوبية، والثورة الإيرانية. فنجاح هذه الثورات نتج من جراء غلبة دعاة الحريّة السلبية على الحريّة الإيجابية، سواء استثمر هذا النجاح في مدّ أسباب الحرية السلبية خارج نطاق الدولة كما في الثورة الفرنسية والأمريكية مثلاً، أم تلكأ موكب الثورة إلى تقليص الحرية السلبية التي وصلت الى السلطة بحجة الدفاع عنها عقب تسلمها زمام الحكم والبدء في إعادة تشييد الحرية الايجابية كما في النماذج الصيني والروسي.
ومنتهى النقاش في هذا المجال هو أنّ منصة الحكم ومؤسسة الدولة ترنو دوما إلى تبني الحرية الإيجابية وتسخيرها في سبيل الحدّ من حرية المواطن مهما كانت نوعية الحكم أو خلفية السلطان. وبالتالي ينتقل مطلب الحرية السلبية مرة أخرى إلى الشارع ورواده من المؤسسات السياسية والمدنية. هذا هو سبب أزمة الدولة الحديثة وعجزها في إدارة الحرية، إذ هي جاءت لتحديد هذه الحرية بمنظورها المؤسسي الأمني والدفاع عنها حسب مراد السلطان. فيرى المفكر الأمريكي روبرت باتنام أن الديموقراطية المستديمة تكمن في قدرة المجتمع المدني على العراك والديمومة في مواجهة مؤسسة الدولة في الشارع و مقاضاتها في المحاكم. وهي نفس النقطة التي حدا بأزايا برلين قبله إلى الاستخلاص بأنّ مشكلة المجتمع الحديث هي اشكاليّة مؤسسة الدولة وأنّ مسيرة الديموقراطية تقتضي تقوية المجتمع المدني وإعداده للعراك الدائم والحدّ من سطوة الدولة. وكان أبو فكرة النظام الفدرالي الأمريكي جيمس مديسون من أوائل من فقهوا هذه المعادلة وألمح الى وجود خطر قابع في مؤسسة الدولة وهو طبيعتها التسلطية التي يجب إلجامها. فدعا إلى الاعتراف بالحزبية والطائفية مبررا أن وجودهما في الساحة السياسيّة سيجبر مؤسسة الدولة على التحذّق في فنون إدارة التنوع وافساح الحريّة لأنّ مصلحة الدولة هي بقاؤها وهذا يقتضي الحدّ من ديكتاتورية الأغلبية وثورة الجماهير. ومعروف أنّ أفكار مديسون هي التي صاغت الحياة السياسيّة الأمريكية، كما أنّها أوحت الى تشكل وتطور الدستور الأمريكي الذي يعتبر الآن أقدم دستور يتعامل به في التاريخ الحديث.
هذه النقاط كما النقاش حولها جدّ خطير في أدبيات الثورات. لكنها مع سوء الحظ غائبة إلى حدّ كبير في أحاديث المفكرين عن الربيع العربي. فمع أنّ بدائيات الربيع العربي محلية الصنع في مدينة سيدي بوزيد بتونس وميدان التحرير بالقاهرة فإنّ معظم الكتاب عن هذا الحدث التاريخي يمثلون ردود فعل لمقالات أو مقامات الأمريكيين والاسرائيليين بدلا من استنباط الحقيقة المطلوبة من غياهب الواقع المفقود. انّ القارئ ليجد أحيانا مراجعات حرفية لما يكتبه الغربيون عن الربيع العربي وكأنما الكاتب يرنو الى موكب الربيع العربي عبر ثنايا الصحف الغربية، وكانت من انعكاسات هذا التحليل المخل أن بدأ نشطاء الربيع العربي الجدد يبحثون عن الشرعية السياسية في منابر الإعلام الغربي بدلا من الشارع العربي. ولم يكن هذا شأن التباشير الأولى للربيع العربي في تونس ومصر، لكنها تغيرت بصفة درامية في ليبيا وسوريا وانعكس سلبا على احتمالات الثورات في بلاد المنطقة، كما أنذر المواطن العادي من فتنة الثورات وأنّ (الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها).
مع أنّ الدول ليست سواسيّة في قدراتها ونظمها، فهي متساوية بينها في الحقوق وتمتاز باحتكارها للعنف الشرعي شريطة ألاّ يستخدم على المدنيين حربا كانت أم سلما. هذه من مبادئ اميريج دي فاتيلEmerich de Vattel الديلوماسي السويسري الذي مهدت نظرياته لتطور القانون الدولي الحديث. وهي نفس النظريات التي تجيز وصف المدنيين بارهابيين لو تطاولوا على الدولة في استخدام هذا العنف. ومبدأ الكفاح السلمي أو المقاومة المدنيّة اللاعنفية، التي انطلق منها الربيع العربي، هو تجريد الدولة من أحقيتها في احتكار العنف الشرعي وذلك بمعاركتها جماهيريا وسلميّا وعلى مرأى الملء من حولها ولو على حساب نفس أو مال المقاوم. و يرى أبو النظرية، المفكر الأمريكي هانري تورو، أنّ التمرد السلمي على قوانين أو معاملات الحكومة الجائرة مسؤولية أخلاقية تقتضيها المواطنة الراشدة، قد تكون مكلفة لكنها أمضى سلاح في تعرية الدولة أخلاقيا من أحد أسس شرعيها، وأنّه ليس من واجب الأفراد تغيير الحكومة الجائرة بأيديهم لكن من مسؤوليتهم المدني التبرم من سلطتها علنيا. وفي ذلك أعلن في أوّل مقال له عي نظريّة المقاومة المدنية اللاعنفية عام 1849، أنّ "خير الحكومات أقلها سلطة في الحكم." ومنه استلهم القائد الهندي مهاتما غاندي والمناضل الأمريكي مارتن لوثر كينج فكرة المقاومة اللاعنفية في معاركة الحكم الجائر. فاستخدمها الأول لارغام الاستعمار البريطاني على المفاوضة لاستقلال الهند، كما استخدمها الثاني في مدينة سلما بولاية ألاباما الأمريكية حين شهرت الحكومة المحلية أنياب العنف في وجه المعتصمين العزل المعارضين للتمييز العنصري ضدّ السود. وكانت تضحيتهم ولاعنفيتهم مااستنفرت الرأي العالمي وبالأخص الغربي والأمريكي ممّا أدّى الى تبني قوانين الفيدرالية لمعاقبة خارقي حقوق الأقليات .
ان سرعة سقوط ابن على في تونس و مبارك في مصر لها علاقة عضوية بلاعنفية المقاومتين، وليس صحيحا القول بأنّ حكومتيهما لم تستخدما العنف ضدّ المقاومة. كذلك مجريات الثورة في ليبيا واليمن وسوريا لها أيضا علاقة ترابطية بعدم لاعنفية المقاومة. وليس دقيقا وصف حركات المقاومة هذه بالمدنية اللاعنفية. وبديهي القول انّ أمن دول المنطقة درب منذ نهاية الحرب الباردة وبالأخص تحت وصاية الحرب على الارهاب على مواجهة العنف المدني التنظيمي، اذا احتمالات ارتباك الحكومات في مواجه المقاومة المدنية اللاعنفية أكبر ورودا من انهيارها في وجه المقاومة المدنية العنفية. كان المناضل مارتن لوثر كينج يقول بعد سنوات من عدم جدوى حركته في تبني المقاومة اللاعنفية واستعجال أقرانه للتغيير أنّ مغريات العنف المضاد ضدّ الحكومة من قبل النشطاء المقاومين هي أكبر خطر للمقاومة اللاعنفية، لأنّ الجبروت الذي استغرقت عقودا في بنائه قد يستنزف سنوات لهدمه.
لم يستنزف كتاب الربيع العربي مسألة الحريّة بحثا في أطروحاتهم بقدر ما يرمزون الى انعدامها في تصرفات مؤسسة الدولة. في الحقيقة ان غياب الحريّة في التطبيق السياسي ليس سوى صورة تعكيسية لغيابها في التطبيق الفكري. ان أكثر الموضوعات حضورا في الكتابات الغربية منذ عصر النهضة هو موضوع الحريّة. فليس هناك مجال في الفكر الانساني الا وقد تنوول من منظور الحريّة. واذا كانت الحريّة ليست من مقاصد الشريعة الاسلامية، كما ألمح الى ذلك المفكر السوداني حسن مكي في حديث لنا عن مكانة أطروحة الحريّة في المرجعيات الاسلامية، فذلك لا يقلّل من مركزيتها في تطلعات المجتمعات المعاصرة، بما فيها المجتمعات المسلمة. انّ اضطراد ورود كلمة الحريّة و العدالة في أسامي الأحزاب الاسلاميّة المعاصرة في كثير من الدول، لا يعبر عن آمال الدول الغربية بقدر ما يعكس تطلعات مواطني هذه الدول. وما أفصح المطرب المصري هاني عادل كناطق باسم الشعب حين ترنّم أنّه "في كل شارع في بلادي صوت الحرية بينادي (ينادي)". وأكبر ظنّي هو أنّه لو كان الامام الشاطبي ظهيرا بيننا لأفرد بابا للحريات السياسية في كتاب الموافقات. لأنّه مثل الكثيرين من علماء التراث أمثال الامام مالك، كان يعتمد الاستقراء والعرف في اضفاء المسوح الديني.
هناك ثلاثة كتاب عن الربيع العربي وما نتج عنه من الثورات: إسلاميون، وطنيون، وليبراليون. كل هذه الاتجاهات، فيما يبدو لي يخاطب القارئ عمّا يقوم أو يمثله الآخر، أكثر ممّا يعرّف القارئ عمّا يطرحه هو في مجال الحريات، علمًا بأنّ الأزمة السياسيّة في العالم العربي متجذرة في قصور الدولة عن ادارة التنوع وتفسيح الحريات، ممّا يعني أن البديل يجب أن يكسب الشرعية السياسية بناءًا على معطياته وعروضه العملية في حل هذه المعدلة. وبديهي القول أن الإسلامي لا ينقض الآخر بوجوده ولا العلماني الليبرالي تستلزم الأسلمة بعدمه. ومن سوء الحظ أنّ معنى الوطني أفرغ من أصوله العملية فاصبح موقفا سياسيا مراوغا لا يبت الى مبداثابت بصلة. وبما أنّ الإسلاميين هم المستفيدون الأوائل من الربيع العربي حسب النتائج الانتخابية في تونس، مصر وغيرها قد أطبق شظايا النقاش على حالهم. تطبيقات الحكم الإسلامي في السودان وإيران ومحاولاته في باكستان وأفغانستان ليست مبشّرة في عين المواطن العادي. ومهما تعطى لذلك من تعاليل فإن أزمة مؤسسة الدولة في هذه النماذج لا تختلف في جوهرها عن أزمة مؤسسة الدولة تحت حكم مبارك أو القذافي أم ممن بقي من دونهم. وحسب دراسات الأكاديميين الذين تعرضوا لدراسة نماذج الحكم في ظل الحزب أم الدولة الاسلامية المعاصرة فانّ بعض المشكلة فلسفي. وهي أنّ الديموقراطية في العصر الحديث تتطلب من المجتمع المدني تشخيص الدولة كعقبة وعدوة للحريات. أو بكلام الصحفي والمفكر البريطاني مالكوم موجريدج: "استمرارية حرية الإنسان تفرض الحدّ من سلطة الدولة وتجريدها من مركزيتها وجعل السلطان أقل سلطة في كيان المجتمع." وبأسلمة مؤسسة الدولة تلتبس معارضة الدولة بمعارضة حكم الإسلام وتصبح معاداة مؤسسة الدولة، ومعاداته هي دأب المؤسسات المدنيّة، في فقه محاربة الاسلام، وهذه المعادلة قد تكون صريحة كما في إيران، أو ضمنياً كما في معظم باقي الأمثلة المذكورة من قبل.
هذه النقاط ذات ِشان ووزن في تصورنا لجدليات الربيع العربي. فهناك حوجة إلى مراجعة المطلوب تطبيقاً من حيث الموازنة بين المعتقدات والتطبيقات، وهذا يتطلب منا التفكير النقدي لمعتقداتنا الفكريّة في ضوء المثاليات العملية. فمجريات الثورات تستلزم الموافقة بين مطلب الثورة ومطمع الدولة. في غياب هذه الموافقات تبقى فكرة الأستاذ مالك ابن نبي عن "القابلية للاستعمار" واردة في واقع المنطقة. فالنظر في العلاقة بين الأفكار والتصرفات عبر الحدود والأزمنة ليست أقل شأنًا من التأريح لها، وبدونها ستبقى المنطقة عرضة للغزو العسكري حينا ومضيافا للجيوش الأجنبية المستجار بها حينا آخر.
____ _____ _____
Mbaye Lo [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.